الأحد، 12 أبريل، 2009

ترجمة اليوم: مقال حول منتجات جوجل Google لجون لانتشستر

جوجل: بين عالم المثال وعالم الشقاء*



جون لانتشستر



ترجمة عبدالله الحراصي





قال الكاتب الفرنسي ستينذال أن الرواية "مرآة يحملها المرء تعكس له ما يحدث في الشارع". وعلى الرغم من أن الاتفاق على أن هذا القول المأثور يقدم إيجازاً بديعاً للمشروع الواقعي في الرواية، إلا أنه قد أثار فيّ دائماً بعض التساؤلات: ما حجم ما ستظهره المرآة؟ ألا يعتمد كل شيء على الحجم الذي هو عليه في الواقع كي يظهر في المرآة؟ من الذي سيشاهد المرآة؟ لن يكون لديهم سعة من الرؤية، أم ماذا؟ هل الروائي هو الشخص الذي يحمل المرآة، أم أنه سيقف على جانب الطريق ينظر إلى المرآة؟ وفي الحالتين أليس هذا دوراً سلبياً بالنسبة لهذا الروائي، خصوصاً أنها هذه الرؤية تفترض أن الرواية روايته؟ هل ستغير المرآة زاوية الرؤية بحيث يرى المشاهد كمبة أكبر من الأحداث؟



يمكننا جميعاً أن نسترخي، فمن الواضح الآن أن ستنذال كان يقصد أن الرواية شبيهة بخدمة "رؤية الشوارع" التي تخدمها شركة جوجل. وهذه الخدمة التي تم تدشينها من 25 مدينة بريطانية في 19 مارس تسمح للمستخدم أن يسافر في كل شارع عمومي، عن طريق تشغيل كاميرا تسمح بالتكبير والتصغير والالتفاف من جانب إلى آخر. وخلال العام الماضي كان لدى جوجل مجموعة من سيارات الكاميرات تجول في أنحاء المملكة المتحدة، وتشكل الصور المجموعة من هذه السيارات قاعدة بيانات خدمة "رؤية الشوارع". والصور ليست صوراً حية غير أنها بالغة الوضوح والتفصيل. ولأنه يمكن للمستخدم أن يتحكم في الكاميرا ويحركها بحسب إرادته فإن الأمر يبدو وكأن قطعة من المستقبل قد سقطت على الحاضر.



والخدمة ليست خدمة جديدة تماماً، فهي موجودة بالنسبة لعديد من المدن الأمريكية منذ منتصف 2007، وقد أثارت بعض الجدل منذ أن تم تدشينها هنا في انجلترا، ومن خلال فحص العينة غير العلمية الذي قمت به فأنها تشكل امتحان روستشاتش Rorschach (أمتحان للتقييم النفسي لشخصية المرضى النفسيين) لأراء الناس حول الخصوصية والحداثة، فمعظم الناس الذين هم من عمري والذين هم أكبر مني سنّاً يكرهونها كراهية غريزية، حيث يبدو أن هناك أمراً ما غير صحيح في أن يرى أشخاصٌ غرباء تماماً يعيشون في الجانب الآخر من العالم صورة بيتي هنا. أما الأجيال الأصغر عمراً فلا ترى في الأمر مشكلة: ولكن آراءهم حول مسألة الخصوصية عسيرة الفهم، وهو ما يعكس فجوة رقمية بين الأجيال المختلفة. إن أقصر نظرة لـ "فيس بوك" Facebook و"ماي سبيس" MySpace أو "تويتر" Twitter تكشف عن تحول جوهري في حماية الأشخاص لمعلوماتهم الخصوصية، فالجيل الجديد لا يبدو أنه يعير الأمر أدنى اهتمام.



والجدل الدائر حالياً يتعلق بمحصول الصور التي قام مشروع "رؤية الشوارع" بتجميعها لأشخاص في حالات شخصية كأن يتقيأون أو يخرجون من نوادي التعري أو يتشمسون شبه عراة. وسياسة الشركة هي انتظار شكوى الناس أولاً وبعدها تتم إزالة صورهم، وتدافع عما تفعله بقولها إنها لا تفعل شيئاً سوى التقاط الصور من الطرق العامة، وأنها تستخدم برنامج حاسوب لتعتيم وجوه الأشخاص وأرقام تسجيل السيارات. والجزء الأول من هذه الحجة صادق، غير أن جزئها الثاني ليس كذلك، بل أنه غير صادق بالمرّة وبصورة مفضوحة تجعل المرء يتساءل عما كان يدور في ذهن الشركة حينما أدعت هذا الادعاء. أضف إلى ذلك أن نظام انتظار الشكاوى قبل التدخل يحمل قدراً من الطيش الأكيد، فربما تكون مشاهدة صورة رجل يخرج من أحد أندية التعري أمراً مسلياً بل ربما قد يذهب ظنك إلى أنه يستحق ما حدث له، غير أنه قد تنجم عن هذا الأمر أضراراً تحيق بذلك الشخص، أيا كان. أما عن المرأة التي دخلت إلى مكان سرّي للهروب من رفيق يمارس عليها العنف، والتي يمكن تمييز معالم وجهها بوضوح في برنامج "رؤية الشوارع" فلا نملك إلا أن نأمل بأن تكون شكواها قد وجدت رداً سريعاً يتمثل في ازالة صورتها من البرنامج.



وقد توصل مكتب مفوض الإعلام ولجنة شرطة متروبوليتان في عام 2008 إلى أن برنامج "رؤية الشوارع" لا يخرق أي قوانين تتعلق بالخصوصية أو الأمن، وبناء على هذا مضت الشركة قدماً في مشروعها في المملكة المتحدة. (بدأ العمل ببرنامج "رؤية الشوارع" في فرنسا كذلك، غير أنه بسبب عدم قانونية نشر صور مواطنين شخصيين بدون موافقتهم فلا علم لي بالطريقة التي تحايلوا بها على هذا القانون). والحقيقة أنه من الصعب تحديد الأمر الذي يجعل من برنامج "رؤية الشوارع" متعدياً للحدود، فعناوين الناس موجودة ومنشورة في السجل الانتخابي. كما أن إضافة صورة بيت أحدهم لا تعرض خصوصيتهم كذلك، ولهذا فإن حجة الخصوصية المنتهكة هي حجة يعسر على المرء الدفاع عنها. إلا أننا لو رغبنا في قول حجج معاكسة فانني لم أفهم في الواقع فائدة برنامج "رؤية الشوارع"، فما الفائدة التي يضيفها على برنامج "خرائط جوجل" Google Maps؟ نعم، هناك سمة أو سمتان جذابتان، فقد وقّع غاليري Tate ليكون شريكاً لجوجل، ولهذا يمكنك (على سبيل المثال) أن ترى المناظر الحقيقية التي تظهر في لوحات ترنر Turner وكونستيبل Constable وتقارنهما برسومات الفنانين. هذا أمر مسلٍّ قليلاً. والسمة الأوضح في فائدتها هي تلك الخدمة التي تقدمها شركة سمسرة تسمى شركة findproperty.com حيث تسمح لك برؤية موقع عقار يراد بيعه ويمكنك "أن تقود سيارتك" في المنطقة الواقع فيها العقار. غير أني حيث أضع في الاعتبار كمية الموارد المتوفرة والخطر الكامن والمتمثل في أن يبدو جوجل وكأنه أخ أكبر (يفرض عليك رقابة تحد من حريتك) أكثر مما هو عليه الآن فاني لا أرى الفائدة.



هناك شيء واحد لا شك في أن برنامج "رؤية الشوارع" يفعله وهو التأكيد على العنف الذي تمارسه شركة جوجل في تقديمها لمنتجاتها وخدماتها الجديدة - حيث تقف الشركة في الخط الضبابي الموازن بين عالم المثال والنقاء وعالم الخراب والشقاء. قبل سنتين قامت جوجل بشراء شركة تسمى Grand Central كان مشروعها هو توفير هاتف مركزي واحد للناس، وقد مر الأمر بهدوء وسلاسة، وبدا الأمر وكأن جوجل "قد راحت عليها هذه المرّة" ذلك أن منتجات جوجل ليست معصومة وغير معرضة للفشل (أمثلة: خدمة التشبيك الاجتماعي Orkut وبرنامج تحرير الصور Picasa)، ثم تبين في مارس أن جوجل قد أصدرت نسخة تجريبية عن المنتج اسمها "صوت جوجل" Google Voice. وتقدم الخدمة ميزات مثل اتصالات المؤتمرات المجانية، والاتصالات الدولية الزهيدة الثمن للغاية، غير أن الشيء الأكبر الذي تفعله هو أنها تمنح المستخدم رقم هاتف موحد يجمع كل أرقام هواتفه الأخرى وهي هاتف العمل والمنزل والنقّال، فتأخذ الرسائل الصوتية المرسلة إلى هذه الهواتف مجتمعة، ثم - وهذا هو الجديد - تحول الرسالة إلى نص عن طريق آلة تحويل الأصوات إلى نصوص، ثم ترسل هذه النصوص إلى المستخدم على شكل بريد ألكتروني. هنا إذاً تجد بأن كل أرقامك قد تم تجميعها ولن يفوتك - كما أنك لن تستطيع التهرب من - أي أتصال هاتفي أبداً. وستتمكن من حفظ هذه الرسائل إلى الأبد، بل والبحث فيها باعتبارها ملفات نصية. وينسحب هذا الأمر على الرسائل النصية التي يمكن تجميعها مركزياً وحفظها. هل هذا لعمري هو الفردوس أم أنه الجحيم؟



إن قضية عالم المثاليات/عالم الشقاء هي موضوع متكرر في خدمات جوجل. والخلاف الكبير في هذه الفترة - وهو خلاف يصعب إيجازه هنا - يتعلق بخدمة جوجل لبحث الكتب Google Book Search التي تهدف إلى تصوير كل كتاب في العالم وجعله قابل للبحث، وإن تعذر فعل هذا لكل كتاب في العالم فلنقل كل كتاب تستطيع جوجل أن تضع يدها عليه. وقد أثار هذا المشروع رعباً في صناعة النشر، والطريقة العنيدة التي تمضي بها الشركة قدماً في مشروعها يربك حتى أولئك الذين يتمنون لشركة جوجل الخير والنماء، فقد وجد أحد الناشرين كاتالوجه التقديمي لعامين مقبلين منشوراً في قائمة جوجل، أي في قائمة الكتب التي لم تظهر حتى الآن، وفي بعض الحالات الكتب التي لم تتم حتى كتابتها. إن تسوية الدعوى القضائية بين جوجل واتحاد الكتّاب وغيره قد تركت قضايا ضخمة معلقة، والسبب هو أن جوجل لن تتوقف عن المضي قدماً في نشر أي كتاب مطبوع إلا بحكم محكمة. ولا تقبل جوجل الحجة القائلة بأن هذا النشر ينتهك حقوق النشر، غير أن الشركة لن ترد حتى بمناقشة الطريقة المادية التي تقوم من خلالها بتصوير الكتب: وهذا أصدق دليل على الحرية التي تمنحها لنفسها في التعامل مع الممتلكات الفكرية للآخرين، فيما تدافع في الوقت ذاته دفاعاً مستميتاً عن الحقوق التي تمتلكها.



لن تختفي هذه القضية بمختلف أوجهها، فبرامج بحث الكتب ورؤية الشوارع ومنتجات جوجل الأخرى تزلزل في تقدمها الرهيب الأفكار القائمة حول الأشياء وحول كيفية القيام بالأشياء. لقد كنت منتقداً للغاية لبرنامج البريد الالكتروني ج-ميل Gmail حينما ظهر لأول مرّة على أساس أن نظام البريد الرائع الفعالية جاء على حساب أمر غير مقبول وهو أن جوجل ستمسح كل رسائلك الالكترونية وتضع إعلانات نصية في النظام، غير أنني سرعان ما بدأت في استخدامه لأنه مجاني ولأنه برنامج ممتاز، ولسبب آخر هو أنني وبصراحة لم ألحظ تلك لاعلانات إطلاقاً. (والاستثناء الوحيد كان حين أرسلت ذات مرّة رسالة حول تقليعات شوارب الشباب الغريبة، وإن لم تلحظ هذه الظاهرة حتى الآن فتذكرني فأنا أول من لفت نظرك لها. عموماً ظهر إعلان في الأيام التالية على صفحة البريد الالكتروني من "شركة شوارب" تسمي نفسها moustachesrus.co.uk تعرض بيع 12 شارباً بستة جنيهات استرلينية، ووجدت أن هذا قد أثار أسئلة جديدة كان أهمها: من الذي سيشتري درزينة شوارب بستة جنيهات؟ ولماذا؟). ثم قبل نحو شهر حدث انهيار للقرص الثابت في حاسوبي فجأة، ورغم أن النسخة الاحتياطية احتفظت بالصور والموسيقى الا انها لم تحتفظ بأرشيف أعمالي. وقد كان لزاماً عليّ أن أدفع مبلغاً ضخماً من المال لشراء برنامج استرداد ملفات القرص الصلب، وهو أمر بلا ضمانة نجاح على وجه الاطلاق، حينها تذكرت بأن كل بريد أرسلته ربما، أقول ربما، ... وبالفعل فقد كانت نسخ البريد موجودة في حفظ ج-ميل Gmail وصونه. كانت هناك نسخ من كل شيء كتبته للنشر وكل شيء بعثته بالبريد الالكتروني أيضاً. أن هذا من قبيل الأشياء التي ربما يفعلها الأخ الأكبر المراقب: أنه يقدم لك يد العون بطرق تجعلك تشعر بالراحة للعون والإغاثة في وقت الحاجة، ولكنه شعور يرافقه شعور آخر بالامتعاض والأستياء الشديدين.



-----------------------------

*
ظهر هذا المقال بلا عنوان وقد تمت إضافة العنوان إلى النص العربي من قبل المترجم) في زاوية Short Cuts في الصفحة 20 في العدد الأخير من مجلة "أستعراض لندن للكتب" London Review of Books المجلد 31، العدد 7 بتاريخ 9 أبريل 2009.

هناك تعليق واحد:

  1. هل يريدون أن يضعوا كاميرات في مقبرة دارسيت؟؟


    تحليل كاتب المقال جميل .. لا أعرف لماذا بدا لي مختلفاً

    ردحذف