الثلاثاء، 28 ديسمبر، 2004

عن الصوت والقول في الثقافة العربية

عن الصوت والقول في الثقافة العربية

عبدالله الحراصي

المتابع لوسائل الاعلام العربية ولما تصدره دور النشر العربية يذهل لكمية الأصوات المكتنزة والمتزاحمة. أصوات لا أول لها ولا آخر، تتصارع فيما بينها وتختلف في كل شيء، غير أن العجب العجاب هو أنها في الآن ذاته تتشابه في كل شيء وأهم ما تتشابه فيه هو أنها لا تقول شيئاً له معنى. تفتح جهاز التلفاز لتشاهد "حواراً" (هكذا يسمى) فتعجب أن المتحدث أو المتحدثين يكررون أصواتاً سمعتها من قبل، ليس مرة أو مرتين بل ربما مئات أو آلاف المرات. كما أنك تقرأ جريدة أو كتاباً فترى أحرفاً سوداء تغطي عشرات الصفحات دون أن يستوقفك كاتبٌ ترى أنه يقول شيئاً له معنى يختلف عن بقية الأصوات (إلا من رحم ربك).

لقد فقدت الأغلبية (المتحدثين والمستمعين، والكتاب والقراء) الشعور بأنهم يتعاملون مع أصوات فقدت معانيها الحقيقية لتكرارها وذيوعها. وفقدان الشعور هذا هو الأخطر في أمر هذه الظاهرة، وهو لا يخص مستخدمي اللغة (كتاباً ومتحدثين) بل يرتبط كذلك بالمتلقين (القراء والمستمعين) الذين لا يلاحظون أن ثمة أمراً إشكالياً خطير الشأن يحدث، فهم يتلقون هذه الأصوات دون أن يسألوا عن سببها أو عن سبب تلقيهم لها عن طيب خاطر، بل واستمتاعهم بها في كثير من الأحيان.

ينطلق هذا المقال إذاً من تفرقة أساسية بين حالتين من حالات استخدام اللغة هما حالة "الصوت" وحالة "القول". تتميز حالة "القول" بوجود إنسان يستخدم قدراته العقلية التحليلية أو التركيبية ليخرج بنتيجة قد تكون تحليلاً لموضوع معين أو حلاً لمعضلة ما، ويكون هذا "القول" متميزاً بحيث يستوقف الآخرين ويجعلهم يتأملون فيما قال ويجعلهم يقبلون على مستقبل حياتهم بتغيير ما، وإن كان ضئيلاً. أما في حالة "الصوت" فإن هناك إنساناً يردد صدى لصدى لصدى لصدى لقول (وعدد الأصداء ليس بذي بال هنا، فالمهم أنه لا يقول بنفسه شيئاً).

الفرد الصوتي يسعى ليقول ما تقوله الأغلبية وما تتوقعه الأغلبية، ويسعى للتميز أحياناً عن طريق واحد هو أنه يغالي في إنغماسه في ما هو متوقع، وربما صارع أصواتاً أخرى لأنها خانت قليلاً الأصوات المتوقعة، وهو بهذا يسعى الى أن يجعل سامعيه يرددون نفس "الأصوات" لتستمر الحياة الصوتية المألوفة. "الصوت"، إنتاجاً واستقبالاً، يصبح بهذا المعنى تجميداً للأوضاع الآسنة المألوفة على كل المستويات. أما الفرد الذي يقول فهو متميز أصلاً بطبيعة تفكيره وبما يقول، كما أنه يسعى من خلال قوله إلى إحداث تغيير في توقعات القراء والمستمعين ونظرتهم لحياتهم. وبهذا فإن "القول"، إنتاجاً واستقبالاً، هو فعل تغييري يسعى الى أن يكون العالم قبل "القول" مختلفاً عن العالم بعده (وكلمة "العالم" هنا تشمل صغرى الأمور وكبراها).

لنضرب مثالاً على حالة "الصوت". لنتخيل الأصوات التالية: "إن الحالة المعيشية في الوطن العربي من الخليج إلى المحيط مزرية ترتبط باقتصاد متهالك ونظام تعليمي يدمر القدرات، كما ان الحياة العربية تخلو من الديمقراطية واحترام حقوق الانسان، ويشعر الانسان الفرد فيها بالضياع وفقدان الوعي بحقوقه". لا ريب أن هذه ليست أول مرة تسمع أو تقرأ فيها مثل هذا الكلام، بل ربما قرأته أو سمعته مئات إن لم يكن آلاف المرات. لماذا إذاً يقوله من يقوله؟ ولماذا لا يحتج من يسمعه ويقول لقائله "كفى، قل شيئاً أو اكتب شيئاً مختلفاً أو فاصمت"؟ المسألة ذات جانبين: الجانب الأول هو أن إصدار "الأصوات" المكررة هو ظاهرة "طبيعية" في الثقافة العربية، والجانب الثاني يتمثل في أن تلقي هذه الأصوات هو نفسه ظاهرة "طبيعية" لا تستوقف أحداً.

توجد مدرستان تفسران الوضع الصوتي العربي (أي كون العرب يصدرون أصواتاً ولا يقولون شيئاً). ترى المدرسة الأولى بأن سبب إنتشار الأصوات في الثقافة العربية المعاصرة يكمن في خلل أصيل في جوهر "العقل العربي" أو في قلب "الذهنية العربية"، وهو خلل لا يمكن إصلاحه لأن هذا العقل وهذه الذهنية يخلوان من عناصر التفكير الأصيل ولهذا فإن كل اللغة التي تنتج عن هذا الوضع هي لغة مكررة لحديث سابق. معنى هذا أن العرب مهما فعلوا فإنهم سيظلون إلى أبد الآبدين يصدرون أصواتاً ويكرروها ولا يقولون برغم هذا شيئاً. لا حاجة لبذل كثير جهد للقول بأن هذه المدرسة خطيرة لأنها عنصرية في منطلقها، حيث أنها تفترض درجات للتفكير بين الأقوام المختلفة وتبايناً لا يمكن تغييره في طبيعة استخدام اللغة يميز بين هذه الأقوام. كما أن هذه المدرسة خطيرة لأنها تشكل برؤيتها القائمة على سكونية العقل العربي وذهنيته مهاداً لتسكين الأوضاع العربية، بمعنى أنها تقول أن على العرب الاستسلام لهذا الوضع الصوتي التكراري لأنه لا يوجد أمامهم خيارٌ حضاري آخر.

بخلاف المدرسة العنصرية هناك مدرسة أخرى أكثر واقعية واكثر مصداقية فيما أرى تقوم على أن الوضع الصوتي العربي هو نتاج لعمليات واقعية ترتبط بمنظومة الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية العربية (أي أن هذا الوضع "نتيجة" نشأت عن "أسباب" تدافعية تحدث في الواقع لظروف معينة في الثقافة العربية وتوجد، وإن كانت بدرجة أقل أو أكثر، في ثقافات أخرى)، وهو ما يبريء العرب من الخلل الجوهري الذي يجعلهم يكررون أصواتاً ولا يقولون شيئاً.

وماذا عن التلقي؟ تفسر هذه المدرسة استمراء العرب تلقي الأصوات وعدم اعتراضهم عليه، بل واستمتاعهم به أحياناً دون أن يقول المتحدث أو الكاتب شيئاً ذا بال بنفس الأسباب التاريخية. فالعمليات الواقعية التي لا تسمح إلا بنشوء "الأصوات" وتمنع نشوء "الأقوال" توفر بالنتيجة بيئة لا يجد فيها العربي المتلقي أي شيء سوى هذه "الأصوات"، وهو ما يجعله يتوهم أن هذا هو الوضع الطبيعي، كما أن هذا المتلقي يرفض "القول" وينعته بالتعقيد أو بفقدان المعنى. كأن المتحدث الصوتي يقول للمتلقي "لا تخشى، سأقول لك ما تتوقع من أصوات" وكأن المستمع يقول للمتحدث "قل لي بحق الله الكلام الذي أتوقعه ولا تقل ما يهز توقعاتي، ولا تقل لي كلاماً لا أفهمه فإني قد أَلِفتُ هذا الوضع وأنا أستمتع به". بكلمات بسيطة أصبح هذا الوضع هو المتحكم بمنظومة استخدام اللغة في الثقافة العربية، فالجميع (إلا من رحم ربك بطبيعة الحال) يعيشون هذا الوضع الصوتي والجميع (مع بقاء الاستثناء السابق) يعملون على مده بالحياة والاستدامة.

هل سيكون العرب دائماً "ظاهرة صوتية" كما قال عبدالله القصيمي؟ هل سيستمرون في انتاج الأصوات وفي استهلاكها دون أن يقولوا أو يسمعوا شيئاً له معنى؟ الإجابة على هذه التساؤلات ليست سهلة، ولكن بكلمات بسيطة يمكن القول بأنه لا يوجد شيء خللي كامن في جوهر "العقل العربي" يجعله يصدر أصواتاً ولا يقول شيئاً، كما أنه لا محل للصدفة هنا، وهو ما يقودنا الى أن نسأل عن المستفيد من هذا الوضع. من صاحب الفائدة من استمرار إنتاج "الأصوات" وتقبلها عن طيب خاطر من قبل الغالبية من العرب؟ ومن صاحب الفائدة في ألا يستخدم الإنسان العربي قدراته العقلية وألا "يقول" شيئاً يغير به حياته وحياة الآخرين؟

الاجابة "الحقة" على مثل هذه التساؤلات ستكون "قولاً" ولن تكون "صوتاً" بطبيعة الحال.

الاثنين، 20 ديسمبر، 2004

حول تغير الأخلاق في المجتمع العماني

حول تغير الأخلاق في المجتمع العماني

عبدالله الحراصي

نشر ملحق "شرفات" الثقافي مقالاً مهماً للكاتب العماني حسين العبري حول تغير "سقوط" الأخلاق، سعى فيه إلى تبيان بعض معالم ما اعتبره تغيراً للأخلاق في المجتمع العماني، وخلاصة مقاله هو "أن هناك تغيرا حاصلا في الأخلاق التي ينتهجها المجتمع العماني في هذه الآونة وهذه اللحظة من التاريخ... ثمة تغير بإيقاع سريع حاصل في المجتمع العماني هنا والآن"، وقد استطاع بطرحه الأدبي الطريف المبتعد عن التعقيد الذي يرافق الكتابات التي تتعرض لمثل هذه المواضيع (خصوصاً الأكاديمية منها) أن يتوغل في مساءلة كنه التغير واتجاهه وبعض تجلياته. غير أني أجد نفسي بعد قراءة هذا المقال مستثاراً ببضعة آراء حول بعض ما ورد في هذا المقال وحول موضوع الأخلاق والتغير الاجتماعي في عمان.

استوقفتني بدءاً كلمة "الأخلاق" نفسها، والأخلاق كما هو معروف قضية لها أبعاد كبيرة تخص كل مستوى من مستويات الحياة البشرية، ويتجلى أهمية هذا البعد من أبعاد الحياة في مبحث كبير من مباحث الفلسفة يحمل اسم "فلسفة الأخلاق"، وهو مبحث يختص بجوانب الكيفية التي ينبغي أن يعيشها بها الإنسان، ويسأل أسئلة مثل "ما هي السعادة؟ أهي سعادة الفرد، بما يتبعها من سلوكيات فردية، أم سعادة المجتمع أو الكل بما يتبعها من خضوع؟ هل من الصواب أن يكذب المرء بنية حسنة؟ هل من العدل أن أعيش غنياً وسط مجموعة من الفقراء؟ وأسئلة كثيرة تختص بالحياة كما ينبغي أن تكون. وتثار فلسفة الأخلاق في حياتنا المعاصرة في حالات يدخل العلم الحديث طرفاً فيها، فهل يجوز القتل "الرحيم" على سبيل المثال؟ أهو جريمة قتل صريحة أم رحمة ورأفة؟ وهل ينبغي للإنسان أن يقبل الاستنساخ أم يرفضه؟

أقول استوقفتني كلمة "الأخلاق" لأن ما فهمته من حديث حسين العبري هو التركيز على "السلوكيات" وليس على "الأخلاق" ذاتها. الأخلاق هي محددات الصحة والخطأ في السلوك، وهي محددات يتفق عليها الأغلبية في المجتمع إلى أن تأتي لحظة تأزم في قبول هذه المحددات، وما يبرز في مقال حسين العبري هو في السلوكيات وتغيرها، وما أراه هو أن الأمثلة التي ضربت على هذه التغيرات في السلوك الفردي أو الجمعي في المجتمع لا تعني أبداً أن هناك حالة تغير في الأخلاق حيث لا تتغير الأخلاق إلا بأزمة يمر بها المجتمع. ربما يحمل الابن العماني جهاز الحاسوب في حضنه بينما لم يكن يعرف أبوه كيف يفك رموز الحروف، وربما يستبدل السيارة بالجمل إلا أن هذا كله لا يعني أبداً، كما ذكر حسين، أن هذه الاختراعات، وقد اختزلت في أربعين سنة أو أقل، قد بعثرت كيان وعقل العماني. عقل الإنسان العماني لم يتغير في جوهره، ولم تتغير الأخلاق، وإنما تغيرت التمظهرات التي تتجلى فيها القيم الأخلاقية. لا ريب أنه قد حدثت بعض التغيرات السلوكية التي لا يمكن إنكارها (النقاش حول تغير الأخلاق هو تغير في حد ذاته) إلا أن مفاصل الصحة والخطأ المقبولة اجتماعياً لم تتغير كثيراً.

لا أرى المجتمع في السلوكيات البارزة لدى أفراده، بل أفضل قياسه في السلوكيات غير البارزة. أعني أنني أفضل ألا نركز على البقعة البسيطة المساحة التي يضيئها مصباح التطورات الاجتماعية العصرية (الكمبيوتر، مقاهي مسقط، القرصنة الانترنتية) بل على تلك المساحة القاتمة المهولة التي ما تزال على حالها (وأنا هنا لا أعطي حكماً قيمياً تفضيلياً لأي من المساحتين). المجتمع لم يتغير (كثيراً، على أقل تقدير) فحال بنيته هو نفسه، وما زال الفرد مغيباً لأن هويته مرتبطة بالجماعة التي ينتمي إليها (أسرة، قبيلة، مذهب ديني، عرق)، وما زال المجتمع ذاته بنفس البنية البطركية القديمة التي احتفظت بنمط تراتبيتها التي تمنح الرجل-الأب السلطة المطلقة وصولاً إلى قمة الهرم الاجتماعي.

أجل ثمة أحلام بالتغيير في الأخلاق الاجتماعية تصطدم بالعادة بصخرة أخلاق المجتمع الثابتة، وتظهر هذه الأخلاق الحلمية الطابع في حالات تأزمية مثل الرغبة في الزواج بين طرفين "ينتميان" إلى موقعين في البنية الاجتماعية القائمة. هنا تظهر الأزمة وينكشف الثبات في الأخلاق الاجتماعية، فتبدأ لدى الطرف الأقوى عملية تقصي في تاريخ الطرف الآخر، وكلما وصل الاستقصاء إلى التاريخ الأقدم في أسرته كلما وفر خلفية أكثر دقة تحدد عملية اتخاذ القرار الرهيب. قد يقال أن ثمة حالات كسر حدثت لهذه البنية، ولكنها حالات قليلة تثبت أكثر ولا تنفي الأخلاق المهيمنة.

يمكن للمرء أن يضرب أمثلة أخرى على الثبات الاجتماعي. لنأخذ وضع المرأة مثلاً: ما زال الكثيرون (وإن لم يكن الجميع) ينظرون إلى المرأة من خلال نفس النظرة الوظيفية القديمة التي تتجلى في أمثلة شائعة مثل "ثوره من بقرته وبيداره من حرمته" (أي أن المزارع يعيش حالة اكتفاء ذاتي فثور الحراثة ستأتي به البقرة التي يربيها، وستأتي زوجته بطفل سيكون في المستقبل هو العامل الذي سيتولى شؤون المزرعة). المعنى الاجتماعي لهذا المثل يجد صداه في بعض العبارات الشائعة بين أوساط معاصرة (من الشباب في الأغلب) في عمان مثل الحديث عن المرأة العاملة بأنها "سكني تجاري" وفيه طبعاً إسقاط لتجربة الأرض التي يمكن استغلالها سكنياً وتجارياً، وكذلك القول "تزوج معلمة واحصل على سيارة كامري" بما فيه من نظرة منفعية صرفة للمرأة تنزع عنها الإنسانية الفردية. تغير الأخلاق كان سيفترض وضعاً آخر (ليس بالضرورة "مساواة"، وهو مفهوم غائم الدلالة) يختلف عن الوضع القديم، ولكن كل ما حدث هو أن الحروف تغيرت فيما تبقت المعاني ذاتها.

هل تبعثر كيان وعقل العماني؟ أبداً. كل ما تبعثر هو الشكل القديم لحياة ذلك الإنسان، وحل محله شكل جديد. يرى حسين العبري أن ثمة تغيراً قد حدث بالانتقال إلى المدينة فقد فقدنا الأخلاق القروية، ولكن هل هذا صحيح؟ هل لدينا مدينة حقاً؟ مسقط، أهي مدينة، أم أنها قرية كبيرة (ومرة أخرى بدون حكم تفضيلي)؟ التحول لحال المدينة من حال القرية له شروط لا تتحقق هنا، لأسباب عديدة منها غياب المجتمع الرأسمالي الصناعي الذي يحدد "أخلاق" المدينة، ومنها كذلك محدودية عدد السكان في عمان كلها بما لم يسمح (حتى الآن على الأقل) بتغيير في محددات الصحة والخطأ الاجتماعيين. ما زال العماني الذي يقطن خارج مسقط يعود إليها بين فترة وأخرى ويسميها "البلاد" ويصلي فيها "وطن" بما تحمل هذه المفاهيم من ثبات ورسوخ في عمق الرؤى والأخلاق. تسأل إنساناً يعيش في روي أو القرم عن بلده فيقول لك انه من الرستاق أو بخا أو رخيوت برغم أنه من الجيل الثالث (إن أردنا أن نستخدم المصطلحات المستخدمة في الغرب المديني)، وكأنه يشعر بعار خفي من أن يقول أنه من مسقط (التي لم تصل لمرتبة المدينة بالمقاييس العالمية أصلاً).

أجمل هذا المقال القصير فأقول أنه ينبغي علينا ألا نمضي بعيداً في تخيلنا للتغير الاجتماعي أو في تغير الأخلاق الاجتماعية، فما حدث ليس سوى تغيرات تمس السطح والقشرة والشكل ولا تصل إلى العمق والمعاني الاجتماعية الراسخة الثبات. كذلك فإن التغيرات الاجتماعية هذه لم تغير المفاهيم الأساسية في حياة المجتمع العماني، وما يراه المرء من تحولات متسارعة في بعض "جيوب" مسقط (المجمعات التجارية وأماكن المهرجانات مثلاً) ليست إلا بقعة شكلية بسيطة تخفي وراءها قارة هائلة المساحة في الحالة الاجتماعية التي لم تمسها يد التغيير لا أخلاقاً ولا سلوكاً.

الثلاثاء، 14 ديسمبر، 2004

الترجمة في أزمنة الحرب

الترجمة في أزمنة الحرب

عبدالله الحراصي

صفحة "قضايا وآراء" (ص 24)، جريدة عمان، الثلاثاء 14 ديسمبر 2004: النسخة الأصلية هنا





الترجمة هي وسيلة اخترعها البشر للتواصل بين شعوبهم المختلفة الألسن، ويثبت تاريخ الترجمة أنها كانت دائماً صلة سلم وأمن بين الشعوب، وهي محرك نهوض حضاري تتفاعل فيه هذه الشعوب التي يجمعها إعمال العقل فكراً وعلماً برغم الاختلاف في اللغة. وبهذا المعنى فإن الترجمة هي المرادف الفعلي للسلام بين الدول والشعوب، وهذا يعني من الجهة الأخرى إنها نقيض الحرب والشقاق، فكيف يعيش المترجم أزمنة الحرب كزماننا هذا؟

يتخذ دور المترجم في زمن الحرب الذي نعيشه طبيعة أكثر خصوصية، فأطراف الحرب المعاصرة ترى أنها ليست مجرد صراع عسكري بين جيوش نظامية مألوفة الطابع بل انه في الأساس بين رؤيتن للكون يكادان يفترقان في كل شيء، بدءاً من توجهاتهما العقدية الأساسية مروراً بقيمهما الاجتماعية وانتهاء بأنماط الحياة الفردية البسيطة. الحرب المعاصرة في الفهم العام هي حرب بين جيشين يرى كل منهما أنه جيش الحق، وجيش الله بعد أن انقسم الكون كله إلى معسكرين هما معسكر الخير ومعسكر الشر، وهو نفس التقسيم الذي نجده عند الطرف الآخر (وإن اختلفت الشحنة الدلالية التاريخية) حيث العالم منقسم إلى فسطاطين لا ثالث لهما هما فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر. في مثل الوضع يجد المترجم نفسه بالضرورة مطلوباً من قبل الجميع ومتهماً من قبل الجميع.

في أزمنة الحضارة وازدهار السلم تنشأ الحاجة للمترجم لينقل إلى لغة من اللغات علوم وأفكار الحضارات الأخرى، أما في زمان الحرب فالحاجة إلى المترجم تكون لكي يكون ميسراً لفهم الآخر، وهو فهم لا يراد له أن يمضي جهة التعايش بل الفهم المباشر السريع لأوضاع سياسية حركية الطابع، أعني إن المترجم يكون لازماً في أوضاع التحقيق مع أسير حرب من الطرف الآخر أو لترجمة نصوص وصل إليها أحد طرفي الحرب بطرق التجسس في الأغلب. وحيث أن الحرب المعاصرة تتضمن في محوريها بعض عناصر حضارتين راسختين مختلفتين تماماً عن بعضهما البعض هما الحضارة الغربية والحضارة العربية الإسلامية (ونحن لا نقول هنا إن الحرب تقع حقيقة بين هاتين الحضارتين) فإن المترجم يتحول فعلاً إلى عملة نادرة خصوصاً في حالة البحث عن مترجم يقوم بالترجمة بين العربية والانجليزية على سبيل المثال. وإذا حددنا حديثنا هنا بالولايات المتحدة الأمريكية فإننا نجد أنها قد واجهت وضعاً صعباً يتمثل في أنها لم تهتم كثيراً بتدريس العربية في جامعاتها،انطلاقاً، على الأرجح، من مركزية ثقافية-لغوية تتمحور حول اللغة الانجليزية (يرى بعض المسئولين الأمريكان أن تدريب شخص على قيادة طائرة ف-14 هو أمر أيسر بكثير من تدريبه على التحدث بالعربية). بعد 11 سبتمبر 2001 اكتشفت الولايات المتحدة خطورة هذا الوضع فأصبح غياب المترجمين المؤهلين من بين مواطني الولايات المتحدة عاملاً له تأثيره على السياسة والحرب ذاتها. فـ"العدو" يتكلم العربية وما يقوله مسجل في أجهزة جمع المعلومات لديها ولكن لا يوجد العدد الكافي من المترجمين الذين يمكنهم أن ينقلوه إلى اللغة الانجليزية، كما لا يوجد عدد كاف من المترجمين ممن يستطيع ترجمة التحقيقات مع المتهمين والأسرى من صفوف هذا "العدو".

والأمر الأكثر طرافة هو أن الأزمة تتعقد أكثر حين يوجد المترجمون، فحساسية طبيعة العمل الذي يتعاملون معه، أي ترجمة النصوص الاستخباراتية، تفرض على المؤسسة في الولايات المتحدة عملية أخرى وهي البحث عن المترجم المأمون الجانب. والمترجم المأمون الجانب الذي ينتمي إلى الطرف الذي تحاربه لا يتوفر بأعداد كبيرة، وإن توفر فليس من البعيد أنه يحمل ميولاً تتفهم حنق الثقافة التي ينتمي إليها (وإن لم يكن ينتمي تنظيمياً إلى المحاربين الفعليين) على الثقافة التي يود العمل معها. وهكذا وجدت الولايات المتحدة لزاماً عليها أن تبحث في ماضي المترجمين أنفسهم حتى لا يتسلل إلى نصوصها الحساسة من بينهم أعضاء من الأعداء، وهو بحث لم يحالفه الحظ دائماً كما تثبت ذلك تجربتان. التجربة الأولى كانت مع مترجمة تركية حملت اسماً امريكياً هو جان دكرسن، فقد تبين لجهاز الأف بي آي بعد أن عين هذه المترجمة ومارست عملها أنها كانت تعمل لدى تنظيم تركي كان يخضع لمتابعة وتقصي وحدة مكافحة التجسس لدى الأف بي آي ذاته، أي أن المترجمة كانت عملياً جاسوساً وظفه هذا الجهاز الإستخباري الأمريكي في حين انها كانت في الحقيقة تعمل لحساب طرف آخر. التجربة الثانية هي تجربة المترجمين في قاعدة غوانتانامو الأمريكية في كوبا. فقد تبين أن المترجمين يسعون كثيراً إلى مساعدة أسرى الحرب، بل تبين أن ثلاثة من المترجمين كانوا جواسيس ينقلون الأسرار التي يطلعون عليها بحكم عملهم إلى الطرف الآخر.

إضافة إلى ما تقدم فقد أثبتت الحرب الحالية، المتعددة المعارك (أفغانستان، العراق ...)، أن هناك وجهاً آخر لممارسة الترجمة في زمن الحرب وهو أن المترجم يصبح متهماً بالعمالة والخيانة من قبل الشعب الذي ينتمي إليه وهو ما تبين تحديداً في تجربة العراق المحتل أمريكياً. في هذا العراق كان المترجمون العراقيون والعرب العاملين لدى القوات الأمريكية هدفاً ينافس الجنود الأمريكيين لدى من يرفض هذا الاحتلال، حيث يرى الرافضون للاحتلال أن المترجمين الذين يتوقع منهم أن يقفوا "مع أمتهم" يمارسون الخيانة العملية بتسهيلهم للتواصل اللغوي للجيش الأمريكي، وهكذا فإنهم معهم في نفس الصف، بل ربما ينبغي القضاء عليهم أولاً، وهو ما أدى إلى مقتل الكثير من المترجمين العراقيين والعرب، بل قتلت كذلك أيضاً أستاذة جامعية تعمل في حقل الترجمة هي المرحومة الدكتورة إيمان عبد المنعم يونس رئيسة قسم الترجمة في كلية الآداب بجامعة الموصل.

التواصل اللغوي عبر الترجمة يصبح في زمان الحرب المعاصر إذا أمراً يتميز بحساسية شديدة، فالمترجم الذي كان يوصف بأنه خائنٌ لمؤلف (ميت في الأغلب) يصبح الآن حاملاً لبذرة خيانة عند الجميع، فثمة طرف يسعى إلى الاستفادة منه ولكنه يفاجأ أن المترجم ليس آلة تنقل الكلام فحسب بل إنسان له توجهاته وآرائه التي ربما تعارضت مع الوظيفة التي يؤديها ذاتها فينتصر لآرائه وتوجهاته، وثمة طرف يرى في المترجم عميلاً خائناً لشعبه أو لأمته لا بد لكي يصلح الحال من القضاء عليه كخطوة أساسية للقضاء على العدو السافر الذي يعمل لديه. بين هذا الطرف وذاك يقف المترجم الذي تبدي التجربة الآن ضرورة وجوده وحساسية دوره في زمن الحرب بعد أن أثبتت التجارب الحضارية الكبرى مركزية دوره في التقارب بين الشعوب ونشر العلم والفكر الذي أنتجه الإنسان إلى الآخر المختلف عنه في اللسان.

الأربعاء، 10 مارس، 2004

أصوات قرية

أصواتُ قرية

عبدالله الحراصي

هي ذي الشمس تأتي على "جَمَّاء" مرة أخرى. أغلب أهل القرية قد استيقظ قبل قدوم الشمس.

كما ان الشمس قلب الكون وعينه، فإن النخلة هي قلب القرية. تسمع منذ الفجر أغاني الأطفال الذين يذهبون ليجمعوا "الرَّقاط" (البلح المتساقط ليلا من أشجار النخيل). كان الكثير منهم يعود الى بيته ليفرغ الوعاء الذي حمله (والذي صنع من خوص النخيل) ويرجع مرة أخرى الى الحقول في دورة "رقاط" اخرى.

يوم اسطوري منذ بدايته. حوار يدور بين اثنين:

"سمعتها ذِك المقوعَة (انثى الثعلب) الليلة؟"

"سمعتها. يالله بخبر الخير"

كان صوت "المقوعة" نذير شؤم عظيم حيث يُرعَب الناس منها ويعتبرون صوتها في الليل إعلاناً عن قرب موت أحد أفراد القرية، وكان الكثير منهم يتطوعون بمطاردتها لتبتعد عن مناطق سكناهم.

الموت مخيف، وكانت الطبيعة تُقَدِّم رموزاً تدل على اقتراب موكبه يفهمها القرويون جيداً.

يطل الطفل على قريته من علياء هضبة جبلية تمنحه حقاً نظرة "عين الطائر"، فالمشهد بأكمله تحت عينه. ينظر أولا الى الحصن الغربي القريب من بيته. ما زال في مكانه، كأنه الأصل الذي تكونت حوله الاشياء. يهيأ له ان هذا الحصن جرم سماوي كان يسبح في الفلك ثم ما لبث ان جذب اليه كوكبا آخر هو الأرض فالتصق به. مدفعه المتجه شرقاً ما زال في مكانه يطل من طرف الهضبة على القرية بأكملها. لم يسمع الطفل أبداً أي طلقة من هذا المدفع، فيستعيض عن رعب الحقيقة بأصوات تأتيه من تاريخٍ أسطَرَهُ سكان القرية. لكنه يتساءل في نفسه "من؟ من كان الأعداء ايها المدفع القادم من الماضي؟"

ينظر الى بيوت القرية الكبيرة نسبياً مقارنة بالقرى المحيطة بها. مجرى الوادي القادم من جبال الرستاق يقسم جمّاء الى قسمين، الشرقي والغربي. والوادي حين "يهبط" يكون كبيراً وهائلا يُسمَع هديره من بعيد. ويستخدم أبناء القرية مصطلحات عديدة للحديث عن الاودية فمنها "الشرجة" و"الوادي" و"الجرفة" بحسب كمية المياه التي تحول ذلك المجرى الى مرجل ماء فيضاني الحركة لا يمكن لإنسان او حيوان او نبات ان يقف في طريقه، والغرق مصير من يقدر له الله ان لا يبتعد عن طريق الوادي.

لكن المطر لم يهطل ولم يأتِ الوادي منذ زمن بعيد، ومياه الفلجين اللذين يسقيان طرفي القرية أخذا في التناقص. يسمع جده يدعو بين فنجان قهوة صباحية وآخر "يالله بالسيل (المطر)، يالله بالسيل. يا رب رحم عبادك". كان غياب الماء عن القرية يعني غياب الحياة ذاتها بدءا من ماء شرب الانسان والحيوان الى سقي النخيل. حكى له جده يوماً عن فترة جفاف مرت بها القرية ولم يجد الناس الماء لسقي نخيلهم فأخذت تموت. موت النخلة في القرى العمانية يعني حلول الموت الشامل، وليس من الغريب ان تجد الرجل يبكي عند جذع نخلته العطشى التي بدأت تصفر أطرافها وأوراقها.

"يالله بالسيل يا ربي، يالله بالوديان" يقولها الجد بالرغم من ان الماء متوفر، ولكنه الخوف من الموت الشامل.

يسمع أصواتاً أخرى قادمة من أنحاء مختلفة من القرية.

عائلة بأكملها في احد الحقول. كانوا "يَجِدُّون" (يقطعون عذوق ثمار النخيل). أصوات أطفال لاهية وصوت أم تصرخ في كبار الاطفال ان يقوموا بـ "رقط" كل"خلالة" وكل "رطبة" تسقط من النخلة.

"برغام" (صوت يصنع بالنفخ في محارة ضخمة) يُسمع من الطرف الشرقي من القرية. انه "عبيد بن سليمان" يعلن ان اليوم سيشهد حفلة "زار". صوت "البرغام" كان بمثابة الدعاية للحفلة وبطاقة الدعوة في آن صوتي واحد.

أصوات سيارات في الهضبة نفسها. سيارات كثيرة. يسأل عن الأمر فيقال له انهم "جايين من الباطنة" لينذروا عند "مسجد بو طوالع". و "مسجد بو طوالع" مسجد أثري يبدو من بناءه انه قديم جداً. لم يعد يستخدمه أحد للصلاة ويبدو انه كان ذات يوم مركز تجمع من البيوت تهدمت بأكملها لسبب مجهول. بعض آثار المسجد باقية حتى الان وهي التي يتجمع فيها كثير من الناس الذين يؤمون المسجد من بعض مناطق الباطنة. لسبب أو لآخر يعتقد هؤلاء الزوار ان لمسجد "بو طوالع" قدرات اسطورية خفية، ولهذا فإنهم ينذرون في مناسباتهم ان يذبحوا وأن يولموا عنده وأن يدعوا أكبر عدد من الناس، ولهذا كانوا يأتون بأعداد كبيرة (ليس أقل من عشر سيارات في الزيارة الواحدة).

كان الطفل وأقرانه (بل حتى الكبار) يضحكون من لهجة هؤلاء القادمين من الباطنة، وخصوصاً القادمين من بعض مناطقها المتميزة بلهجة تختلف لفظاً وجرساً عما عداها. يسمع أحد أبناء الجيران يقول "جيوا رعاة "كُوُن هَذيه" (أي "ها هم قد أتوا أصحاب عبارة "كُون هَذيه""، والتي تعني "ما هذا؟") فيضحك الاخرون.

* * *

يأتي العصر فيسمع صوت "البرغام" مرة أخرى معلناً بأن حفلة "الزار" قد أزفت. كان حفلات الزار تقام تحت شجرة سدر قديمة كأنها لم تنبت بل وجدت هناك منذ وجود الكون نفسه. ها قد تجمع أغلب أهل القرية لمشاهدة الزار. كانت هذه الحفلات تقام لعلاج شخص مريض يعتقد انه مصاب بمس من الجن، وكانت الفكرة هي ان ينشد المشاركون أناشيداً تطلب من هذا الجني الخروج من جسد المريض. كان الامر يتم بالتدريج، فلحظة بلحظة ترتفع الاصوات بالاناشيد التي تختلط في نصوصها أسماء الجان بأسماء البلدان وأسماء اسطورية قادمة من التاريخ العربي مثل طلب العون من الحسن والحسين:

"وا شيب راسي وا شيب راسي

راجي حسن وحسين والوقت ماسي"

أو بعنترة:

"يو عنتر بن زبيبة يو عنتر بن زبيبة

شال سمرة فوق راسه متلحَّف بالحضيبة"

في غمرة الاناشيد يأخذ البعض بما يسمى "النعيش" وهو ان يهز المرء رأسه هزاً عنيفاً على نحو لا شك انه غير الوضع النفسي العادي. يبدأ أحدهم بضرب المريض بالعصا ضرباً لو وصف بكلمة "مبرح" لكان تقليلاً من عنفه، وبصفعه على وجهه الى ان يصدر من المريض صوت فيسأله الرجل (المتيقن ان المتحدث ليس الا الجني) عن هويته:

"من نته؟"

"أنا مهند بن عنتر، وجاي من مرباط، سامحوني، سامحوني"

"أقتلك" (ويصفع المريض صفعات مهولة أخرى) "صاني أقتلك (للتأكيد على النية على قتله، اي الجني)"

"الشيمة الشيمة أنا خارج"

يخرج الجني فيعود الوعي الى المريض وينهض كأنه لم يكن مصاباً بشيء. وإن عادَ عادوا.

* * *

اختفت الآن أصوات القرية تلك. أخفاها الموت وتَحَوُّل القرية الى حارة متناهية الصغر في قرية كونية متناهية الكبر. اختفت تلك الاصوات الى الابد ولم يبق الا اصداءها في ذاكرة من عاش تلك الايام.

الأربعاء، 3 مارس، 2004

حول نفسية المبدعين

حول نفسية المبدعين

عبدالله الحراصي

التوتر النفسي والاجتماعي هو السمة المميزة الرئيسة التي تميز حياة أغلب المبدعين طوال التاريخ، حيث يحل التأزم محل السكون والقبول في علاقة المبدع بالمجتمع من حوله، كما يحل نوع من التأزم كذلك في علاقته بالوضع الفكري الذي يجد هذا المبدع نفسه فيه. في البداية يجد الانسان المبدع نفسه في حالة اختلاف مع أغلب الافراد الذين يعيش بينهم ثم تنقلب هذه الحالة في الغالب الى حالة تضاد وتأزم تفضي بهذا المبدع الى هوامش الحياة الاجتماعية المتحققة، بما يدفعه الى توسيع المساحة الضيقة المتاحة له من خلال ابداعه، فكلما زادت عزلة المبدع (والعزلة المقصودة ليست بالضرورة عدم الاختلاط بالافراد الاخرين، بل عزلة عن طبائع الحياة الاجتماعية وأعرافها) كلما توسعت رؤاه وتوهج الابداع في انتاجه. كما ان المبدع يجد نفسه كذلك في حالة اختلاف، وتضاد وتأزم احيانا، مع الانماط الفكرية والعلمية والادبية وسواها السائدة في زمنه، وهو ما يدفعه كذلك نحو اللجوء الى الابداع الذي يؤدي في نهاية المطاف الى تحريك الساكن في المجتمع والمعرفة والادب، وهو ما يضمن حركية الحياة البشرية وانتقالها من طور إبداعي الى آخر.

والمترجم ضرب خاص من المبدعين، فهناك خلاف حول مدى أصالة دوره الابداعي حينما يقارن بالمبدع الاديب او المبدع المخترع او المبدع الفيلسوف مثلا، ذلك ان الصورة العامة هي ان المترجم لا يقوم بدور ابداعي أصيل، أي ان دوره يقتصر على نقل ما كُتِبَ بلغة ما الى لغة اخرى، فما هو الا وسيط ينتهي دوره عند انتهاء الترجمة. غير ان هذه الصورة المبسطة تنطوي على كثير من التجني على محورية عمل المترجم وكنه دوره الثقافي والحضاري، ونستطيع تبين محورية دور المترجم هذه لو تخيلنا الحال الثقافي والحضاري العربي بغياب المترجمين في الفترة العباسية، حيث ان غياب المترجم هنا يعني غياب أحد المحركين الرئيسيين، وليس الناقل الوسيط فحسب، للحركة الثقافية والفكرية التي قادت فيما بعد الى الانتاج العلمي العربي. معنى هذا اننا نستطيع إدراك دور المترجم حين ننظر الى فعله في إطار تاريخي، أي على مستوى التفاعل بين الحضارات المختلفة التي لا يمكنها ان تتفاهم لولا ما يقوم به هذا المترجم. المترجم يشارك، مع المبدعين الاخرين، في صنع التاريخ الحضاري للأمم.

غير انه على الرغم من هذا الدور الحضاري المحوري الذي يقوم به المترجم فإن الاستخفاف بدوره ظل دائماً موجوداً طوال التاريخ، وتقدم حياة المترجم العباسي حنين بن اسحق أنموذجا على الانتاج الابداعي الضخم للمترجم وعلى التجاهل المتعمد له، وما تبع إبداعه من غيرة وحسد ومكائد من قبل الاخرين، وما ينتج عن هذا وذاك من تأزم نفسي في حياته. يبدأ التأزم في علاقة حنين بالآخرين منذ سني حياته الاولى، فحينما قدم الى بغداد من الحيرة، مسقط رأسه، حاول تعلم الطب على يد يوحنا بن ماسويه، الذي تعود اصوله الى جند يسابور، وهو آنئذ من هو في علم الطب وتعليمه، وكان حنين كثير السؤال، وهو ما لم يكن يجد صدى طيباً عند الاستاذ، لأنه لا يعتقد بأن أهل الحيرة، غير المعروفين بطلب العلم، يمكنهم ان يتعلموا الطب. أنفجر الموقف بينهما ذات يوم حينما استفهم حنين عن مسألة صعب عليه إدراكها فغضب يوحنا وسأل ساخرا "ما لأهل الحيرة ولتعلم الطب؟" ثم أتبع هذا السؤال بأن اقترح على حنين اقتراحاً يدل على احتقاره له ولبذور الابداع لديه حيث يقول "صر الى فلان قرابتك (اي قريبك) حتى يهب لك خمسين درهماً تشتري منها قفافاً صغاراً بدرهم، وزرنيخاً بثلاثة دراهم، وإشتر بالباقي قلوساً (وهي حبال غليظة تستخدم في السفن) واقعد على الطريق وصِحْ "القلوس الجياد" ، فإنه أعود (انفع) عليك من هذه الصناعة (يعني من الطب)" ثم طرد حنيناً من داره فخرج حزيناً باكياً.

لن يجد الانسان حالة تمثل المثل "رب ضارة نافعة" مثل هذه الحادثة التي كان لها تأثير عظيم الشأن في نفس حنين، حيث انها دفعته الى تعلم اليونانية، في الاسكندرية بمصر كما يقال، حتى نبغ فيها نبوغاً كبيراً جعله ينشد بعض قصائد هوميروس. كما ان الحادثة دفعته كذلك الى تعلم العربية فنبغ فيها كذلك، واستمر في طلب العلم لمدة تقارب الست سنوات، عاد بعدها الى بغداد معززا مكرما لدى الخلفاء وخصوصاً المأمون الذي جعله بمثابة المترجم الاول للعلوم من الاغريقية والسريانية الى العربية في أكاديمية "بيت الحكمة".

هذا النجاح الباهر لحنين بن اسحق لم يكن دون ثمن، فقد بدأت نيران الغيرة والحسد تشتعل في قلوب منافسيه، والظريف ان حنيناً أحصاهم عدداً فهم كما يقول "ستة وخمسون رجلاً جملتهم من أهل المذهب" أي انهم كانوا من النصارى مثله. ويحدد حنين سبب هذه الغيرة في قوله انهم رأوه فوقهم وعاليا عليهم بالعلم والعمل وترجمة "الكتب الفاخرة من اللغات التي لا يحسنوها ولا يهتدون اليها ولا يعرفون شيئا منها" في لغة جميلة لا لبس فيها مما يجعل من يطلع على ترجماته يفضلها على كل ترجمة سبقتها. وإزاء إعجاب القراء بترجمات حنين لم يكن أمامهم بد من البحث عن مدخل آخر للهجوم عليه، فأهتدوا الى القول بتهمة تتجاوزه هو وتتعلق بدور الترجمة في خدمة الثقافة العلمية، فقالوا ان حنيناً ليس الا مترجما وليس في عمله أي إبداع ذاتي: "يقولون من هو حنين؟ إنما حنين ناقل لهذه الكتب ليأخذ على نقله الأجرة كما يأخذ الصناع الأجرة على صناعتهم ولا فرق عندنا بينه وبينهم". كانت حجتهم إذا ان دور حنين يقتصر على ترجمة ما فعله الاخرون ليأخذ ثمن ترجمته مالاً، ويشبهونه كصانع السيوف الذي لا يعرف الضراب بها، فدوره ينتهي عند صنع السيف أما استخدامه فهو مهمة يقوم به آخرون أقدر منه.

من الطبيعي ان يتأثر حنين بن اسحق بكل هذا الهجوم القاسي عليه وعلى دوره الحضاري في نقل العلوم فيكشف في عبارة قصيرة عما كما يشعر به من تأثر وتوتر نفسي بسبب ذلك في قوله "فكنت كلما سمعت شيئا من هذا ضاق به صدري وهممت أن اقتل نفسي من الغيظ"، غير انه، إزاء هذا، لا يسلك سلوك الفرد العادي بل سلوك العالِم فيقرر بدل الاستسلام ليأس المهزوم ان يحول حسد الحاسدين الى امر ينبغي دراسته وفهمه، فوجد ان هذه الغيرة أمر طبيعي وليست بِدعاً في الحياة البشرية فهو موجود منذ ان قتل قابيل أخاه هابيل، أضف الى هذا ان هؤلاء الحساد يعلمون حق العلم قبح أفعالهم غير انهم أقرب للمرضى الذين لا يستطيعون ان يتخلصوا من مرضهم كما يقول حنين.

واليوم، اي بعد حوالي اثني عشر قرناً من العصر الذي عاش فيه حنين بن اسحق، لا نجد أثراً لحاسديه، وكل ما بقي هو ما قام به من انتاج ابداعي توزع بين الترجمة والكتابة الاصيلة، في مجال الطب على وجه الخصوص. بعد هذه القرون نرى ان حياة حنين الشخصية والابداعية تقدم تجربة تبرز دور المبدع المنتج وعلاقته المتأزمة مع الافراد الذين يعيش بينهم والذين لا ينفكون يدبرون له المكائد، واحدة تلو الاخرى، كما تقدم لنا الأثر النفسي لهذه المكائد التي كادت، كما يقول حنين نفسه، ان تؤدي به الى الانتحار غيظاً وكمداً.

الأربعاء، 25 فبراير، 2004

لقد اتضحت الرؤية الآن


لقد اتضحت الرؤية الان

عبدالله الحراصي

في ديوان "لا تعتذر عما فعلت" الجديد لمحمود درويش نرى انصهار الذات (الأنا/الصورة المعلقة على الجدار/نفسي) والوطن والانسان (الأنا والعدو) في حرف شعري واحد، مدهش في سكونه وحركته. استوقفني اختزال التاريخ (الذي يعيد درويش تعريفه ليكون "يوميات أسلحة مدوَّنة على أجسادنا") ولعبة التبادل بين المقدس والواقعي حيث يقول في قصيدة "في القدس" مثلا:

في القدس، أعني داخل السور القديم

أسيرُ من زمن الى زمن بلا ذكرى

تُصوِّبُني. فإن الانبياء هناك يقتسمون

تاريخ المقدَّس . . . يصعدون الى السماء

ويرجعون أقلّ إحباطاً وحزناً، فالمحبة

والسلام مقدسان وقادمان الى المدينة.

وهي قصيدة تقرأ فيها تماس الذات مع التاريخ المقدس للمدينة، وهو تماس لا يخلخله الا صوت من التاريخ المعاصر:

... صاحت فجأة جندية:

هو أنتَ ثانية؟ ألم أقتلك؟

قلتُ قتلتني . . . ونسيتُ، مثلك، أن أموت.

وفوران دم فلسطين اليومي يسري في أوردة كثير من قصائد هذا الديوان، فكأن الموت قدر سرمدي في قصيدة "لا ينظرون وراءهم":

لا ينظرون وراءهم ليودعوا منفى،

فإن أمامهم منفى، لقد ألفوا الطريق

الدائري، فلا أمام ولا وراء، ولا

شمال ولا جنوب. "يهاجرون" من

السياج الى الحديقة. يتركون وصية

في كل متر من فِناء البيت.

كما نجد القاتل في قصيدة "لم يسألوا: ماذا وراء الموت" يسأل نفسه أسئلة تتراوح بين أسئلة تاريخية حول إلحاق الهزيمة بهم وأسئلة وجودية أعمق حول هزيمة الذات:

حياتنا عبء على ليل المؤرِّخ: "كلما

أخفيتهم طلعوا علي من الغياب" ...

حياتنا عبء على الرسام: "أرسمهم،

فأصبح واحداً منهم، ويحجبني الضباب".

حياتنا عبء على الجنرال: "كيف يسيل

من شبح دم؟"

* * *

قراءة هذا الديوان أثارت في نفسي بعض الأفكار حول الشعر العربي عموما سعيت الى اختزالها فيما يلي.

لا يمكن القول بأن زمن ما بعد الحداثة قد حل في عالمنا العربي محل أزمنة اليقين والسعي نحو التحديث بل ان الامر ليس الا اختلاطاً في المفاهيم، وهو اختلاط أقرب لأن يكون مظهر خراب الحضارة وتيهها من ان يكون تجاوزا لمرحلة استقر فيها يقين بشرت به حداثة حقيقية. في مثل هذا الزمان نحتاج كثيراً الى أشخاص يذكروننا بالقيّم والحقيقي، لا لنقدره وننزله ما هو أهل له من منزلة ولكن لندرك هول ما نحن فيه من حضور المزيف والناقص والرخيص من كل شيء. في مثل هذا الوضع نحن بحاجة الى محمود درويش ليذكرنا بأن ثمة شيء جميل رائع اسمه الشعر، وهو شيء كدنا أن نفقد فيه الأمل وأن ننساه في خضم التزاعق حول حول ضرورة إعادة تعريف الإنسان شعراً ونثراً، وضرورة تماشي الشعر مع "الحياة الجديدة" المتسارعة. عن أي حياة جديدة متسارعة نتحدث ونحن ليس فقط لم نخرج من وضع الحياة "البطيئة" بل نكصنا نكوصاً مريعاً شلّ كل نبض ورغبة وأمل في حركة ما فتوقف الجسم العربي بأكمله واستحال الى ما يشبه الجثة الهامدة؟

أقول اننا كدنا ان ننسى الشعر لكثرة الصراخ حوله، فما أكثر ما كتب حول "ماهية" الشعر وحول مفاهيم مثل "التشظي" و"تفجير اللغة" و غيرها زوراً وبهتاناً، وجهلاً وسذاجة حين تصدق النوايا. الشاعر ليس ذلك الذي يحاول بإستجداءه ان يقنعك ان ما يقوله شعر (بل هو الشعر، لا غيره) وإنما هو الذي يقول الشعر ويمضي ويدعك تحاول انتشال نفسك من أسئلته، بل من اسئلتك انت بعد دمجك بحرفه وروحه في الوجود الواحد. والشاعر لا يقدم قرابين للشعر، وقرابين الشعر، حينما توجد، فلن تكون برخص زيف الملابس الرثة، ولن تكون برخص تأوهات مصطنعة في مقهى وحديث عن الألم والوجع، ولن تكون برخص شِلَلٍ لا يجمعها الا الزيف والرداءة وتبادل "الإصدارات".

أقرأ محمود درويش فأشعر ان "الدنيا بخير" واشعر كذلك انني انا، وليس محمود درويش والشعر فحسب، موجود. لقد كاد بهلوانات الشعر، ضمن حالة الخراب الأعم بطبيعة الحال، ان يفقدونا شعورنا بالنفس ووجودها، كما كادوا أن يفقدونا حساسيتنا تجاه الوجود وانفتاح الأسئلة الحقة التي هي أوسع من الأزقة الضيقة في أكوان الثنائيات العقيمة من حداثة وتقليد، وقصيدة عمود وقصيدة نثر، وغيرها من الثنائيات. لقد اتضحت الرؤية الان. جميع الكذبة سواسية، لا فرق بين كاذب يحمل خرقة بالية يظن انها راية فتح جديد تعيدنا لقرون المجد السالفة وبين كاذب يحمل خرقة بالية أخرى يظن انها ستدفعنا الى قرون من الحداثة المجيدة. لا فرق بين متعصب لا يرى في القيمة الا ظلال ماض يظنه ناصع البياض وآخر لا يرى فيها الا قفزة بلهاء من حيث نحن الا اللاشيء. لا فرق بين مختزل للشعر في عمود وقافية وبين متعصب آخر يُطعِمنا بدل الشعر زيفاً يفتقد أي مسؤولية حقيقية حتى تجاه العبث الخلاق نفسه.

لقد اتضحت الرؤية الآن، وإن تكن أغلب الالوان مختلطة في حياتنا العربية الا اننا نستطيع الان برغم هذا ان نميز فاتحها من غامقها، وأن نميز بين الحقيقي، مهما اختلفنا حول "جوهره" الفلسفي وحول تدرجاته وأنواعه، وبين المصطنع الرخيص. نستطيع ان نقول الان ان ما يقوله مثل محمود درويش شعرٌ. سمه ما تشاء، انظر اليه من الزاوية التي تختارها، تبسم او ابك حين تقرأه، لكنه شعر. كما نستطيع ان نقول ان أغلب ما نقرأه حولنا ويحمل راية الشعر ليس الا كلاماً غثاً، وليس الا زبداً زائفاً، لن يتوقف عنده الا باحث سيظهر بعد قرون ليؤرخ لهذه المرحلة المنتكسة في تاريخ الشعر العربي.

في مثل هذه اللحظات الحضارية نحتاج الى مثل محمود درويش شاعراً يذكرنا بالشعر، ليس الذي يهززنا عند سماعه، وإنما الذي يطمئننا بأن ثمة نبض وثمة أمل وثمة معنى يمكن ان نسعى اليه حين نقول ان الحياة فلك دائر، وإن التيه الذي نشعر به جميعاً والخراب الذي نلمسه في خلايا الذات الفردية والذات الجمعية له عمر افتراضي سينتهي فيه، وأن للشعور بالهزيمة ومراراتها تاريخ انتهاء صلاحية هو الآخر، وان هذا التاريخ سيأتي لا محالة، وإن تباطأت حركته وتعثر لهزيمة هنا او لخيبة هناك.

الأربعاء، 18 فبراير، 2004

الأربعاء، 11 فبراير، 2004

المنفى العماني



المنفى العماني

عبدالله الحراصي

تتحدث كتب التراث العربي عن ظاهرة جديرة بالتأمل وهي ظاهرة المنفى العماني لعدد من شعراء الدولتين الأموية والعباسية، وتتكرر حكاية النفي في العادة من ناحية تطور أحداثها، حيث يقوم الشاعر بكتابة قصيدة لا ترضى عنها السلطة القائمة في مركز الدولة الاسلامية في الشام او العراق فيشعر الشاعر بالخوف على نفسه من بطش الحاكم الذي يأخذ في مطاردته، فيختار الشاعر عمان، البلاد البعيدة عن المركز من ناحية والتي توفر له الأمن والطمأنينة على نفسه من ناحية أخرى. سأتحدث في هذا المقال عن قصة شاعرين إختارا المنفى العماني هما كعب بن معدان الأشقري وعمران بن حطان الشاري.

كعب الأشقري شاعر عماني الأصل، ويعده النقاد من الشعراء المجيدين، وكان قد خصص شعره في مدح المهالبة، غير انه اختلف معهم فمدح قتيبة بن مسلم عندم تولى خراسان وهاجم في شعره يزيد بن المهلب، فلما علم بولاية يزيد على خراسان، هرب الى عمان على طريق الطبسين، ويذكر كتاب "الأغاني" انه قال في رحلته فراره الى عمان أبيات شعر تكشف عن نفسيته الهاربة من مدينة "مرو" والمتأملة الطمأنينة في وطن أجداده عمان التي ستكون معقلا له وحرزا يحميه من غضب يزيد والمهالبة فيقول:

وإني تارك مروا ورائي إلى الطبسين معتام عمانا

لآوي معقلا فيها وحرزا فكنا أهل ثروتها زمانا

(ملاحظة: الفعل "اعتام" يعني "اختار")

وصل كعب الى عمان وعاش فيها دهراً غير ان نفس الشاعر القلقة، وإختلاف طبيعة عمان وجوها وجفافها مقارنة بخراسان وأواسط آسيا حيث عاش سابقاً، جعلاه يضيق ذرعا بالحياة في عمان فعزم على مغادرتها وكتب قصيدة تكشف عن نفسية أخرى تختلف عن نفسيته الاولى التي كانت تتأمل الطمأنينة في عمان، فهنا نجد شاعرا يهجو الطبيعة العمانية وجبالها فيقول:

بئس التبدل من مرو وساكنها أرض عمان وسكنى تحت أطواد

يضحي السحاب مطيرا دون منصفها كأن أجبالها غلت بفرصاد

وما أعظم الفرق في نفسية الشاعر بين الأمس واليوم، أي بين "مرو" وعمان، فبالأمس نجد الشاعر يقرر ان يترك "مروا" وراءه الى عمان حيث المعقل والحرز، أما اليوم فنجد يهجو هذا المعقل كما تبينه كلمة "بئس". بعد هذين البيتين يعمد الشاعر الى استراتيجية لجأ اليها كثير من الشعراء في مثل حاله، وهي إظهار الندم على هجاءه المتقدم وتبريره على انه كان ضحية عملية تضليل من قبل أعداء المهالبة:

يا لهف نفسي على أمر خطلت به وما شفيت به غمري وأحقادي

أفنيت خمسين عاما في مديحكم ثم اغتررت بقول الظالم العادي

أبلغ يزيد قرين الجود مالكه بأن كعبا أسير بين أصفاد

فإن عفوت فبيت الجود بيتكم والدهر طوران من غي وإرشاد

وإن مننت بصفح أو سمحت به نزعت نحوك أطنابي وأوتادي

غير ان يزيدا لم ينس هجاءه ولم يصفح عنه فحبسه وأمر أحد أقاربه فقتله.

الشاعر الثاني الذي اختار المنفى العماني كان عمران بن حطان، وهو كما يقول الاصفهاني "من شعراء الشراة ودعاتهم والمقدمين في مذهبهم"، ويذكر كذلك انه لم يكن مقاتلا بل اقتصر دوره على شن الحملات النفسية والإعلامية على أعداء الشراة والدعوة الى مذهبهم برغم انه لم يكن الأصل من الشراة بل تحول الى هذا المذهب لأسباب اختلف فيها فمن قائل انه تحول بعد ان دعاه شخص عماني الى المذهب وآخر يقول ان هذا التحول كان بسبب تزوجه إمرأة من الشراة نجحت ليس فقط في تحويل مذهبه الى مذهب الشراة بل في تحويله الى داعية لمذهبهم بشعره وأدبه، ويبدو انه استطاع بشعره ان يؤثر على الكثيرين من أهل البصرة على نحو يشكل تهديدا لنظام الدولة القائمة آنذاك، وهو ما يكشف عنه الحجاج بن يوسف بنفسه في رسالته الى عبدالملك التي يطلب منه فيه القبض عليه حيث يقول "أما بعد فإن رجلا من أهل الشقاق والنفاق قد كان أفسد علي أهل العراق وحببهم بالشراية ثم إني طلبته فلما ضاق عليه عملي تحول إلى الشام فهو ينتقل في مدائنها".

نزل عمران في الشام عند روح بن زنباع الجذامي الذي كان جليس عبدالملك بن مروان دون ان يكشف له عن هويته. ويروى الأصفهاني ان روح أخبر عبدالملك عن ضيفه ووصفه له فأدرك عبدالملك انه عمران فسأله ان يزوره، وما ان اخبره روح بطلب الخليفة حتى قرر الهروب من الشام، وترك في بيت روح، قبل ان يبدأ رحلة هروب أخرى انتهت به الى عُمان، أبياتاً رائعة تكشف عن نفس ثابتة على مبدأ الشراة الثائر الذي لا يجاري من يعدونهم طغاة، فيتحدث أولا عن تجربته في الهروب وإخفاء هويته حتى يظن الناس انه ليس من الشراة ثم فراره حين تنكشف شخصيته:

يا روح كم من أخي مثوى نزلت به قد ظن ظنك من لخم وغسان

حتى إذا خفته فارقت منزله من بعد ما قيل عمران بن حطان

ثم يتحدث عن شعوره بالأمان في فترة استضافته عنده الى ان شعر بالخوف فآثر الهروب:

قد كنت ضيفك حولا لا تروعني فيه الطوارق من إنس ولا جان

حتى أردت بي العظمى فأوحشني ما أوحش الناس من خوف ابن مروان

فاعذر أخاك ابن زنباع فإن له في الحادثات هنات ذات ألوان

يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن وإن لقيت معديا فعدناني

ويتحدث في بيتين بديعين عن جوهر شخصيته الشارية التي تأبى الانقياد والخضوع، فيقول انه لو أراد التخلي عن مبدأه هذا لكان في وضع المقدم عند الخليفة منذ زمن بعيد:

لو كنت مستغفرا يوما لطاغية كنت المقدم في سري وإعلاني

لكن أبت ذاك آيات مطهرة عند التلاوة في طه وعمران

كعب الاشقري وعمران بن حطان ليسا الأديبين الوحيدين الذين اختارا المنفى العماني حيث تذكر كتب التراث أسماء آخرين اختاروا هذا المنفى البعيد عن مراكز الدولة الاسلامية والذين يوفر، ولو إلى حين، بعض طمأنينة النفس التي فقدوها في هذه المراكز.