الأربعاء، 25 فبراير 2004

لقد اتضحت الرؤية الآن


لقد اتضحت الرؤية الان

عبدالله الحراصي

في ديوان "لا تعتذر عما فعلت" الجديد لمحمود درويش نرى انصهار الذات (الأنا/الصورة المعلقة على الجدار/نفسي) والوطن والانسان (الأنا والعدو) في حرف شعري واحد، مدهش في سكونه وحركته. استوقفني اختزال التاريخ (الذي يعيد درويش تعريفه ليكون "يوميات أسلحة مدوَّنة على أجسادنا") ولعبة التبادل بين المقدس والواقعي حيث يقول في قصيدة "في القدس" مثلا:

في القدس، أعني داخل السور القديم

أسيرُ من زمن الى زمن بلا ذكرى

تُصوِّبُني. فإن الانبياء هناك يقتسمون

تاريخ المقدَّس . . . يصعدون الى السماء

ويرجعون أقلّ إحباطاً وحزناً، فالمحبة

والسلام مقدسان وقادمان الى المدينة.

وهي قصيدة تقرأ فيها تماس الذات مع التاريخ المقدس للمدينة، وهو تماس لا يخلخله الا صوت من التاريخ المعاصر:

... صاحت فجأة جندية:

هو أنتَ ثانية؟ ألم أقتلك؟

قلتُ قتلتني . . . ونسيتُ، مثلك، أن أموت.

وفوران دم فلسطين اليومي يسري في أوردة كثير من قصائد هذا الديوان، فكأن الموت قدر سرمدي في قصيدة "لا ينظرون وراءهم":

لا ينظرون وراءهم ليودعوا منفى،

فإن أمامهم منفى، لقد ألفوا الطريق

الدائري، فلا أمام ولا وراء، ولا

شمال ولا جنوب. "يهاجرون" من

السياج الى الحديقة. يتركون وصية

في كل متر من فِناء البيت.

كما نجد القاتل في قصيدة "لم يسألوا: ماذا وراء الموت" يسأل نفسه أسئلة تتراوح بين أسئلة تاريخية حول إلحاق الهزيمة بهم وأسئلة وجودية أعمق حول هزيمة الذات:

حياتنا عبء على ليل المؤرِّخ: "كلما

أخفيتهم طلعوا علي من الغياب" ...

حياتنا عبء على الرسام: "أرسمهم،

فأصبح واحداً منهم، ويحجبني الضباب".

حياتنا عبء على الجنرال: "كيف يسيل

من شبح دم؟"

* * *

قراءة هذا الديوان أثارت في نفسي بعض الأفكار حول الشعر العربي عموما سعيت الى اختزالها فيما يلي.

لا يمكن القول بأن زمن ما بعد الحداثة قد حل في عالمنا العربي محل أزمنة اليقين والسعي نحو التحديث بل ان الامر ليس الا اختلاطاً في المفاهيم، وهو اختلاط أقرب لأن يكون مظهر خراب الحضارة وتيهها من ان يكون تجاوزا لمرحلة استقر فيها يقين بشرت به حداثة حقيقية. في مثل هذا الزمان نحتاج كثيراً الى أشخاص يذكروننا بالقيّم والحقيقي، لا لنقدره وننزله ما هو أهل له من منزلة ولكن لندرك هول ما نحن فيه من حضور المزيف والناقص والرخيص من كل شيء. في مثل هذا الوضع نحن بحاجة الى محمود درويش ليذكرنا بأن ثمة شيء جميل رائع اسمه الشعر، وهو شيء كدنا أن نفقد فيه الأمل وأن ننساه في خضم التزاعق حول حول ضرورة إعادة تعريف الإنسان شعراً ونثراً، وضرورة تماشي الشعر مع "الحياة الجديدة" المتسارعة. عن أي حياة جديدة متسارعة نتحدث ونحن ليس فقط لم نخرج من وضع الحياة "البطيئة" بل نكصنا نكوصاً مريعاً شلّ كل نبض ورغبة وأمل في حركة ما فتوقف الجسم العربي بأكمله واستحال الى ما يشبه الجثة الهامدة؟

أقول اننا كدنا ان ننسى الشعر لكثرة الصراخ حوله، فما أكثر ما كتب حول "ماهية" الشعر وحول مفاهيم مثل "التشظي" و"تفجير اللغة" و غيرها زوراً وبهتاناً، وجهلاً وسذاجة حين تصدق النوايا. الشاعر ليس ذلك الذي يحاول بإستجداءه ان يقنعك ان ما يقوله شعر (بل هو الشعر، لا غيره) وإنما هو الذي يقول الشعر ويمضي ويدعك تحاول انتشال نفسك من أسئلته، بل من اسئلتك انت بعد دمجك بحرفه وروحه في الوجود الواحد. والشاعر لا يقدم قرابين للشعر، وقرابين الشعر، حينما توجد، فلن تكون برخص زيف الملابس الرثة، ولن تكون برخص تأوهات مصطنعة في مقهى وحديث عن الألم والوجع، ولن تكون برخص شِلَلٍ لا يجمعها الا الزيف والرداءة وتبادل "الإصدارات".

أقرأ محمود درويش فأشعر ان "الدنيا بخير" واشعر كذلك انني انا، وليس محمود درويش والشعر فحسب، موجود. لقد كاد بهلوانات الشعر، ضمن حالة الخراب الأعم بطبيعة الحال، ان يفقدونا شعورنا بالنفس ووجودها، كما كادوا أن يفقدونا حساسيتنا تجاه الوجود وانفتاح الأسئلة الحقة التي هي أوسع من الأزقة الضيقة في أكوان الثنائيات العقيمة من حداثة وتقليد، وقصيدة عمود وقصيدة نثر، وغيرها من الثنائيات. لقد اتضحت الرؤية الان. جميع الكذبة سواسية، لا فرق بين كاذب يحمل خرقة بالية يظن انها راية فتح جديد تعيدنا لقرون المجد السالفة وبين كاذب يحمل خرقة بالية أخرى يظن انها ستدفعنا الى قرون من الحداثة المجيدة. لا فرق بين متعصب لا يرى في القيمة الا ظلال ماض يظنه ناصع البياض وآخر لا يرى فيها الا قفزة بلهاء من حيث نحن الا اللاشيء. لا فرق بين مختزل للشعر في عمود وقافية وبين متعصب آخر يُطعِمنا بدل الشعر زيفاً يفتقد أي مسؤولية حقيقية حتى تجاه العبث الخلاق نفسه.

لقد اتضحت الرؤية الآن، وإن تكن أغلب الالوان مختلطة في حياتنا العربية الا اننا نستطيع الان برغم هذا ان نميز فاتحها من غامقها، وأن نميز بين الحقيقي، مهما اختلفنا حول "جوهره" الفلسفي وحول تدرجاته وأنواعه، وبين المصطنع الرخيص. نستطيع ان نقول الان ان ما يقوله مثل محمود درويش شعرٌ. سمه ما تشاء، انظر اليه من الزاوية التي تختارها، تبسم او ابك حين تقرأه، لكنه شعر. كما نستطيع ان نقول ان أغلب ما نقرأه حولنا ويحمل راية الشعر ليس الا كلاماً غثاً، وليس الا زبداً زائفاً، لن يتوقف عنده الا باحث سيظهر بعد قرون ليؤرخ لهذه المرحلة المنتكسة في تاريخ الشعر العربي.

في مثل هذه اللحظات الحضارية نحتاج الى مثل محمود درويش شاعراً يذكرنا بالشعر، ليس الذي يهززنا عند سماعه، وإنما الذي يطمئننا بأن ثمة نبض وثمة أمل وثمة معنى يمكن ان نسعى اليه حين نقول ان الحياة فلك دائر، وإن التيه الذي نشعر به جميعاً والخراب الذي نلمسه في خلايا الذات الفردية والذات الجمعية له عمر افتراضي سينتهي فيه، وأن للشعور بالهزيمة ومراراتها تاريخ انتهاء صلاحية هو الآخر، وان هذا التاريخ سيأتي لا محالة، وإن تباطأت حركته وتعثر لهزيمة هنا او لخيبة هناك.

الأربعاء، 18 فبراير 2004

الأربعاء، 11 فبراير 2004

المنفى العماني



المنفى العماني

عبدالله الحراصي

تتحدث كتب التراث العربي عن ظاهرة جديرة بالتأمل وهي ظاهرة المنفى العماني لعدد من شعراء الدولتين الأموية والعباسية، وتتكرر حكاية النفي في العادة من ناحية تطور أحداثها، حيث يقوم الشاعر بكتابة قصيدة لا ترضى عنها السلطة القائمة في مركز الدولة الاسلامية في الشام او العراق فيشعر الشاعر بالخوف على نفسه من بطش الحاكم الذي يأخذ في مطاردته، فيختار الشاعر عمان، البلاد البعيدة عن المركز من ناحية والتي توفر له الأمن والطمأنينة على نفسه من ناحية أخرى. سأتحدث في هذا المقال عن قصة شاعرين إختارا المنفى العماني هما كعب بن معدان الأشقري وعمران بن حطان الشاري.

كعب الأشقري شاعر عماني الأصل، ويعده النقاد من الشعراء المجيدين، وكان قد خصص شعره في مدح المهالبة، غير انه اختلف معهم فمدح قتيبة بن مسلم عندم تولى خراسان وهاجم في شعره يزيد بن المهلب، فلما علم بولاية يزيد على خراسان، هرب الى عمان على طريق الطبسين، ويذكر كتاب "الأغاني" انه قال في رحلته فراره الى عمان أبيات شعر تكشف عن نفسيته الهاربة من مدينة "مرو" والمتأملة الطمأنينة في وطن أجداده عمان التي ستكون معقلا له وحرزا يحميه من غضب يزيد والمهالبة فيقول:

وإني تارك مروا ورائي إلى الطبسين معتام عمانا

لآوي معقلا فيها وحرزا فكنا أهل ثروتها زمانا

(ملاحظة: الفعل "اعتام" يعني "اختار")

وصل كعب الى عمان وعاش فيها دهراً غير ان نفس الشاعر القلقة، وإختلاف طبيعة عمان وجوها وجفافها مقارنة بخراسان وأواسط آسيا حيث عاش سابقاً، جعلاه يضيق ذرعا بالحياة في عمان فعزم على مغادرتها وكتب قصيدة تكشف عن نفسية أخرى تختلف عن نفسيته الاولى التي كانت تتأمل الطمأنينة في عمان، فهنا نجد شاعرا يهجو الطبيعة العمانية وجبالها فيقول:

بئس التبدل من مرو وساكنها أرض عمان وسكنى تحت أطواد

يضحي السحاب مطيرا دون منصفها كأن أجبالها غلت بفرصاد

وما أعظم الفرق في نفسية الشاعر بين الأمس واليوم، أي بين "مرو" وعمان، فبالأمس نجد الشاعر يقرر ان يترك "مروا" وراءه الى عمان حيث المعقل والحرز، أما اليوم فنجد يهجو هذا المعقل كما تبينه كلمة "بئس". بعد هذين البيتين يعمد الشاعر الى استراتيجية لجأ اليها كثير من الشعراء في مثل حاله، وهي إظهار الندم على هجاءه المتقدم وتبريره على انه كان ضحية عملية تضليل من قبل أعداء المهالبة:

يا لهف نفسي على أمر خطلت به وما شفيت به غمري وأحقادي

أفنيت خمسين عاما في مديحكم ثم اغتررت بقول الظالم العادي

أبلغ يزيد قرين الجود مالكه بأن كعبا أسير بين أصفاد

فإن عفوت فبيت الجود بيتكم والدهر طوران من غي وإرشاد

وإن مننت بصفح أو سمحت به نزعت نحوك أطنابي وأوتادي

غير ان يزيدا لم ينس هجاءه ولم يصفح عنه فحبسه وأمر أحد أقاربه فقتله.

الشاعر الثاني الذي اختار المنفى العماني كان عمران بن حطان، وهو كما يقول الاصفهاني "من شعراء الشراة ودعاتهم والمقدمين في مذهبهم"، ويذكر كذلك انه لم يكن مقاتلا بل اقتصر دوره على شن الحملات النفسية والإعلامية على أعداء الشراة والدعوة الى مذهبهم برغم انه لم يكن الأصل من الشراة بل تحول الى هذا المذهب لأسباب اختلف فيها فمن قائل انه تحول بعد ان دعاه شخص عماني الى المذهب وآخر يقول ان هذا التحول كان بسبب تزوجه إمرأة من الشراة نجحت ليس فقط في تحويل مذهبه الى مذهب الشراة بل في تحويله الى داعية لمذهبهم بشعره وأدبه، ويبدو انه استطاع بشعره ان يؤثر على الكثيرين من أهل البصرة على نحو يشكل تهديدا لنظام الدولة القائمة آنذاك، وهو ما يكشف عنه الحجاج بن يوسف بنفسه في رسالته الى عبدالملك التي يطلب منه فيه القبض عليه حيث يقول "أما بعد فإن رجلا من أهل الشقاق والنفاق قد كان أفسد علي أهل العراق وحببهم بالشراية ثم إني طلبته فلما ضاق عليه عملي تحول إلى الشام فهو ينتقل في مدائنها".

نزل عمران في الشام عند روح بن زنباع الجذامي الذي كان جليس عبدالملك بن مروان دون ان يكشف له عن هويته. ويروى الأصفهاني ان روح أخبر عبدالملك عن ضيفه ووصفه له فأدرك عبدالملك انه عمران فسأله ان يزوره، وما ان اخبره روح بطلب الخليفة حتى قرر الهروب من الشام، وترك في بيت روح، قبل ان يبدأ رحلة هروب أخرى انتهت به الى عُمان، أبياتاً رائعة تكشف عن نفس ثابتة على مبدأ الشراة الثائر الذي لا يجاري من يعدونهم طغاة، فيتحدث أولا عن تجربته في الهروب وإخفاء هويته حتى يظن الناس انه ليس من الشراة ثم فراره حين تنكشف شخصيته:

يا روح كم من أخي مثوى نزلت به قد ظن ظنك من لخم وغسان

حتى إذا خفته فارقت منزله من بعد ما قيل عمران بن حطان

ثم يتحدث عن شعوره بالأمان في فترة استضافته عنده الى ان شعر بالخوف فآثر الهروب:

قد كنت ضيفك حولا لا تروعني فيه الطوارق من إنس ولا جان

حتى أردت بي العظمى فأوحشني ما أوحش الناس من خوف ابن مروان

فاعذر أخاك ابن زنباع فإن له في الحادثات هنات ذات ألوان

يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن وإن لقيت معديا فعدناني

ويتحدث في بيتين بديعين عن جوهر شخصيته الشارية التي تأبى الانقياد والخضوع، فيقول انه لو أراد التخلي عن مبدأه هذا لكان في وضع المقدم عند الخليفة منذ زمن بعيد:

لو كنت مستغفرا يوما لطاغية كنت المقدم في سري وإعلاني

لكن أبت ذاك آيات مطهرة عند التلاوة في طه وعمران

كعب الاشقري وعمران بن حطان ليسا الأديبين الوحيدين الذين اختارا المنفى العماني حيث تذكر كتب التراث أسماء آخرين اختاروا هذا المنفى البعيد عن مراكز الدولة الاسلامية والذين يوفر، ولو إلى حين، بعض طمأنينة النفس التي فقدوها في هذه المراكز.