الاثنين، 23 مارس، 2009

عن الوطن والكتابة والسرقات الأدبية

عن الوطن والكتابة والسرقات الأدبية (مقال في جريدة عمان، 23 فبراير 2009)

عبدالله الحراصي

تتعدد اهتمامات البشر ومشاربهم، وتتنوع سبل حياتهم، وتتباين طبائعهم وأمزجتهم، وكل هذا التنوع يجعل للحياة معنى. ولا ريب أنه من غير المطلوب ومن غير الجائز ومن غير الصحي أن يكون الجميع كتّاباً، فالمزارع يكون في أبلغ تجليات إنجازاته الحياتية ليس حين يكتب بل حين يمارس زراعته وانتاجه، والمدرس يقدم إنجازه الأعظم في تدريسه، والموظف الإداري يزن حسن إنجازه بما يقدمه في سياقه الوظيفي، والكاتب لا يكون كاتباً إلا إن كتب ما يستحق الكتابة، أي أنه يكتب شيئاً جديداً ذا معنى حقيقي وإلا فان ما يكتبه لا يتعدى الأصوات فاقدة المعنى. ومن نافل القول بأن الكتابة ليست أمراً سهلاً وإن استسهله من لا يدركون كنه الكتابة الحقة التي هي في كل الأحوال عصارة ذهن وتجربة ورؤية، وعلى الأخص حين يكون محور الكتابة هو طرح رؤية هذا الكاتب وتجربته وتفكيره والتأثير في جمهور قراءه حول ما يطرحه.

وإضافة إلى المسؤولية الفردية الخاصة بالكتابة التي تقدم الفكر والتجربة والرؤية فإن هناك مسؤولية جماعية لا ينبغي الاستخفاف بها، ألا وهي المسؤولية تجاه جمهور قراء الكاتب في الجريدة أو الكتاب أو سواه من وسائل النشر. وأعني بها أن هناك عقداً وإن لم يكن منظوراً لكنه موجود يقوم على خُلُق الصدق، وبهذا الخلق يفترض القارئ أنه يقرأ نصاً كتبه الكاتب الذي وضع أسمه في أعلى المقال أو في أسفله، وهذا العقد هو عقد عرفي أخلاقي في الأساس، واتخذ مع تطورات الحياة المعاصرة بعداً قانونياً محلياً ودولياً على هيئة قوانين حماية الملكية الفكرية التي تجرم هذا الأمر وتعاقب عليه، وكشفه ومتابعته قانونياً هما حق للجميع وواجب عليهم في الآن ذاته.

لقد تكررت ظاهرة السرقات الأدبية في الصحافة المحلية منذ فترة (أشير إلى أنني لا أقصد حادثة بعينها بل الظاهرة المتكررة)، وأتى بها كتّاب لا يكتبون في صفحات رسائل القراء أو صفحات المبتدئين في الكتابة بل من خصصت لهم أعمدة ومقالات دورية، بل ربما وصل الأمر إلى متخصصين يتوقع منهم صنع المعرفة لا نقلها وسرقتها. ومن الناحية العلمية (هكذا يدرس أستاذ الجامعة طلبته) فان السرقة الأدبية هي أن يقوم كاتب بنقل فكرة أو نص من كاتب آخر وينشرها باسمه دون الإشارة إلى الكاتب الأصلي. تتم السرقة الأدبية في الأساس على مستوى الأفكار، أي أن مفهوم السرقة ينطبق على من ينقل فكرة وينشرها باسمه وإن كان هذا النشر في نص جديد كتبه بنفسه وبلغته واسلوبه، ومن هذا التعريف فإن من ينقل نصاً بأكمله أو جزءاً منه من كاتب آخر دون أن يشير إلى ذلك الكاتب ومهما كانت طبيعة النص (حتى لو كان يحتوي على مجرد إحصائيات وأرقام) فانه يقوم بشكل مباشر من أشكال السرقة الأدبية التي لا مراء فيها، ومن العيب والعار الأخلاقيين في عالم الكتابة وعالم الإعلام الجدال حولها، ودعك من الدفاع عنها فذلك أمر لا ينبغي الحديث عنه أصلاً وأبداً.

كيف يمكن لإمرئ أن ينشر وفي جريدة عامة عملاً ليس بعمله وإنما هو عمل غيره قام بكل سهوله بنقله (أو لنقل بتحديد أكبر، قام الحاسوب المؤتَمِر بأمر المستخدم بنسخ المقال من موقع ما ولصقه في ملف جديد) ونشره باسمه ودون الإشارة إلى كاتبه الأصلي؟ وإن لم يكن يشعر بالخطأ فكيف لا يخاف ولا يخشى من كشف أمره من قبل يرى في كشف الأمر قضية صدق وطني واجب، أو حتى من قبل من يستمتع بترصد المخطئين من الكتاب ليوقعهم على رؤوس الأشهاد (على افتراض سوء الطوية)؟ وما استوقفني واستوقف الكثيرين ذلك السعي للدفاع عن هذه الأخطاء المعلنة والتي تحمل فيما تحمله مقداراً ضخماً من الاستخفاف بالقراء واستسهال الكتابة وكأن الأمر مجرد خطأ بسيط "نطبطب" على كتف من قام به ونقول له بصوت خافت "انت شاطر، بس ما تسوي كذا مرة ثانية".

والأخطر من الحوار حول السرقات الأدبية وتحديدها هو الزج بالوطن في خضم حوار لا ينبغي أن يزج بالوطن فيه، إضافة إلى سوء استخدام مفهوم الوطن في مثل هذا الأمر لتمرير أخطاء لا ينبغي تمريرها ولتبرير خطايا لا ينبغي تبريرها. وبرغم القناعة بان هناك أموراً في النظر إليها فسحة واسعة لوجهات النظر وللرؤى الناتجة عن الاختلاف في ما يختلف فيه البشر، إلا أن هذه القناعة التي تقبل الاختلاف في الرؤى ووجهات النظر لا ينبغي أن يستند عليها لتحويل الأمور التي لا تحتمل الخلاف في الرأي إلى أمر خلافي عادي وتبسيطه وكأنه مجرد خطأ يسير ينبغي أن نتجاهله أو نتعايش معه.

لا شك أن الجميع "أبناء" الوطن وأن الوطن هو "الأب" الحنون وأنه "بيت الجميع"، ولكن علينا ألا نخلط حابل الأمور بنابلها، فكل هذه مجازات واستعارات نستخدمها لنعزز المصالح الجمعية والقيم البناءة والأخلاق القويمة، ولا ينبغي أن نستغل ما توحي به هذه المجازات اللغوية من مشاعر أبوية وأسرية لتبرير ما لا يبرر على المستوى الوطني العام. حين ينقل كاتب عماني مقالا من صحيفة عربية وينشره بأكمله وباسمه دون الإشارة إلى كاتبه الأصلي فهذا لا علاقة له بأننا أبناء وطن واحد، بل أن هذا الكاتب مخطئ ويقع عليه اللوم لأنه أخطأ، وما فعله يقع تحت مسمى "السرقة" الأدبية التي ننهى عنها أطفالنا في المدارس ونحاسب عليها طلبتنا في الجامعات، فكيف حينما ينشر هذا في صحيفة عامة ويأتي من يدافع عنه باسم الوطن؟ والأخطر أن تأتي هذه المقالات باعتبارها مقالات رأي وليس مجرد عروض بسيطة لأحداث أو لكتب أو دراسات او احصائيات. منذ متى كان الرأي يُسرَق وتبرر سرقته؟ الرأي المسروق ليس رأي الوطن، وإنما هو خطأ الكاتب وخطيئته، ورغم ان هذا الكاتب "ابن الوطن" في اللغة المجازية، إلا انه شخص ارتقى مرتقى صعباً لا طاقة له به، وقام بما لم يخلق لأجله، وليس في هذا جهد وطني ينبغي الدفاع عنه بل هو استسهال معيب للكتابة واستخفاف بالقراء ينبغي إيقافه.

إن الحديث عن المخطئين في عالم الكتابة (وغيرهم من المخطئين) وبيان خطأهم، أو التحاور حول مدى خطأهم (في حالة الشك في خطأهم) لا علاقة له بالاخلال بكرامة أبناء الوطن وعزته. كما أن رمي من يكشف سرقة أدبية بأنه مساهم في الحط من كرامة الوطن وأبناءه هو تمترس خطير بالوطن وسوء تدبير ينبغي أن يتوقف، وإلا انهار كل شئ. نقول هذا بصوت عالٍ لأن الصمت عليه مشاركة فيه وإقرار به. وما قرأناه في إحدى الجرائد المحلية مؤخراً حول قضية سرقة أدبية وبطرح خالط للأمور هو أمر في غاية الخطورة. كيف يصبح الحديث عن خطأ محتمل لكاتب تنكيلاً بأبناء الوطن وتشفياً بهم ونفياً لهم؟ لماذا الزج بالوطن وبثقة قيادة الوطن في مشروعها وبمسيرة التنمية الوطنية في الدفاع عن خطأ محتمل ينبغي توضيحه وبيان مقدار الخطأ ومقدار الصواب فيه؟

الوطن العماني للجميع والوطن العماني هو الجميع في آن واحد. الوطن العماني هو أبي وأبوك وأنا وأنت وأخي وأخوك وأبني وأبنك. الوطن هو مجمل التاريخ وحركته ومجمل قيم الحاضر ونشاط الإنسان فيه ومجمل الآمال المستقبلية والحلم بتحقيقها. الوطن هو الصدق وهو الكرامة والعزة وهو الانجاز وهو الحقيقة وهو القيمة وهو الأخلاق في أعلى مستوياتها، والوطن بطبيعته ضد الخطيئة وضد الكذب وضد الزيف وضد انحطاط الأخلاق العليا. الوطن هو الصياد الفقير الذي يقوم في الواحدة بعد منتصف الليل ليجتهد بين أمواج كالجبال لكسب رزقه وإطعام أهل بيته وجلب الغذاء للناس، وهو الطالب في مدرسته وكليته وجامعته إذ يجتهد ويقرأ وينجز ما يتوقع منه إنجازه، والوطن هو اولئك الرجال الصامتون الذين يرقبون المشهد عن بعد وعن كثب يرفدون موارد الخير بما أوتوا من سعة وإمكانية، ويمنعون بما استطاعوا تغلغل الشر والفساد والانحطاط. والوطن هو إنجاز العماني في حركة التاريخ إذ يدفعه النداء الداخلي الجمعي نحو أقاصي الكون مطارداً الأعداء والبغاة وناشراً السلم والخير للعالم. الوطن هو رجفة الإنسان البسيط حين يرى الخطأ ويرفضه ويلفظه ويسعى نحو إصلاحه، أو يلزم أضعف الإيمان فيصمت وفي العين قذى وفي الحلق شجى.

وأخيراً طوبى لعمان، وطننا العزيز الكريم.