السبت، 22 مايو، 2010

الفكر المغري وضرورة اجتنابه


الفكر المغري وضرورة اجتنابه
عبدالله الحراصي
(الفقرة الأولى)
لا خلاف أن الغرب يتربص بأي شكل من أشكال التقدم في عالمنا العربي والإسلامي، وهو في هذا التربص ينطلق من منطلق لا ضبابية فيه، وهو العداء التاريخي المستحكم بين عالم العرب المسلم، وعالم الغرب المسيحي، مما أدى إلى رغبة لا يخفيها الغرب ومفكروه في ألا تقوم للعرب والمسلمين قائمة.
(الفقرة الثانية)
يشعر الإنسان بالغربة في عالم العولمة، فهذه العولمة التي قربت الشعوب والأمم، وجعلت من العالم قرية كونية واحدة ترتبط ارتباطاً شديداً ببعضها بعضاً، وحولت القرى المتناثرة في الكون الواسع إلى مراكز للتفاعل في ظل وسائط التكنولوجيا الحديثة، هذه العولمة برغم ذلك تجعل الإنسان يشعر بغربة شديدة، فهو لا يعرف نفسه، ولا يعرف مجتمعه، ولا يعرف ما يريد ولا إلى أين يتجه.
(الفقرة الثالثة)
النظر إلى وضع الترجمة المعاصر في العالم العربي يجعل المرء يشعر بالأسى جرّاء ما يرى، فالترجمة غائبة غياباً يكاد يكون كليّاً عن الثقافة العربية المعاصرة، بخلاف أيام مجدها الذهبي في الحضارة العربية الإسلامية حين كان بيت الحكمة مركز الترجمة في العالم بأكمله، وحيث كان المترجم يعيش أياماً ليس لها مثيل.
* * *
الفقرات الثلاث أعلاه هي أمثلة على ما أسميه الفكر المغري. لأبدأ (بطريقة الأكاديميين المعهودة) بالتعريف. أعني بـ "الفكر المغري" ذلك الفكر الذي يسلّم به الكثيرون، ويأتي من لدن الكاتب أو المتحدث تلقائياً باعتباره من المسلمات الفكرية، كما يتلقاه المتلقي تلقياً كليّا دون أن يستوقف تفكيره، وهو ما يعني بعبارة أخرى أن لا الكاتب ولا المتلقي يبديان أي مقاومة فكريّة تجعلهما يعيدان النظر فيه. إنه الفكر الذي يحمل في لبّه إغراء الحقيقة المفروغ منها. وهذا ما أحذر منه في هذا المقال، إذ إن ثبات فكرة ما ورسوخها واستقرارها باعتبارها مسلّمة لا يجد الشك أو إعادة النظر (بأي شكل من الأشكال) سبيلاً ولو ضيقاً إليها هو في حقيقة الأمر أكبر الأسباب التي تجعل من تلك الفكرة ميداناً للتأمل المتفحص ولإعادة النظر فيها بأكملها أو بعض عناصرها.
حديثي ينطلق من منطلقين. المنطلق الأول هو أن الفكر المغري سهل ويسير إذ لا يبذل الكاتب ولا المتلقي جهداً فكرياً حقيقياً في التعامل معه، وإن أمعنا النظر لوجدنا أن مثل هذا الحديث الوارد في الفقرات الثلاث أعلاه يتكرر مئات إن لم يكن آلاف المرّات، وهذا بعكس الفكر غير المغري، أي الفكر المعاند الذي يسائل الأمور ويهز سكون المسلّمات الفكرية، والذي يتميز بأنه "متعب" لفكر المتلقي الذي اعتاد على الفكر المتوقع والمألوف، وهنا أتذكر اعتراض أحدهم على الإمام أحمد بن حنبل لأنه، أي ذلك الشخص، رأى أن هذا العالم يخوض في قضايا غير مألوفة وقد يرتد التفكير فيها والحديث حولها عليه بالضرر، وأن من الأفضل له أن يتحدث في أمور العبادة والدين، فقال له ابن حنبل "إنك من أصحاب العقول المستريحة".
إضافة إلى سهولة الفكر المغري وإراحته للعقول فإن التحذير من الفكر المغري ينطلق أيضاً من حقيقة أن الفكر، أي فكر، قابل دائماً لإعادة النظر، وإلا تحول إلى إيمان يتم قبوله بالقلب لا بالعقل (أوليس الإيمان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل؟). إن تحول الأفكار، مهما بدت صادقة وصحيحة، إلى مسلّمات يقينية يوقف حركة التفكير في أي مجتمع، وإلى انسداد أبواب التغيير في ذلك المجتمع.
ولو عدنا إلى الفقرات الثلاث في الأعلى لوجدنا أنها بالفعل من المسلمات الفكرية في الثقافة العربية، غير أن اقترابنا منها بالأسئلة ربما يقودنا إلى أن صحتها لا تمضي إلى المدى التام الذي توحي به تلك الفقرات. وسأضرب بعض الأسئلة على الفقرات السابقة:
(الفقرة الأولى): ما هو الغرب بالتحديد؟ هل هو الدول الغربية؟ هل كل الدول الغربية تندرج في الفقرة الماضية؟ هل الغرب إقليم جغرافي أم أنه نطاق فكري قد تقع فيه دول (وربما عقائد وأفراد) لا يوجدون في الغرب الجغرافي؟ ثم ما معنى "التربص"؟ وهل فعلاً هذا التربص موجود وهو الذي يحكم العلاقة بين الغرب والعرب والمسلمين؟ من ناحية أخرى، أليس من بين العرب والمسلمين من "يتربص" أيضاً بالغرب ويتمنى له الدمار؟  ..
(الفقرة الثانية): ما هي العولمة؟ وهل هي حالة عالمية تشمل كل إنسان في الكون؟ هل فكرة القرية العالمية الصغيرة فكرة صحيحة؟ ألا يوجد من هو خارج هذه القرية الصغيرة؟ وهل التقارب الإعلامي والاتصالي هو الذي يخلق القرية الكونية؟ وما معنى الشعور بالغربة وكيف نقيسه وما هي آثاره؟ وهل الإنسان المعولم فعلاً لا يعرف نفسه ومجتمعه ووجهته وما يريد؟ وكيف لنا أن نعرف هذا؟
(الفقرة الثالثة): هل الترجمة غائبة غياباً كلياً عن العالم العربي حالياً؟ من الذي درس العالم العربي المعاصر وأثر الترجمة فيه؟ وعن أي مظهر من مظاهر الحياة نتحدث أم أننا نتحدث عن أثر كليّ للترجمة؟ وهل فعلا كانت الترجمة تعيش عصراً ذهبياً في أيام مجد الحضارة العربية الإسلامية؟ أوليس من المحتمل أن ما وصلنا عن أيام ذهبية للترجمة كان كذباً؟ أو دعاية سياسية؟ أو ربما يمثل أياماً قليلة فقط وليس حالة مستمرة؟
* * *
العظة التي أدعو إليها في مقالي هذا هي أن علينا جميعاً أن نحذر حين نجد أنفسنا ننزلق لنقول شيئاً يردده الكثيرون، بل إن علينا أن نتفحصه، ونثير الأسئلة حوله، فلربما وجدنا أن تلك "الحقائق" ليست حقائق في واقع الأمر، وإنما محض عبارات صدقها الناس وكرروها حتى اعتبرت حقائق لا يتطرق إليها شكّ شاكّ.

للتعليق على المقال اضغط هنا

الثلاثاء، 11 مايو، 2010

قبل أن تحمل لغاتنا الرمز الأسود، فلنفعل شيئاً


قبل أن تحمل لغاتنا الرمز الأسود، فلنفعل شيئاً: 
حول اللغات العمانية المعرضة للانقراض

عبدالله الحراصي

تحدثت مجلة "ذ كرستيان ساينس مونيتور" الأمريكية في أحد أعدادها الأخيرة (19 ابريل 2010) عن لغة من لغات كمبوديا تسمى "ساوخ" لم يبق من يجيد الحديث بها بطلاقة سوى عشرة أشخاص فقط، وبرحيل هؤلاء الأشخاص العشرة سوف تختفي هذه اللغة إلى الأبد، وخسارة لغة من اللغات هي خسارة كبيرة ليس لمتحدثيها فحسب، بل هي خسارة إنسانية عظمى لأن اللغة، أي لغة، هي تراث إنساني يحمل في عناصره اللغوية آثار جوانب متعددة من التجربة الإنسانية كالتاريخ وأنماط العيش والأدب وسواه.
أعاد لي هذا المقال الذاكرة لمقال نشرته في جريدة عمان عام 2005 كان عنوانه "دعوة للحفاظ على لغات ظفار"، باعتبارها جزءاً أصيلاً من تراثنا العماني والعربي غير المادي. أجد نفسي هنا مضطراً لاستعادة مقدمة ذلك المقال لأنها تحمل قصة ذات دلالة حول بقاء اللغات وانقراضها:
في إحدى قمم الجبال في ظفار استضافتني قبل أشهر أسرة كريمة تعيش في خيمة متواضعة. كنت وما أزال معجباً بنمط المعيشة في تلك البيئة البِكر، غير انه كان يقودني في زيارتي الأخيرة اهتمام شخصي بأثر الحياة الحديثة في هذا المجتمع المرتحل القديم. سألت فتاة في المرحلة الأخيرة من مراحل المدرسة عن بعض المسميات الجبالية (الشحرية) لبعض النباتات وكانت في الأغلب تقول أنها لا تعرفها فتحيلني لأمها التي كانت تذكرها جميعاً. سألت نفس الفتاة، التي كانت تتباهى بإصرارها على التحدث معي باللغة الانجليزية الخالية من الأخطاء (بعد أن أخبرتها أني ادرس في قسم اللغة الانجليزية بالجامعة)، إن كانت تسمع أشرطة محاد الفهد، وهو منشد قصائد دبرارت المعروفة في ظفار، فما كان منها إلا أن هبت غاضبة وأخرجت من تحت أكوام من الجلد شريطاً لفيروز وقالت ما أنقله بالحرف "نحن خلاص تحضرنا".
ما كانت تقوله تلك الفتاة هو أنه لم يعد هناك داعٍ للحفاظ على الإرث الثقافي للغة الشحرية/الجبالية لدواعي "التحضر" والاندماج، وهو رأي لا أرغب إلى المسارعة في تخطئته، بل أني أرى أنه يحمل بعض الصواب عند من يعتقد به، فثقافة اللغة العربية تكتسح اللغات الأخرى بحيث لا يجد متحدثو تلك اللغات بدّاً من الإندماج والتخلي عن لغاتهم لكي يتعايشوا مع الأوضاع الجديدة المتغيّرة.
أعود إلى هذا الموضوع ثانية لأن خطر ضياع اللغات في عمان بثقافاتها المختلفة ما زال قائماً، بل أن الخطر يتضاعف يوماً بيوم، برحيل الأجيال الأقدم من متحدثيها، وهؤلاء هم حملة تلك الثقافات التقليدية وممثلو التجربة البشرية المتعددة الأبعاد التي تمثلها.
تعد اليونسكو اللغات من أهم عناصر التراث البشري غير الملموس، وقد اهتمت اهتماماً كبيراً بأمر اللغات المعرضة للإنقراض، وأعدت أطلساً تفاعلياً على شبكة الإنترنت يظهر هذه اللغات ومستوى الخطر الذي يداهمها (يمكن زيارة هذا الأطلس بالضغط هنا).
يقسم الأطلس درجة الخطر إلى خمسة مستويات بألوان مختلفة تظهر في الخارطة لرموز هذه اللغات كالتالي:
-         : vulnerable (اللون الأبيض، معرضة للخطر)
-         : definitely endangered (اللون الأصفر، معرضة للخطر بصورة أكيدة)
-         : severely endangered (اللون البرتقالي، معرضة للخطر بدرجة كبيرة)
-         : critically endangered (اللون الأحمر، معرضة للخطر بدرجة خطيرة)
-         : extinct (اللون الأسود، منقرضة)
 ويبيّن أطلس اليونسكو أن هناك ثمان لغات في عمان معرضة لخطر الانقراض  بثلاثة ألوان من ألوان الخطر (ليس من بينها اللون الأسود حتى الآن) كما يلي:
1. اللغة الكمزارية (عدد المتحدثين بها: 1.700 شخص، ومستوى الخطر برتقالي اللون أي أنها "معرضة للخطر بدرجة كبيرة")
2. اللغة الزدجالية (عدد المتحدثين بها: غير معروف، ومستوى الخطر أحمر اللون أي أنها "معرضة للخطر بدرجة خطيرة")
3. لغة الخوجة، وهي التي تسمى أيضاً "اللغة اللواتية" (العدد التقديري للمتحدثين بها: بين 7000 و 12000، ومستوى الخطر برتقالي اللون أي أنها "معرضة للخطر بدرجة كبيرة")
4. اللغة الحرسوسية (عدد المتحدثين بها: بين 3500 و4000، ومستوى الخطر أصفر اللون أي أنها "معرضة للخطر بصورة أكيدة")
5. اللغة البطحرية (عدد المتحدثين بها: 400 شخص تقريباً، ومستوى الخطر أحمر اللون أي  أنها "معرضة للخطر بدرجة خطيرة")
6. اللغة الشحرية/الجباليّة (عدد المتحدثين بها: نحو 5000 شخص، ومستوى الخطر برتقالي اللون أي أنها "معرضة للخطر بدرجة كبيرة")
7. لغة الهوبيوت (عدد المتحدثين بها: غير معروف ولكن يقدر بـ 400 شخص، ومستوى الخطر برتقالي اللون أي أنها "معرضة للخطر بدرجة كبيرة")
8. اللغة المهرية (عدد المتحدثين بها: 100 ألف شخص، ومستوى الخطر أصفر اللون أي أنها "معرضة للخطر بصورة أكيدة")
إن وضع لغاتنا المعرضة للخطر يدعونا إلى الإسراع في عمل شيء عاجل لحفظ هذه اللغات وتوثيقها بكل أشكال التوثيق الموجودة حتى لا نصل إلى لون الانقراض الأسود. 
إن هذا يتطلب تدخلاً إنقاذياً عاجلاً من قبل مؤسسات الدولة ذات الصلة، إضافة إلى الأدوار التي يمكن أن تؤديها المؤسسات الأكاديمية مثل الجامعات ومجلس البحث العلمي وغيرها من المؤسسات التي تستطيع أن تخصص بعض مراكزها البحثية أو مشاريعها الاستراتيجية في هذا الشأن.
كما أن للكتّاب من متحدثي هذه اللغات دوراً حاسماً في الحفاظ على هذه اللغات بالاسراع في تدوين ما يمكن تدوينه منها واستخدامها في النصوص الأدبية والتعريف بثقافة هذه اللغات ومخاطر انقراضها.

ويتطلب التدخل العاجل التعاون مع المؤسسات الدولية ذات الخبرة في هذا الإطار، إذ تشير اليونسكو مثلاً إلى بعض الإجراءات التي يمكن اتباعها للحفاظ على  مثل هذه اللغات وحمايتها، ويمكن التعاون في هذا الشأن مع اليونسكو التي تقوم ببرامج مثل "سجل الممارسة الجيدة في حفظ اللغة" كمشاريع دراسات اللغات المعرضة للانقراض أو القيام بإعداد قواميس لمفرداتها ودراسة قواعدها المختلفة أو جوانبها الثقافية المتعددة.
يمكن أيضاً التعاون مع بعض المؤسسات الأكاديمية العريقة في شأن دراسة وتوثيق اللغات المعرضة للخطر مثل جامعة لندن، وبالأخص مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية SOAS  التي لديها ثلاثة برامج يمكن الاستفادة منها في شأن التعامل مع اللغات العمانية المعرضة للإنقراض هي البرنامج الأكاديمي الذي يؤهل الباحثين في الدراسات الميدانية في التعامل مع اللغات، وبرنامج التوثيق الذي يقدم منحاً دراسية لتوثيق اللغات، وبرنامج الارشيف (المحفوظات) الذي يحفظ البيانات اللغوية الموثقة ويقدم دورات تقنية في هذا المجال.

قبل أن تحمل لغاتنا الرمز الأسود، فلنفعل شيئاً