الأربعاء، 1 أكتوبر، 1997

ترجمة "الترجمة: الأدب والحروف" لأوكتافيو باث

أوكتافيوباث
الترجمة: الأدب والحروف


ترجمة عبدالله الحراصي (كاتب من سلطنة عمان)


حينما نتعلم الكلام فإننا نتعلم أن نترجم، فالطفل الذي يسأل أما عن معنى كمة ما فإنه في الواقع يطلب منها أن تترجم له المصطلح الذي لم يألفه الى كلمات بسيطة يعرفها. ومن هذا المنظور فإن الترجمة التي تتم داخل إطار اللغة الواحدة ليست مختلفة اختلافا جوهريا عن الترجمة التي تتم بين لغتين، ذلك ان تواريخ جميع الشعوب تماثل تجربة ذلك الطفل. بل إنه حتى أكثر القبائل عزلة عن العالم لابد وأن تتصل بآخرين من بني البشر يتحدثون لفة أجنبية، طال الزمن أم قصر. إن أصوات لفة لا نعرفها قد تجعلنا نستجيب لها بالذهول أو الانزعاج أو السخط أو الحيرة السخروية، لكننا سرعان ما نستبدل هذه الانفعالات ببعض الريب حول لغتنا التي نتحدثها، ذلك اننا سندرك أن اللغة ليست مشتركا كونيا (يشترك فيه جميع البشر: المترجم )، بل أن هناك جمعا من اللغات، تعتبر كل واحدة منها غريبة لا يفهمها الآخرون. وقد بددت الترجمة هذه المخاوف في لماضي، فعل الرغم من أن اللغة ليست مشتركا كونيا الا أن اللغات تشكل جزءا من مجتمع كوني. ويتجاوز بعض المعوقات يستطيع جميع بني البشر أن يتصلوا ويتفاهموا مع بعضهم البعض. ومرد ذلك هو أن بني البشر يقولون الأشياء ذاتها في كل اللغات. وقد مثلت كونية الروح الرد على الفوضى التي عمت برج بابل: لغات عديدة وجوهر واحد. لقد أمكن لباسكال أن يقتنع بحقيقة المسيحية من خلال تعدد الأديان، وردت الترجمة عل تعدد اللغات بمفهوم الادراك الكوني. وبذا فلم تكن الترجمة برهانا على وجود الروابط الروحية فحسب، بل شكلت ضمانا عليها.

غير أن العصر الحديث قد دمر تلك الطمأنينة. فمن خلال إعادة اكتشاف الانسان للتنوع الذي لا يحده حد للأمزجة والانفعالات، ومن خلال ملاحظته للمنظومة الواسعة من العادات والمجتمعات، أخذ الانسان يستصعب رؤية نفسه في البشر الآخرين. وحتى ذلك الوقت، أعتبر عابد الوثن منحرفا يتوجب قمعا عن طريق تغيير ديانته أو ابادته أو تعميده أو برفع السيف عليه. غير أن الوثني الذي عرض في معارض القرن الثامن عشر كان كائنا جديدا، فعل الرغم من أنه قد يتحدث لفة مضيفيه بطلاقة إلا أنه مع ذلك جسد الغريب المكابر، ولم يتعرض لتغيير ديانته بل للجدل والنقد. فأصالة آرائه، وبساطة ملابسه، وحتى عنف انفعالاته جميع هذا أثبت سخف وعبثية، بل وخزي التعميد وتغيير الديانة، وهنا اتخذ أسلوب جديد في التعامل، حيث تم ابطال البحث الديني عن كونية روحية بفضول فكري صمم على اكتشاف الاختلافات المتساوية في كونيتها وانتشارها. وهنا لم يعد الغريب يشكل الاستثناء بل القاعدة. وهذا التحول في الرؤية كان متناقضا وكاشفا في آن واحد. فقد مثل الانسان الهمجي حنين الانسان المتحضر، ونفسه المتغيرة، ونصفه المفقود. وقد عكست الترجمة هذا التغير، فلم تعد جهدا يسعى لابراز تشابه بني البشر، بل كانت وسيلة للكشف عن شخصياتهم المنفردة، لقد استغلت الترجمة فيما مضى لاظهار تفوق التشابهات على الاختلافات الا أنها منذ هذا الوقت تستغل لابراز تناقض الفوارق، سواء نبعت من غرابة الهمجي أم من غرابة جارنا.

وقد أبدى الدكتور جونسون ملاحظة في إحدى رحلاته تعبر خير تعبير عن هذا الاتجاه الجديد، حيث قال إن "أوراق". العشب، سواء وجدت في هذه البلدة أم في البلدة الأخرى.. ان الرجال والنساءهم معرض بحثي، فلنر كيف يختلف هؤلاء عن أولئك الذين خلفناهم وراءنا". ان كلمات الدكتور جونسون تعبر عن فكرتين، وكلتاهما يتنبآن أن بالطريق المزدوج الذي كان على العصر الحديث أن يقطعه. حيث تشير الفكرة الأول الى فصل الانسان عن الطبيعة، وهو فصل سوف يتم تحويله فيما بعد الى مواجهة وصراع. ذلك ان وظيفة الانسان لم تعد تقتصر على خلاصه بنفسه بل امتدت لتشمل ايضا التحكم بالطبيعة والسيطرة عليها. أما الفكرة الثانية فتشير الى فصل الانسان عن الانسان. فلم يعد الكون كونا، أي كل لا يتجزأ، وثمة فصل بين الطبيعة والحضارة، وهو فصل تضاعفه تجزيئات أخرى للحضارة الى ثقافات منفصلة. تنوع من اللغات والمجتمعات، كل لغة هي نظرة للكون، وكل حضارة هي كون مستقل في ذاته. فالشمس التي تمتدحها قصيدة بلغة الازتك ليست هي الشمس المذكورة في ترتيلة مصرية، عل الرغم من أن كلا من القصيدة والترتيلة تتحدثان عن النجم ذاته. وطوال أكثر من قرنين، قام الفلاسفة والمؤرخون - وحديثا جدا الانثروبولوجيون واللسانيون أيضا - بتكديس النماذج على الاختلافات التي لا يمكن تخطيها بين الافراد والمجتمعات والحقب التاريخية، ان الانفصال الأعظم، وهو انفصال ليسر أقل عمقا بكثير من الانفصال بين الطبيعة والثقافة، هو ذلك الذي يفصل البشر البدائيين عن البشر المتحضرين، وضمن كل حضارة تظهر اختلافات أكثر فأكثر، فاللغة التي تمكننا من أن نتواصل مع بعضنا البعض تحبسنا في شبكة خفية من الأصوات والدلالات، بحيث يكون كل شعب رهين اللغة التي يتحدث بها، تلك اللغة التي ينالها التفتيت أكثر فأكثر على أسس الحقب التاريخية، والطبقات الاجتماعية والأجيال. وهذا هو حال العلاقات بين الأفراد المنتمين الى نفس المجتمع حيث إن كل فرد يطوقه اهتمامه الذاتي بنفسه.

وأمام كل هذا، فإن المرء يتوقع أن يرفع المترجمون الراية البيضاء مستسلمين، غير أن هذا لم يحدث. بل على العكس، فقد ظهر توجه متناقض ومتكامل نحو مزيد من الترجمة وهذا أمر متناقض لأنه في حين أن الترجمة تتغلب عل الاختلافات بين لغة وأخرى، إلا أنها أيضا تبرز هذه الاختلافات بصورة أكثر دقة وكمالا. فقد أصبح بإمكاننا بفضل الترجمة أن ندرك بأن جيراننا لا يتحدثون ولا يفكرون مثلما نتحدث ونفكر. فمن جانب يبدو لنا الكون على انه مجموعة من الأمور المتشابهة، وعلى انه من جانب آخر ركام متنام من النصوص، لا يختلف كل نص منها إلا قليلا عن النص الذي سبقه: فهي ترجمات لترجمات لترجمات ان كل نص هو نص فريد متميز، إلا أنه في نفس الوقت ترجمة لنص آخر. ولا يمكن أن يكون أي نص أصيلا أصالة تامة لأن اللغة نفسها، في جوهرها الحقيقي، هي في الواقع ترجمة _ أولا من العالم غير اللغوي، ثم لأن كل اشارة وكل عبارة هي ترجمة لاشارة أخرى أو عبارة أخرى. إلا أن عكس هذا الاستنتاج هو أيضا صحيح تماما، فكل النصوص أصيلة لأن لكل ترجمة سمتها المميزة، والى درجة معينة فإن كل ترجمة ابداع، وهي بذلك تشكر نصا فريدا متميزا، ان مكتشفات الانشروبولوجيا واللسانيات لا تتهم بالتقصير الترجمة ذاتها، بل هي مفهوم ساذج للترجمة وهو الترجمة word-for- word "كلمة _ ب _ كلمة ". وليس قصدي هنا أن ألمح الى أن الترجمة الحرفية هي أمر محال، بل إن كل ما أود قوله هو أنها ليست ترجمة، وانما أمر آلي: سلسلة من الكلمات تساعدنا على قراءة النص في لغته الأصلية. انها مسرد للكلمات وليست ترجمة، حيث ان الترجمة هي دائما نشاط أدبي. وحتى حين يكون هدف الترجمة الأوحد هو نقل المعنى، كما هو حال النصوص العلمية، فإن الترجمة وبلا استثناء تفترض تحول الأصل، وهذا التحول ليس، ولا يمكن أن يكون الا تحولا أدبيا، لأن كل ترجمة، حسب رومان جاكوبسون، توظف صيغتين من صيغ التعبير تختزل اليهما كل الاجراءات الأدبية وهما: الكناية والاستعارة. فالنص الأصلي لا يظهر على الاطلاق في اللغة الأصلية (حيث ان هذا أمر محال )، الا أنه أيضا حاضر أبدا لأن الترجمة، تعبر عنه دائما دون أن تبدي ذلك، والا أنها تحوله الى كاثن لفري يعيد انتاج الأصل على الرغم من اختلافه عنه، وهو ما تقوم به الكناية والاستعارة. وعلى وجه يختلف عن حال الترجمة التفسيرية أو الصياغة الجديدة للنص (paraphrase) فإن كلا من الاستعارة والكناية شكلان دقيقان لا يتعارضان بأي شكل من الأشكال مع الصحة في الوصف. فالكناية هي وصف غير مباشر، في حين ان الاستعارة معادلة لغوية.

ان التشاؤم الأعظم حول إمكانية الترجمة، قد تركز على الشعر، وهو وضع جدير بالملاحظة، حيث إن كثيرا من أمهات القصائد في اللغات الغربية ما هي الا ترجمات، وكثيرا من هذه الترجمات قد كتبها شعراء عظام. وقد كتب الناقد واللساني جورج مرنين Geroge Mounin منذ بضع سنين كتابا عن الترجمة، أشار فيه الى الاعتقاد العام، المقبول على مضض، بأنه من الممكن ترجمة المعنى الاشاري لنص ما، الا أن ثمة ما يقترب من الاجماع بإستحالة ترجمة المعنى الايمائي. فالشعر، ذلك الفن المحبوك من نسيج الأصداء، والخلجات، ومن التفاعل بين الصوت والدلالة، هو صرح من الايحاءات، وهو على ذلك غير قابل للترجمة. ويتوجب علي أن أقر بأنني أعتبر هذه الفكرة فكرة تافهة ليس لأنها تتضارب مع ايماني الشحمي بأن الشعر كوني الطبيعة فحسب، بل أيضا لأن هذه الفكرة تقوم على تصور خاطيء حول ماهية الترجمة، غير أن الجميع لا يشاطرني رؤيتي هذه، حيث يصر كثير من الشعراء المعاصرين على أن الشعر غير قابل للترجمة. وربما ينبع رأيهم من تطقهم المتطرف بالشأن اللغوي، أو لعلهم غدوا صيدا في شرك الرؤية الذاتية، وهو شرك أخلاقي كما يحذر منه قفيدو Quevedo في قوله "مياه الهاوية، حيث أخذت في عشق نفسي. ويقدم أنا مونو Unamunoفي إحدى خلجاته الغنائية الوطنية نموذجا على هذا الضرب من الافتنان اللغوي:

أميلا، ملقة، ساسريس

جاتيفا،مريدا،قرطبة

سيداد رودريجو، سبلفيدا

أوبيدا،اريفالو، فورميستا

زومارراجا،سالامانكا

لويدا، زامارامالا

انتم الأسماء التي تنتصب شاهقة

حرة، براقة، عظيمة المجد،

انتم اللب الذي لا يمكن أن يترجم

في لساننا الاسباني.

إن "اللب الذي لا يمكن أن يترجم، في لساننا الأسباني" ليس الا استعارة مفرطة (اللب واللسان ؟) إلا أنها قابلة تماما للترجمة لأن الصورة كونية، فكثير من الشعراء قد استغلوا تقنية أونامونو الأسلوبية في لفات أخرى، حيث تختلف قوائم الكلمات، إلا أن السياق والعاطفة والدلالة هي أمور متشابهة. ومن الأمور الجديرة بالملاحظة أن أساس اسبانيا زير القابل للترجمة يجب أن يحتوي على ارث من الأسماء الرومانية والعربية والككبريانية والباسكية. وجدير بالملاحظة على نحو مواز انه كان يتوجب على اونامونو أن يترجم اسم المدينة الكاتا لونية ددليدادد الى اللغة

القشطالية "ليردا". ولعل أكثر الأشياء اثارة للدهشة هو أنه اقتبس الأبيات التالية لفكتور هوجو كمقدمة لقصيدته، ومن الواضح أنه لم يكن مدركا بأنه بذلك يناقض تشديد" على أن الأسماء غير قابلة للترجمة:

Et tout tremble, lrin. Colimre,

Santander, Alrnodovar,

sitôt qu on entend le timbre,

des cymbals de Bivar.

وترتعش الاشياء جميعا،ايرون، كويومبرا

سانتاندر، المودوفار

سمعنا ذات مرة مجرس

صنوج بيفار.

mantra

في كل من الأسبا نية والفرنسية توجد، الدلالات والعواطف نفسها. واذا تحدثنا عل نحو دقيق فلأن أسماء المدن والاشخاص لا يمكن أن تترجم، فما كان أمام هوجو سوى أن يسردها باللغة الاسبانية دون أن يحاول أن يفر نسها، وهذا السرد مؤثر لأن الكلمات إذ ما فصلت عن المعنى المحدد وحولت الى صنوج لغوية، أي أناشيد حقيقية، فإن أصداءها تتردد في النص الفرنسي، على نحو أكثر غرابة مما هي عليه في اللغة الأسبانية.. ان الترجمة أمر عويص وهي ليست أقل صعوبة من كتابة ما يسمى بالنصوص الأصلية _ لكنها مع ذلك ليست أمرا مستحيلا. وتدل قصائد هوجو وأنامونو على أنه يمكن الاحتفاظ بالدلالات الايمائية إذا نجح المترجم - الشاعر في انتاج الحالة اللغوية. والسياق الشعري، للذين ترتبط بهما القصائد. وقد أعطانا والاس ستفنسWallace Stevens ضربا من الصورة النموذجية لتلك الحالة في فقرة رائعة:

ان الهيدلج (2) الصعب

يعيش في حرف الكلام الجبلي المعالم

وفي المرأة الجبلية تكتسب أسبانيا

المعرفة باسبانيا وبقبقة الهيدلج

هيئة اسباني، أسلوب حياة،

اختراع شعب في كلمات...

لقد غدت اللغة هنا منظرا طبيعيا، وبدوره يكون ذلك المنظر اختراعا، استعارة لشعب أو لفرد _ طوبوغرافية لغوية تقوم بالتواصل التام وبالترجمة التامة،. عبارات من سلاسل جبلية، والجبال هي الحروف، انها ايقونات لحضارة. ولكن ليس التفاعل بين الأصداء والكلمات ليس سمة مسيطرة فحسب. بل انه تهديد ليس منه مفر. حيث تأتي لحظة نكون فيها محاصرين بالكلمات من كل الجوانب ونشعر بالرعب من الارتباك المزعج الناشيء عن العيش بين الأسماء وليس بين الأشياء، ذلك الارتباك الذي ينشأ حتى من الاسم الذي يسمى به الانسان:

وسط أعواد الخيزران، ووقت الاصيل

ما أعجب ان أدعى فدريكو!ّ

والتجربة هنا هي تجربة كونية أيضا،. فقد كان بإمكان غارسيا لوركا أن يشعر بنفس الصعوبة لو كان قد سمي بتوم، أو جين أو شوانج تسو. ان فقداننا أسماءنا يفقدنا عل الأرجح ظنا، أما أن نكون أسماءنا فقط فيعني أن نختصر أنفسنا الى ظل فحسب. ان فقدان التلازم بين الأشياء وأسمائها هو أمر لا يطاق على نحو مضاعف: فإما أن يتلاشى المعنى أو أن تغيب الأشياء. أن عالمنا من المعاني المجردة هو عالم قاس قساوة عالم من الأشياء التي تفتقد معانيها _تفتقد أسماءها. ان اللغة وحدها هي التي تجعل العالم صالحا للسكنى. ان لحظة الدهشة والتعجب من أن يسمى المرء بفردريكو أو سو جي يتعبها على الفور اختراع اسم آخر، اسم يكون ترجمة للاسم الأول على نحو ما: الاستعارة أو الكناية التي تقوله، دون ان تقوله.

وقد ظهر في السنوات الأخيرة، ربما بسبب سلطة اللسانيات توجه لسحب البساط من تحت قدمي الطبيعة الأدبية للترجمة التي لا يجادل فيها مجادل. فلا يوجد _ ولا يمكن أن يوجد - علم للترجمة، هذا على الرغم من أن الترجمة يمكن ويجب أن تدرس من منظور علمي. ومثلما ان الأدب هو وظيفة لغوية متخصصة، كذلك فإن الترجمة وظيفة أدبية متخصصة. ويمكننا أن نتساءل: وماذا عن الآلات التي تقوم بالترجمة ؟ ان كانت هذه الآلات تترجم حقيقة فإنها هي أيضا ستقوم بعملية أدبية. وستقوم بانتاج ما ينتجه المترجمون الآن وهو الأدب. ان الترجمة هي تمرين، الأمر الحاسم فيه، اذا توافرت المهارة اللغوية المطلوبة، هو مبادرة المترجم، سواء أكان المترجم آلة برمجها الانسان، أو كائنا حيا تحيط به القواميس، وما أصدق آرثر والي Arthur Waley في قوله:

"كتب عالم فرنسي مؤخرا عن المترجمين "أنهم يجب أن يكونوا مختفين خلف النص، واذا فهم النص فهما كاملا فسيتحدث بنفسه عن نفسه ". وفي ما عدا حالات نادرة لعبارات سهلة مثل "القطة تطارد الفأر" فإن من النادر أن توجد جمل لها مرادفات كلمة _ب _ كلمة في اللغة الأخرى. ولب المسألة يتعلق بالاختيار بين التقديرات المختلفة.. لقد وجدت دائما انني انا الذي أقوم بالكلام وليس النص. ومن الصعب أن يضيف المرء على ما قاله ارثر والي.

نظريا، الشعراء فقط هم الذين يمكنهم أن يترجموا الشعر. إلا أن الواقع يظهر أنه من النادر أن تجد من الشعراء مترجما جيدا، فالمترجم الجيد يتجه في الاتجاه المعاكس: فالاتجاه الذي يرمي للوصول اليه هو قصيدة مشابهة وليست مماثلة للقصيدة الأصلية. انه يبتعد عن القصيدة بهدف ان يتبعها عل نحو يجعله أكثر قربا منها. ان المترجم الجيد للشعر هو المترجم الذي هو شاعر أيضا، مثل ارثر والي _أو أنه الشاعر الذي هو أيضا مترجم جيد، مثل نرفال Nerval حينما قدم أولى ترجمات مسرحية فاوست. وفد لحب نر فال أيضا بعض المعارضات الأصيلة التي يحاكي فيها جوتة وجان بول وشعراء المان آخرين. ان قصيدة المعارضة هي الاخت التوأم للترجمة: فهما متشابهتان. لكننا يجب الا نخلط الواحدة منهما بالأخرى. انهما مثل الشقيقتين جرستين وجوليت في روايات سيد Sade ان السبب الذي لأجله لا يستطيع كثير من الشعراء ترجمة الشعر هو سبب نفساني على نحو صرف، هذا على الرغم من أن الغرور يلعب دورا في ذلك، لكنه دور وظيفي: ان الترجمة الشعرية، كما أنوي أن أوضح ذلك، هي اجراء أشبه بالخلق الشعري، غير أنها تنمو في الاتجاه المعاكس.

ان كل كلمة تحصل عددا محددا من الدلالات الخفية. فحينما تربط الكلمة بكلمات أخرى لانتاج عبارة، يتم تفعيل أحدى هذه الدلالات وتصبح الدلالة المسيطرة. ومن المعتاد وجود معنى واحد في النثر بينما يتميز الشعر. كما لوحظ في العادة، باحتفاظه بتعدد الدلالات، ولعل هذه هي السمة التي تميز الشعر عن غيره، ان ما نواه هنا هو في الواقع سمة عامة للفة يقوم الشعر بإبرازها، لكنها موجودة بدرجة أقل في الكلام العادي وحتى في النثر. (وهذا الوضع يؤكد أن الشعر في أدق معاني الكلمة ليس له وجود حقيقي بل أنه مفهوم يكتسبه العقل ). وقد خصص النقاد الكثير من اهتمامهم لهذه الخصوصية المزعجة للشعر، غير أنهم أهملوا الخصوصية التي توازيها روعة والتي تنسجم مع هذا النوع من حركة الدلالات وغموضها الا وهي ثبات الاشارات. ان الشعر يقوم بتحويل جوهري للفة ويقوم بذلك في اتجاه مضاد لاتجاه النثر. فتقوم حركة الحروف في أحدى الحالات بتحديد دلالة واحدة فقط، وفي الحالة الأخرى، يقوم تعدد المعاني بتحديد الحروف، ان اللغة بالطبع هي نظام من الاشارات المتحركة التي يمكن وضع أحداها في موقع الآخر الى حد ما، حيث يمكن احلال كلمة معينة بكلمة أخرى، ويمكن التعبير عن كل جملة (وترجمتها) بأخرى. واذا أعدنا صياغة كلمات لبيرس Peirce أن نقول إن معنى كلمة ما هو كلمة أخرى. فحينما نتساءل "ما معنى هذه الجملة ؟" فإن الاجابة هي جملة أخرى، ولكن ما إن نتحرك نحو حمى الشعر حتى نجد أن الكلمات قد فقدت حركتها وقابليتها للتبادل. فدلالات قصيدة ما دلالات عديدة ومتغيرة،بينما كلماتها فريدة ولا يمكن وضع غيرها موضعها. وتغيير كلمات القصيدة يعني تدمير القصيدة فالشعر يعبر عنه في اللغة غير أنه يتجاوز اللغة.

والشاعر،وقد غمرته حركة اللغة، وفي انهماك لفري مستديم، ينتقي بضع كلمات _أو ان شئت قل ان هذه الكلمات تنتقيه. وهو أيضا يربط الكلمات ببعضها ويبني قصيدته: ذلك الكائن اللغوي المصنوع من حروف غير قابلة للتغير أو الحركة. ان نقطة البداية لدى المترجم ليست اللغة المتحركة التي تشكل المادة الخام لدى الشاعر، بل اللغة الثابتة في القصيدة: لفة جامدة، لكنها متحركة. وخطة المترجم هي عكس خطة الشاعر، فالمترجم لا يقوم بتشكيل نص غير قابل للتغيير من حروف قابلة للحركة. بل انه يفك عناصر النص، ويحرر الاشارات، ثم يعيدها الى اللغة. ولا يختلف نشاط المترجم، في مرحلته الأولى، عما يفعله القاريء أو الناقد، فكل قراءة هي ترجمة، وكل نقد يعتبر، أو يبدأ على أساس انه تفسير. غير أن. القراءة هي ترجمة داخل نفس اللغة، والنقد هو نسخة حرة من القصيدة، وهو، اذا أردنا أن نكون أكثر دقة، تحويل ونقل. فالقصيدة لدى الناقد هي نقطة البدية للوصول الى نص آخر، هو نص الناقد، في حين أن على المترجم أن يعمل في لفة أخرى وبحروف مختلفة على تشكيل قصيدة شبيهة بالأصل. أما المرحلة الثانية من نشاط المترجم فتطابق ما لدى الشاعر، مع فرق جوهري هو ان الشاعر، في كتابته للقصيدة، لا يعرف الى أين تؤدي به قصيدته، أما المترجم فيعرف ان جهده وقد اكتمل سوف ينتج القصيدة التي أمامه. وهكذا فان مرحلتي الترجمة يشكلان توازيا معكوس الاتجاه

للابداع الشعري. والمحصلة هي اعادة انتاج القصيدة الأصلية في قصيدة أخرى، هي كما أشرت سابقا تحويل من القصيدة الأصلية أكثر من كونها نسخة منها. ان النموذج الذي على الترجمة الشعرية ان تسعي اليه يتكون، كما عرفه فاليري Valeryعلى نحو رائع بديع، يتكون من انتاج تأثيرات شبيهة بوسائل مختلفة.

ان الترجمة توأم الابداع، فالترجمة لا تنفصل من جانب عن الابداع كما أثبتت أعمال بودلير وباوند،أما من الجانب الآخر فثمة تفاعل دائم بين الاثنين وهو اثراء متبادل مستديم، ان أعظم الفترات ابداعا في الشعر الغربي، من أصوله في بروفنس الى يومنا هذا، قد سبقتها أو لازمتها امتزاجات بين تقاليد شعرية مختلفة. وقد اتخذت هذه الامتزاجات شكل التقليد في بعض الأحيان، وشكل الترجمة أحيانا أخرى. وبهذا المفهوم فإنه يمكن النظر الى تاريخ الشعر الأوروبي بإعتبار" تأريخا للتقارب بين التقاليد المختلفة التي تشكل ما يعرف بالأدب الغربي، هذا فضلا عن أثر التقليد العربي في الشعر البروفنسي أو وجود الها يكو والتقليد الصيني في الشعر المعاصر. والنقاد يدرسون "التأثيرات " وهو ليس مصطلحا دقيقا. ان من

المعقول ان يعتبر الأدب الأوروبي كلا متكاملا ابطاله ليست التقاليد القومية _ الانجليزية والفرنسية والبرتغالية والالمانية _بل الاساليب والاتجاهات. وما كانت الاساليب والاتجاهات قومية في يوم من الايام، ليس حتى ما يسمى بالقومية الفنية. فالاساليب قد كانت دائما أمرا يعبر اللغات ويتخطاها: فدون Donne هو أقرب الى كيفيدو Quevedo منه الى وردزورث Wordwworth.وليس ثمة شبه مثبت بين جو نجورا Gongoraومار ينو Marino في حين انه بغض النظر عن اللغة المشتركة فلا شيء يوحد بين جونجورا Gongora وجوان روز Juan Ruiz قسيس هيتا، الذي بدوره يذكر بتشاوسر Chaucer. ان الاساليب تمتزج وتنتقل من لفة الى أخرى، أما الأعمال الأدبية التي ترتبط بجذورها في تربتها اللغوية فهي فريدة.. فريدة لكنها ليست منعزلة: فكل منها يولد ويعيش في علاقته بالأعمال الأخرى المكتوبة في اللغات الأخر´ى. وهكذا فإن تعدد اللفات وقرادة الأعمال الأدبية لا تنتج تعددا ولا اضطرابا كاملن، بل العكس فهي تخلق عالما من العلاقات البيئية المتشكلة من المتناقضات والانسجامات، والاتحادات والتحولأت.

وخلال العصور كتب الشعراء الأوروبيون _وشعراء الامريكين حاليا _القصيدة نفسها بلفات مختلفة. وتتميز كل نسخة بالاصالة والتميز. أجل أن التزامن بينها ليس تزامنا كاملا، لكننا اذا رجعنا خطوة للورا، يمكننا أن ندرك بأننا نستمع الى حفلة موسيقية، وان الموسيقيين الذين يستخدمون أدوات مختلفة، ولا يتبعون لا القائد ولا دفتر الموسيقى، يشتركون في عملية تشكيل سيمفونية لا يكون فيها الارتجال منفصلا عن الترجمة ولا يتميز فيها الابداع عن التقليد. وفي بعض الأوقات قد يستهل أحد الموسيقيين لحنا ملهما، وسر عان ما يتناوله الآخرون، كل يدخل بصماته الذاتية التي تجعل من الفكرة الأصلية أمرا يتعذر تمييزه. وفي نهاية القرن الماضي أذهل الشعر الفرنسي أوروبا وفضحها باللحن الذي ابتدأه بودلير وختمه مالا رميه Malarme. وكان الحداثيون الامر يكان _ الا سبان من أوائل من طوروا اذنا لهذه الموسيقى الجديدة، وبتقليده جعلوا منه ملكا لهم أنفسهم وقاموا بتغييره ثم أوسلوه الى اسبانيا حيث تمت اعادة انتاجه مرة أخرى. وبعد فترة قصيرة قام شعراء اللغة الانجليزية بفعل شبيه ولكن بوسائل مختلفة وبمفاتيح ودرجات عزف مختلفة، وهي نسخة أكثر واقعية ونقدية تمركز فيها لافورج Laforgue وليس فرلاين.Verlaine ويساعد وضع لافورج الخاص في فهم شخصية الحداثة الا نجلو - امريكية وهي حركة جمعت بين الرمزية ومحاربة الرمزية في آن واحد. ومضى باوند واليوت في خطي لافورج، فأدخلا نقد الرمزية الى الرمزي ذاتها تهكما وسخرية مما سماه باوند بـ"الفسيفسات الرمزية المثيرة للضحك ". وقد شكلت هذه الرؤية النقدية إطارا لكتاباتهما وبعد ذلك بوقت قصير أنتجا شعرا لم يكن حداثيا لكنه كان حديثا وبهذا فإنهما بدآ بمعية والاس ستفنس ووليم كارلوس وليمز وآخرون، نغمة جديدة نغمة الشعر الا نجلو - امريكى المعاصر.

ان إرث لافورج في الشعر الانجليزي والاسباني هو مثال رئيسي على الاعتماد المتبادل بين الابداع والمحاكاة بين الترجمة والعمل الأصلي. ان تأثير الشاعر الفرنسي في اليوت وباوند أمر يعرفه الجميع، لكن غير المعروف في العادة هو تأثيره في الشعراء الامر يكان _ الا سبان ففي عام 1905 نشر الشاعر الارجنتيني ليوبولدو لو جونس Leopoldo Lugones، الذي لم تنل أعماله الاهتمام الذي تستحقه من قبل النقاد نشر ايوانا اسمه Los crepusculos del jarlin ظهرت فيه بعض السمات اللافورجية للمرة الأولى في اللغة الاسبانية. السخرية، واصطدام اللهجي مع اللفة الأدبية، والصور العنيفة التي ربطت بين التفاهة في المدن بالطبيعة التي صورت على انها امرأة قبيحة. ويبدو ان بعض قصائده كتبت في أحدى هذه ,dmanches bannis de l'Inini أيام الآحاد لدى البرجوازيين الامريكان. الاسبان. وفي عام 1909 نشر لونجونس ديرانه Lunario sonti.mental وعلى الرغم من أن قصائد الديران حاكت لافورج فإن هذا الديران يعتبر واحدا من أكثر الدواوين اصالة في عصره، ويمكن حتى اليوم تراءته بالتقدير والبهجة، ويمارس ديران Luriario seritimen'tal تأثيرا عظيما على الشعراء الامريكان - الا سبان، لكنه بصورة دقيقة كان مفيدا وملهما للشاعر المكسيكي لوبين فيلا ردي وفي عام 1919 نشر لوبين فيلا ردي ديرانه "زوزوبرا " ,Zozobra وهو ديران رئيسي في حركة "ما بعد الحداثة " الامريكانية _ الاسبانية وهي حركتنا الرمزية المضادة للرمزية،وقبل عامين( 1917)كان اليوت قد نشر ديوانه "بروفروك وملاحظات أخرى Prufrock and Other

Observations. وفي بوسطن ظهر لافورج بروتستانتي من هارفرد، في حين فر لافورج كاثوليكي من معهد كاثوليكي. الحسية، الكفر، الدعابة، ما سماه لوبين فيلا ردي _ "الحزن الرجعي العميق ". ومات الشاعر المكسيكي بعد 1921 بوقت قصير في عمر ثلاثة وثلاثين عاما. وانتهى عمله من حيث ابتدأ إليوت.. بو سطون وزاكاتكاس: ان ربط هذين الاسمين يجلب بسمة، وكأنه إحدى تلك الروابط نمير المتناسقة التي استمتع بها لافورج متعة عظمي. شاعران يكتبان بلفتين مختلفتين، بل حتى ان أحدهما لا يشك بوجود الآخر، انتجا في وقت متزامن تقريبا نسخا مختلفة، لكنها أصيلة أصالة متساوية، من الشعر الذي كتبه منذ سنين سبقت شاعرا ثالثا في لغة أخرى.

1 - ترجم هذه المقالة الى اللغة الانجليزية Irene del Corra إيرن دل كورال ونشرت بالانجليزية في كتاب Theories of Transliation "نظريات الترجمة " الذي حرره Rainer Schulte وينر تشولت و John Biguenet جون بيجونت، وصدر عن دار نشر جامعة شيكاغو عام 1992.

2- hidalgo الهيدلج: اسباني من طبقة النبلاء الدنيا (البعلبكي: المورد).