الأربعاء، 24 ديسمبر، 2003

برنارد لويس في مسقط

برنارد لويس في مسقط

عبدالله الحراصي

شهد الاسبوع الفائت زيارة لمسقط قام بها، بدعوة من وزارة الاوقاف والشؤون الدينية، مؤرخ بارز من مؤرخي الغرب الذين تخصصوا في دراسة التاريخ العربي والاسلامي هو برنارد لويس الاستاذ في جامعة برنستون الامريكية الذي يقوم الان، إضافة الى إنشغاله بكتاباته التاريخية، بدور مستشار للرئاسة الامريكية الحالية للشؤون المتعلقة بالعرب والمسلمين. وقد كتب برنارد لويس كثيرا عن التاريخ العربي ومن أهم كتبه "العرب في التاريخ" (1950) و"الحشاشون" (1967) و"اكتشاف المسلمين لاوروبا" (1982) و"لغة الاسلام السياسية" (1988) و"العرق والرق في الشرق الاوسط: مبحث تاريخي" (1990) و"مستقبل الشرق الاوسط" (1997) و"الهويات المتعددة في الشرق الاوسط" (1998).

أيا كانت النظرة التي يحملها المرء تجاه قراءة لويس للتاريخ العربي وللواقع العربي ومواقفه التي لا خلاف حول يمينيتها فإن زيارته تظل حدثاً ثقافياً كبيراً مكننا هنا في مسقط من سماع صوته والتحاور معه عن قرب حول كثير من القضايا التي يطرحها في كتاباته التاريخية. تنبع أهمية صوت لويس من أمرين مهمين، أولهما انه درس التاريخ العربي دراسة معمقة وألف فيه كثير من الكتب والدراسات ذات الشأن من الناحية العلمية والمعرفية، وثانيهما تأثير موقعه الفكري في السياسة، فهو من الدائرة الفكرية الضيقة التي تقدم المشورة للحكومة الامريكية الحالية في تعاملها مع القضايا العربية والاسلامية، ومن هذا المنظور فإن الاستماع اليه يحمل أهمية مضاعفة فيما يتعلق بفهم المحركات الفكرية لطبيعة هذا التعامل، وهي محركات تخفى على الراصد للسياسة وتفاعلاتها المباشرة حيث يتم انتزاعها من إطارها التاريخي الأشمل.

قرأت اسم برنارد لويس أول مرة في كتاب "الاستشراق" لادوارد سعيد، حيث اتهمه ادوارد سعيد بأنه يمثل احدى قمم العداء للعرب والمسلمين في مؤسسة خطاب الاستشراق ووصف كتاباته بأنها تدعي الانتماء الى الكتابة التاريخية الليبرالية الموضوعية بينما هي في حقيقة الأمر اقرب الى الدعاية الاعلامية التي يشنها الكاتب على الاسلام والعرب وانها تفيض عنصرية بغيضة تتقنع بقناع البحث التاريخي الموضوعي. ويقول سعيد ان لب ايديولوجية لويس حول الاسلام هو انه [اي الاسلام] لا يتغير على وجه الاطلاق، وكل رسالته هي تعريف العناصر المحافظة في الجمهور اليهودي القاريء خصوصاً، وكل من يستمع له على وجه العموم، ان اي تفسير سياسي وتاريخي وبحثي للمسلمين لا بد أن ينطلق وأن ينتهي عند حقيقة ان المسلمين مسلمون، اي ان هناك أمراً جوهريا في أصل الاسلام يجعل من وضع المسلمين الحالي كما هو، وهو وضع غير قابل للتغير.

بعد التعرف على برنارد لويس من خلال ادوارد سعيد، قرأت بعض كتبه (التي لم يترجم أغلبها الى العربية) ومقالاته التي نشرتها كثير من المجلات الامريكية والبريطانية. ومن المقالات التي لا قت ذيوعاً في الغرب مقال يحمل عنوان "جذور الغضب الاسلامي" نشر في عدد سبتمبر 1990 في مجلة "ذي أتلانتك" الامريكية. في هذا المقال يتتبع لويس أسباب الغضب اللاهب في قلوب كثير من المسلمين والذين يجد تجلياته، حسب رأيه، في الجماعات الاصولية المتشددة، ويناقشها، سبباً سبباً، مناقشة تفصيلية ليخلص ان الظروف والاحداث السياسية والاقتصادية المباشرة ليست هي الاسباب الحقيقية لهذا الغضب بل ان لهذا الغضب "جذوراً" تاريخية تتعلق بهزيمة العرب والمسلمين عموماً أمام الغرب الذين كانوا قد استعمروه حيث وصلت جيوش العثمانيين الى قلب أوروبا (بل انها وصلت حتى ايسلندا عام 1627).

يتحدث لويس دائماً عن حدثين مفصليين في تاريخ علاقة الاسلام بالعالم الخارجي عموماً وبالغرب على وجه الخصوص، أولها فشل العثمانيين في احتلال فيينا بعد حصارها عام 1683، وثانيهما احتلال مصر من قبل قوة فرنسية صغيرة يقودها نابليون بونابرت عام 1789. الحدث الاول كان هزة للمسلمين حيث ادركوا ان الغرب قادر على ايقاف تقدمهم وهزيمتهم وهو ما أدركه المؤرخ التركي سلحدار محمد أغا الذي وصف هذه الهزيمة بأنها "هزيمة كارثية" لم تشهد لها الامبراطورية العثمانية مثيلا لها قط. اما الحدث الثاني فقد علمهم ان الغرب لا يهزمهم فقط في قلب اوروبا بل انه قادر ان يحرك قواته وان يحتل قطعة في قلب الاسلام ذاته هي مصر، كما علمهم ايضاً ان قواهم المحلية لا تستطيع تحرير ارضهم بل ان هذا العدو الاجنبي لا يخرج من أراضيهم الا بيد عدو أجنبي آخر. تأثير هذه الاحداث الجسام توج في الزمن المعاصر بالتأثير الهائل الذي خلفه انتصار الغرب في كل المجالات السياسية والعسكرية والعلمية مما أدى الى تفاقم المرارة الاسلامية، وبحسب برنارد لويس كان المسلمون يسعون الى الحفاظ على بعض الاستقلالية باللعب بين توازنات القوى الغربية المتنافسة غير ان سقوط الاتحاد السوفيتي جعلهم بمفردهم أمام امريكا فما كان امامهم الا الرد على الغرب بإستخدام قواهم الذاتية وهو ما تجلى في أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.

ومن القضايا التي يركز عليها لويس دائماً ضرورة تقديم الغرب العون للديمقراطيات العربية والاسلامية، فيقول في مقال له عنوانه "ثورة الاسلام" (نشر في نوفمبر 2001 في مجلة "ذي نيو يوركر") انه يوجد في بلدان عربية كثيرة "أفراد يشاركوننا قيمنا ويتعاطفون معنا ويرغبون في ان يشاركوننا في نمط حياتنا. ان هؤلاء الافراد يفهمون الحرية ويرغبون في ان يستمتعوا بها في بلادهم" ولهذا فإن على امريكا ان لا تعوق مثل هؤلاء الافراد في مسعاهم هذا لنشر هذه القيم ذلك انهم ان وفقوا في هذا المسعى فإنهم سيكونون أصدقاء وحلفاء حقيقيين وليسوا اصدقاء وحلفاء في المستوى الدبلوماسي فحسب.

في محاضرتيه اللتين ألقاهما في جامع السلطان قابوس الأكبر في مسقط تحدث لويس عن ذات الافكار التي لخصتها أعلاه، كما تحدث عن الفهم المختلف للتاريخ بين العرب والغرب، ففيما يرى الغرب ان التاريخ أمر قد انقضى وان المستقبل هو ما ينبغي ان يشغل المجتمع به نفسه فإن العرب والمسلمين على وجه العموم يرون التاريخ أمراً حاضراً يتمثل أمامهم دائماً، وهو ما يتسبب في كثير من المشاكل السياسية المعاصرة. تحدث أيضا عن الدولة والاسلام وذكر بعض الظواهر التي يمكن تفعيلها لبناء نوع من الديمقراطية التي تنبع من التاريخ العربي ذاته كفكرة الحكم المحدود الذي يقوم على مباديء اسلامية مثل "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" وفكرة الشورى وغيرها. وخلاصة المحاضرتين هو ان العرب ان ارادوا النهوض فإن عليهم ان يتحركوا بأنفسهم ومن خلال تاريخهم الخاص دون ان يتم فرض ديمقراطية غربية صرفة عليهم، ذلك ان هذه الديمقراطية نبتت في تربة غربية تختلف تاريخيا عما شهده العالم العربي والاسلامي من تطورات تاريخية ونظم حكم تختلف جذرياً عما عرفه تاريخ الغرب.

برنارد لويس مؤرخ كريه لدى الغالبية ا لعظمى من المثقفين العرب بسبب مواقفه الفكرية والسياسية، والقاريء لكتبه ومقالاته لن يجد الكثير الذي يجعله يأمن لهذه المواقف خصوصاً فيما يتعلق بقضايا تراها الثقافة العربية أبرز محركات عملية التفاعل السياسي والفكري مع الغرب مثل قضية فلسطين. جزء كبير من المشكلة التي تبرز حين نستمع او نقرأ لمثل برنارد لويس لا يكمن فيما يقوله من فكر ورؤى تاريخية بل في افتراض كثير منا انه ينبغي ان يُسمعنا ما نريد، وفي افتراض أخطر منه وهو ان بيديه هو الحل لمشاكلنا. الثقافة العربية ينبغي ان تدرك أمراً أصبح إغماض العين عنه مشاركة في الوضع الحضاري الخطير الذي نعيشه وهو انه ليس بيد برنارد لويس وسواه من مفكري الغرب وصفة سحرية للنهوض الحضاري العربي، كما ان على الثقافة العربية كذلك ان لا تجعل لب همها الجدل حول عنصرية زيد او عمرو ويمينيته بل ان تركز على فعلها الحضاري الداخلي، أي التوصل الى اجابة تقوم على رؤية عقلية هادئة على السؤال "ها نحن قد وصلنا الى هذا المأزق الحضاري فإلى اين نمضي من هنا؟"، وكما قال برنارد لويس في نهايتي محاضرتيه (ما معناه) "ما ستفعلونه للخروج من هذا المأزق أمر متروك لكم، لكم وحدكم".

الأربعاء، 17 ديسمبر، 2003

الفلسفة الذرائعية والأمل الاجتماعي (2)

الفلسفة الذرائعية والأمل الاجتماعي (2)

عبدالله الحراصي

تحدثت في الاسبوع الماضي عن اهم اطروحات الفلسفة الذرائعية من خلال عرض لبعض أفكار مقدمة كتاب الفيلسوف الامريكي المعاصر ريتشارد رورتي "الفلسفة والأمل الاجتماعي"، وانتهيت بالقول ان هذه الفلسفة، رغم عدائها الصريح لأي "حقيقة" تتجاوز المنفعة البشرية، الفردية والجماعية، تقدم نفسها على انها تسعى حثيثة نحو غاية كريمة هي تعظيم سعادة الانسان والتقليل من آلامه. وهنا أود الاشارة الى أمر حاسم يعين على فهم اطروحات الفلسفة الذرائعية ورؤيتها للأمل الاجتماعي وهو ان هذه الفلسفة تنتمي الى الفلسفات التي يشار اليها على انها "لا جوهرية" واطروحاتها تضاد اطروحات المدارس الفلسفية "الجوهرية". ترى الفلسفات "الجوهرية" ان في الكون جوهر خارج نطاق الانسان وان الانسان، من خلال التأمل العميق، يستطيع ان يتوصل الى هذا الجوهر الخارجي، كما ترى ان المباديء الاخلاقية لها جوهر حقيقي منفصل عن الأوضاع الانسانية المتغيرة، أما الفلسفات "اللاجوهرية" فترى ان لا جوهر خارج نطاق الانسان وترى استحالة التوصل الى "الحقيقة" من خلال العقل البشري، لأن تلك "الحقيقة" غير موجودة أصلا، كما انها لا ترى وجود قيم أخلاقية منفصلة عن واقع الانسان المتغير.

وإذا عدنا للفلسفة الذرائعية فإن السؤال الذي يبزغ عند الحديث عن جوهرها المنفعي هو التالي " كيف يمكن التوفيق بين السعي نحو منفعة الانسان وتحقيق سعادته في جانب والتخلي عن القيم الانسانية بإعتبارها حقائق موضوعية من جانب آخر؟" سأتقصى بعض جوانب الاجابة على هذا السؤال من خلال استعراض أفكار رورتي في الفصل الرابع الذي يحمل عنوان "الاخلاق بلا مباديء" حيث يتوسع رورتي في الرؤية الذرائعية التي لا ترى وجود قيم أخلاقية عليا تحكم، او ينبغي ان تحكم، السلوك الانساني، وان السعي نحو المنفعة يكفي ليحل محل أي قيم ذات طابع ميتافيزيقي.

يعود رورتي في هذا الفصل الى أحد أعمدة الفكر الذرائعي وهو الانطلاق من اطروحة دارون التي ترى ان الانسان مرحلة من مراحل التطور الحيواني، ويؤكد هنا على الخطأ الفكري الذي وقع فيه، حسبما يرى، فلاسفة الاغريق (وعلى الأخص افلاطون وأرسطو) الذين اعتقدوا ان ثمة فرق جوهري بين الانسان والحيوان، حيث رأوا ان الحيوان يعيش وسط عالم يتعامل معه بحواسه، فيما لدى الانسان العقل الذي يستطيع به اختراق حجب الحواس ورؤية الحقيقة كما هي. على عكس هذا يرى رورتي والذرائعيون عموماً ان أي نشاط عقلي ليس الا مسعى يقوم به الانسان للتكيف مع العالم من حوله، وهذا المسعى مظهر من مظاهر عملية التطور الكبرى التي يتحول فيها الانسان من مرحلة معينة الى مرحلة أفضل منها. وهنا فإن البحث العقلي لا يهدف للوصول الى أي حقيقة علمية كانت او أخلاقية، كما ينعدم هنا اي فارق بين ما هو "حقيقي" وما هو "نافع"، فكل "حقيقة" يصل اليها الانسان هي تعبير عن أمر "نافع" يستطيع به التأقلم مع العالم من حوله.

ويتطرق هذا الفصل لقضية "حقوق الانسان غير المشروطة" اي تلك الحقوق التي لا تتأثر بشرط حياتي معين او غيره بل تعلو على كل الظروف الانسانية المتغيرة زماناً ومكاناً. يرى رورتي ان اعتقاداً بوجود مثل هذه الحقوق اعتقاد لا جدوى من وراءه، فالحديث عن هذه الحقوق يشبه الحديث عن "شرف العائلة" او "الخطر الذي يتهدد الوطن" حديث في انه نقاش حول قضايا لا تنفع ان تكون محاور تحليل فلسفي، ذلك انها مواضيع "منتهية" لا جدوى من التفكير فيها لأنها مواضيع مبتوت فيها ومن يعتقدها لا يرى أي ضرورة لأي حوار فلسفي يتقصى جوانبها. يرى رورتي ان القضية المحورية التي تتخفى خلف قضية "حقوق الانسان" هي ما اذا كانت المجتمعات تقبل الافراد المختلفين فيها ام انها تقصيهم، فهل المجتمع متسامح يقبل بالأجنبي ان يعيش بين أفراده ويقبل بالافراد المختلفين عن الأغلبية ان يمارسوا حياتهم فيه بيسر ودون عائق ما أم انه مجتمع يقوم على الانسجام الاجتماعي الذي لا يقبل المختلف الاجنبي او الداخلي؟ والاجابة على هذا السؤال لا ترتبط بطبيعة الحال بأي قيمة عليا حول حقوق الانسان بل بتطور المجتمع ذاته ورؤيته لنفسه وللآخرين. وهنا يتخذ رورتي موقفاً عملياً في قضية حقوق الانسان فيرى ان أهم امارات هذه الحقوق ان أردنا التقدم بإتجاهها حقيقة تتمثل في "ان نتوقف عن التدخل في أمر زواج ابنائنا وبناتنا لأسباب تتعلق بالاصل القومي او الدين او العرق او المستوى المادي للطرف الذين يرغبون الاقتران به"، اي ان رورتي لا يود الدخول في القضايا المجردة التي لا تجدي الانسان ولا المجتمع نفعاً حول حقوق الانسان المنبتة عن أي واقع حقيقي، بل يربطها بقضايا معاناة الانسان الموجودة حقيقة.

يناقش رورتي أنصار البحث عن أساس عقلاني لموضوع "حقوق الانسان غير المشروطة" فيسألهم عن الأمر الذي يشترك فيه كل البشر، فيرى انه ان كان المشترك بين البشر هو الشعور بالألم كما يرى الكثيرون فإن هذا يقتضي "ان حماية الارانب من عدوان الثعالب هو أمر يساوي في أهميته حماية اليهود من عدوان النازيين" ذلك ان الارانب تشعر بالالم من وحشية الثعالب أيضاً. اما اذا كان العقل هو المشترك بين بني البشر فإن رورتي يرى ان المظهر الذي يتم ادراك العقل به ليس الا اللغة، فبها نعبر عن "العقل"، وهنا يقول رورتي ان اللغة الانسانية كما تعبر عن المشترك بين بني البشر فإنها تعبر كذلك عن الرفض لهذه المشتركات، حيث نجد اللغة العنصرية على سبيل المثال التي لا ترى الحق الا عند أصحابها. وهنا يقترح رورتي رؤية لا تركز على المشتركات بين بني البشر بل على ضرورة تعايش اختلافاتهم، ويفضل رورتي منطلقاً آخر للأمل الانساني يتمثل في التركيز على "قدرتنا على جعل الامور الصغيرة التي تفرق بيننا تبدو غير ذات أهمية- وهذا لا يتم بمقارنتها بذلك الشيء الكبير الذي يوحدنا بل بمقارنتها بأشياء صغيرة أخرى."

هذه الفلسفة، التي لا تتمحور على ربط الانسان بجوهر متعال يجعل الانسان انساناً وغيابه يجعله حيواناً غير ناطق، لا تنطلق من العقل بل من الوجدان، وترى ان السعي نحو التقدم الفكري والأخلاقي لا يعني بحال من الاحول الاقتراب من "الحق" او من "الخير" بإعتبارهما جوهرين متعاليين منفصلين عن الانسان ذاته، بل ان هذا السعي هو "زيادة في القدرة التخيلية"، وهذا يعني ان الخيال هو آخر مراحل تطور الانسان من حالته السابقة بحسب النظرية الدارونية، وهذا الخيال، حينما يعيش في أمن وسلام ورفاهية، يستطيع ان يجعل من الحاضر أكثر ثراء وحيوية من الماضي، ويضيف "ان الخيال هو مصدر الصور العلمية الحديثة للكون الفيزيائي وكذلك فإنه هو مصدر التصورات الجديدة للمجتمعات الانسانية التي يمكن ان توجد. الخيال هو الامر المشترك بين نيوتن والمسيح وبين فرويد وماركس، انه القدرة على اعادة وصف الامر المألوف بعبارات غير مألوفة."

تتمثل الاجابة على السؤال المتعلق بكنه الأمل الاجتماعي الذي تطرحه الفلسفة الذرائعية في ان هذه الفلسفة، برفضها القيم الاخلاقية المكتملة والحقائق الميتافيزيقية حول الانسان، ترفض السكون واليقين وتفتح للإنسان، كما يقول رورتي، أبواب أمل لا تحده حدود. معنى هذا ان هذه الفلسفة تطرح تجاوز الواقع والسعي نحو الأنفع للإنسان إنطلاقاً من ظروفه المباشرة فرداً او جماعةً وليس سعياً وراء مثال ميتافيزيقي متوهم.

الأربعاء، 10 ديسمبر، 2003

الفلسفة الذرائعية والأمل الاجتماعي (1)

الفلسفة والأمل الاجتماعي

عبدالله الحراصي

يتحدث الكثير من الكتاب والمفكرين العرب عن ضرورة الحوار مع الغرب ومع أمريكا على وجه الخصوص، غير ان هذا الحوار يختزل في أغلبه في الحوار السياسي والديني ولا يتجاوزه الى حوار مع فلسفة الحياة الامريكية، أي ان القليل فقط يغوص الى أعماق هذه الحياة فيتتبع خيوط السياسة الى الفلسفات الفاعلة في هذه الحياة. ورغم محورية دور الجانب السياسي حالياً في تحديد كنه هذا الحوار ومستوياته الا ان السياسة وما تخرجه عبائتها من حروب ومواقف لا تخلو من العداء والعنف السافر عسكرياً واقتصادياً بل وحتى فكرياً هي الا إنعكاس لفلسفة يسير على هديها المجتمع الامريكي، وينبغي قبل أي حوار فهمها لكي تتوفر كل أركان الحوار، وحتى نفهم الأسباب الأكثر عمقاً لمواقف تكتسح آثارها كثير من مظاهر حياتنا ومستقبلنا. أعني هنا ان غياب الوعي بفلسفات الحياة في أمريكا فإن فهمها وفهم مواقفها سيظل أمراً غير مكتمل.

وأهم الفلسفات الفاعلة في الحياة الامريكية هي بطبيعة الحال الفلسفة الذرائعية (التي تسمى أيضا "البراجماتية") التي ترى ان الحقيقة لا تكمن في الصدق المجرد لأمر من الامور وأخلاقيته بل في مدى نفعه للإنسان وإمكانية إعمال الفكر لفائدته، ولهذا كان السعي نحو المصلحة هو الأساس الذي يميز هذه الفلسفة. سادت هذه الفلسفة، كما تذكر دائرة المعارف البريطانية، أمريكا على وجه الخصوص في الربع الأول من القرن العشرين فظهرت أبعادها في كثير من مظاهر حياة الانسان ونظمه كالقانون والتعاليم والسياسة والمجتمع والفن والدين. وتقوم أساساً مجموعة من الاطروحات الاساسية، أولها ان الافكار ينبغي ان ترتبط بالأعمال، وان لا نفع لأي فكرة ما لم يتم إثبات عمليتها، وفي الإطار العملي فإن على الانسان ان يستغل التغير الذي لا بد وأن يقع نتيجة لأي فعل لفائدة ما على الصعيدين الشخصي والاجتماعي. معنى هذا ان هذه الفلسفة ترفض التفكير المجرد الصافي الذي لا نفع منه. الاطروحة الثانية هي ان الذرائعية استمرار للفلسفة العملية النقدية التي ركزت على أولوية التجربة الحقيقية على المباديء المجردة، فالمهم ليس الحديث عن أخلاقيات ومباديء فكرية مجردة بل ارتباطها وثبات نفعها من خلال التجربة. الاطروحة الثالثة هي التعريف الذرائعي للأفكار، فالفكرة ذات المعنى هي تلك التي يمكن استخدامها وتطبيقها عملياً، ولهذا فإن اي فكرة (وعلى الأخص الفكرة الميتافيزيقية المتجاوزة) لا يمكن ان يوجد لها تطبيق عملي نافع ليست فكرة ذات معنى. الاطروحة الرابعة تتعلق بقضية صدق الافكار، فالفكرة الصادقة ليست تلك تصف واقعاً ما وصفاً دقيقاً، بل تلك التي تثبت قابليتها للتطبيق، ولهذا فإن الحقيقة هي بحسب هذه الفلسفة هي تلك التي "تعمل" وكل فكرة لا يمكن تطبيقها عملياً فليست فكرة حقيقية. وهذا يرتبط بالاطروحة الخامسة التي تفيد بأن الافكار ليست وصفاً لحقيقة مجردة، بل ان الفكر وسيلة وأداة لتحقيق هدف عملي، وهو ما يقضي على الفكر المجرد "الصافي".

هذه المقدمة حول الفلسفة الذرائعية تقودني الى الكتاب الذي أود الحديث عنه وعنوانه "الفلسفة والامل الاجتماعي" ومؤلفه هو فيلسوف امريكي ذرائعي معروف اسمه ريتشارد رورتي، وصدر عن دار بنجوين الشهيرة عام 1999. من المعروف عن رورتي عدائه الشديد للفكر الميتافيزيقي المجرد الذي لا يرتبط بنفع وفائدة عملية للانسان والمجتمع، وهذا الكتاب يحوي مجموعة من المحاضرات العامة التي ألقاها رورتي في غير مكان وعلى مقالات كتبت للقاريء العام وليس الفيلسوف المتخصص. سأحاول في هذا المقال ان استعرض بعض الافكار التي طرحها رورتي في مقدمة كتابه، وهي مقدمة توجز فكر رورتي وأهم الفروق بين الفلسفة الذرائعية والفلسفات الاخرى.

يبدأ رورتي مقدمته بحديث عن الفيلسوف "النسبي" اي ذلك الذي لا يعتقد بوجود حقيقة للفكر الميتافيزيقي المجرد، ويسمى الفلاسفة نسبيين حينما يرفضون التقسيم الفلسفي الشهير بين حقيقة الاشياء كما هي وبين العلاقات بينها وبين اشياء اخرى، وعلى الاخص حاجات الانسان ومصالحه، وهذا يستدعي طبعاً الحديث عن الاختلاف بين الفلسفة الذرائعية التي تربط الحقيقة بالمنفعة والفلسفات الموضوعية التي ترى ان حقيقة الاشياء كامنة في ذاتها وليست بالضرورة في مدى نفعها للانسان، ففضيلة "الصدق" على سبيل المثال صادقة في ذاتها على وجه الاطلاق، ولا علاقة لصدق هذه الفضيلة بنفعها أو ضررها على الانسان في حالاته المحددة، ولهذا فإن على الانسان ان يسعى الى تطبيق هذه الفضيلة في كل ظرف ومكان. أما الفلاسفة النسبيون والذرائعيون مثل رورتي فيرون ان علينا ان نرفض مثل هذه المعتقدات المتجاوزة للواقع البشري الملموس حول صدق الاشياء والافكار، فلا فائدة من فضيلة الصدق الا اذا ثبت نفعه وفائدته للانسان وليس لانه يحمل قيمة صادقة في ذاته. غير ان رورتي لا يرى الخطأ الكلي للفلسفات الموضوعية، فربما كانت هذه الفلسفات ذات جدوى فكرية في الماضي لكنها بكل تأكيد تخلو من الفائدة حالياً. يبسط رورتي هذا يقوله بأن "اجدادنا تسلقوا سلماً نحن الان في وضع التخلص منه، وسنرميه بعيداً ليس بسبب اننا قد وصلنا الى المكان النهائي الذي نود الوصول اليه بل لأن لدينا مشاكل أخرى يتوجب معالجتها تختلف عن المسائل التي حيرت أسلافنا".

بالنسبة للانسان يرى الذرائعيون عدم محورية عقل الانسان كموصل للحقيقة بل يفضلون، كما يقول رورتي، التفسير الدارويني الذي يرى في الانسان حيواناً يبذل أقصى جهده في التعامل مع البيئة بإنتاج أفضل الوسائل التي تمكنه من العيش بأقل قدر من الالام وبأكبر قدر من المتع. واعتبار الافكار أدواتاً من أهم الطروحات التي يتعرض لها الكتاب، فبالنسبة للمعتقدات لا حديث لدى البراجماتيين عن صدقها الجوهري الذاتي بل ان السؤال الصحيح يتحول الى التالي "لأي غرض سيكون الايمان بهذا المعتقد مفيداً؟"، وهو تساؤل لا يختلف كثيرا عن السؤال عن نفع أمور مادية بسيطة كفائدة تحميل برنامج جديد الى جهاز حاسوب. النفع هو الاساس في استغلال الانسان لكل شيء سواء كان هذا الشيء معتقداً ايمانياً او فكرياً او شيئا مادياً صرفا. وهو ما يقود رورتي الى القول بأن الفرق بين الاسلاف الذي يعتقدون بصدق المعتقدات، بغض النظر عن فائدتها، وعن الذرائعيين هو ان الاخيرين يرون ان اي معتقد قد يصبح معتقدا حقيقياً، لا لوجود حقيقة كامنة فيه، بل لأنه لا يوجد معتقد بديل بحسب علمنا أكثر فائدة منه.

يرفض البراجماتيون هذا بطبيعة الحال، فهم يرفضون قضية الحقيقة المجردة من النفع، بل ان رورتي يمضي الى مدى أبعد حين يقول ان اي بحث يهدف الى التوصل الى اتفاق بين بني البشر حول ما ينبغي فعله وللوصول الى اجماع حول الاهداف التي ينبغي الوصول اليها وحول الادوات التي ستستخدم للتوصل الى هذه النتائج، وأن اي محاولة للبحث خارج اطار المنفعة هذا ليست الا لعباً بالكلمات.