الأحد، 21 نوفمبر، 2010

العلم هو قلعة الوطن الصامدة

العلم هو قلعة الوطن الصامدة

عبدالله الحرّاصي



أُعلِنَ بالأمس عن "مكرمة سامية بتخصيص مبلغ 100 مليون ريال عماني لبرنامج تنمية الموارد البشرية يتم من خلاله تخصيص ألف منحة خارجية للدراسات العليا والتخصصية في المجالات التي تحتاج إليها الدولة". في البدء يتوجب تقديم الشكر لصاحب الفضل الأول في هذا الأمر، وهو جلالة السلطان المعظم، صاحب الرؤية والرسالة، المنطلق في إدارته لأمور عُمان ليس من الحاضر وموجِباته وشروطه، بل من المنظور الأعلى، أعنى من قراءة التاريخ وصناعته.
وعمان ليست بطارئة على العِلم ولا العلم طارئ عليها، فمنها خرج العلماء الكبار الذين لم "يساهموا" فحسب في صناعة حضارة العرب في لحظات كانت فيها تلك الحضارة في أحوج ما تكون فيه إلى استغلال كل العقول والقدرات والمواهب، وإنما قاموا بدور جوهري في تشكيل الهوية العربية في صميمها وفي ثراءها، فالخليل بن أحمد بمعجمه "العين"، وابن دريد في "الجمهرة"، والأزدي في "الماء"، حفظوا بعلمهم تراث الأمة العربية اللغوي والثقافي وشكلّوا الهوية الموحدة للعرب بحفظهم لذلك التراث وتدوينه. والعلماء الأجلاء مثل الإمام جابر بن زيد و"حملة العلم" إلى عُمان أنتجوا جانبًا كبيرًا من التنوع الفقهي والاجتماعي الذي اتصفت به الحضارة العربية الإسلامية، فتعززت تلك الحضارة بما قدموه من عِلم مبني على موقف قيمي أصيل واجتهاد فكري عظيم. كما أن مراكز العلم في الرستاق ونزوى والرباط بصلالة كانت مواطن أنوار قاد بها الإنسان العماني تاريخه متبعًا حركة عقله، لا متطلبات الحياة اليومية ومستوجباتها. الإنعام السامي ينطلق إذًا من نظرة كامنة لذلك التاريخ العلمي لعمان، لا ليقف عنده، مُمَجِّدًا تاريخًا منيرًا مضى، ولكن لينطلق منه إلى المستقبل في رحلة نورانية جديدة، تبني الحاضر بما يقدمه العلم من معارف وقيم، وتصنع المستقبل بتعزيز قيم طلب العلم، وممارسة البحث العلمي في مقاربة المعضلات المختلفة وحلّها.
في خِضمّ الفرح بفضل صاحب الفضل نرى أن من واجبنا وضع بعض الإشارات لتفعيل هذه المنح في الإطار التاريخي الأعم المنطلق من التاريخ العماني، والسائر إلى المستقبل. الإشارة الأولى تتعلق بـ"حاجة الدولة"، إذ إن الإعلان يذكر بأن المنح ستكون "في المجالات التي تحتاجها الدولة"، فينصّ على أن برنامج تنمية الموارد البشرية سيركز على التخصصات الفنية في مجالات الطب والهندسة والاقتصاد والمحاسبة والتحليل المالي وتقنية المعلومات، وهي مجالات أساسية بلا شك في بناء الأمم المعاصرة. غير أنه ينبغي التفريق هنا بين أمرين: الحاجة الحاليّة والحاجة التخطيطية، الحاجة الحاليّة هي أوجه النقص الموجودة في الوقت الحالي في المؤسسات الوطنية المختلفة مثل المستشفيات والمؤسسات الماليّة وغيرها، وهي حاجة ينبغي سدّها من هذه المنح، غير أن الأمر الذي لا يقل أهمية، إن لم يكن الأهم، هو سد الحاجة التخطيطية، والمقصود هنا هو المتطلبات من الخبرات التخصصية في إطار خطّة وطنية مستقبلية، وبكلمات أخرى فإن على من يقوم على أمر هذه المنح أن يتعامل معها باعتبارها وسيلة لصناعة المستقبل، وليس لمحض سد حاجات حاليّة.
كما أن حاجة الدولة ينبغي النظر إليها من منظور أكثر شمولية من منظور "التخصصات الفنيّة"، وأعني هنا أن الإعلان لم يذكر على الإطلاق أن جزءًا من هذه المنح سيخصص لسد حاجة البلاد من التخصصات الإنسانية مثل دراسات الاجتماع والتاريخ واللغة والآداب والفنون، وكأن هذه المجالات ليست، أو لا ينبغي لها أن تكون، في قلب الحاجة الوطنية في بناء المستقبل العماني. والحقيقة أن قضية حاجة الدول من التخصصات الإنسانية هي قضية يساء تقديمها دائمًا على أساسين اثنين في الغالب، أولهما أن الحاجة غير موجودة لهذه التخصصات، والأساس الثاني هو أن هذه التخصصات لا تساهم مساهمة مباشرة في بناء الأمم وخصوصًا في الجوانب الاقتصادية ضمن الخطط الوطنية الموضوعة، فما المردود المالي من "صرف الآلاف الريالات" لباحث أو خبير في علم الاجتماع أو التاريخ مثلًا؟
وقد شهدت العديد من الدول الكثير من النقاش حول هذا الأمر، وكان المهتمون بالعلوم الإنسانية يظهرون دائمًا الأهمية الضمنية غير المنظورة مباشرةً لهذه التخصصات، فمجالات التاريخ والتراث ومجالات العقيدة والفقه ومجالات الفنون والآداب في غاية الأهمية لأنها معنية مباشرة بهوية البلاد ووحدتها، ولولا الشعور بهذه الهوية الموحدة لعمان وتعزيزها من خلال إنتاج الخبراء في هذه المجالات لكانت الحالة السياسية والاجتماعية على غير ما نرى اليوم، ولشهدنا احتمالات أخرى تخالف هذه الهوية الموحدة التي تحميها دولة موحدة لمستقبل موحّد، كما أن هذه المجالات جوهرية في حفظ السلم الاجتماعي والسياسي، وحصر احتياجات الدولة في التخصصات الفنية ينطوي بلا شك على ظلم لا يخفى على الوطن والإنسان. إضافة إلى ذلك فالأدوار الاقتصادية المختلفة للتراث والفنون والآداب لا تخفى على أحد، فهل يمكننا على سبيل المثال تجاهل الدور الاقتصادي للقلاع والحصون والفنون الموسيقية في تنشيط السياحة في عُمان، وهي قطاع اقتصادي تتجه الدولة إلى تعزيزه وترسيخه باعتباره مصدرًا رئيسيًّا ضمن مصادر الدخل الوطنية المختلفة؟ الخلاصة هنا هي أن على من يقوم على أمر هذه المنح تبني رؤية أوسع مدى لحاجة الدولة، بحيث تشمل الحاجات الحاليّة والمستقبلية، وفي مختلف التخصصات الفنيّة والإنسانية.
الإشارة الثانية تتعلق بطبيعة من يحصلون على هذه المنح ووجهتها، وهنا ينبغي أن نستدعي تجارب الدول الأخرى، فالدول تتعلم من بعضها البعض، واستدعي تحديدًا ما ذكره لي كوان يو الذي كان أول رئيس وزراء لسنغافورة بعد انفصالها عن ماليزيا، إذ يقول في كتابه "قصة سنغافورة 1965-2000" عن برنامج بناء الموارد البشرية أثناء تأسيس سنغافورة ما نصه: "توجب علينا أن نضع ثقتنا بمسؤولينا وموظفينا الشباب الذين تمتعوا بالاستقامة والأمانة، والذكاء والطاقة، والدافع والقدرة على التنفيذ، وإن افتقدوا الفطنة التجارية. وتم اختيار أبرز علمائنا من بين أفضل طلابنا ثم أرسلوا لمتابعة تحصيلهم العلمي في أشهر الجامعات في بريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان، وبعدها في أمريكا حين أصبحنا قادرين على ذلك". نتعلم من هذه التجربة أن من الواجب اختيار الأشخاص الأكفاء لنيل هذه المنح، ليس تحقيقًا لمبدأ العدالة فحسب، بل تحقيقًا للرؤية الكبرى التي ينبغي أن تضطلع بها هذه المنح في صياغة المستقبل العماني كما أشرنا فيما تقدم، فبناء الأمة لا يتم إلا باختيار الخبرات من بين من يتمتعوا "بالاستقامة والأمانة، والذكاء والطاقة، والدافع والقدرة على التنفيذ" كما يذكر لي كوان يو، وألا يتم اختيار من يحصل على المنح وفق معايير تضاد الهدف السامي الذي أراده جلالة السلطان المعظم لهذه المنح.
كما أن علينا أن ننتقي وجهة هذه المنح، وألا تنتهي إلى جامعات ومراكز بحوث معروفة بتواضع مستواها، بل ينبغي اشتراط أن تكون وجهة المنحة هي أهم الجامعات والمراكز البحثية في العالم، مثل جامعات أكسفورد وكامبردج في بريطانيا وهارفرد ييل في الولايات المتحدة، وغيرها من أهم الجامعات العالمية.
الإشارة الثالثة تتعلق باستمرارية هذه المنح، فالإعلان ينصّ على أن المائة مليون ريال عماني التي تفضل بها جلالة السلطان المعظم لبرنامج تنمية الموارد البشرية ستغطي فترة الخطة الخمسية الثامنة (2011-2015)، وهذا أمر بهيج ومُفرِحٌ حقًا، إذ أن البرنامج سيقدم ما معدله 200 منحة سنويًّا لمدة خمس سنوات، غير أنه يتوجب علينا التخطيط لاستمرارية بناء الموارد البشرية المتخصصة، تلك التي تحمل الجودة من ناحية قدراتها وكفاءاتها الذاتية ومن ناحية ما اكتسبته من خبرة علمية من خلال المنح، وأحد الاقتراحات التي يمكن التفكير الجدّي فيها فكرة تأسيس وقفية للموارد البشرية الإستراتيجية المتمثلة في إنشاء صندوق وقفي يتم ضخه في البدء بما يتطلبه من الأموال التي يتم تشغيلها تجاريًّا، وبأرباحها يتم تمويل منح في تخصصات إستراتيجية تحتاجها الدولة على المتوسط والبعيد. مثل هذه الوقفيّة سوف تضمن استمرار التمويل للمنح التي يحتاجها الوطن العماني في مختلف المجالات.
أخيرًا يحق لنا أن نشعر بفرح وطني حقيقي وعميق، وليس بفرح إعلامي زائل، بهذه المنح الخارجية في الدراسات العليا والتخصصية، فهي تعكس توجهًا صادقًا وصائبًا في بناء الوطن على أيدي كفاءات مؤسسةٍ تأسيسًا علميًّا صلبًا، وتعكس كذلك تقديرًا للعلم وللعلماء من قبل مقام جلالة السلطان المعظّم، ونقول أن تشجيع العلم والتعليم هو حصن يحمي هذه البلاد، من شرور الجهل ومن والاه ومن أطاعه، ومن شرور الهوى وضلالاته ومنزلقاته، ومن شرور التخبط في صناعة المستقبل والمخاوف حول كنهه، والعلم، لا غيره، هو قلعة الوطن الصامدة أًبدًا، التي ستمنح هذا الوطن الطمأنينة والأمان من شرور الجهل والهوى والتخبط.