الثلاثاء، 28 ديسمبر، 2004

عن الصوت والقول في الثقافة العربية

عن الصوت والقول في الثقافة العربية

عبدالله الحراصي

المتابع لوسائل الاعلام العربية ولما تصدره دور النشر العربية يذهل لكمية الأصوات المكتنزة والمتزاحمة. أصوات لا أول لها ولا آخر، تتصارع فيما بينها وتختلف في كل شيء، غير أن العجب العجاب هو أنها في الآن ذاته تتشابه في كل شيء وأهم ما تتشابه فيه هو أنها لا تقول شيئاً له معنى. تفتح جهاز التلفاز لتشاهد "حواراً" (هكذا يسمى) فتعجب أن المتحدث أو المتحدثين يكررون أصواتاً سمعتها من قبل، ليس مرة أو مرتين بل ربما مئات أو آلاف المرات. كما أنك تقرأ جريدة أو كتاباً فترى أحرفاً سوداء تغطي عشرات الصفحات دون أن يستوقفك كاتبٌ ترى أنه يقول شيئاً له معنى يختلف عن بقية الأصوات (إلا من رحم ربك).

لقد فقدت الأغلبية (المتحدثين والمستمعين، والكتاب والقراء) الشعور بأنهم يتعاملون مع أصوات فقدت معانيها الحقيقية لتكرارها وذيوعها. وفقدان الشعور هذا هو الأخطر في أمر هذه الظاهرة، وهو لا يخص مستخدمي اللغة (كتاباً ومتحدثين) بل يرتبط كذلك بالمتلقين (القراء والمستمعين) الذين لا يلاحظون أن ثمة أمراً إشكالياً خطير الشأن يحدث، فهم يتلقون هذه الأصوات دون أن يسألوا عن سببها أو عن سبب تلقيهم لها عن طيب خاطر، بل واستمتاعهم بها في كثير من الأحيان.

ينطلق هذا المقال إذاً من تفرقة أساسية بين حالتين من حالات استخدام اللغة هما حالة "الصوت" وحالة "القول". تتميز حالة "القول" بوجود إنسان يستخدم قدراته العقلية التحليلية أو التركيبية ليخرج بنتيجة قد تكون تحليلاً لموضوع معين أو حلاً لمعضلة ما، ويكون هذا "القول" متميزاً بحيث يستوقف الآخرين ويجعلهم يتأملون فيما قال ويجعلهم يقبلون على مستقبل حياتهم بتغيير ما، وإن كان ضئيلاً. أما في حالة "الصوت" فإن هناك إنساناً يردد صدى لصدى لصدى لصدى لقول (وعدد الأصداء ليس بذي بال هنا، فالمهم أنه لا يقول بنفسه شيئاً).

الفرد الصوتي يسعى ليقول ما تقوله الأغلبية وما تتوقعه الأغلبية، ويسعى للتميز أحياناً عن طريق واحد هو أنه يغالي في إنغماسه في ما هو متوقع، وربما صارع أصواتاً أخرى لأنها خانت قليلاً الأصوات المتوقعة، وهو بهذا يسعى الى أن يجعل سامعيه يرددون نفس "الأصوات" لتستمر الحياة الصوتية المألوفة. "الصوت"، إنتاجاً واستقبالاً، يصبح بهذا المعنى تجميداً للأوضاع الآسنة المألوفة على كل المستويات. أما الفرد الذي يقول فهو متميز أصلاً بطبيعة تفكيره وبما يقول، كما أنه يسعى من خلال قوله إلى إحداث تغيير في توقعات القراء والمستمعين ونظرتهم لحياتهم. وبهذا فإن "القول"، إنتاجاً واستقبالاً، هو فعل تغييري يسعى الى أن يكون العالم قبل "القول" مختلفاً عن العالم بعده (وكلمة "العالم" هنا تشمل صغرى الأمور وكبراها).

لنضرب مثالاً على حالة "الصوت". لنتخيل الأصوات التالية: "إن الحالة المعيشية في الوطن العربي من الخليج إلى المحيط مزرية ترتبط باقتصاد متهالك ونظام تعليمي يدمر القدرات، كما ان الحياة العربية تخلو من الديمقراطية واحترام حقوق الانسان، ويشعر الانسان الفرد فيها بالضياع وفقدان الوعي بحقوقه". لا ريب أن هذه ليست أول مرة تسمع أو تقرأ فيها مثل هذا الكلام، بل ربما قرأته أو سمعته مئات إن لم يكن آلاف المرات. لماذا إذاً يقوله من يقوله؟ ولماذا لا يحتج من يسمعه ويقول لقائله "كفى، قل شيئاً أو اكتب شيئاً مختلفاً أو فاصمت"؟ المسألة ذات جانبين: الجانب الأول هو أن إصدار "الأصوات" المكررة هو ظاهرة "طبيعية" في الثقافة العربية، والجانب الثاني يتمثل في أن تلقي هذه الأصوات هو نفسه ظاهرة "طبيعية" لا تستوقف أحداً.

توجد مدرستان تفسران الوضع الصوتي العربي (أي كون العرب يصدرون أصواتاً ولا يقولون شيئاً). ترى المدرسة الأولى بأن سبب إنتشار الأصوات في الثقافة العربية المعاصرة يكمن في خلل أصيل في جوهر "العقل العربي" أو في قلب "الذهنية العربية"، وهو خلل لا يمكن إصلاحه لأن هذا العقل وهذه الذهنية يخلوان من عناصر التفكير الأصيل ولهذا فإن كل اللغة التي تنتج عن هذا الوضع هي لغة مكررة لحديث سابق. معنى هذا أن العرب مهما فعلوا فإنهم سيظلون إلى أبد الآبدين يصدرون أصواتاً ويكرروها ولا يقولون برغم هذا شيئاً. لا حاجة لبذل كثير جهد للقول بأن هذه المدرسة خطيرة لأنها عنصرية في منطلقها، حيث أنها تفترض درجات للتفكير بين الأقوام المختلفة وتبايناً لا يمكن تغييره في طبيعة استخدام اللغة يميز بين هذه الأقوام. كما أن هذه المدرسة خطيرة لأنها تشكل برؤيتها القائمة على سكونية العقل العربي وذهنيته مهاداً لتسكين الأوضاع العربية، بمعنى أنها تقول أن على العرب الاستسلام لهذا الوضع الصوتي التكراري لأنه لا يوجد أمامهم خيارٌ حضاري آخر.

بخلاف المدرسة العنصرية هناك مدرسة أخرى أكثر واقعية واكثر مصداقية فيما أرى تقوم على أن الوضع الصوتي العربي هو نتاج لعمليات واقعية ترتبط بمنظومة الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية العربية (أي أن هذا الوضع "نتيجة" نشأت عن "أسباب" تدافعية تحدث في الواقع لظروف معينة في الثقافة العربية وتوجد، وإن كانت بدرجة أقل أو أكثر، في ثقافات أخرى)، وهو ما يبريء العرب من الخلل الجوهري الذي يجعلهم يكررون أصواتاً ولا يقولون شيئاً.

وماذا عن التلقي؟ تفسر هذه المدرسة استمراء العرب تلقي الأصوات وعدم اعتراضهم عليه، بل واستمتاعهم به أحياناً دون أن يقول المتحدث أو الكاتب شيئاً ذا بال بنفس الأسباب التاريخية. فالعمليات الواقعية التي لا تسمح إلا بنشوء "الأصوات" وتمنع نشوء "الأقوال" توفر بالنتيجة بيئة لا يجد فيها العربي المتلقي أي شيء سوى هذه "الأصوات"، وهو ما يجعله يتوهم أن هذا هو الوضع الطبيعي، كما أن هذا المتلقي يرفض "القول" وينعته بالتعقيد أو بفقدان المعنى. كأن المتحدث الصوتي يقول للمتلقي "لا تخشى، سأقول لك ما تتوقع من أصوات" وكأن المستمع يقول للمتحدث "قل لي بحق الله الكلام الذي أتوقعه ولا تقل ما يهز توقعاتي، ولا تقل لي كلاماً لا أفهمه فإني قد أَلِفتُ هذا الوضع وأنا أستمتع به". بكلمات بسيطة أصبح هذا الوضع هو المتحكم بمنظومة استخدام اللغة في الثقافة العربية، فالجميع (إلا من رحم ربك بطبيعة الحال) يعيشون هذا الوضع الصوتي والجميع (مع بقاء الاستثناء السابق) يعملون على مده بالحياة والاستدامة.

هل سيكون العرب دائماً "ظاهرة صوتية" كما قال عبدالله القصيمي؟ هل سيستمرون في انتاج الأصوات وفي استهلاكها دون أن يقولوا أو يسمعوا شيئاً له معنى؟ الإجابة على هذه التساؤلات ليست سهلة، ولكن بكلمات بسيطة يمكن القول بأنه لا يوجد شيء خللي كامن في جوهر "العقل العربي" يجعله يصدر أصواتاً ولا يقول شيئاً، كما أنه لا محل للصدفة هنا، وهو ما يقودنا الى أن نسأل عن المستفيد من هذا الوضع. من صاحب الفائدة من استمرار إنتاج "الأصوات" وتقبلها عن طيب خاطر من قبل الغالبية من العرب؟ ومن صاحب الفائدة في ألا يستخدم الإنسان العربي قدراته العقلية وألا "يقول" شيئاً يغير به حياته وحياة الآخرين؟

الاجابة "الحقة" على مثل هذه التساؤلات ستكون "قولاً" ولن تكون "صوتاً" بطبيعة الحال.

الاثنين، 20 ديسمبر، 2004

حول تغير الأخلاق في المجتمع العماني

حول تغير الأخلاق في المجتمع العماني

عبدالله الحراصي

نشر ملحق "شرفات" الثقافي مقالاً مهماً للكاتب العماني حسين العبري حول تغير "سقوط" الأخلاق، سعى فيه إلى تبيان بعض معالم ما اعتبره تغيراً للأخلاق في المجتمع العماني، وخلاصة مقاله هو "أن هناك تغيرا حاصلا في الأخلاق التي ينتهجها المجتمع العماني في هذه الآونة وهذه اللحظة من التاريخ... ثمة تغير بإيقاع سريع حاصل في المجتمع العماني هنا والآن"، وقد استطاع بطرحه الأدبي الطريف المبتعد عن التعقيد الذي يرافق الكتابات التي تتعرض لمثل هذه المواضيع (خصوصاً الأكاديمية منها) أن يتوغل في مساءلة كنه التغير واتجاهه وبعض تجلياته. غير أني أجد نفسي بعد قراءة هذا المقال مستثاراً ببضعة آراء حول بعض ما ورد في هذا المقال وحول موضوع الأخلاق والتغير الاجتماعي في عمان.

استوقفتني بدءاً كلمة "الأخلاق" نفسها، والأخلاق كما هو معروف قضية لها أبعاد كبيرة تخص كل مستوى من مستويات الحياة البشرية، ويتجلى أهمية هذا البعد من أبعاد الحياة في مبحث كبير من مباحث الفلسفة يحمل اسم "فلسفة الأخلاق"، وهو مبحث يختص بجوانب الكيفية التي ينبغي أن يعيشها بها الإنسان، ويسأل أسئلة مثل "ما هي السعادة؟ أهي سعادة الفرد، بما يتبعها من سلوكيات فردية، أم سعادة المجتمع أو الكل بما يتبعها من خضوع؟ هل من الصواب أن يكذب المرء بنية حسنة؟ هل من العدل أن أعيش غنياً وسط مجموعة من الفقراء؟ وأسئلة كثيرة تختص بالحياة كما ينبغي أن تكون. وتثار فلسفة الأخلاق في حياتنا المعاصرة في حالات يدخل العلم الحديث طرفاً فيها، فهل يجوز القتل "الرحيم" على سبيل المثال؟ أهو جريمة قتل صريحة أم رحمة ورأفة؟ وهل ينبغي للإنسان أن يقبل الاستنساخ أم يرفضه؟

أقول استوقفتني كلمة "الأخلاق" لأن ما فهمته من حديث حسين العبري هو التركيز على "السلوكيات" وليس على "الأخلاق" ذاتها. الأخلاق هي محددات الصحة والخطأ في السلوك، وهي محددات يتفق عليها الأغلبية في المجتمع إلى أن تأتي لحظة تأزم في قبول هذه المحددات، وما يبرز في مقال حسين العبري هو في السلوكيات وتغيرها، وما أراه هو أن الأمثلة التي ضربت على هذه التغيرات في السلوك الفردي أو الجمعي في المجتمع لا تعني أبداً أن هناك حالة تغير في الأخلاق حيث لا تتغير الأخلاق إلا بأزمة يمر بها المجتمع. ربما يحمل الابن العماني جهاز الحاسوب في حضنه بينما لم يكن يعرف أبوه كيف يفك رموز الحروف، وربما يستبدل السيارة بالجمل إلا أن هذا كله لا يعني أبداً، كما ذكر حسين، أن هذه الاختراعات، وقد اختزلت في أربعين سنة أو أقل، قد بعثرت كيان وعقل العماني. عقل الإنسان العماني لم يتغير في جوهره، ولم تتغير الأخلاق، وإنما تغيرت التمظهرات التي تتجلى فيها القيم الأخلاقية. لا ريب أنه قد حدثت بعض التغيرات السلوكية التي لا يمكن إنكارها (النقاش حول تغير الأخلاق هو تغير في حد ذاته) إلا أن مفاصل الصحة والخطأ المقبولة اجتماعياً لم تتغير كثيراً.

لا أرى المجتمع في السلوكيات البارزة لدى أفراده، بل أفضل قياسه في السلوكيات غير البارزة. أعني أنني أفضل ألا نركز على البقعة البسيطة المساحة التي يضيئها مصباح التطورات الاجتماعية العصرية (الكمبيوتر، مقاهي مسقط، القرصنة الانترنتية) بل على تلك المساحة القاتمة المهولة التي ما تزال على حالها (وأنا هنا لا أعطي حكماً قيمياً تفضيلياً لأي من المساحتين). المجتمع لم يتغير (كثيراً، على أقل تقدير) فحال بنيته هو نفسه، وما زال الفرد مغيباً لأن هويته مرتبطة بالجماعة التي ينتمي إليها (أسرة، قبيلة، مذهب ديني، عرق)، وما زال المجتمع ذاته بنفس البنية البطركية القديمة التي احتفظت بنمط تراتبيتها التي تمنح الرجل-الأب السلطة المطلقة وصولاً إلى قمة الهرم الاجتماعي.

أجل ثمة أحلام بالتغيير في الأخلاق الاجتماعية تصطدم بالعادة بصخرة أخلاق المجتمع الثابتة، وتظهر هذه الأخلاق الحلمية الطابع في حالات تأزمية مثل الرغبة في الزواج بين طرفين "ينتميان" إلى موقعين في البنية الاجتماعية القائمة. هنا تظهر الأزمة وينكشف الثبات في الأخلاق الاجتماعية، فتبدأ لدى الطرف الأقوى عملية تقصي في تاريخ الطرف الآخر، وكلما وصل الاستقصاء إلى التاريخ الأقدم في أسرته كلما وفر خلفية أكثر دقة تحدد عملية اتخاذ القرار الرهيب. قد يقال أن ثمة حالات كسر حدثت لهذه البنية، ولكنها حالات قليلة تثبت أكثر ولا تنفي الأخلاق المهيمنة.

يمكن للمرء أن يضرب أمثلة أخرى على الثبات الاجتماعي. لنأخذ وضع المرأة مثلاً: ما زال الكثيرون (وإن لم يكن الجميع) ينظرون إلى المرأة من خلال نفس النظرة الوظيفية القديمة التي تتجلى في أمثلة شائعة مثل "ثوره من بقرته وبيداره من حرمته" (أي أن المزارع يعيش حالة اكتفاء ذاتي فثور الحراثة ستأتي به البقرة التي يربيها، وستأتي زوجته بطفل سيكون في المستقبل هو العامل الذي سيتولى شؤون المزرعة). المعنى الاجتماعي لهذا المثل يجد صداه في بعض العبارات الشائعة بين أوساط معاصرة (من الشباب في الأغلب) في عمان مثل الحديث عن المرأة العاملة بأنها "سكني تجاري" وفيه طبعاً إسقاط لتجربة الأرض التي يمكن استغلالها سكنياً وتجارياً، وكذلك القول "تزوج معلمة واحصل على سيارة كامري" بما فيه من نظرة منفعية صرفة للمرأة تنزع عنها الإنسانية الفردية. تغير الأخلاق كان سيفترض وضعاً آخر (ليس بالضرورة "مساواة"، وهو مفهوم غائم الدلالة) يختلف عن الوضع القديم، ولكن كل ما حدث هو أن الحروف تغيرت فيما تبقت المعاني ذاتها.

هل تبعثر كيان وعقل العماني؟ أبداً. كل ما تبعثر هو الشكل القديم لحياة ذلك الإنسان، وحل محله شكل جديد. يرى حسين العبري أن ثمة تغيراً قد حدث بالانتقال إلى المدينة فقد فقدنا الأخلاق القروية، ولكن هل هذا صحيح؟ هل لدينا مدينة حقاً؟ مسقط، أهي مدينة، أم أنها قرية كبيرة (ومرة أخرى بدون حكم تفضيلي)؟ التحول لحال المدينة من حال القرية له شروط لا تتحقق هنا، لأسباب عديدة منها غياب المجتمع الرأسمالي الصناعي الذي يحدد "أخلاق" المدينة، ومنها كذلك محدودية عدد السكان في عمان كلها بما لم يسمح (حتى الآن على الأقل) بتغيير في محددات الصحة والخطأ الاجتماعيين. ما زال العماني الذي يقطن خارج مسقط يعود إليها بين فترة وأخرى ويسميها "البلاد" ويصلي فيها "وطن" بما تحمل هذه المفاهيم من ثبات ورسوخ في عمق الرؤى والأخلاق. تسأل إنساناً يعيش في روي أو القرم عن بلده فيقول لك انه من الرستاق أو بخا أو رخيوت برغم أنه من الجيل الثالث (إن أردنا أن نستخدم المصطلحات المستخدمة في الغرب المديني)، وكأنه يشعر بعار خفي من أن يقول أنه من مسقط (التي لم تصل لمرتبة المدينة بالمقاييس العالمية أصلاً).

أجمل هذا المقال القصير فأقول أنه ينبغي علينا ألا نمضي بعيداً في تخيلنا للتغير الاجتماعي أو في تغير الأخلاق الاجتماعية، فما حدث ليس سوى تغيرات تمس السطح والقشرة والشكل ولا تصل إلى العمق والمعاني الاجتماعية الراسخة الثبات. كذلك فإن التغيرات الاجتماعية هذه لم تغير المفاهيم الأساسية في حياة المجتمع العماني، وما يراه المرء من تحولات متسارعة في بعض "جيوب" مسقط (المجمعات التجارية وأماكن المهرجانات مثلاً) ليست إلا بقعة شكلية بسيطة تخفي وراءها قارة هائلة المساحة في الحالة الاجتماعية التي لم تمسها يد التغيير لا أخلاقاً ولا سلوكاً.

الثلاثاء، 14 ديسمبر، 2004

الترجمة في أزمنة الحرب

الترجمة في أزمنة الحرب

عبدالله الحراصي

صفحة "قضايا وآراء" (ص 24)، جريدة عمان، الثلاثاء 14 ديسمبر 2004: النسخة الأصلية هنا





الترجمة هي وسيلة اخترعها البشر للتواصل بين شعوبهم المختلفة الألسن، ويثبت تاريخ الترجمة أنها كانت دائماً صلة سلم وأمن بين الشعوب، وهي محرك نهوض حضاري تتفاعل فيه هذه الشعوب التي يجمعها إعمال العقل فكراً وعلماً برغم الاختلاف في اللغة. وبهذا المعنى فإن الترجمة هي المرادف الفعلي للسلام بين الدول والشعوب، وهذا يعني من الجهة الأخرى إنها نقيض الحرب والشقاق، فكيف يعيش المترجم أزمنة الحرب كزماننا هذا؟

يتخذ دور المترجم في زمن الحرب الذي نعيشه طبيعة أكثر خصوصية، فأطراف الحرب المعاصرة ترى أنها ليست مجرد صراع عسكري بين جيوش نظامية مألوفة الطابع بل انه في الأساس بين رؤيتن للكون يكادان يفترقان في كل شيء، بدءاً من توجهاتهما العقدية الأساسية مروراً بقيمهما الاجتماعية وانتهاء بأنماط الحياة الفردية البسيطة. الحرب المعاصرة في الفهم العام هي حرب بين جيشين يرى كل منهما أنه جيش الحق، وجيش الله بعد أن انقسم الكون كله إلى معسكرين هما معسكر الخير ومعسكر الشر، وهو نفس التقسيم الذي نجده عند الطرف الآخر (وإن اختلفت الشحنة الدلالية التاريخية) حيث العالم منقسم إلى فسطاطين لا ثالث لهما هما فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر. في مثل الوضع يجد المترجم نفسه بالضرورة مطلوباً من قبل الجميع ومتهماً من قبل الجميع.

في أزمنة الحضارة وازدهار السلم تنشأ الحاجة للمترجم لينقل إلى لغة من اللغات علوم وأفكار الحضارات الأخرى، أما في زمان الحرب فالحاجة إلى المترجم تكون لكي يكون ميسراً لفهم الآخر، وهو فهم لا يراد له أن يمضي جهة التعايش بل الفهم المباشر السريع لأوضاع سياسية حركية الطابع، أعني إن المترجم يكون لازماً في أوضاع التحقيق مع أسير حرب من الطرف الآخر أو لترجمة نصوص وصل إليها أحد طرفي الحرب بطرق التجسس في الأغلب. وحيث أن الحرب المعاصرة تتضمن في محوريها بعض عناصر حضارتين راسختين مختلفتين تماماً عن بعضهما البعض هما الحضارة الغربية والحضارة العربية الإسلامية (ونحن لا نقول هنا إن الحرب تقع حقيقة بين هاتين الحضارتين) فإن المترجم يتحول فعلاً إلى عملة نادرة خصوصاً في حالة البحث عن مترجم يقوم بالترجمة بين العربية والانجليزية على سبيل المثال. وإذا حددنا حديثنا هنا بالولايات المتحدة الأمريكية فإننا نجد أنها قد واجهت وضعاً صعباً يتمثل في أنها لم تهتم كثيراً بتدريس العربية في جامعاتها،انطلاقاً، على الأرجح، من مركزية ثقافية-لغوية تتمحور حول اللغة الانجليزية (يرى بعض المسئولين الأمريكان أن تدريب شخص على قيادة طائرة ف-14 هو أمر أيسر بكثير من تدريبه على التحدث بالعربية). بعد 11 سبتمبر 2001 اكتشفت الولايات المتحدة خطورة هذا الوضع فأصبح غياب المترجمين المؤهلين من بين مواطني الولايات المتحدة عاملاً له تأثيره على السياسة والحرب ذاتها. فـ"العدو" يتكلم العربية وما يقوله مسجل في أجهزة جمع المعلومات لديها ولكن لا يوجد العدد الكافي من المترجمين الذين يمكنهم أن ينقلوه إلى اللغة الانجليزية، كما لا يوجد عدد كاف من المترجمين ممن يستطيع ترجمة التحقيقات مع المتهمين والأسرى من صفوف هذا "العدو".

والأمر الأكثر طرافة هو أن الأزمة تتعقد أكثر حين يوجد المترجمون، فحساسية طبيعة العمل الذي يتعاملون معه، أي ترجمة النصوص الاستخباراتية، تفرض على المؤسسة في الولايات المتحدة عملية أخرى وهي البحث عن المترجم المأمون الجانب. والمترجم المأمون الجانب الذي ينتمي إلى الطرف الذي تحاربه لا يتوفر بأعداد كبيرة، وإن توفر فليس من البعيد أنه يحمل ميولاً تتفهم حنق الثقافة التي ينتمي إليها (وإن لم يكن ينتمي تنظيمياً إلى المحاربين الفعليين) على الثقافة التي يود العمل معها. وهكذا وجدت الولايات المتحدة لزاماً عليها أن تبحث في ماضي المترجمين أنفسهم حتى لا يتسلل إلى نصوصها الحساسة من بينهم أعضاء من الأعداء، وهو بحث لم يحالفه الحظ دائماً كما تثبت ذلك تجربتان. التجربة الأولى كانت مع مترجمة تركية حملت اسماً امريكياً هو جان دكرسن، فقد تبين لجهاز الأف بي آي بعد أن عين هذه المترجمة ومارست عملها أنها كانت تعمل لدى تنظيم تركي كان يخضع لمتابعة وتقصي وحدة مكافحة التجسس لدى الأف بي آي ذاته، أي أن المترجمة كانت عملياً جاسوساً وظفه هذا الجهاز الإستخباري الأمريكي في حين انها كانت في الحقيقة تعمل لحساب طرف آخر. التجربة الثانية هي تجربة المترجمين في قاعدة غوانتانامو الأمريكية في كوبا. فقد تبين أن المترجمين يسعون كثيراً إلى مساعدة أسرى الحرب، بل تبين أن ثلاثة من المترجمين كانوا جواسيس ينقلون الأسرار التي يطلعون عليها بحكم عملهم إلى الطرف الآخر.

إضافة إلى ما تقدم فقد أثبتت الحرب الحالية، المتعددة المعارك (أفغانستان، العراق ...)، أن هناك وجهاً آخر لممارسة الترجمة في زمن الحرب وهو أن المترجم يصبح متهماً بالعمالة والخيانة من قبل الشعب الذي ينتمي إليه وهو ما تبين تحديداً في تجربة العراق المحتل أمريكياً. في هذا العراق كان المترجمون العراقيون والعرب العاملين لدى القوات الأمريكية هدفاً ينافس الجنود الأمريكيين لدى من يرفض هذا الاحتلال، حيث يرى الرافضون للاحتلال أن المترجمين الذين يتوقع منهم أن يقفوا "مع أمتهم" يمارسون الخيانة العملية بتسهيلهم للتواصل اللغوي للجيش الأمريكي، وهكذا فإنهم معهم في نفس الصف، بل ربما ينبغي القضاء عليهم أولاً، وهو ما أدى إلى مقتل الكثير من المترجمين العراقيين والعرب، بل قتلت كذلك أيضاً أستاذة جامعية تعمل في حقل الترجمة هي المرحومة الدكتورة إيمان عبد المنعم يونس رئيسة قسم الترجمة في كلية الآداب بجامعة الموصل.

التواصل اللغوي عبر الترجمة يصبح في زمان الحرب المعاصر إذا أمراً يتميز بحساسية شديدة، فالمترجم الذي كان يوصف بأنه خائنٌ لمؤلف (ميت في الأغلب) يصبح الآن حاملاً لبذرة خيانة عند الجميع، فثمة طرف يسعى إلى الاستفادة منه ولكنه يفاجأ أن المترجم ليس آلة تنقل الكلام فحسب بل إنسان له توجهاته وآرائه التي ربما تعارضت مع الوظيفة التي يؤديها ذاتها فينتصر لآرائه وتوجهاته، وثمة طرف يرى في المترجم عميلاً خائناً لشعبه أو لأمته لا بد لكي يصلح الحال من القضاء عليه كخطوة أساسية للقضاء على العدو السافر الذي يعمل لديه. بين هذا الطرف وذاك يقف المترجم الذي تبدي التجربة الآن ضرورة وجوده وحساسية دوره في زمن الحرب بعد أن أثبتت التجارب الحضارية الكبرى مركزية دوره في التقارب بين الشعوب ونشر العلم والفكر الذي أنتجه الإنسان إلى الآخر المختلف عنه في اللسان.