الأربعاء، 24 ديسمبر، 2003

برنارد لويس في مسقط

برنارد لويس في مسقط

عبدالله الحراصي

شهد الاسبوع الفائت زيارة لمسقط قام بها، بدعوة من وزارة الاوقاف والشؤون الدينية، مؤرخ بارز من مؤرخي الغرب الذين تخصصوا في دراسة التاريخ العربي والاسلامي هو برنارد لويس الاستاذ في جامعة برنستون الامريكية الذي يقوم الان، إضافة الى إنشغاله بكتاباته التاريخية، بدور مستشار للرئاسة الامريكية الحالية للشؤون المتعلقة بالعرب والمسلمين. وقد كتب برنارد لويس كثيرا عن التاريخ العربي ومن أهم كتبه "العرب في التاريخ" (1950) و"الحشاشون" (1967) و"اكتشاف المسلمين لاوروبا" (1982) و"لغة الاسلام السياسية" (1988) و"العرق والرق في الشرق الاوسط: مبحث تاريخي" (1990) و"مستقبل الشرق الاوسط" (1997) و"الهويات المتعددة في الشرق الاوسط" (1998).

أيا كانت النظرة التي يحملها المرء تجاه قراءة لويس للتاريخ العربي وللواقع العربي ومواقفه التي لا خلاف حول يمينيتها فإن زيارته تظل حدثاً ثقافياً كبيراً مكننا هنا في مسقط من سماع صوته والتحاور معه عن قرب حول كثير من القضايا التي يطرحها في كتاباته التاريخية. تنبع أهمية صوت لويس من أمرين مهمين، أولهما انه درس التاريخ العربي دراسة معمقة وألف فيه كثير من الكتب والدراسات ذات الشأن من الناحية العلمية والمعرفية، وثانيهما تأثير موقعه الفكري في السياسة، فهو من الدائرة الفكرية الضيقة التي تقدم المشورة للحكومة الامريكية الحالية في تعاملها مع القضايا العربية والاسلامية، ومن هذا المنظور فإن الاستماع اليه يحمل أهمية مضاعفة فيما يتعلق بفهم المحركات الفكرية لطبيعة هذا التعامل، وهي محركات تخفى على الراصد للسياسة وتفاعلاتها المباشرة حيث يتم انتزاعها من إطارها التاريخي الأشمل.

قرأت اسم برنارد لويس أول مرة في كتاب "الاستشراق" لادوارد سعيد، حيث اتهمه ادوارد سعيد بأنه يمثل احدى قمم العداء للعرب والمسلمين في مؤسسة خطاب الاستشراق ووصف كتاباته بأنها تدعي الانتماء الى الكتابة التاريخية الليبرالية الموضوعية بينما هي في حقيقة الأمر اقرب الى الدعاية الاعلامية التي يشنها الكاتب على الاسلام والعرب وانها تفيض عنصرية بغيضة تتقنع بقناع البحث التاريخي الموضوعي. ويقول سعيد ان لب ايديولوجية لويس حول الاسلام هو انه [اي الاسلام] لا يتغير على وجه الاطلاق، وكل رسالته هي تعريف العناصر المحافظة في الجمهور اليهودي القاريء خصوصاً، وكل من يستمع له على وجه العموم، ان اي تفسير سياسي وتاريخي وبحثي للمسلمين لا بد أن ينطلق وأن ينتهي عند حقيقة ان المسلمين مسلمون، اي ان هناك أمراً جوهريا في أصل الاسلام يجعل من وضع المسلمين الحالي كما هو، وهو وضع غير قابل للتغير.

بعد التعرف على برنارد لويس من خلال ادوارد سعيد، قرأت بعض كتبه (التي لم يترجم أغلبها الى العربية) ومقالاته التي نشرتها كثير من المجلات الامريكية والبريطانية. ومن المقالات التي لا قت ذيوعاً في الغرب مقال يحمل عنوان "جذور الغضب الاسلامي" نشر في عدد سبتمبر 1990 في مجلة "ذي أتلانتك" الامريكية. في هذا المقال يتتبع لويس أسباب الغضب اللاهب في قلوب كثير من المسلمين والذين يجد تجلياته، حسب رأيه، في الجماعات الاصولية المتشددة، ويناقشها، سبباً سبباً، مناقشة تفصيلية ليخلص ان الظروف والاحداث السياسية والاقتصادية المباشرة ليست هي الاسباب الحقيقية لهذا الغضب بل ان لهذا الغضب "جذوراً" تاريخية تتعلق بهزيمة العرب والمسلمين عموماً أمام الغرب الذين كانوا قد استعمروه حيث وصلت جيوش العثمانيين الى قلب أوروبا (بل انها وصلت حتى ايسلندا عام 1627).

يتحدث لويس دائماً عن حدثين مفصليين في تاريخ علاقة الاسلام بالعالم الخارجي عموماً وبالغرب على وجه الخصوص، أولها فشل العثمانيين في احتلال فيينا بعد حصارها عام 1683، وثانيهما احتلال مصر من قبل قوة فرنسية صغيرة يقودها نابليون بونابرت عام 1789. الحدث الاول كان هزة للمسلمين حيث ادركوا ان الغرب قادر على ايقاف تقدمهم وهزيمتهم وهو ما أدركه المؤرخ التركي سلحدار محمد أغا الذي وصف هذه الهزيمة بأنها "هزيمة كارثية" لم تشهد لها الامبراطورية العثمانية مثيلا لها قط. اما الحدث الثاني فقد علمهم ان الغرب لا يهزمهم فقط في قلب اوروبا بل انه قادر ان يحرك قواته وان يحتل قطعة في قلب الاسلام ذاته هي مصر، كما علمهم ايضاً ان قواهم المحلية لا تستطيع تحرير ارضهم بل ان هذا العدو الاجنبي لا يخرج من أراضيهم الا بيد عدو أجنبي آخر. تأثير هذه الاحداث الجسام توج في الزمن المعاصر بالتأثير الهائل الذي خلفه انتصار الغرب في كل المجالات السياسية والعسكرية والعلمية مما أدى الى تفاقم المرارة الاسلامية، وبحسب برنارد لويس كان المسلمون يسعون الى الحفاظ على بعض الاستقلالية باللعب بين توازنات القوى الغربية المتنافسة غير ان سقوط الاتحاد السوفيتي جعلهم بمفردهم أمام امريكا فما كان امامهم الا الرد على الغرب بإستخدام قواهم الذاتية وهو ما تجلى في أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.

ومن القضايا التي يركز عليها لويس دائماً ضرورة تقديم الغرب العون للديمقراطيات العربية والاسلامية، فيقول في مقال له عنوانه "ثورة الاسلام" (نشر في نوفمبر 2001 في مجلة "ذي نيو يوركر") انه يوجد في بلدان عربية كثيرة "أفراد يشاركوننا قيمنا ويتعاطفون معنا ويرغبون في ان يشاركوننا في نمط حياتنا. ان هؤلاء الافراد يفهمون الحرية ويرغبون في ان يستمتعوا بها في بلادهم" ولهذا فإن على امريكا ان لا تعوق مثل هؤلاء الافراد في مسعاهم هذا لنشر هذه القيم ذلك انهم ان وفقوا في هذا المسعى فإنهم سيكونون أصدقاء وحلفاء حقيقيين وليسوا اصدقاء وحلفاء في المستوى الدبلوماسي فحسب.

في محاضرتيه اللتين ألقاهما في جامع السلطان قابوس الأكبر في مسقط تحدث لويس عن ذات الافكار التي لخصتها أعلاه، كما تحدث عن الفهم المختلف للتاريخ بين العرب والغرب، ففيما يرى الغرب ان التاريخ أمر قد انقضى وان المستقبل هو ما ينبغي ان يشغل المجتمع به نفسه فإن العرب والمسلمين على وجه العموم يرون التاريخ أمراً حاضراً يتمثل أمامهم دائماً، وهو ما يتسبب في كثير من المشاكل السياسية المعاصرة. تحدث أيضا عن الدولة والاسلام وذكر بعض الظواهر التي يمكن تفعيلها لبناء نوع من الديمقراطية التي تنبع من التاريخ العربي ذاته كفكرة الحكم المحدود الذي يقوم على مباديء اسلامية مثل "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" وفكرة الشورى وغيرها. وخلاصة المحاضرتين هو ان العرب ان ارادوا النهوض فإن عليهم ان يتحركوا بأنفسهم ومن خلال تاريخهم الخاص دون ان يتم فرض ديمقراطية غربية صرفة عليهم، ذلك ان هذه الديمقراطية نبتت في تربة غربية تختلف تاريخيا عما شهده العالم العربي والاسلامي من تطورات تاريخية ونظم حكم تختلف جذرياً عما عرفه تاريخ الغرب.

برنارد لويس مؤرخ كريه لدى الغالبية ا لعظمى من المثقفين العرب بسبب مواقفه الفكرية والسياسية، والقاريء لكتبه ومقالاته لن يجد الكثير الذي يجعله يأمن لهذه المواقف خصوصاً فيما يتعلق بقضايا تراها الثقافة العربية أبرز محركات عملية التفاعل السياسي والفكري مع الغرب مثل قضية فلسطين. جزء كبير من المشكلة التي تبرز حين نستمع او نقرأ لمثل برنارد لويس لا يكمن فيما يقوله من فكر ورؤى تاريخية بل في افتراض كثير منا انه ينبغي ان يُسمعنا ما نريد، وفي افتراض أخطر منه وهو ان بيديه هو الحل لمشاكلنا. الثقافة العربية ينبغي ان تدرك أمراً أصبح إغماض العين عنه مشاركة في الوضع الحضاري الخطير الذي نعيشه وهو انه ليس بيد برنارد لويس وسواه من مفكري الغرب وصفة سحرية للنهوض الحضاري العربي، كما ان على الثقافة العربية كذلك ان لا تجعل لب همها الجدل حول عنصرية زيد او عمرو ويمينيته بل ان تركز على فعلها الحضاري الداخلي، أي التوصل الى اجابة تقوم على رؤية عقلية هادئة على السؤال "ها نحن قد وصلنا الى هذا المأزق الحضاري فإلى اين نمضي من هنا؟"، وكما قال برنارد لويس في نهايتي محاضرتيه (ما معناه) "ما ستفعلونه للخروج من هذا المأزق أمر متروك لكم، لكم وحدكم".

الأربعاء، 17 ديسمبر، 2003

الفلسفة الذرائعية والأمل الاجتماعي (2)

الفلسفة الذرائعية والأمل الاجتماعي (2)

عبدالله الحراصي

تحدثت في الاسبوع الماضي عن اهم اطروحات الفلسفة الذرائعية من خلال عرض لبعض أفكار مقدمة كتاب الفيلسوف الامريكي المعاصر ريتشارد رورتي "الفلسفة والأمل الاجتماعي"، وانتهيت بالقول ان هذه الفلسفة، رغم عدائها الصريح لأي "حقيقة" تتجاوز المنفعة البشرية، الفردية والجماعية، تقدم نفسها على انها تسعى حثيثة نحو غاية كريمة هي تعظيم سعادة الانسان والتقليل من آلامه. وهنا أود الاشارة الى أمر حاسم يعين على فهم اطروحات الفلسفة الذرائعية ورؤيتها للأمل الاجتماعي وهو ان هذه الفلسفة تنتمي الى الفلسفات التي يشار اليها على انها "لا جوهرية" واطروحاتها تضاد اطروحات المدارس الفلسفية "الجوهرية". ترى الفلسفات "الجوهرية" ان في الكون جوهر خارج نطاق الانسان وان الانسان، من خلال التأمل العميق، يستطيع ان يتوصل الى هذا الجوهر الخارجي، كما ترى ان المباديء الاخلاقية لها جوهر حقيقي منفصل عن الأوضاع الانسانية المتغيرة، أما الفلسفات "اللاجوهرية" فترى ان لا جوهر خارج نطاق الانسان وترى استحالة التوصل الى "الحقيقة" من خلال العقل البشري، لأن تلك "الحقيقة" غير موجودة أصلا، كما انها لا ترى وجود قيم أخلاقية منفصلة عن واقع الانسان المتغير.

وإذا عدنا للفلسفة الذرائعية فإن السؤال الذي يبزغ عند الحديث عن جوهرها المنفعي هو التالي " كيف يمكن التوفيق بين السعي نحو منفعة الانسان وتحقيق سعادته في جانب والتخلي عن القيم الانسانية بإعتبارها حقائق موضوعية من جانب آخر؟" سأتقصى بعض جوانب الاجابة على هذا السؤال من خلال استعراض أفكار رورتي في الفصل الرابع الذي يحمل عنوان "الاخلاق بلا مباديء" حيث يتوسع رورتي في الرؤية الذرائعية التي لا ترى وجود قيم أخلاقية عليا تحكم، او ينبغي ان تحكم، السلوك الانساني، وان السعي نحو المنفعة يكفي ليحل محل أي قيم ذات طابع ميتافيزيقي.

يعود رورتي في هذا الفصل الى أحد أعمدة الفكر الذرائعي وهو الانطلاق من اطروحة دارون التي ترى ان الانسان مرحلة من مراحل التطور الحيواني، ويؤكد هنا على الخطأ الفكري الذي وقع فيه، حسبما يرى، فلاسفة الاغريق (وعلى الأخص افلاطون وأرسطو) الذين اعتقدوا ان ثمة فرق جوهري بين الانسان والحيوان، حيث رأوا ان الحيوان يعيش وسط عالم يتعامل معه بحواسه، فيما لدى الانسان العقل الذي يستطيع به اختراق حجب الحواس ورؤية الحقيقة كما هي. على عكس هذا يرى رورتي والذرائعيون عموماً ان أي نشاط عقلي ليس الا مسعى يقوم به الانسان للتكيف مع العالم من حوله، وهذا المسعى مظهر من مظاهر عملية التطور الكبرى التي يتحول فيها الانسان من مرحلة معينة الى مرحلة أفضل منها. وهنا فإن البحث العقلي لا يهدف للوصول الى أي حقيقة علمية كانت او أخلاقية، كما ينعدم هنا اي فارق بين ما هو "حقيقي" وما هو "نافع"، فكل "حقيقة" يصل اليها الانسان هي تعبير عن أمر "نافع" يستطيع به التأقلم مع العالم من حوله.

ويتطرق هذا الفصل لقضية "حقوق الانسان غير المشروطة" اي تلك الحقوق التي لا تتأثر بشرط حياتي معين او غيره بل تعلو على كل الظروف الانسانية المتغيرة زماناً ومكاناً. يرى رورتي ان اعتقاداً بوجود مثل هذه الحقوق اعتقاد لا جدوى من وراءه، فالحديث عن هذه الحقوق يشبه الحديث عن "شرف العائلة" او "الخطر الذي يتهدد الوطن" حديث في انه نقاش حول قضايا لا تنفع ان تكون محاور تحليل فلسفي، ذلك انها مواضيع "منتهية" لا جدوى من التفكير فيها لأنها مواضيع مبتوت فيها ومن يعتقدها لا يرى أي ضرورة لأي حوار فلسفي يتقصى جوانبها. يرى رورتي ان القضية المحورية التي تتخفى خلف قضية "حقوق الانسان" هي ما اذا كانت المجتمعات تقبل الافراد المختلفين فيها ام انها تقصيهم، فهل المجتمع متسامح يقبل بالأجنبي ان يعيش بين أفراده ويقبل بالافراد المختلفين عن الأغلبية ان يمارسوا حياتهم فيه بيسر ودون عائق ما أم انه مجتمع يقوم على الانسجام الاجتماعي الذي لا يقبل المختلف الاجنبي او الداخلي؟ والاجابة على هذا السؤال لا ترتبط بطبيعة الحال بأي قيمة عليا حول حقوق الانسان بل بتطور المجتمع ذاته ورؤيته لنفسه وللآخرين. وهنا يتخذ رورتي موقفاً عملياً في قضية حقوق الانسان فيرى ان أهم امارات هذه الحقوق ان أردنا التقدم بإتجاهها حقيقة تتمثل في "ان نتوقف عن التدخل في أمر زواج ابنائنا وبناتنا لأسباب تتعلق بالاصل القومي او الدين او العرق او المستوى المادي للطرف الذين يرغبون الاقتران به"، اي ان رورتي لا يود الدخول في القضايا المجردة التي لا تجدي الانسان ولا المجتمع نفعاً حول حقوق الانسان المنبتة عن أي واقع حقيقي، بل يربطها بقضايا معاناة الانسان الموجودة حقيقة.

يناقش رورتي أنصار البحث عن أساس عقلاني لموضوع "حقوق الانسان غير المشروطة" فيسألهم عن الأمر الذي يشترك فيه كل البشر، فيرى انه ان كان المشترك بين البشر هو الشعور بالألم كما يرى الكثيرون فإن هذا يقتضي "ان حماية الارانب من عدوان الثعالب هو أمر يساوي في أهميته حماية اليهود من عدوان النازيين" ذلك ان الارانب تشعر بالالم من وحشية الثعالب أيضاً. اما اذا كان العقل هو المشترك بين بني البشر فإن رورتي يرى ان المظهر الذي يتم ادراك العقل به ليس الا اللغة، فبها نعبر عن "العقل"، وهنا يقول رورتي ان اللغة الانسانية كما تعبر عن المشترك بين بني البشر فإنها تعبر كذلك عن الرفض لهذه المشتركات، حيث نجد اللغة العنصرية على سبيل المثال التي لا ترى الحق الا عند أصحابها. وهنا يقترح رورتي رؤية لا تركز على المشتركات بين بني البشر بل على ضرورة تعايش اختلافاتهم، ويفضل رورتي منطلقاً آخر للأمل الانساني يتمثل في التركيز على "قدرتنا على جعل الامور الصغيرة التي تفرق بيننا تبدو غير ذات أهمية- وهذا لا يتم بمقارنتها بذلك الشيء الكبير الذي يوحدنا بل بمقارنتها بأشياء صغيرة أخرى."

هذه الفلسفة، التي لا تتمحور على ربط الانسان بجوهر متعال يجعل الانسان انساناً وغيابه يجعله حيواناً غير ناطق، لا تنطلق من العقل بل من الوجدان، وترى ان السعي نحو التقدم الفكري والأخلاقي لا يعني بحال من الاحول الاقتراب من "الحق" او من "الخير" بإعتبارهما جوهرين متعاليين منفصلين عن الانسان ذاته، بل ان هذا السعي هو "زيادة في القدرة التخيلية"، وهذا يعني ان الخيال هو آخر مراحل تطور الانسان من حالته السابقة بحسب النظرية الدارونية، وهذا الخيال، حينما يعيش في أمن وسلام ورفاهية، يستطيع ان يجعل من الحاضر أكثر ثراء وحيوية من الماضي، ويضيف "ان الخيال هو مصدر الصور العلمية الحديثة للكون الفيزيائي وكذلك فإنه هو مصدر التصورات الجديدة للمجتمعات الانسانية التي يمكن ان توجد. الخيال هو الامر المشترك بين نيوتن والمسيح وبين فرويد وماركس، انه القدرة على اعادة وصف الامر المألوف بعبارات غير مألوفة."

تتمثل الاجابة على السؤال المتعلق بكنه الأمل الاجتماعي الذي تطرحه الفلسفة الذرائعية في ان هذه الفلسفة، برفضها القيم الاخلاقية المكتملة والحقائق الميتافيزيقية حول الانسان، ترفض السكون واليقين وتفتح للإنسان، كما يقول رورتي، أبواب أمل لا تحده حدود. معنى هذا ان هذه الفلسفة تطرح تجاوز الواقع والسعي نحو الأنفع للإنسان إنطلاقاً من ظروفه المباشرة فرداً او جماعةً وليس سعياً وراء مثال ميتافيزيقي متوهم.

الأربعاء، 10 ديسمبر، 2003

الفلسفة الذرائعية والأمل الاجتماعي (1)

الفلسفة والأمل الاجتماعي

عبدالله الحراصي

يتحدث الكثير من الكتاب والمفكرين العرب عن ضرورة الحوار مع الغرب ومع أمريكا على وجه الخصوص، غير ان هذا الحوار يختزل في أغلبه في الحوار السياسي والديني ولا يتجاوزه الى حوار مع فلسفة الحياة الامريكية، أي ان القليل فقط يغوص الى أعماق هذه الحياة فيتتبع خيوط السياسة الى الفلسفات الفاعلة في هذه الحياة. ورغم محورية دور الجانب السياسي حالياً في تحديد كنه هذا الحوار ومستوياته الا ان السياسة وما تخرجه عبائتها من حروب ومواقف لا تخلو من العداء والعنف السافر عسكرياً واقتصادياً بل وحتى فكرياً هي الا إنعكاس لفلسفة يسير على هديها المجتمع الامريكي، وينبغي قبل أي حوار فهمها لكي تتوفر كل أركان الحوار، وحتى نفهم الأسباب الأكثر عمقاً لمواقف تكتسح آثارها كثير من مظاهر حياتنا ومستقبلنا. أعني هنا ان غياب الوعي بفلسفات الحياة في أمريكا فإن فهمها وفهم مواقفها سيظل أمراً غير مكتمل.

وأهم الفلسفات الفاعلة في الحياة الامريكية هي بطبيعة الحال الفلسفة الذرائعية (التي تسمى أيضا "البراجماتية") التي ترى ان الحقيقة لا تكمن في الصدق المجرد لأمر من الامور وأخلاقيته بل في مدى نفعه للإنسان وإمكانية إعمال الفكر لفائدته، ولهذا كان السعي نحو المصلحة هو الأساس الذي يميز هذه الفلسفة. سادت هذه الفلسفة، كما تذكر دائرة المعارف البريطانية، أمريكا على وجه الخصوص في الربع الأول من القرن العشرين فظهرت أبعادها في كثير من مظاهر حياة الانسان ونظمه كالقانون والتعاليم والسياسة والمجتمع والفن والدين. وتقوم أساساً مجموعة من الاطروحات الاساسية، أولها ان الافكار ينبغي ان ترتبط بالأعمال، وان لا نفع لأي فكرة ما لم يتم إثبات عمليتها، وفي الإطار العملي فإن على الانسان ان يستغل التغير الذي لا بد وأن يقع نتيجة لأي فعل لفائدة ما على الصعيدين الشخصي والاجتماعي. معنى هذا ان هذه الفلسفة ترفض التفكير المجرد الصافي الذي لا نفع منه. الاطروحة الثانية هي ان الذرائعية استمرار للفلسفة العملية النقدية التي ركزت على أولوية التجربة الحقيقية على المباديء المجردة، فالمهم ليس الحديث عن أخلاقيات ومباديء فكرية مجردة بل ارتباطها وثبات نفعها من خلال التجربة. الاطروحة الثالثة هي التعريف الذرائعي للأفكار، فالفكرة ذات المعنى هي تلك التي يمكن استخدامها وتطبيقها عملياً، ولهذا فإن اي فكرة (وعلى الأخص الفكرة الميتافيزيقية المتجاوزة) لا يمكن ان يوجد لها تطبيق عملي نافع ليست فكرة ذات معنى. الاطروحة الرابعة تتعلق بقضية صدق الافكار، فالفكرة الصادقة ليست تلك تصف واقعاً ما وصفاً دقيقاً، بل تلك التي تثبت قابليتها للتطبيق، ولهذا فإن الحقيقة هي بحسب هذه الفلسفة هي تلك التي "تعمل" وكل فكرة لا يمكن تطبيقها عملياً فليست فكرة حقيقية. وهذا يرتبط بالاطروحة الخامسة التي تفيد بأن الافكار ليست وصفاً لحقيقة مجردة، بل ان الفكر وسيلة وأداة لتحقيق هدف عملي، وهو ما يقضي على الفكر المجرد "الصافي".

هذه المقدمة حول الفلسفة الذرائعية تقودني الى الكتاب الذي أود الحديث عنه وعنوانه "الفلسفة والامل الاجتماعي" ومؤلفه هو فيلسوف امريكي ذرائعي معروف اسمه ريتشارد رورتي، وصدر عن دار بنجوين الشهيرة عام 1999. من المعروف عن رورتي عدائه الشديد للفكر الميتافيزيقي المجرد الذي لا يرتبط بنفع وفائدة عملية للانسان والمجتمع، وهذا الكتاب يحوي مجموعة من المحاضرات العامة التي ألقاها رورتي في غير مكان وعلى مقالات كتبت للقاريء العام وليس الفيلسوف المتخصص. سأحاول في هذا المقال ان استعرض بعض الافكار التي طرحها رورتي في مقدمة كتابه، وهي مقدمة توجز فكر رورتي وأهم الفروق بين الفلسفة الذرائعية والفلسفات الاخرى.

يبدأ رورتي مقدمته بحديث عن الفيلسوف "النسبي" اي ذلك الذي لا يعتقد بوجود حقيقة للفكر الميتافيزيقي المجرد، ويسمى الفلاسفة نسبيين حينما يرفضون التقسيم الفلسفي الشهير بين حقيقة الاشياء كما هي وبين العلاقات بينها وبين اشياء اخرى، وعلى الاخص حاجات الانسان ومصالحه، وهذا يستدعي طبعاً الحديث عن الاختلاف بين الفلسفة الذرائعية التي تربط الحقيقة بالمنفعة والفلسفات الموضوعية التي ترى ان حقيقة الاشياء كامنة في ذاتها وليست بالضرورة في مدى نفعها للانسان، ففضيلة "الصدق" على سبيل المثال صادقة في ذاتها على وجه الاطلاق، ولا علاقة لصدق هذه الفضيلة بنفعها أو ضررها على الانسان في حالاته المحددة، ولهذا فإن على الانسان ان يسعى الى تطبيق هذه الفضيلة في كل ظرف ومكان. أما الفلاسفة النسبيون والذرائعيون مثل رورتي فيرون ان علينا ان نرفض مثل هذه المعتقدات المتجاوزة للواقع البشري الملموس حول صدق الاشياء والافكار، فلا فائدة من فضيلة الصدق الا اذا ثبت نفعه وفائدته للانسان وليس لانه يحمل قيمة صادقة في ذاته. غير ان رورتي لا يرى الخطأ الكلي للفلسفات الموضوعية، فربما كانت هذه الفلسفات ذات جدوى فكرية في الماضي لكنها بكل تأكيد تخلو من الفائدة حالياً. يبسط رورتي هذا يقوله بأن "اجدادنا تسلقوا سلماً نحن الان في وضع التخلص منه، وسنرميه بعيداً ليس بسبب اننا قد وصلنا الى المكان النهائي الذي نود الوصول اليه بل لأن لدينا مشاكل أخرى يتوجب معالجتها تختلف عن المسائل التي حيرت أسلافنا".

بالنسبة للانسان يرى الذرائعيون عدم محورية عقل الانسان كموصل للحقيقة بل يفضلون، كما يقول رورتي، التفسير الدارويني الذي يرى في الانسان حيواناً يبذل أقصى جهده في التعامل مع البيئة بإنتاج أفضل الوسائل التي تمكنه من العيش بأقل قدر من الالام وبأكبر قدر من المتع. واعتبار الافكار أدواتاً من أهم الطروحات التي يتعرض لها الكتاب، فبالنسبة للمعتقدات لا حديث لدى البراجماتيين عن صدقها الجوهري الذاتي بل ان السؤال الصحيح يتحول الى التالي "لأي غرض سيكون الايمان بهذا المعتقد مفيداً؟"، وهو تساؤل لا يختلف كثيرا عن السؤال عن نفع أمور مادية بسيطة كفائدة تحميل برنامج جديد الى جهاز حاسوب. النفع هو الاساس في استغلال الانسان لكل شيء سواء كان هذا الشيء معتقداً ايمانياً او فكرياً او شيئا مادياً صرفا. وهو ما يقود رورتي الى القول بأن الفرق بين الاسلاف الذي يعتقدون بصدق المعتقدات، بغض النظر عن فائدتها، وعن الذرائعيين هو ان الاخيرين يرون ان اي معتقد قد يصبح معتقدا حقيقياً، لا لوجود حقيقة كامنة فيه، بل لأنه لا يوجد معتقد بديل بحسب علمنا أكثر فائدة منه.

يرفض البراجماتيون هذا بطبيعة الحال، فهم يرفضون قضية الحقيقة المجردة من النفع، بل ان رورتي يمضي الى مدى أبعد حين يقول ان اي بحث يهدف الى التوصل الى اتفاق بين بني البشر حول ما ينبغي فعله وللوصول الى اجماع حول الاهداف التي ينبغي الوصول اليها وحول الادوات التي ستستخدم للتوصل الى هذه النتائج، وأن اي محاولة للبحث خارج اطار المنفعة هذا ليست الا لعباً بالكلمات.

الأربعاء، 19 نوفمبر، 2003

الزمن و"دون كيخوته"



السبت، 15 نوفمبر، 2003

عن الغرب والعرب





عن الغرب والعرب

عبدالله الحراصي

قلبت أحداث 11 سبتمبر 2001 العالم الغربي رأسا على عقب، فحدث تحول كبير في الرؤى والتوجهات ونظم الحياة في مجالات الفكر والسياسة في الغرب، وهي تحولات تفسر على انها ردود فعل طبيعية لهول ما جرى ذلك اليوم، وهي صحوة يرى كثير من الغربيين انه لا بد منها ومن تحمل مراراتها الجديدة حتى لا تتكرر مأساة أخرى تشبهها، ولأن الانسان الغربي لا تشغله في العادة سوى شؤون حياته في حدودها المحلية الضيقة، وهو غير مهتم بما يحدث في الخارج ولا يفهمه (لا يعرف كثير من الامريكان مثلا ان ثمة عالم خارج أمريكا، ومن يعرفون عن العالم الخارجي يعتبرون "متخصصين")، فأنه قد وثق، بسبب وجود تراث من الثقة في الحكومات، في حكوماته في ما اتخذته من خطوات لم تكن مألوفة من قبل. وجد الغرب نفسه إذا بين نارين، نار فقدان الامن باستمرار الحرية والحياة الرغدة المنفتحة المعهودة بما قد يصاحبها من تكرار 11 سبتمبر أخرى ونار الانتقال الى وضع مكارثي تتحول فيه الدولة الى رقيب وحسيب، وتنعدم فيه خصوصيات الافراد وحريتهم، وهي محور الحياة في الغرب، ولم يكن أمام الغرب الا الخيار الثاني بأعتباره أقل الامرّين مرارة.

اهتزت القناعات في الغرب، وكان لا بد من ان يوازي هذا اهتزازا في الاجراءات التي انقلبت لترجح كفة الأمن ومتطلباته على كفة الحرية ومتطلباتها. أول هذه التغيرات في المفاهيم وفي الفعل السياسي الموازي لها تتمثل في غض النظر عن كثير من الافعال التي كانت تعد قبل 11 سبتمبر أفعالا تضاد قيم حقوق الانسان وما يتبعها من ديمقراطية وحرية كلمة وشفافية إعلامية وسواها كان يتباهى بها الغرب ويقدمها للناس على انها قيم مطلقة تعلو على الزمان والمكان. رأينا أثناء حرب الخليج (الأخيرة، حتى الان) وبعد سقوط بغداد والعراق وحتى اليوم ان حرية الاعلاميين قد قيدت الى حد كبير، وان كثيرا منهم قد تعرضوا للمضايقات، وقتل البعض منهم، كما رأينا ان الغرب أخذ يمارس السجن بلا محاكمة واعتقال من تحوم أدنى درجات الشك في انه عدو دون ثبات جرمه بالضرورة. رأينا أيضا ان الغرب أخذ يمارس التعذيب، وهو كسر لقيمة كان الغرب يعلي شأنها وهي ان الانسان بريء حتى يثبت جرمه وان أي اعتراف انتزع بطريق التعذيب لا يعد مقبولا من الناحية القانونية. أما أخطر الاجراءات التي اتخذها الغرب في أعقاب 11 سبتمبر فهي التمييز العنصري المؤسسي، أي ان تقوم مؤسسات الدول نفسها بإجراءات على أساس التفرقة العنصرية بين الاعراق المختلفة، حيث تم التعامل مع كل من تبدو عليه ملامح "شرق أوسطية" على انه (ربما يكون) عميل نائم، وهو ما استدعى قيام كثير من مؤسسات الغرب بالتحقيق مع الالاف المؤلفة من العرب والمسلمين، بل ان هذا التمييز أخذ يظهر في مؤسسات غربية كانت تعد قلاعاً للقيم وللحرية والمساواة كالجامعات على سبيل المثال. كل الاجراءات السابقة شكلت انقلاباً على طروحات الغرب التي كانت تتلى صباح مساء على مسامع العالم غير الغربي بأكمله على انها قيم إنسانية مطلقة، وهو انقلاب خطير لأنه أعاد قضية علاقة القيم بالسياسة الى نقطة حرجة جداً، فتغلبت السياسة على القيم تغلباً تاماً في العالم بأكمله، بعد ان كانت هذه الغلبة حصرا على العالم الثالث.

وتوازيا مع ما يحدث في الغرب أخذت تبرز ظاهرة جديدة في العالم العربي هي ظاهرة الاستشهاد بالوضع الجديد في الغرب لتبرير ما يحدث عربياً من ممارسات تضاد قيم العدالة والمساواة وحرية الكلمة. بمعنى آخر، كان الغرب يُقَدَّم عربياً (في أسوأ الطروحات) على انه مورد الفساد الاخلاقي والسياسي، و(في أحسنها) على انه ثقافة أخرى لها تطورها التاريخي المختلف عنها ولهذا لا ينبغي ان نقلدها. يُقَدَّم الغرب في وضعه الجديد عربيا على انه مرآة للوضع العربي، فإن تحدث أحد عن حرية الكلمة مثلا سرعان ما يأتي الرد مؤسسيا على ان الغرب نفسه يخنق الصحافة والاعلام (وهذا صحيح)، وإن تحدث أحد عن ضرورة التخلص من اضطهاد الانسان يأتي الرد بأن الغرب نفسه يضطهد الانسان ويميز بين انسان وآخر على أساس بشرته وعرقه (وهذا صحيح كذلك)، غير ان خطاب مؤسسات الحكم العربية الجديد هذا يثير بعض القضايا التي ينبغي تمحيصها وتحليلها.

أول ما ينبغي ان نتوقف أمامه هو الداعي لمحورية طرح الغرب أصلا معياراً في كل حركاتنا وسكناتنا. أعني انه لا ينبغي ان نضع الغرب وأحواله فاصلا بيننا وبين رؤيتنا لأنفسنا، فلماذا يتوجب علينا ان أردنا ان نصلح أمرا رؤية انفسنا في خارطة يكون الغرب مركزها ومعيارها؟ ولماذا لا نقارن انفسنا بالغرب الا في أسوأ لحظاته وفي أسوأ ممارساته؟ ولماذا نختزل الغرب في لحظة متوترة في تاريخه؟ ولماذا "نغرب" الغرب أصلا؟ الغرب هو مجتمع انساني مر بمرحلة فكرية أدت الى ما ادت اليه من تفجير لطاقات الانسان الفرد ولطاقات المجتمع بأكمله ليصل الى وضع تقدم علمي ورفاهية مجتمعية لم يصل اليه مجتمع في السابق، وبطبيعة الحال ان تقدم الوضع الغربي ورفاهيته لا بد ان يوجد على ظلالهما ظواهر مرفوضة كالمبالغة في الفردية الى درجة شعور الانسان بالوحدة الوجودية ونمو الجريمة وتفكك الاسر، وهي ظواهر يشكو كثير من الغربيين منها أصلا. أما بالنسبة لما بعد 11 سبتمبر فلا ينبغي ان ننسى ان تلك الاحداث ليست أحداثاً سياسية بسيطة، بل هي من الاحداث التاريخية العظام، وتأثيراتها وتجاوز تأثيراتها أمور تتطلب زمناً ليس بالقصير ومخاضات فكرية وسياسية تنقلب فيها أمور كثيرة مما كان مألوفاً قبل تلك الاحداث. ما أود قوله ان علينا في هذه اللحظة ان نراعي ان التطور الحضاري العربي ينبغي ان لا يفسر بوضع القيم والسياسة في الغرب حالياً، كما ان علينا ان نعي "الغرب" وألا نجعل هذه اللحظة بما فيها من انقلاب قيمه وتوتر اجراءاته معيارا لتستمر أوضاعنا المألوفة التي لم يعد استمرارها أمرا مقبولا من ناحية القيمة ولا صالحا من ناحية المنفعة.

أمر آخر ينبغي ان يلحظه كل من يشبه الحال العربي بحال الغرب هذه الايام هو ان في الغرب أرضية لتدافعات فكرية وسياسية تضمن عدم استمرار توترات اللحظة إلى أبد الابدين، وهذا ينطلق من أمرين أولهما ان في الفكر الغربي حركية دائمة تضمن ولادة رؤى جديدة تجبُّ الرؤى المتوترة الحالية، والامر الثاني يتعلق بتدافعات السياسة، حيث ان إمكانية التحول السلمي للسلطة في الغرب تضمن كذلك إمكانية ظهور تيارات سياسية، تساندها الرؤى الفكرية الجديدة، تسعى لتغيير الواقع الذي حل بالغرب بعد 11 سبتمبر. معنى هذا اننا مختلفين عن الغرب في لحظة توتره هذه، وان التشابه بين واقع الامور العربية وواقع الامور الغربية هو مجرد "تشابه" ظاهري، فالغرب لم يقض في لحظة توتره هذه على إمكانيات الحراك والتجاوز الفكري والاجتماعي والسياسي، وهو بطبيعة الحال أمر مختلف عن الوضع في العالم العربي حيث قضي إلى حد كبير على هذه الامكانيات قضاء مؤسسيا ممنهجاً. ولهذا فإن الامور وإن بدت تشبه بعضها بعضاً الا انها في واقع الحال مختلفة تمام الاختلاف من ناحية سوابقها ولواحقها.

كان كثير من العرب يعلقون فشلهم على التآمر الغربي من جانب وعلى ضرورات السياسة من جانب آخر، وها هم الان يتسابقون في تبرير وضعهم بحال الغرب، وهذا التبرير ما هو الا استراتيجية جديدة في الخطاب السياسي العربي لتبقى الاوضاع على حالها السابق، وهو حال لم يعد يوجد من يستطيع توفير غطاء فكري له بعد ان انكشف الوضع العربي بكل منظوماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية وغيرها. وصل الوضع العربي الى مرحلة لا بد فيها من تغيير في فلسفة حياة الفرد والمجتمع وفي نمط العلاقات الداخلية بين المؤسسة والمجتمع، ونمط العلاقات الخارجية مع العالم بجميع قواه، وفي ممارسات الدول تبعاً لأنماط العلاقات الداخلية والخارجية هذه، أما تبرير الواقع بحال الغرب وممارساته الان فهو آخر ما يحتاج اليه الانسان العربي والمجتمع العربي في وضعه الحضاري المعاصر.

الأربعاء، 12 نوفمبر، 2003

عمان في الأدب الغربي

عمان في الأدب الغربي

عبدالله الحراصي

تعددت الدراسات العلمية التي تناولت العلاقات التاريخية العمانية مع الدول الغربية، الا ان التركيز على الدراسات السياسية والتاريخية عموماً يكشف عن نقص كبير في دراسة جوانب أخرى في غاية الاهمية من بين أهمها حضور عمان في الأدب الغربي، ويشمل هذا صورة عمان في الشعر والقصة والرواية وأدب الرحلات وغيرها من فنون الأدب في الغرب. وقد أصبحت دراسة هذه المواضيع أمراً ملحاً وضرورياً لأسباب عدة منها ان مثل هذه الدراسة ستساهم في فتح نوافذ جديدة للثقافة العمانية خصوصاً والعربية عموماً تكشف عن رؤية الآخر الغربي لعمان وصورتها في أدبه، كما انها ستعين كذلك في فهم الآخر ذاته ومنطلقات رؤيته للعالم العربي ولعمان ومحددات تلك الرؤية. وتجدر الاشارة هنا الى هذا ان الحصول على النصوص الأدبية المتعلقة بعمان قد أصبح أمراً يسيراً الآن بسبب استغلال القائمين على الأدب الغربي للتقنيات الحاسوبية الحديثة في حفظ أغلب النصوص الأدبية، وخصوصاً تلك المكتوبة باللغة الانجليزية. ومن أهم المواقع الانترنتية التي تقدم هذه خدمة تصفح الأعمال الأدبية والبحث فيها موقع اسمه "الأدب على الشبكة" Literature Online (وعنوانه http://lion.chadwyck.co.uk) ويحتوي على 350 ألف عمل أدبي كتبت باللغة الانجليزية من مختلف العصور.

وقد ظهرت في الاونة الأخيرة بعض المؤشرات على اهتمام الاكاديميا العمانية بإستكشاف هذه المناطق البحثية لعل أبرزها حتى الان الدراسة التي نشرها هلال الحجري في العدد الخامس والثلاثين من مجلة "نزوى" بعنوان "مدخل إلى أدب الرحلات في عمان: دراسة وصفية للرحالة البريطانيين 1626-1970"، وهي دراسة لا تكمن أهميتها فحسب فيما تقدمه من بيانات جديدة للقاريء العربي والعماني حول عمان في الزمن الذي قام فيه هؤلاء الرحالة برحلاتهم من خلال الاتصال المباشر بالطبيعة العمانية وبالعمانيين، بل لأن هذه الدراسة تفتح باباً جديداً في الدراسات العمانية لم يُتَطرَّق اليه من قبل رغم أهميته المفصلية في فهم ذات الوطن العماني وعلاقته بالآخر ورؤية هذا الاخر له.

غير ان أدب الرحلات هو جانب واحد فقط من جوانب دراسة صورة عمان في الأدب الغربي، وهو ما يعني ان ثمة حاجة ماسة الى دراسة صورة عمان في انواع الفنون الادبية الأخرى كالشعر والرواية وغيرها. وفيما يتعلق بالرواية فهناك عدد من الروايات الانجليزية على سبيل المثال التي اتخذت أحداثها في عمان او تناولت مواضيع ذات علاقة بها، ومن آخر هذه الروايات رواية "الرياح الموسمية" ومؤلفها الروائي الجنوب أفريقي (الكاتب باللغة الانجليزية) ولبر سميث، وقد صدرت عام 2001 وتعد من أكثر الروايات رواجاً في الدول التي تتحدث اللغة الانجليزية. وتتحدث الرواية عن شخص يبعثه الملك وليم الثالث ملك انجلترا اسمه السير هال كورتني للقضاء على قرصان عربي كان يمارس نشاطه في المحيط الهندي يسمى "العوف"، كما تتحدث كذلك عن أنشطة تجارة الهند الشرقية وعن دور العرب، كما تقول الرواية، في تجارة الرقيق والصراع الناشيء عن محاولة إبقاء عمان خارج إطار الامبراطورية العثمانية. مثل هذه الروايات تكشف عن جوانب كثيرة حول علاقة الشرق بالغرب والرؤى المتبادلة بينهما، كما تكشف هذه الروايات، خصوصاً تلك التي تتخذ من بعض أحداث التاريخ منطلقاً لها، عن رؤى تاريخية وحضارية ينبغي دراستها وتقصيها.

أما بالنسبة للشعر فهناك قصائد عديدة تذكر عمان، وقد قمت، على سبيل التجربة، بكتابة Oman في موضع البحث في الموقع الادبي الآنف الذكر ففوجئت بعدد كبير من القصائد الانجليزية والامريكية التي ذكرت فيها عمان، وهو ما يستدعي دراسة معمقة تستغل الامكانات الالكترونية الحديثة في بحث صورة عمان في الشعر المكتوب باللغة الانجليزية (والغربي على وجه العموم) وتتبع تطور تلك الصورة. فنظرة سريعة على القصائد الانجليزية التي تأتي على ذكر عمان تكشف عن ظاهرة مهمة هي ارتباط عمان بصورة متكررة في هذه القصائد هي لئاليء بحر عمان، وهي صورة غير مألوفة كثيرا في الادب العماني او العربي ذاته، وهذا يثير بعض التساؤلات حول سبب هذا الاختلاف بين تصورنا الذات لنفسها وصورة الآخر لهذه الذات، وربما يكون هذا المجال ميداناً يمكن فيه تطبيق نظرية ادوارد سعيد حول "الخطاب الاستعماري" حيث يشكل الغرب صورة عن الشرق ليست بالضرورة مرتبطة بالواقع الشرقي في حقيقته او برؤية الشرق لذاته، بل وفقاً لتصورات مسبقة تشكل شرقاً او عالماً عربياً متوهماً يتوافق في خطوطه الرئيسية مع المصالح الاستعمارية الغربية.

أقدم فيما يلي ترجمة لإحدى القصائد التي تظهر فيها صورة لئاليء بحر عمان كنموذج على حضور عمان في الشعر المكتوب بالانجليزية، والقصيدة تحمل عنوان "أرصفة السُبات" للشاعر الامريكي ماديسون يوليوس كاوين (1865-1914) يذكر فيها لئاليء بحر عمان بإعتبارها من أنفس النفائس التي تأتي بها "سفن الأحلام" كما يذكر كذلك ذهب أوفير القديمة التي يعتقد كثير من الباحثين انها ظفار.

* * * * * * * * *

قصيدة "أرصفة السُبات"

على أرصفة السبات

شاهدت سفن الاحلام

تشق بحار الضباب وضوء القمر

وأنوار سراج الليل وومضه.

كانت عنابرها تفيض بالغنائم

التي نهبت من كل أرض وكل زمان

ففيها ذهب أوفير، وآلهة الأغريق

وأبيات من قصائد قديمة،

وأقراص البنج من كريت،

وحزم الحرير من اليمن،

وبراعم القرنفل والصندل،

ولئاليء عمان البيضاء كالحليب.

والرقيق، من الرجال والنساء،

الذين يكسو الحسن محياهم

بأناشيدهم التي هب لوقعها النسيم

فتهادت أمامه سفن الأحلام.

انتقيت أفضل البضائع وأجودها

من كل شحنة حملتها سفن الأحلام،

من توابل وذهب ولئاليء ورقيق

ومرّ وجواهر وفراء.

وفيما استغرقت في تأملي

فيما سأحمل وما سأنتقي،

سمعت هاتفاً يصيح بي "انظر!

هي ذي سفينة الفجر قد أتَتَ تخترق الندى"،

عندها اختفت كل سفن الأحلام

وخلَّفَتني في يقظة حزينة،

أتذكر تلك الأشياء البديعة

التي كانت قبل لحيظات ملك يدي.

الأربعاء، 5 نوفمبر، 2003

الأربعاء، 29 أكتوبر، 2003

المرأة والكتابة



المرأة والكتابة

عبدالله الحراصي

[يمكنك الحصول على النسخة الأصلية هنا]



يعد اختراع الكتابة نقطة تحول كبير في تاريخ البشرية بإتجاه توثيق الفعل البشري في وسيلة توصيل للأفكار أكثر بقاء وتأثيرا من وسائل التوصيل الاخرى. كانت هناك أشكال متعددة للكتابة كاستخدام التصوير والحروف غير انها كلها ارتبطت دائماً بالسلطات بأشكالها، فأقدم الكتابات والنقوش توجد في الصروح التي ترتبط بالسلطة الدنيوية والدينية كالمعابد والقلاع والقصور وسواها. وارتباط الكتابة بالقوة الاجتماعية بهذا الشكل يعني أن الكتابة كانت تُهمِّش ايضا الغالبية التي لم تكن تستطيع ولم يسمح لها بتوثيق التعبير عن ذاتها. غير ان على المرء ان يتذكر كذلك ان هامشية المرأة كانت هامشية مضاعفة، ففيما ارتبطت الكتابة بالسلطة والقداسة والعقل وتجاوز المحسوس المباشر الى التجريد تمحورت النظرة الى المرأة على انها تمثل النقيض المباشر لكل ما تمثله الكتابة، فالمرأة تمثل العاطفة والمادة والمحسوس، وهكذا كان ابتعادها عن الكتابة هو الامر الطبيعي في زمن سيادة هذه الرؤى الاجتماعية التي لم تسع المرأة الى إثارة التساؤل حولها والتشكيك في مشروعيتها.

غير ان ما شهدته عملية الكتابة نفسها في العصور المتأخرة من تطورات تقنية جعلت النشر في متناول الجميع فتحت أبواباً كانت موصدة أمام المرأة للتعبير عن نفسها وإثبات حضورها في التاريخ، ولعل في ظهور المطبعة والثورة الالكترونية المعاصرة أبرز الامثلة على تلك التطورات التي مكنت المستضعفين من البشر (كالطبقات الاجتماعية الدنيا والفقراء والنساء والأقليات العرقية على سبيل المثال) من رفع أصواتهم ونشر آرائهم في المجتمع مما أدى، من بين تأثيرات عوامل أخرى، الى حراك اجتماعي وثقافي ضخم شهدته المجتمعات البشرية، وهي تغييرات بدأت في الغرب غير انها سرعان ما انتشرت الى شتى بقاع الأرض ومنها العالم العربي.

غير ان قرار المرأة العربية الكتابة لم يكن قرارا يسير الممارسة ولم يكن يسير العواقب كذلك. يشير محمد برادة (استاذ جامعي مغربي) في مقال له عن المرأة والابداع الى ظهور صوت "الأنا العميق" للمرأة التي عقدت العزم على استغلال الكتابة لمساءلة الاوضاع الاجتماعية التي تهمشها أو تلغيها، ويشير برادة الى نموذجين لكاتبتين عربيتين تمكنتا من تأكيد حضورهما الكتابي وسط المجتمع الكتابي الرجالي، هما مي زيادة وليلى بعلبكي. لم تدعُ مي زيادة الى "كتابة نسائية" غير ان لغتها وحساسيتها وتعاملها مع من عاصرها من الكتَّاب والشعراء بحرية غير مألوفة جعلت مجتمع الرجال يلفظها مما أدى بها الى ان تنزوي عن الحياة "وهي تشارف الجنون"، أما ليلى بعلبكي فقد حوكمت بعد ان أصدرت مجموعة قصصية عنوانها "سفينة حنان الى القمر" عام 1964 بتهمة انتهاك قيم المجتمع وأعرافه وخصوصاً فيما يتعلق بالجنس، غير ان المحاكمة، كما يشير برادة، تعبر عن ضيق المجتمع الذكوري التقليدي بالمرأة التي تثير الاسئلة عن وجودها الفردي والاجتماعي.

وفي هذا السياق تنبغي الاشارة الى مفهوم ملتبس يتعلق بممارسة المرأة للكتابة هو مفهوم "الكتابة النسائية" او "الكتابة النسوية" وهو مفهوم تتبناه كثير من الكاتبات والنقاد للإشارة الى ما تنتجه المرأة من كتابة، وهو مفهوم أرى ان على المرأة نفسها ان ترفضه، فالكتابة هي الكتابة، وأحرف كتابة المرأة هي نفسها أحرف كتابة الرجل برغم ما يمكن ان يوجد من اختلاف اهتمامات ومواضيع كل منهما، هذا من جانب، اما من الجانب الآخر وهو الأخطر فإن هذا المفهوم يثبت الوضع التقليدي الذي يضع المرأة على هامش الحياة الانسانية، بإعتبارها كائنا مختلفا ينبغي ان نضع لكتابته أطرا مختلفة عن السائد في الكتابة، أي الكتابة الذكورية، وإلا لم لا يشار الى كتابة الرجل بإعتبارها "كتابة رجالية"؟!! أَضف الى ذلك ان هذا المفهوم يجعل من كتابة المرأة ظاهرة اجتماعية منزوعة الابداع، فكل نص كتبته انثى يمكن ان يوضع في إطار "الكتابة النسائية" دون تمييز تفضيلي بين كتابة امرأة وكتابة أخرى. ما تحتاجه المرأة الكاتبة هو تأكيد حضورها الابداعي في التاريخ لا تأكيد أنوثتها إزاء الرجل فحسب.

هنا تنبغي الاشارة الى ذلك الستار الفولاذي الذي يفصل بين ممارسة المرأة المبدعة للكتابة ذاتها والنشر، فهناك كثير من النساء المبدعات اللاتي يكتبن ولكن يمتنعن عن نشر ما يكتبن بسبب انهن لا يردن ان يعرف المجتمع عن كتابتهن، وهي ظاهرة ينبغي التوقف أمامها ملياً، حيث ان المانع في كثير من الاحوال هو المجتمع الذي ما زال يرى في المرأة امتدادا ينبغي ان يظل خفيا للرجل وان قيامها بنشر عمل ادبي ما في جريدة او مجلة سيكشف هذا الامتداد الخفي أمام المجتمع. كما ينبغي الالتفات الى ظاهرة اخرى تتمثل في رد فعل المجتمع نفسه في حالة ان اقدمت امرأة على نشر قصة او قصيدة ما، وهي ردود فعل قد تكون خطيرة أحياناً مثل الضغوط النفسية والاجتماعية التي تتعرض لها المرأة من قبل اسرتها أو مجتمعها، بما يتبعه من تدخل في طرق معالجتها لبعض القضايا التي لم يألف المجتمع إثارة التساؤل حولها والدعوة الى رفضها، وقد تكون ردود الفعل تلك أقرب للفكاهة أحياناً، كأن يغار زوج قاصّة او روائية من الشخصيات الرجالية التي تظهر في قصتها او روايتها، وهو ما يعني فرض قيم المجتمع السلبية التقليدية حتى على العمل الكتابي الذي هو في الأصل رفض لتلك القيم.

وإذا خصصنا الحديث عن عمان لوجدنا ان عام 1970 كان نقطة تحول محورية في علاقة المرأة العمانية بالكتابة، حيث فُتِحَت المدارس على أوسع نطاق ودعت الدولة المجتمع الى تعليم الانثى، وهي دعوة مثلت هزة كبرى لمجتمع لم يتعلم الكتابة فيه من الذكور الا ذوي النفوذ وعلماء الدين، كقاعدة عامة، رغم وجود استثناءات هنا وهناك. تردد المجتمع في تعليم المرأة قليلا لكنه حسم أمره لاحقاً فدخلت الانثى المدرسة وتعلمت الكتابة. غير ان المرأة بالرغم من هذا غابت عن الكتابة الابداعية، او لنقل ان غيابها كان اكثر بروزا من غياب الرجل، ولعل مما ساهم في هذا ما قُدِمَ على انه "تشجيع" لكتابة المرأة لكي "تشارك أخيها الرجل" في "النشاط الأدبي والثقافي"، وهذه الممارسة هي نوع من "الاستطفال" (التعامل مع شخص ما بإعتباره طفلا تعوزه التجربة) للمرأة، فلا ينبغي تشجيع أحد على الكتابة، ذلك ان الكتابة قرار وجودي في تاريخ المرأة وعلى المرأة القادرة ان تتخذه بنفسها دون تشجيع من أحد، وما حدث ان هذا التشجيع قد أدى الى ظهور نصوص أدبية نسائية غاية في الركاكة والتهلهل اللغوي والابداعي عموماً تم تقديمها للمجتمع على انها نصوص تحمل شعلات إبداعية حقيقية.

لا أرى ان مثل هذه الكتابات هي التمثيل الحقيقي لحضور المرأة في التاريخ وليست التعبير الملائم عن رفض المرأة لقيم التغييب والاقصاء التي ترسخت في بنى المجتمع لقرون عديدة. على المرأة ان تكتب، ولكن المرأة التي تكتب ينبغي ان تكون تلك المرأة التي تشعر ان كتابتها تغيير ودعوة للتغيير في آن واحد.