الأربعاء، 19 نوفمبر، 2003

الزمن و"دون كيخوته"



السبت، 15 نوفمبر، 2003

عن الغرب والعرب





عن الغرب والعرب

عبدالله الحراصي

قلبت أحداث 11 سبتمبر 2001 العالم الغربي رأسا على عقب، فحدث تحول كبير في الرؤى والتوجهات ونظم الحياة في مجالات الفكر والسياسة في الغرب، وهي تحولات تفسر على انها ردود فعل طبيعية لهول ما جرى ذلك اليوم، وهي صحوة يرى كثير من الغربيين انه لا بد منها ومن تحمل مراراتها الجديدة حتى لا تتكرر مأساة أخرى تشبهها، ولأن الانسان الغربي لا تشغله في العادة سوى شؤون حياته في حدودها المحلية الضيقة، وهو غير مهتم بما يحدث في الخارج ولا يفهمه (لا يعرف كثير من الامريكان مثلا ان ثمة عالم خارج أمريكا، ومن يعرفون عن العالم الخارجي يعتبرون "متخصصين")، فأنه قد وثق، بسبب وجود تراث من الثقة في الحكومات، في حكوماته في ما اتخذته من خطوات لم تكن مألوفة من قبل. وجد الغرب نفسه إذا بين نارين، نار فقدان الامن باستمرار الحرية والحياة الرغدة المنفتحة المعهودة بما قد يصاحبها من تكرار 11 سبتمبر أخرى ونار الانتقال الى وضع مكارثي تتحول فيه الدولة الى رقيب وحسيب، وتنعدم فيه خصوصيات الافراد وحريتهم، وهي محور الحياة في الغرب، ولم يكن أمام الغرب الا الخيار الثاني بأعتباره أقل الامرّين مرارة.

اهتزت القناعات في الغرب، وكان لا بد من ان يوازي هذا اهتزازا في الاجراءات التي انقلبت لترجح كفة الأمن ومتطلباته على كفة الحرية ومتطلباتها. أول هذه التغيرات في المفاهيم وفي الفعل السياسي الموازي لها تتمثل في غض النظر عن كثير من الافعال التي كانت تعد قبل 11 سبتمبر أفعالا تضاد قيم حقوق الانسان وما يتبعها من ديمقراطية وحرية كلمة وشفافية إعلامية وسواها كان يتباهى بها الغرب ويقدمها للناس على انها قيم مطلقة تعلو على الزمان والمكان. رأينا أثناء حرب الخليج (الأخيرة، حتى الان) وبعد سقوط بغداد والعراق وحتى اليوم ان حرية الاعلاميين قد قيدت الى حد كبير، وان كثيرا منهم قد تعرضوا للمضايقات، وقتل البعض منهم، كما رأينا ان الغرب أخذ يمارس السجن بلا محاكمة واعتقال من تحوم أدنى درجات الشك في انه عدو دون ثبات جرمه بالضرورة. رأينا أيضا ان الغرب أخذ يمارس التعذيب، وهو كسر لقيمة كان الغرب يعلي شأنها وهي ان الانسان بريء حتى يثبت جرمه وان أي اعتراف انتزع بطريق التعذيب لا يعد مقبولا من الناحية القانونية. أما أخطر الاجراءات التي اتخذها الغرب في أعقاب 11 سبتمبر فهي التمييز العنصري المؤسسي، أي ان تقوم مؤسسات الدول نفسها بإجراءات على أساس التفرقة العنصرية بين الاعراق المختلفة، حيث تم التعامل مع كل من تبدو عليه ملامح "شرق أوسطية" على انه (ربما يكون) عميل نائم، وهو ما استدعى قيام كثير من مؤسسات الغرب بالتحقيق مع الالاف المؤلفة من العرب والمسلمين، بل ان هذا التمييز أخذ يظهر في مؤسسات غربية كانت تعد قلاعاً للقيم وللحرية والمساواة كالجامعات على سبيل المثال. كل الاجراءات السابقة شكلت انقلاباً على طروحات الغرب التي كانت تتلى صباح مساء على مسامع العالم غير الغربي بأكمله على انها قيم إنسانية مطلقة، وهو انقلاب خطير لأنه أعاد قضية علاقة القيم بالسياسة الى نقطة حرجة جداً، فتغلبت السياسة على القيم تغلباً تاماً في العالم بأكمله، بعد ان كانت هذه الغلبة حصرا على العالم الثالث.

وتوازيا مع ما يحدث في الغرب أخذت تبرز ظاهرة جديدة في العالم العربي هي ظاهرة الاستشهاد بالوضع الجديد في الغرب لتبرير ما يحدث عربياً من ممارسات تضاد قيم العدالة والمساواة وحرية الكلمة. بمعنى آخر، كان الغرب يُقَدَّم عربياً (في أسوأ الطروحات) على انه مورد الفساد الاخلاقي والسياسي، و(في أحسنها) على انه ثقافة أخرى لها تطورها التاريخي المختلف عنها ولهذا لا ينبغي ان نقلدها. يُقَدَّم الغرب في وضعه الجديد عربيا على انه مرآة للوضع العربي، فإن تحدث أحد عن حرية الكلمة مثلا سرعان ما يأتي الرد مؤسسيا على ان الغرب نفسه يخنق الصحافة والاعلام (وهذا صحيح)، وإن تحدث أحد عن ضرورة التخلص من اضطهاد الانسان يأتي الرد بأن الغرب نفسه يضطهد الانسان ويميز بين انسان وآخر على أساس بشرته وعرقه (وهذا صحيح كذلك)، غير ان خطاب مؤسسات الحكم العربية الجديد هذا يثير بعض القضايا التي ينبغي تمحيصها وتحليلها.

أول ما ينبغي ان نتوقف أمامه هو الداعي لمحورية طرح الغرب أصلا معياراً في كل حركاتنا وسكناتنا. أعني انه لا ينبغي ان نضع الغرب وأحواله فاصلا بيننا وبين رؤيتنا لأنفسنا، فلماذا يتوجب علينا ان أردنا ان نصلح أمرا رؤية انفسنا في خارطة يكون الغرب مركزها ومعيارها؟ ولماذا لا نقارن انفسنا بالغرب الا في أسوأ لحظاته وفي أسوأ ممارساته؟ ولماذا نختزل الغرب في لحظة متوترة في تاريخه؟ ولماذا "نغرب" الغرب أصلا؟ الغرب هو مجتمع انساني مر بمرحلة فكرية أدت الى ما ادت اليه من تفجير لطاقات الانسان الفرد ولطاقات المجتمع بأكمله ليصل الى وضع تقدم علمي ورفاهية مجتمعية لم يصل اليه مجتمع في السابق، وبطبيعة الحال ان تقدم الوضع الغربي ورفاهيته لا بد ان يوجد على ظلالهما ظواهر مرفوضة كالمبالغة في الفردية الى درجة شعور الانسان بالوحدة الوجودية ونمو الجريمة وتفكك الاسر، وهي ظواهر يشكو كثير من الغربيين منها أصلا. أما بالنسبة لما بعد 11 سبتمبر فلا ينبغي ان ننسى ان تلك الاحداث ليست أحداثاً سياسية بسيطة، بل هي من الاحداث التاريخية العظام، وتأثيراتها وتجاوز تأثيراتها أمور تتطلب زمناً ليس بالقصير ومخاضات فكرية وسياسية تنقلب فيها أمور كثيرة مما كان مألوفاً قبل تلك الاحداث. ما أود قوله ان علينا في هذه اللحظة ان نراعي ان التطور الحضاري العربي ينبغي ان لا يفسر بوضع القيم والسياسة في الغرب حالياً، كما ان علينا ان نعي "الغرب" وألا نجعل هذه اللحظة بما فيها من انقلاب قيمه وتوتر اجراءاته معيارا لتستمر أوضاعنا المألوفة التي لم يعد استمرارها أمرا مقبولا من ناحية القيمة ولا صالحا من ناحية المنفعة.

أمر آخر ينبغي ان يلحظه كل من يشبه الحال العربي بحال الغرب هذه الايام هو ان في الغرب أرضية لتدافعات فكرية وسياسية تضمن عدم استمرار توترات اللحظة إلى أبد الابدين، وهذا ينطلق من أمرين أولهما ان في الفكر الغربي حركية دائمة تضمن ولادة رؤى جديدة تجبُّ الرؤى المتوترة الحالية، والامر الثاني يتعلق بتدافعات السياسة، حيث ان إمكانية التحول السلمي للسلطة في الغرب تضمن كذلك إمكانية ظهور تيارات سياسية، تساندها الرؤى الفكرية الجديدة، تسعى لتغيير الواقع الذي حل بالغرب بعد 11 سبتمبر. معنى هذا اننا مختلفين عن الغرب في لحظة توتره هذه، وان التشابه بين واقع الامور العربية وواقع الامور الغربية هو مجرد "تشابه" ظاهري، فالغرب لم يقض في لحظة توتره هذه على إمكانيات الحراك والتجاوز الفكري والاجتماعي والسياسي، وهو بطبيعة الحال أمر مختلف عن الوضع في العالم العربي حيث قضي إلى حد كبير على هذه الامكانيات قضاء مؤسسيا ممنهجاً. ولهذا فإن الامور وإن بدت تشبه بعضها بعضاً الا انها في واقع الحال مختلفة تمام الاختلاف من ناحية سوابقها ولواحقها.

كان كثير من العرب يعلقون فشلهم على التآمر الغربي من جانب وعلى ضرورات السياسة من جانب آخر، وها هم الان يتسابقون في تبرير وضعهم بحال الغرب، وهذا التبرير ما هو الا استراتيجية جديدة في الخطاب السياسي العربي لتبقى الاوضاع على حالها السابق، وهو حال لم يعد يوجد من يستطيع توفير غطاء فكري له بعد ان انكشف الوضع العربي بكل منظوماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية وغيرها. وصل الوضع العربي الى مرحلة لا بد فيها من تغيير في فلسفة حياة الفرد والمجتمع وفي نمط العلاقات الداخلية بين المؤسسة والمجتمع، ونمط العلاقات الخارجية مع العالم بجميع قواه، وفي ممارسات الدول تبعاً لأنماط العلاقات الداخلية والخارجية هذه، أما تبرير الواقع بحال الغرب وممارساته الان فهو آخر ما يحتاج اليه الانسان العربي والمجتمع العربي في وضعه الحضاري المعاصر.

الأربعاء، 12 نوفمبر، 2003

عمان في الأدب الغربي

عمان في الأدب الغربي

عبدالله الحراصي

تعددت الدراسات العلمية التي تناولت العلاقات التاريخية العمانية مع الدول الغربية، الا ان التركيز على الدراسات السياسية والتاريخية عموماً يكشف عن نقص كبير في دراسة جوانب أخرى في غاية الاهمية من بين أهمها حضور عمان في الأدب الغربي، ويشمل هذا صورة عمان في الشعر والقصة والرواية وأدب الرحلات وغيرها من فنون الأدب في الغرب. وقد أصبحت دراسة هذه المواضيع أمراً ملحاً وضرورياً لأسباب عدة منها ان مثل هذه الدراسة ستساهم في فتح نوافذ جديدة للثقافة العمانية خصوصاً والعربية عموماً تكشف عن رؤية الآخر الغربي لعمان وصورتها في أدبه، كما انها ستعين كذلك في فهم الآخر ذاته ومنطلقات رؤيته للعالم العربي ولعمان ومحددات تلك الرؤية. وتجدر الاشارة هنا الى هذا ان الحصول على النصوص الأدبية المتعلقة بعمان قد أصبح أمراً يسيراً الآن بسبب استغلال القائمين على الأدب الغربي للتقنيات الحاسوبية الحديثة في حفظ أغلب النصوص الأدبية، وخصوصاً تلك المكتوبة باللغة الانجليزية. ومن أهم المواقع الانترنتية التي تقدم هذه خدمة تصفح الأعمال الأدبية والبحث فيها موقع اسمه "الأدب على الشبكة" Literature Online (وعنوانه http://lion.chadwyck.co.uk) ويحتوي على 350 ألف عمل أدبي كتبت باللغة الانجليزية من مختلف العصور.

وقد ظهرت في الاونة الأخيرة بعض المؤشرات على اهتمام الاكاديميا العمانية بإستكشاف هذه المناطق البحثية لعل أبرزها حتى الان الدراسة التي نشرها هلال الحجري في العدد الخامس والثلاثين من مجلة "نزوى" بعنوان "مدخل إلى أدب الرحلات في عمان: دراسة وصفية للرحالة البريطانيين 1626-1970"، وهي دراسة لا تكمن أهميتها فحسب فيما تقدمه من بيانات جديدة للقاريء العربي والعماني حول عمان في الزمن الذي قام فيه هؤلاء الرحالة برحلاتهم من خلال الاتصال المباشر بالطبيعة العمانية وبالعمانيين، بل لأن هذه الدراسة تفتح باباً جديداً في الدراسات العمانية لم يُتَطرَّق اليه من قبل رغم أهميته المفصلية في فهم ذات الوطن العماني وعلاقته بالآخر ورؤية هذا الاخر له.

غير ان أدب الرحلات هو جانب واحد فقط من جوانب دراسة صورة عمان في الأدب الغربي، وهو ما يعني ان ثمة حاجة ماسة الى دراسة صورة عمان في انواع الفنون الادبية الأخرى كالشعر والرواية وغيرها. وفيما يتعلق بالرواية فهناك عدد من الروايات الانجليزية على سبيل المثال التي اتخذت أحداثها في عمان او تناولت مواضيع ذات علاقة بها، ومن آخر هذه الروايات رواية "الرياح الموسمية" ومؤلفها الروائي الجنوب أفريقي (الكاتب باللغة الانجليزية) ولبر سميث، وقد صدرت عام 2001 وتعد من أكثر الروايات رواجاً في الدول التي تتحدث اللغة الانجليزية. وتتحدث الرواية عن شخص يبعثه الملك وليم الثالث ملك انجلترا اسمه السير هال كورتني للقضاء على قرصان عربي كان يمارس نشاطه في المحيط الهندي يسمى "العوف"، كما تتحدث كذلك عن أنشطة تجارة الهند الشرقية وعن دور العرب، كما تقول الرواية، في تجارة الرقيق والصراع الناشيء عن محاولة إبقاء عمان خارج إطار الامبراطورية العثمانية. مثل هذه الروايات تكشف عن جوانب كثيرة حول علاقة الشرق بالغرب والرؤى المتبادلة بينهما، كما تكشف هذه الروايات، خصوصاً تلك التي تتخذ من بعض أحداث التاريخ منطلقاً لها، عن رؤى تاريخية وحضارية ينبغي دراستها وتقصيها.

أما بالنسبة للشعر فهناك قصائد عديدة تذكر عمان، وقد قمت، على سبيل التجربة، بكتابة Oman في موضع البحث في الموقع الادبي الآنف الذكر ففوجئت بعدد كبير من القصائد الانجليزية والامريكية التي ذكرت فيها عمان، وهو ما يستدعي دراسة معمقة تستغل الامكانات الالكترونية الحديثة في بحث صورة عمان في الشعر المكتوب باللغة الانجليزية (والغربي على وجه العموم) وتتبع تطور تلك الصورة. فنظرة سريعة على القصائد الانجليزية التي تأتي على ذكر عمان تكشف عن ظاهرة مهمة هي ارتباط عمان بصورة متكررة في هذه القصائد هي لئاليء بحر عمان، وهي صورة غير مألوفة كثيرا في الادب العماني او العربي ذاته، وهذا يثير بعض التساؤلات حول سبب هذا الاختلاف بين تصورنا الذات لنفسها وصورة الآخر لهذه الذات، وربما يكون هذا المجال ميداناً يمكن فيه تطبيق نظرية ادوارد سعيد حول "الخطاب الاستعماري" حيث يشكل الغرب صورة عن الشرق ليست بالضرورة مرتبطة بالواقع الشرقي في حقيقته او برؤية الشرق لذاته، بل وفقاً لتصورات مسبقة تشكل شرقاً او عالماً عربياً متوهماً يتوافق في خطوطه الرئيسية مع المصالح الاستعمارية الغربية.

أقدم فيما يلي ترجمة لإحدى القصائد التي تظهر فيها صورة لئاليء بحر عمان كنموذج على حضور عمان في الشعر المكتوب بالانجليزية، والقصيدة تحمل عنوان "أرصفة السُبات" للشاعر الامريكي ماديسون يوليوس كاوين (1865-1914) يذكر فيها لئاليء بحر عمان بإعتبارها من أنفس النفائس التي تأتي بها "سفن الأحلام" كما يذكر كذلك ذهب أوفير القديمة التي يعتقد كثير من الباحثين انها ظفار.

* * * * * * * * *

قصيدة "أرصفة السُبات"

على أرصفة السبات

شاهدت سفن الاحلام

تشق بحار الضباب وضوء القمر

وأنوار سراج الليل وومضه.

كانت عنابرها تفيض بالغنائم

التي نهبت من كل أرض وكل زمان

ففيها ذهب أوفير، وآلهة الأغريق

وأبيات من قصائد قديمة،

وأقراص البنج من كريت،

وحزم الحرير من اليمن،

وبراعم القرنفل والصندل،

ولئاليء عمان البيضاء كالحليب.

والرقيق، من الرجال والنساء،

الذين يكسو الحسن محياهم

بأناشيدهم التي هب لوقعها النسيم

فتهادت أمامه سفن الأحلام.

انتقيت أفضل البضائع وأجودها

من كل شحنة حملتها سفن الأحلام،

من توابل وذهب ولئاليء ورقيق

ومرّ وجواهر وفراء.

وفيما استغرقت في تأملي

فيما سأحمل وما سأنتقي،

سمعت هاتفاً يصيح بي "انظر!

هي ذي سفينة الفجر قد أتَتَ تخترق الندى"،

عندها اختفت كل سفن الأحلام

وخلَّفَتني في يقظة حزينة،

أتذكر تلك الأشياء البديعة

التي كانت قبل لحيظات ملك يدي.

الأربعاء، 5 نوفمبر، 2003