الأربعاء، 10 مارس، 2004

أصوات قرية

أصواتُ قرية

عبدالله الحراصي

هي ذي الشمس تأتي على "جَمَّاء" مرة أخرى. أغلب أهل القرية قد استيقظ قبل قدوم الشمس.

كما ان الشمس قلب الكون وعينه، فإن النخلة هي قلب القرية. تسمع منذ الفجر أغاني الأطفال الذين يذهبون ليجمعوا "الرَّقاط" (البلح المتساقط ليلا من أشجار النخيل). كان الكثير منهم يعود الى بيته ليفرغ الوعاء الذي حمله (والذي صنع من خوص النخيل) ويرجع مرة أخرى الى الحقول في دورة "رقاط" اخرى.

يوم اسطوري منذ بدايته. حوار يدور بين اثنين:

"سمعتها ذِك المقوعَة (انثى الثعلب) الليلة؟"

"سمعتها. يالله بخبر الخير"

كان صوت "المقوعة" نذير شؤم عظيم حيث يُرعَب الناس منها ويعتبرون صوتها في الليل إعلاناً عن قرب موت أحد أفراد القرية، وكان الكثير منهم يتطوعون بمطاردتها لتبتعد عن مناطق سكناهم.

الموت مخيف، وكانت الطبيعة تُقَدِّم رموزاً تدل على اقتراب موكبه يفهمها القرويون جيداً.

يطل الطفل على قريته من علياء هضبة جبلية تمنحه حقاً نظرة "عين الطائر"، فالمشهد بأكمله تحت عينه. ينظر أولا الى الحصن الغربي القريب من بيته. ما زال في مكانه، كأنه الأصل الذي تكونت حوله الاشياء. يهيأ له ان هذا الحصن جرم سماوي كان يسبح في الفلك ثم ما لبث ان جذب اليه كوكبا آخر هو الأرض فالتصق به. مدفعه المتجه شرقاً ما زال في مكانه يطل من طرف الهضبة على القرية بأكملها. لم يسمع الطفل أبداً أي طلقة من هذا المدفع، فيستعيض عن رعب الحقيقة بأصوات تأتيه من تاريخٍ أسطَرَهُ سكان القرية. لكنه يتساءل في نفسه "من؟ من كان الأعداء ايها المدفع القادم من الماضي؟"

ينظر الى بيوت القرية الكبيرة نسبياً مقارنة بالقرى المحيطة بها. مجرى الوادي القادم من جبال الرستاق يقسم جمّاء الى قسمين، الشرقي والغربي. والوادي حين "يهبط" يكون كبيراً وهائلا يُسمَع هديره من بعيد. ويستخدم أبناء القرية مصطلحات عديدة للحديث عن الاودية فمنها "الشرجة" و"الوادي" و"الجرفة" بحسب كمية المياه التي تحول ذلك المجرى الى مرجل ماء فيضاني الحركة لا يمكن لإنسان او حيوان او نبات ان يقف في طريقه، والغرق مصير من يقدر له الله ان لا يبتعد عن طريق الوادي.

لكن المطر لم يهطل ولم يأتِ الوادي منذ زمن بعيد، ومياه الفلجين اللذين يسقيان طرفي القرية أخذا في التناقص. يسمع جده يدعو بين فنجان قهوة صباحية وآخر "يالله بالسيل (المطر)، يالله بالسيل. يا رب رحم عبادك". كان غياب الماء عن القرية يعني غياب الحياة ذاتها بدءا من ماء شرب الانسان والحيوان الى سقي النخيل. حكى له جده يوماً عن فترة جفاف مرت بها القرية ولم يجد الناس الماء لسقي نخيلهم فأخذت تموت. موت النخلة في القرى العمانية يعني حلول الموت الشامل، وليس من الغريب ان تجد الرجل يبكي عند جذع نخلته العطشى التي بدأت تصفر أطرافها وأوراقها.

"يالله بالسيل يا ربي، يالله بالوديان" يقولها الجد بالرغم من ان الماء متوفر، ولكنه الخوف من الموت الشامل.

يسمع أصواتاً أخرى قادمة من أنحاء مختلفة من القرية.

عائلة بأكملها في احد الحقول. كانوا "يَجِدُّون" (يقطعون عذوق ثمار النخيل). أصوات أطفال لاهية وصوت أم تصرخ في كبار الاطفال ان يقوموا بـ "رقط" كل"خلالة" وكل "رطبة" تسقط من النخلة.

"برغام" (صوت يصنع بالنفخ في محارة ضخمة) يُسمع من الطرف الشرقي من القرية. انه "عبيد بن سليمان" يعلن ان اليوم سيشهد حفلة "زار". صوت "البرغام" كان بمثابة الدعاية للحفلة وبطاقة الدعوة في آن صوتي واحد.

أصوات سيارات في الهضبة نفسها. سيارات كثيرة. يسأل عن الأمر فيقال له انهم "جايين من الباطنة" لينذروا عند "مسجد بو طوالع". و "مسجد بو طوالع" مسجد أثري يبدو من بناءه انه قديم جداً. لم يعد يستخدمه أحد للصلاة ويبدو انه كان ذات يوم مركز تجمع من البيوت تهدمت بأكملها لسبب مجهول. بعض آثار المسجد باقية حتى الان وهي التي يتجمع فيها كثير من الناس الذين يؤمون المسجد من بعض مناطق الباطنة. لسبب أو لآخر يعتقد هؤلاء الزوار ان لمسجد "بو طوالع" قدرات اسطورية خفية، ولهذا فإنهم ينذرون في مناسباتهم ان يذبحوا وأن يولموا عنده وأن يدعوا أكبر عدد من الناس، ولهذا كانوا يأتون بأعداد كبيرة (ليس أقل من عشر سيارات في الزيارة الواحدة).

كان الطفل وأقرانه (بل حتى الكبار) يضحكون من لهجة هؤلاء القادمين من الباطنة، وخصوصاً القادمين من بعض مناطقها المتميزة بلهجة تختلف لفظاً وجرساً عما عداها. يسمع أحد أبناء الجيران يقول "جيوا رعاة "كُوُن هَذيه" (أي "ها هم قد أتوا أصحاب عبارة "كُون هَذيه""، والتي تعني "ما هذا؟") فيضحك الاخرون.

* * *

يأتي العصر فيسمع صوت "البرغام" مرة أخرى معلناً بأن حفلة "الزار" قد أزفت. كان حفلات الزار تقام تحت شجرة سدر قديمة كأنها لم تنبت بل وجدت هناك منذ وجود الكون نفسه. ها قد تجمع أغلب أهل القرية لمشاهدة الزار. كانت هذه الحفلات تقام لعلاج شخص مريض يعتقد انه مصاب بمس من الجن، وكانت الفكرة هي ان ينشد المشاركون أناشيداً تطلب من هذا الجني الخروج من جسد المريض. كان الامر يتم بالتدريج، فلحظة بلحظة ترتفع الاصوات بالاناشيد التي تختلط في نصوصها أسماء الجان بأسماء البلدان وأسماء اسطورية قادمة من التاريخ العربي مثل طلب العون من الحسن والحسين:

"وا شيب راسي وا شيب راسي

راجي حسن وحسين والوقت ماسي"

أو بعنترة:

"يو عنتر بن زبيبة يو عنتر بن زبيبة

شال سمرة فوق راسه متلحَّف بالحضيبة"

في غمرة الاناشيد يأخذ البعض بما يسمى "النعيش" وهو ان يهز المرء رأسه هزاً عنيفاً على نحو لا شك انه غير الوضع النفسي العادي. يبدأ أحدهم بضرب المريض بالعصا ضرباً لو وصف بكلمة "مبرح" لكان تقليلاً من عنفه، وبصفعه على وجهه الى ان يصدر من المريض صوت فيسأله الرجل (المتيقن ان المتحدث ليس الا الجني) عن هويته:

"من نته؟"

"أنا مهند بن عنتر، وجاي من مرباط، سامحوني، سامحوني"

"أقتلك" (ويصفع المريض صفعات مهولة أخرى) "صاني أقتلك (للتأكيد على النية على قتله، اي الجني)"

"الشيمة الشيمة أنا خارج"

يخرج الجني فيعود الوعي الى المريض وينهض كأنه لم يكن مصاباً بشيء. وإن عادَ عادوا.

* * *

اختفت الآن أصوات القرية تلك. أخفاها الموت وتَحَوُّل القرية الى حارة متناهية الصغر في قرية كونية متناهية الكبر. اختفت تلك الاصوات الى الابد ولم يبق الا اصداءها في ذاكرة من عاش تلك الايام.

الأربعاء، 3 مارس، 2004

حول نفسية المبدعين

حول نفسية المبدعين

عبدالله الحراصي

التوتر النفسي والاجتماعي هو السمة المميزة الرئيسة التي تميز حياة أغلب المبدعين طوال التاريخ، حيث يحل التأزم محل السكون والقبول في علاقة المبدع بالمجتمع من حوله، كما يحل نوع من التأزم كذلك في علاقته بالوضع الفكري الذي يجد هذا المبدع نفسه فيه. في البداية يجد الانسان المبدع نفسه في حالة اختلاف مع أغلب الافراد الذين يعيش بينهم ثم تنقلب هذه الحالة في الغالب الى حالة تضاد وتأزم تفضي بهذا المبدع الى هوامش الحياة الاجتماعية المتحققة، بما يدفعه الى توسيع المساحة الضيقة المتاحة له من خلال ابداعه، فكلما زادت عزلة المبدع (والعزلة المقصودة ليست بالضرورة عدم الاختلاط بالافراد الاخرين، بل عزلة عن طبائع الحياة الاجتماعية وأعرافها) كلما توسعت رؤاه وتوهج الابداع في انتاجه. كما ان المبدع يجد نفسه كذلك في حالة اختلاف، وتضاد وتأزم احيانا، مع الانماط الفكرية والعلمية والادبية وسواها السائدة في زمنه، وهو ما يدفعه كذلك نحو اللجوء الى الابداع الذي يؤدي في نهاية المطاف الى تحريك الساكن في المجتمع والمعرفة والادب، وهو ما يضمن حركية الحياة البشرية وانتقالها من طور إبداعي الى آخر.

والمترجم ضرب خاص من المبدعين، فهناك خلاف حول مدى أصالة دوره الابداعي حينما يقارن بالمبدع الاديب او المبدع المخترع او المبدع الفيلسوف مثلا، ذلك ان الصورة العامة هي ان المترجم لا يقوم بدور ابداعي أصيل، أي ان دوره يقتصر على نقل ما كُتِبَ بلغة ما الى لغة اخرى، فما هو الا وسيط ينتهي دوره عند انتهاء الترجمة. غير ان هذه الصورة المبسطة تنطوي على كثير من التجني على محورية عمل المترجم وكنه دوره الثقافي والحضاري، ونستطيع تبين محورية دور المترجم هذه لو تخيلنا الحال الثقافي والحضاري العربي بغياب المترجمين في الفترة العباسية، حيث ان غياب المترجم هنا يعني غياب أحد المحركين الرئيسيين، وليس الناقل الوسيط فحسب، للحركة الثقافية والفكرية التي قادت فيما بعد الى الانتاج العلمي العربي. معنى هذا اننا نستطيع إدراك دور المترجم حين ننظر الى فعله في إطار تاريخي، أي على مستوى التفاعل بين الحضارات المختلفة التي لا يمكنها ان تتفاهم لولا ما يقوم به هذا المترجم. المترجم يشارك، مع المبدعين الاخرين، في صنع التاريخ الحضاري للأمم.

غير انه على الرغم من هذا الدور الحضاري المحوري الذي يقوم به المترجم فإن الاستخفاف بدوره ظل دائماً موجوداً طوال التاريخ، وتقدم حياة المترجم العباسي حنين بن اسحق أنموذجا على الانتاج الابداعي الضخم للمترجم وعلى التجاهل المتعمد له، وما تبع إبداعه من غيرة وحسد ومكائد من قبل الاخرين، وما ينتج عن هذا وذاك من تأزم نفسي في حياته. يبدأ التأزم في علاقة حنين بالآخرين منذ سني حياته الاولى، فحينما قدم الى بغداد من الحيرة، مسقط رأسه، حاول تعلم الطب على يد يوحنا بن ماسويه، الذي تعود اصوله الى جند يسابور، وهو آنئذ من هو في علم الطب وتعليمه، وكان حنين كثير السؤال، وهو ما لم يكن يجد صدى طيباً عند الاستاذ، لأنه لا يعتقد بأن أهل الحيرة، غير المعروفين بطلب العلم، يمكنهم ان يتعلموا الطب. أنفجر الموقف بينهما ذات يوم حينما استفهم حنين عن مسألة صعب عليه إدراكها فغضب يوحنا وسأل ساخرا "ما لأهل الحيرة ولتعلم الطب؟" ثم أتبع هذا السؤال بأن اقترح على حنين اقتراحاً يدل على احتقاره له ولبذور الابداع لديه حيث يقول "صر الى فلان قرابتك (اي قريبك) حتى يهب لك خمسين درهماً تشتري منها قفافاً صغاراً بدرهم، وزرنيخاً بثلاثة دراهم، وإشتر بالباقي قلوساً (وهي حبال غليظة تستخدم في السفن) واقعد على الطريق وصِحْ "القلوس الجياد" ، فإنه أعود (انفع) عليك من هذه الصناعة (يعني من الطب)" ثم طرد حنيناً من داره فخرج حزيناً باكياً.

لن يجد الانسان حالة تمثل المثل "رب ضارة نافعة" مثل هذه الحادثة التي كان لها تأثير عظيم الشأن في نفس حنين، حيث انها دفعته الى تعلم اليونانية، في الاسكندرية بمصر كما يقال، حتى نبغ فيها نبوغاً كبيراً جعله ينشد بعض قصائد هوميروس. كما ان الحادثة دفعته كذلك الى تعلم العربية فنبغ فيها كذلك، واستمر في طلب العلم لمدة تقارب الست سنوات، عاد بعدها الى بغداد معززا مكرما لدى الخلفاء وخصوصاً المأمون الذي جعله بمثابة المترجم الاول للعلوم من الاغريقية والسريانية الى العربية في أكاديمية "بيت الحكمة".

هذا النجاح الباهر لحنين بن اسحق لم يكن دون ثمن، فقد بدأت نيران الغيرة والحسد تشتعل في قلوب منافسيه، والظريف ان حنيناً أحصاهم عدداً فهم كما يقول "ستة وخمسون رجلاً جملتهم من أهل المذهب" أي انهم كانوا من النصارى مثله. ويحدد حنين سبب هذه الغيرة في قوله انهم رأوه فوقهم وعاليا عليهم بالعلم والعمل وترجمة "الكتب الفاخرة من اللغات التي لا يحسنوها ولا يهتدون اليها ولا يعرفون شيئا منها" في لغة جميلة لا لبس فيها مما يجعل من يطلع على ترجماته يفضلها على كل ترجمة سبقتها. وإزاء إعجاب القراء بترجمات حنين لم يكن أمامهم بد من البحث عن مدخل آخر للهجوم عليه، فأهتدوا الى القول بتهمة تتجاوزه هو وتتعلق بدور الترجمة في خدمة الثقافة العلمية، فقالوا ان حنيناً ليس الا مترجما وليس في عمله أي إبداع ذاتي: "يقولون من هو حنين؟ إنما حنين ناقل لهذه الكتب ليأخذ على نقله الأجرة كما يأخذ الصناع الأجرة على صناعتهم ولا فرق عندنا بينه وبينهم". كانت حجتهم إذا ان دور حنين يقتصر على ترجمة ما فعله الاخرون ليأخذ ثمن ترجمته مالاً، ويشبهونه كصانع السيوف الذي لا يعرف الضراب بها، فدوره ينتهي عند صنع السيف أما استخدامه فهو مهمة يقوم به آخرون أقدر منه.

من الطبيعي ان يتأثر حنين بن اسحق بكل هذا الهجوم القاسي عليه وعلى دوره الحضاري في نقل العلوم فيكشف في عبارة قصيرة عما كما يشعر به من تأثر وتوتر نفسي بسبب ذلك في قوله "فكنت كلما سمعت شيئا من هذا ضاق به صدري وهممت أن اقتل نفسي من الغيظ"، غير انه، إزاء هذا، لا يسلك سلوك الفرد العادي بل سلوك العالِم فيقرر بدل الاستسلام ليأس المهزوم ان يحول حسد الحاسدين الى امر ينبغي دراسته وفهمه، فوجد ان هذه الغيرة أمر طبيعي وليست بِدعاً في الحياة البشرية فهو موجود منذ ان قتل قابيل أخاه هابيل، أضف الى هذا ان هؤلاء الحساد يعلمون حق العلم قبح أفعالهم غير انهم أقرب للمرضى الذين لا يستطيعون ان يتخلصوا من مرضهم كما يقول حنين.

واليوم، اي بعد حوالي اثني عشر قرناً من العصر الذي عاش فيه حنين بن اسحق، لا نجد أثراً لحاسديه، وكل ما بقي هو ما قام به من انتاج ابداعي توزع بين الترجمة والكتابة الاصيلة، في مجال الطب على وجه الخصوص. بعد هذه القرون نرى ان حياة حنين الشخصية والابداعية تقدم تجربة تبرز دور المبدع المنتج وعلاقته المتأزمة مع الافراد الذين يعيش بينهم والذين لا ينفكون يدبرون له المكائد، واحدة تلو الاخرى، كما تقدم لنا الأثر النفسي لهذه المكائد التي كادت، كما يقول حنين نفسه، ان تؤدي به الى الانتحار غيظاً وكمداً.