الثلاثاء، 17 يونيو، 2003

عن ما بعد الحداثة

عن ما بعد الحداثة

عبدالله الحراصي

سأبتديء هذا المقال بحديث عن صديق لي نهم القراءة لكنه انتقائي، وانتقاءه هذا قاده الى قراءة ما انتجه الفكر المعاصر وخصوصا في وجهه ما بعد الحداثي. رأيت هذا الصديق منذ اسبوع، وكان مكتئبا يائسا سائرا في طريق الحياة على غير هدى، يميل الى هذه الفكرة تارة، ثم يتساءل ويميل الى الاخرى، ثم يرفض هذه وتلك، وهكذا. وهذا المآل الذي انتهى اليه نتاج لأفكار توغلت في أعماق أعماقه حتى وصلت الى نخاع ما كان يتقبله من رؤى حول الذات والمجتمع والكون وسواها من بُنَى. وصل هذا الصديق الى حالة وصل اليها الكثيرون في كثير من بقاع البسيطة، وهي حالة فقدان الأمل والمعنى في الكون بأكمله، بما يصاحبه من كآبة لا تحتمل، حيث قضت ما بعد الحداثة، في ثورتها على الحداثة، على كل ما يمكن للإنسان ان يتمسك به من "الحقائق".

طرحت الحداثة التي سادت منذ القرن السابع عشر في اوروبا أفكارا غيَّرت مجرى التاريخ في شتى أوجهه، والفكرة المحورية في الحداثة هي ان الانسان يستطيع من خلال العقل والعلم ان يسيطر على الطبيعة بما يعزز التقدم الانساني. وقد نشرت الحداثة أحلاما عظاما منها ان كل المشاكل التي يعاني منها الانسان الى زوال، لكن هذه الحداثة اصطدمت بوقائع نتجت عن بعض أفكارها وتطبيقاتها فارتدت طائفة من المفكرين عن الحداثة وبدأت تثير بعض الشكوك حول "جوهر" الحداثة وآثاره المدمرة، الا ان ما بعد الحداثة، وإن لاقت نجاحات كبيرة في مسعاها التشكيكي، فشلت فشلا ذريعا في ان تقدم للإنسان الحائر الذي فقد الفهم والامل، بعد ان كسرت ما بعد الحداثة كل مجاديفهما، أي شيء آخر، فخلفته هكذا في حالة يأس كبير.

سارت حركة الحداثة مع أفكار التنوير في الغرب، تلك الافكار التي حملت معها الى الشعوب الغربية الخارجة من قرون مظلمة أحلاما بأن العلم والتكنولوجيا سيجلبا السعادة للإنسان من خلال استغلال قدرات الانسان العقلية بإخضاع الطبيعة للإنسان. وكما لاحظ الكثيرون فإن فلسفة التنوير وإن ثارت على الثقافة الكنسية التي حاصرت العقل وقمعته الا انها حملت في ثناياها بعض اصداء المسيحية والرؤى الدينية عموما، كالفصل بين الانسان والطبيعة، وبين العقل والجسد وما يتبعه من تفضيل للإنسان وللعقل على الطبيعة والجسد، وتمثل هذا في ايمان الحداثة بالوضع المركزي للإنسان في الكون.

وقد وصل فلاسفة الحداثة حداً جعل من التفكير في حد ذاته الدليل على الوجود كما هو عند ديكارت ("أنا أفكر إذا أنا موجود")، وهي عقلانية تفترض ان العقل البشري له طبيعة منفصلة عن الكون نفسه، أي طبيعة متعالية تستطيع وضع الكون تحت مجهر العقل فتفهمه، كما افترضت هذه العقلانية ان الكون، وإن بدت فيه معالم اضطراب، الا انه منظم في العمق، وهذا النظام لا يمكن الوصول اليه الا بأن يعمل الانسان عقله في الوصول الى حقائق الكون بتجاوز الحواس وكل ما يمكن ان يقف بين عقل الانسان والكون.

وقد حققت الحداثة منجزات عملاقة وخصوصا في ميدان العلم والتكنولوجيا، فقد تطور العلم تطورا عظيما استطاع من خلاله استكشاف مجاهل ما كانت معروفة في جسم الانسان ذاته وفي الارض والأفلاك، وانعكس هذا في تجليات تكنولوجية كالادوية التي استطاع العلم من خلالها علاج كثير من الامراض التي كانت مستعصية، كما طور الانسان الآت استطاعت تسهيل كثيرا من مصاعب الحياة، كالهاتف ووسائل النقل وغيرها.

الا ان الانسان هو الانسان، فبعد كل هذه النجاحات الباهرة حين خلد الانسان الى نفسه وجد ان ما اعطته الحداثة بسخاء بيدها اليمني، سرقته منه بيدها اليسرى، فالعالم أصبح في أوج نجاح الحداثة أكثر خطراً، وتمنى الناس ان يعودوا الى "طبيعتهم" قبل الحداثية. تمثل هذا في الاضطرابات الاجتماعية التي شهدتها كثير من المجتمعات، اضافة الى ما جلبته الرأسمالية من استغلال الانسان لأخيه الانسان، حيث يشقى الأفقر والأضعف ليرتاح، في برج منعزل عن المجتمع، الأغنى والاقوى، كما أتت الحربان العالميتان (وخصوصا الحرب العالمية الثانية) وإلقاء القنبلتين النوويتين على اليابان لتمثلا صدمة لحلم الانسان الغربي في عالم جميل يخلو من المشاكل. في مثل هذه الاوضاع اكتشف الانسان ان الحلم لم يكن أملا بل كان مجرد وهم واسطورة، وان رؤوس البشر المليئة بالمعرفة ليست الا رؤوسا جوفاء مملوءة بالقش، وان العالم ليس الا صخر لا ماء فيه كما يقول إليوت. بعد الحرب الثانية أتت الحرب الباردة بين العالم الغربي (الذي فضل ان يسمي نفسه بـ"العالم الحر") والمعسكر الشرقي، وكان الرعب من وصول الامور الى نقطة اللاعودة بمجرد ضغط الزر النووي هو الشعور السائد بين الناس. كل هذه الامور، اضافة الى تأثيرات أحداث أصغر مجالا كحرب فيتنام مثلا، أدت الى بداية امتعاض من "حقيقة" الحداثة، فبدأت الاسئلة.

تلك الاسئلة التي بدأت وجودية حول الانسان وآلامه في العصر الحديث ما لبثت ان تحولت الى تيار فكري قوي سمي بتيار ما بعد الحداثة. الخطوط الرئيسة في تيار ما بعد الحداثة ترى ان الايمان بأن بمقدور عقل الانسان الوصول الى حقائق الكون ليس الا وهما، ذلك ان ما يعتقد انه "حقيقة" ليس الا نتاجا لأفكار ومعتقدات مجتمع من المجتمعات والمؤثرات التي تركت بصمة في تطوره. كما جلبت ما بعد الحداثة اليأس الى الناس، حيث شككت في حلم الحداثة الذي رأت فيه نتاجاً لأفكار بعض المفكرين ومصالح أصحاب المصالح، وخصوصاً الرأسمالية العالمية. أما أخطر السهام التي وجهتها ما بعد الحداثة الى امها الحداثة فهي الضربة القاصمة التي لحقت بفكرة "التقدم" التي كانت محور الفكر الحداثي، فما بعد الحداثة شككت الى حد كبير في فكرة "التقدم" ورأت فيه فكرة غربية صرفة، كما رأت ان العالم ينقسم الى مجتمعات مختلفة غاية الاختلاف فيما بينها، ولا يوجد ما يبرر مركزية الغرب وطرق حياته فيها، كما شككت كذلك في بعض الظواهر التي كان كثير من الناس يعتقدون انها تحمل صدقا حقيقيا في ذاتها كالأخلاق التي غدت مجرد نتاج تفاعلات اجتماعية ومفهومية، وهذا ما يفسر اختلاف الاخلاق من مجتمع الى آخر. بعبارة بسيطة شككت ما بعد الحداثة في قدرة الانسان على اكتشاف المعنى في الحياة، وفي وجود المعنى ذاته.

الا ان ما بعد الحداثة، وإن قضت تقريبا على كثير من الدرر (المزيفة) التي كانت ترصع تاج الحداثة، الا انه يؤخذ عليها انها تضع الانسان في حالة قلق دائم، فلا يقين ولا أمل، وإن ظهر ما يمكن للفرد ان يعده أملا ظهرت تساؤلات تقضي عليه بتساؤلات مثل "هل هذا هو ما أريد؟" "هل هو أمل حقا؟" "ترى كيف سينظر شخص آخر من ثقافة اخرى الى الامر لو كان في موقعي؟"، وهكذا اسئلة تتناسل بلا إجابة من نوع.

ما أصاب صديقي القادم من قرية عمانية وديعة مثال على مدى تأثير أفكار ما بعد الحداثة على الفرد البسيط القابع في بقعة نائية عن تصادمات الفكر الكبرى، كما شهده الفكر العالمي (الغربي خصوصا)، هذا الفرد الذي أخذ ينزع الألفة عن أمور كانت هي الذات واللب في نفسه، وأخذ يسأل نفسه عن نفسه وعن هوية ذاته وعن مستقبله وعن المعنى واللا معنى، أسئلة تلد الألم والضياع وتفتقد، بطبيعتها، الجواب.