الثلاثاء، 22 مارس، 2011

رسالة إلى الشباب



دُعيت يوم الخميس الماضي للمشاركة في برنامج أعدّه تلفزيون سلطنة عُمان عنوانه (حوار الشباب)، وكان هدف البرنامج هو التواصل مع الشباب ومنحهم الفرصة لطرح أفكارهم ورؤاهم حول ما يرونه من أوضاع وطنية إشكاليّة وسبل حلّها للعبور إلى مستقبل أفضل. ما لفت نظري ونظر الكثير ممن شاهد ذلك البرنامج هو المستوى العالي من الوعي السياسي والثقافي الذي ظهر به هؤلاء الشباب، وهو ما يطمئننا أن المستقبل الذي سيعتمد على عقول هؤلاء الشباب وإرادتهم سيكون مستقبل خير لعُمان الحديثة.

أسوق هذه المقدمة إقراراً بأن علينا جميعاً التواصل مع جيل لم يعد هناك شك بأنه كان مغيّباً ليس من الإعلام فحسب بل من فهم المجتمع نفسه، فقد كانت الأجيال الأكبر سنًّا تنحو إلى استبعاد الأمل والخير من جيل لم يُعرف عنه إلا أنه تربى على الفضائيات وعلى الإنترنت وعلى ثقافة ليست هي الثقافة التقليدية الراسخة. علّمتنا أحداث الأيام الماضية أن المجتمع العماني أخطأ كثيراً في فهم هؤلاء الشباب، وأقول (المجتمع) لأعني به الأجيال الأكبر سنًّا الذين اعتقدوا، بحسن نيّة أو بالتباساتها، بأنهم هم المجتمع. هؤلاء الشباب بحركتهم الاحتجاجية وبطروحاتهم حول أنفسهم وحول الوطن العماني جاءوا ليقولوا إنهم جزء لا يتجزأ من المجتمع، بل إنهم هم المجتمع الفاعل الحيّ الذي حينما شعر بانسداد الآفاق هبّ لفتح ما انسدّ وإصلاح ما فَسد في حيوية وطنية لا نملك إلا أن نشعر بالفخر والإعجاب بها.

ما فعله الشباب هو أنهم بثوا روحاً جديدة في الجسد الاجتماعي، وهي روح تقول لنا إن الوطن ملك لجميع أفراده، في الحقوق وفي المسؤوليات، كما أن هذه الروح الجديدة التي سرت مُنعِشَةً جسد المجتمع تدعونا أيضاً إلى أن لا نستمر في غيّ تنصيب أنفسنا أوصياء عليهم بأبوية ضررها أكبر من نفعها، أي أن علينا ألا نظن أننا نحن فقط الذين نعرف ما يسرّ المجتمع وما يضرّه، فالشباب أثبتوا أنهم بوعيهم قادرون على التمييز بين الصواب والخطأ، وقادرون على نقل وعيهم إلى الواقع بالتدخل حين يسود الخطأ وتترسخ جذوره في تربة الوطن. علينا كذلك ألا نهوّل الأمور وألا نُثقِل على كاهل جيل الشباب بالتركيز الإعلامي على شطط بعضهم وعلى مساوئ وأضرار ما فعله بعضهم الآخر، فهم يعيشون تجربة وطنية جديدة يتعلمون منها، ويستفيد منها المجتمع كما أسلفت، وما يبدو من اختلاط الحابل بالنابل ليس إلا مرحلة ستمر سريعاً وستهدأ الأمور بعد فورانها. علينا أن نحتضن الشباب، وأن نحتضن رؤاهم ومطالبهم بل وحتى أخطاءهم، وأن نأخذهم (باللَّسْتَا) و(بالتي هي أحسن) بحسب القول العماني.

أما حديثي إلى الشباب فهو أن واجبنا يفرض علينا أن نشكركم شكراً خالصاً على تحرككم الاحتجاجي، فهو احتجاج وطني مبارك، وهو منبع خير عميم على وطننا العماني. إنكم أيها الشباب هديةُ القدر لعُمان، وقد ساهمتم بفعالية في إنهاء مرحلة كان ضررها أكبر من نفعها، وشيّدتم الأساس الذي سوف تقوم عليه عمان المستقبل، عُمان الحديثة، وما تجاوب جلالة السلطان المعظم من خلال الإصلاحات المختلفة إلا تعبير عن رغبة قيادة البلاد في بناء عمان المستقبل على أعمدة جديدة أهمها آراء الشباب ورغباتهم ومطامحهم.

وأقول للشباب إن الإصلاحات التي تمت، والتي ستستمر بأشكال مختلفة، سترسخ دولة المؤسسات التي هي مطلب الجميع. ودولة المؤسسات هي دولة الحق والمسؤولية، إذ يأخذ كل فرد حقّه ويؤدي مسؤوليته، ولا يمكن أن نشيّد هذه الدولة إلا بمبادئ أرى أن الالتزام بها سوف يأخذ احتجاج الشباب إلى نهايته السعيدة التي يرغبون فيها والتي هي مطلب المجتمع بأكمله. أول هذه المبادئ هو وضوح الأهداف وتنظيمها، وفرز المطالب والإبقاء على المطالب الوطنية التي تفيد الجميع. على الشباب أن يحددوا بطريقة واضحة ما يريدونه من أهداف كي يسهل على الدولة دراستها وتحقيق ما يمكن تحقيقه منها، فالمطالب المتضاربة غير المنظمة ستشتت أهداف الإصلاح الأساسية، كما أنها تجعل من تحقيق أهداف الإصلاح تلك أمراً عسيراً مع وجود أهداف غير واضحة ومطالب فئوية غير مقنعة.

وثاني المبادئ هو أن تكون المطالب منطقية واقعية معقولة، وهذا يعني أن علينا أن لا نطالب بما هو مستحيل، وبمطالب لا يمكن إنجازها دون تخطيط ودراسة متأنية، وبما لا يتناسب مع موارد البلاد، وأن لا نطالب بما يبدو لامعاً اليوم وسيؤدي إلى الضرر على البلاد بأكملها في الغد. أقول للشباب كذلك إن كثيراً من الأخطاء قد وقعت في الماضي ولكن ليس في يدنا إعادة الماضي لإصلاحه، وما في يدنا هو المستقبل الذي نحن جميعاً مسؤولون عنه، وعلينا أن نصوغه بالتخطيط المتأني وبالمطالب الواقعية.

أما المبدأ الثالث فإن من شروط دولة المؤسسات ألا يتعدى أحد على حقوق آخر، سواء كانت تلك الحقوق حقوقاً عامةً يملكها المجتمع أو حقوق أفراد فيه، فكيف يمكن أن نصلح المجتمع بإفساد حقوق الآخرين؟ وكيف نعالج الخطأ بالخطأ؟ ولا شك أن الشباب واعون تمام الوعي بأن التخريب والإضرار بالمال العام والخاص هي أمور يرفضها العقل وتعافها الفطرة ويعاقب عليها القانون. هذا المبدأ يتطلب منكم أيها الشباب أن تقفوا صخرة صلداء أمام من يسعى إلى مثل هذا التخريب حتى لا يشوّه تحرككم الاحتجاجي المبارك.

الخلاصة هي أننا جميعاً نشعر بفخر بهذا الجيل الواعي من الشباب، هذا الجيل الشجاع الذي بادر إلى إنقاذ البلاد في نهضة جديدة، ناصعة من أي فساد وتخريب، وشعورنا بالفخر بهم تصاحبه رسالة بسيطة مفادها أن عليكم إكمال هذا النهوض بتحديد الأهداف وتنظيمها، وبطلب الممكن والواقعي والمعقول، وبرفض أي عمل تخريبي، لأن هذا التخريب، وإن كان قليلاً، سيكون تخريباً لكل ما فعلتموه من حركة احتجاجية مباركة لم تكن تسعى إلا إلى نشر الخير ومحاربة الفساد وبناء عمان الجديدة، دولة المؤسسات والقانون والتخطيط المستقبلي.


------------------------------------------------------------
* نشرت هذه المداخلة ضمن تحقيق عنوانه "أفسحوا للإصلاح" في ملحق "شرفات" بجريدة "عمان"، الثلاثاء 22 مارس 2011.

السبت، 5 مارس، 2011

نقاط تتعلق بالاحتجاج والإصلاح المطلوب في عُمان


نقاط تتعلق بالاحتجاج والإصلاح المطلوب في عُمان


د. عبدالله الحراصي



أكتب هذا المقال من التاريخ وللتاريخ. أكتبه من التاريخ الذي أراه يتشكل من جديد بفضل كل صور قول «لا» و«كفى» التي ما زلنا نراها في بقاع مختلفة من عُمان. التاريخ إذًا لم ينتهِ كما صوره لنا البعض، وكأن أمر الشعوب قد حسم إلى غير رجعة بحسب أهواء غير أهواء هذه الشعوب وتقديرها لمنافعها في حاضرها ومستقبلها. التاريخ لم ينتهِ ولن ينتهي ما دامت على وجه البسيطة، ومنها أرضنا العُمانية، نفوسٌ حرّة لا تقبل أن تمضي منقادة في غيّ التغييب المنظم والانقياد والقبول بما لا يمكن قبوله. التاريخ لم ينتهِ بل تتدخل الإرادة البشرية، ومنها إرادة العمانيين، لتصنع بيدها وعلى أعينها أحداثًا جديدة، بعد أن كاد الجميع أن يتصور بأن أمر التاريخ قد حُسِم، وأن ما عشناه دهرًا سنعيشه إلى نهاية عُمرنا، وسيعيشه أبناؤنا وأحفادنا إلى يوم يبعثون. التاريخ لم يمت، لأن الروح لم تمت.

وأكتب هذا المقال للتاريخ، ليس خوفًا ووَجَلا من حساب على صمتٍ نرفض قبوله، بل ليكون رسالة نرسلها من حاضرنا هذا للمستقبل، ليقرأها من يقرأها في لحظة مستقبلية، سواء أكانت تلك اللحظة هي الساعة القادمة أو بعد يومين، أو بعد قرن أو دهر من الزمان، وليستنتج ذلك القارئ مرّة أخرى أن التاريخ العماني لم يمت، لأن روح الإنسان العماني لم تمت، بل إنها تتشبث بإرادتها وبقدرتها على صنع هذا التاريخ. أشعر أننا بالكتابة للتاريخ كما أفعل الآن مثل من يبعث رسالة إلى المخلوقات المجهولة في الكون الفسيح عن أن هناك كائنًا اسمه الإنسان يشاركهم الوجود في الكون الفسيح: هنا نحن نبعث رسالة للمستقبل إننا شعب حيّ كريم، يَقبَل الخير ويُقبِل عليه ويرفض الشر والفساد ويعاقب عليه، وأننا بخير لأننا أحياء قادرون على حمل الأمانة التي تنوء عن حملها الجبال، وهي إرادة التغيير.

حديثي سيكون تفصيلًا لبعض النقاط الأساسية التي أرى وجوب تفصيلها عن الحالة الاحتجاجية العمانية. النقطة الأولى هي أن التحرك الاحتجاجي هو حالة إنسانية، منبعها الحفاظ على كرامة الإنسان، وعلى إبقاء جذوة إرادته حيّة، كما أنها تنطلق من الشرائع والقوانين، فالقرآن الكريم ينص في سورة الإسراء على كرامة الإنسان («ولقد كرّمنا بني آدم»)، كما تضمن القوانين المعاصرة كرامة الإنسان فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان يضمن للإنسان التعبير عن آرائه ورفضه لما يحد من حريّته وينتهك كرامته، كما ينص النظام الأساسي للدولة في السلطنة على هذا الحقّ في التعبير السلمي عن الرأي. وأضيف أن جلالة السلطان المعظّم قد عبّر عقب توليه الحكم في السلطنة عن تفهمه لمطالب المطالبين للتغيير آنذاك، وما كان التغيير المبارك الذي تم في يوليو 1970 إلا تعبير من قبل جلالة السلطان عن رفض الظلم، وعن قدرة الإنسان العماني على التغيير. الحالة الاحتجاجية الحالية تنبع من نفس منبع الكرامة والإرادة: رفض الظلم ووجوب تغييره.

النقطة الثانية مرتبطة بالنقطة الأولى، ومفادها أن التحرك الاحتجاجي هو حالة وطنية، فالعمانيون بشتى فئاتهم وفي مختلف مناطقهم يعبرون عن احتجاجهم على كثير من الأمور التي سادت قبل هذا الاحتجاج، فقد شارك العمانيون من مختلف الأعمار والآراء والمهن والمحاتد فيها، وهي ليست مجرد فورة شباب فقط كما يحلو للبعض القول، كما رأينا هذا الاحتجاج الحضاري السلمي في ظفار (وهي الأرض التي شهدت التغيير في يوليو 1970) وفي مسقط العاصمة، وفي صور، وجعلان بني بوعلي، وصحار، وشناص، وينقل، والبريمي، وغيرها من مدن عُمان الكريمة. الرسالة واضحة هنا إذًا: أن عمان كلها تشترك في الاحتجاجات. كما أن الحالة الاحتجاجية هي حالة وطنية لأن مطالبها تتسامى على المصالح الضيقة والمباشرة للمحتجين أو لمناطقهم، بل أن الجميع رفعوا مطالب وطنية عامّة، منطلقها رفض جادّ وصلب لممارسات سلبية وُجِدَت في كل الأرض العمانية، وهي مطالبٌ سينهمر غيثها المدرار، حين تتحقق، على كل الأرض العمانية الطيبة.

النقطة الثالثة التي ينبغي على الجميع، وخصوصًا الدولة، وضعها نصب الأعين هي أن الحالة الاحتجاجية ليست هي المشكلة بل هي البادرة اللازمة للحل والإصلاح، أي أن التحرك السريع والبعيد المدى لا ينبغي أن يركز على كيفية «الخروج من المأزق الحالي» (بحسب اللغة الصحفية المعتادة) وعدم تكرار ظهوره في المستقبل، بل علينا أن نفهم أن هذا «المأزق» سيكون هو نبع الخير العميم الآتي على عُمان، لأنه لو لم يحدث لسارت الأمور السلبية كما كانت، وربما قال قائل «ولكن هذا يدفع بخلخلة استقرار البلاد» والجواب هو أن البلدان الكريمة لا تعيش لكي تستقر، بل إنها تستقر لكي تعيش كما أنها تنتفض كي تعيش حرَّةً كريمةً، وحين يمتنع العيش الحرّ الكريم فلا ضير من خلخلة الاستقرار، ولا نقصد بطبيعة الحال خلخلة الاستقرار الأمني، فهذا خط أحمر كلنا ضده (ودرء الضرر الأعظم مقدم على جلب المصلحة الأصغر)، ولكن المقصود بالاستقرار الذي ينبغي علينا جميعًا خلخلته هو استقرار أحوال الفساد بكل أشكاله، فهو استقرار ينخر البلدان، ويصيب عظامها بالهشاشة الوطنية، ويتعداه إلى إصابة روحها بموت الكرامة والإرادة. هذا النوع من الاستقرار من الواجب المبادرة إلى نفضه وهزّه بل وزلزلته. الانتفاض الاحتجاجي في عُمان هو إذًا احتجاج مبارك لأنه يعبر عن رفض الفساد بكل أشكاله، ويعبر عن الأحلام والآمال الوطنية بشتى ألوانها، ولا ينبغي أن يتم التعامل معه على أنه هو المشكلة. الاحتجاج هو ضرورة لازمة من ضروات العلاج، وما الفساد والصمت عليه، واحتضار الأمل أو موته، إلا السم الزعاف والداء الذي يقتل الأوطان والشعوب.

النقطة الرابعة تتعلق بمستقبل عُمان، وحق الجميع في المساهمة في صنعه. شعر الكثير من العمانيين لوقت طويل أنهم مغيّبون عن صنع حاضرهم ومستقبلهم. شعروا بأنهم مجرد مشاهدين لمسلسل ممل لا يغطي حلقاته إلا ضباب الفساد بكل أشكاله، وهو مسلسل بدا لوهلة أن حلقاته لا تنتهي أبدًا. ما أود أن أقوله هنا هو أن الحالة الاحتجاجية التي تعم عمان تخبرنا بأن عمان ملك للجميع: لشعبها ولدولتها، وينبغي أن يشارك الجميع في صنع الحاضر والمستقبل مشاركة متكاملة تكون فيها الحكومة أمينة على مصالح الشعب، كما ينبغي أن توجد من الضمانات المؤسسية ما يكفل هذا، وأخص بالذكر ضرورة تحوّل مجلس الشورى إلى مجلس يقوم بالدورين الأساسيين التي تقوم بهما البرلمانات وهما التشريع ومراقبة أداء الحكومة ومحاسبتها.

النقطة الخامسة حول مفهوم «التخريب». ذكرت في الأعلى أن درء الضرر مقدم على جلب المصلحة، ومعنى هذا أن كل العمانيين يرفضون أي حالة من حالات تخريب الممتلكات العامة أو الخاصة، ولكن علينا أن ننتبه إلى أن التخريب، وخصوصًا الذي شهدناه في صحار، هو محض هامش للحالة الاحتجاجية وليس أساسها، وهو أمر ينبغي أن يتم التعامل معه ضمن القانون، وينبغي استخدام القوة مع من يحاول أن يفتعله لأي سبب، فلا يمكن القيام بالإصلاح من خلال القيام بالفساد، غير أن القاعدة الأساسية هي أن الاحتجاج العماني هو حالة سلمية حضارية عبّر ويعبّر بها العمانيون عن رفضهم للحالة السابقة.

كما أود أن أشير إلى قضية في غاية الأهمية في هذا السياق، وهي أنه ينبغي على الجميع ألا يحصروا التخريب في ما شهدناه في صحار من حرق وإتلاف للمتلكات، بل أن كل فساد هو تخريب، وكل استغلال لمنصب من أجل إثراء أو نفوذ أو مصلحة أيًا كانت هو تخريب. التخريب لا ينبغي أن ينحصر في ما حدث في صحار فقط، بل أن تخريب الوطن من خلال الفساد السياسي والاقتصادي والإداري والمالي هو تخريب أخطر بكثير من تخريب الممتلكات (المرفوض بقوة كما أشرت). وهذا يعني أن على الدولة أن تحاسب كل المخربين، صغيرهم وكبيرهم، وأن يتم أولًا البحث الحقيقي الصادق في تهم الفساد التي يتهمهم المجتمع بها بناء على قواعد واضحة معلنة مثل قاعدة «من أين لك هذا؟»، وإن ثبتت عليهم التهم فالقضاء العماني النزيه كفيل بالتعامل مع كل مخرّب لأي حق وطني وأن ينال من العقاب ما يستحقه، وكما فعلت في مقال سابق أعيد هنا قول جلالة السلطان المعظم في مجلس عمان عام 2008: «وتجدر الإشارة هنا إلى انه لمّا كان الأداء الحكومي يعتمد في إرساء وترسيخ قواعد التنمية المستدامة على القائمين به والمشرفين عليه فان في ذلك دلالة واضحة على مدى المسؤولية الجسيمة المنوطة بالموظفين الذين يديرون عجلة العمل في مختلف القطاعات الحكومية، فإن هم أدوا واجباتهم بأمانة وبروح من المسؤولية بعيدا عن المصالح الشخصية سعدوا وسعدت البلاد، أما إذا انحرفوا عن النهج القويم واعتبروا الوظيفة فرصة لتحقيق المكاسب الذاتية وسلما للنفوذ والسلطة وتقاعسوا عن أداء الخدمة كما يجب وبكل إخلاص وأمانة فانهم يكونون بذلك قد وقعوا في المحظور ولابد عندئذ من محاسبتهم واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة لردعهم وفقا لمبادئ العدل الذي أرسينا عليه دعائم الحكم والتي تقتضي منا عدم السماح لأي كان بالتطاول على النظام والقانون أو التأثير بشكل غير مشروع على منافع الناس التي كفلتها الدولة ومصالح المجتمع التي ضمنها الشرع وأيدتها الأنظمة والقوانين ومن ثم فإننا نؤكد على أن تطبيق العدالة أمر لا مناص منه ولا محيد عنه وان أجهزتنا الرقابية ساهرة على أداء مهامها والقيام بمسؤولياتها بما يحفظ مقدرات الوطن ويصون منجزاته». أقول منطلقًا من قول صاحب الجلالة المعظم هذا أن كل أشكال التخريب وأنواعه ينبغي محاسبتها وتقديمها للقضاء ومعاقبتها.

النقطة السادسة تتعلق بمسار عُمان المستقبلي عقب هذه الأحداث: لقد غيّرت هذه الأحداث عُمان تغييرًا كبيرًا، وهذا التغيير يقودنا إلى حقيقة أساسية علينا جميعًا أن نفهمها وهي أنه لا عودة للوضع الذي كان قبل هذه الأحداث، وأعني بطبيعة الحال ألا عودة للحالات السلبية التي كانت موجودة، بل أن عمان خطت خطوات للأمام وهي رحلة في طريق واحد هو طريق الإصلاح والتغيير، وهذا يعني أن علينا أن نقف جميعًا ضد أي محاولة من أي كان للعودة إلى التعايش مع السلبيات والأمور المرفوضة، والتي قامت الاحتجاجات لإنهائها.

النقطة الأخيرة هي غلاف لكل النقاط الواردة فيما تقدم، ومفادها أن إصلاحات التغيير المطلوبة ليست إصلاحات معيشية واقتصادية فقط، بل إنها إصلاحات شاملة، وعلى رأسها الإصلاحات السياسية. المطالب المعيشية والاقتصادية طفت على السطح لأنها تمس الناس مسًّا مباشرًا في حياتهم ومعيشتهم وحقوقهم المباشرة من وظيفة وزواج ومأوى، وفي تقديم المطالب الاقتصادية المعيشية فإن علينا أن نميّز بين المطالب التي تبدو منطقية قابلة للتحقق والمطالب غير المنطقية التي يصعب أو حتى يستحيل تحققها، فتحديد الحد الأدنى للأجور مثلًا تحكمه عوامل كثيرة من أهمها مستوى الدخل القومي للبلاد، والنشاط الاقتصادي وغيرها من العوامل، ومن غير المعقول أن نشترط حدًّا أدنى للأجور لا يعكس وضع البلاد الاقتصادي ودخلها القومي، كما أن من غير المعقول كذلك المطالبة بإسقاط الديون الشخصية والطلب من الدولة أن تتولى دفعها، ذلك أن هذه أموال استفاد منها صاحب القرض شخصيًّا، ومن غير المعقول أن تتحمل ميزانية الدولة ديونًا شخصيّة استفاد منها صاحبها، كما أن ذلك فيه ظلم كبير لمن لم يأخذ قرضًا شخصيًّا واحتمى بالصبر وبتنظيمٍ صارمٍ لدخله وأوضاعه المالية للتعايش مع صعوبات الحياة وللتغلب عليها.

أقول أن المطالب المعيشية هي مجرد جزء من المطالب الإصلاحية السياسية الكبرى، وتشمل هذه المطالب الكبرى مشاركة الناس في صياغة ومراجعة دستور بلادهم (والقضية ليست الاسم هنا، بمعنى أن الاسم يمكن أن يظل هو «النظام الأساسي»، وفي اللغة العربية سِعَة) بما يحقق رؤاهم الوطنية لنظام الحياة في عُمان، إضافة إلى تحرير الإعلام العماني من قيوده الكابحة للقول والتعبير عن الآراء المختلفة، ووضع النظم التي تحد من الفساد والتخريب بكل أشكاله، ووضع نظام صارم يتمتع بالمراقبة لصرف المال العام بما يضمن عدم التعدي عليه وعدم هدره فيما لا يجني منه الوطن العماني الخير، وإصلاح حال مؤسسات الدولة المختلفة التي لا يختلف اثنان على وجود ترهل وضعف في أداء كثير منها، ونشر التعليم ومؤسساته بما يضمن حصول كل عماني على التعليم الذي يرغب فيه وبما يضمن الصالح الكلّي للوطن العماني في استعداده للمستقبل، مع وضع التنظيمات التي تضمن المهنية العالية الحقّة في مؤسسات التعليم بكل مستوياته.

والخلاصة هي أن التغيّر الذي أحدثته الحالة الاحتجاجية هو تغيّر كبير، والمطالب التي رسختها هذه الحالة هي مطالب كبيرة، والاستجابة بالإصلاح ينبغي أن تكون كبيرة ومستمرة بما يحفظ لعمان روحها الحيّة وجذوة إرادتها الكريمة القادرة على صنع التاريخ العماني الذي لن يموت لأن روح عُمان ستظل تنبض دائمًا عزّة وكرامة، ولن تموت.

الأربعاء، 2 مارس، 2011

لنضمن استقرار عُمان ...


لنضمن استقرار عُمان ...
الدكتور عبدالله الحراصي

يشهد العالم العربي من المغرب إلى سلطنة عُمان حالة انفجار واحتجاج لم يسبق لها مثيل في تاريخه منذ انتشار العرب من شبه الجزيرة العربية مع الفتوحات الإسلامية، إذ تتعرض كل البلدان العربية لدرجات متفاوتة من الاحتجاج والاعتراض والاعتصام، والحقيقة أن حالة الغليان الشعبي في الدول العربية ليست جديدة، بل أنها موجودة منذ عقود، وتتراوح أسبابها بين الانهزام الحضاري أمام الغرب وإسرائيل، والأسباب الداخلية التي تميز كل دولة بحسب التطور التاريخي لها وظروفها، أما الحالة التي نعيشها حاليًّا فهي حالة الانفجار الذي أعقب حالة احتباس الآراء والمشاعر حول كثير من القضايا التي تم كبت الشعوب العربية من التعبير عنها، والحقوق التي حرمت هذه الشعوب منها.
وما تشهده عُمان هذه الأيام هو النسخة العمانية لهذه الحالة العام التي تجتاح العالم العربي، ولهذه النسخة العمانية من الحراك الشعبي خصوصياتها كما أن لها مشتركاتها مع بقية النسخ العربية. المشتركات مع الحالة العربية العامّة جليّة للعيان، فهذه الاحتجاجات في مناطق مختلفة من عُمان (مثل مسقط وصلالة وصحار وشناص والبريمي) تحدث في خضم الحالة العربية العامة التي بدأت في تونس ثم مصر، وأدت في البلدين إلى سقوط رأسي البلدين، ثم انتقلت إلى اليمن التي ما زالت تعيش مخاضًا عسيرًا، وليبيا التي لا يمنع الإنسان من الوقوع في فخ السخرية من عبثية ما يحدث فيها وسرياليته إلا الكلفة البشرية المؤلمة التي يدفعها الشعب الليبي، وانتقلت الحالة بدرجات أقل إلى الجزائر والكويت والمغرب والعراق، مع تململ صامت غير أنه لا يخفي احتمالية انفجاره في بقية الدول العربية. والحالة العمانية تشترك كذلك مع بقية الدول العربية في بعض الإشكالات التي عبّرت عنها الاحتجاجات مثل غلاء المعيشة وغياب الوظائف وكبح حرية التعبير والقول واستشراء الفساد.
غير أن الحالة العُمانية لها أيضًا خصوصياتها الناجمة عن التطور التاريخي والوضع السياسي والاقتصادي والأداء المؤسسي الخاص بعُمان ذاتها، إذ إن التعبير الهامس عن كثير من الإشكالات وُجِدَ قبل انفجار الوضع العربي منذ نحو شهرين، فالحديث مثلًا عن الفساد ليس جديدًا بل أن جلالة السلطان المعظم أشار إليه بنفسه في مجلس عمان في عام 2008 حين قال "وتجدر الإشارة هنا إلى انه لمّا كان الأداء الحكومي يعتمد في إرساء وترسيخ قواعد التنمية المستدامة على القائمين به والمشرفين عليه فأن في ذلك دلالة واضحة على مدى المسؤولية الجسيمة المنوطة بالموظفين الذين يديرون عجلة العمل في مختلف القطاعات الحكومية، فإن هم أدوا واجباتهم بأمانة وبروح من المسؤولية بعيدا عن المصالح الشخصية سعدوا وسعدت البلاد، أما إذا انحرفوا عن النهج القويم واعتبروا الوظيفة فرصة لتحقيق المكاسب الذاتية وسلما للنفوذ والسلطة وتقاعسوا عن أداء الخدمة كما يجب وبكل إخلاص وأمانة فأنهم يكونون بذلك قد وقعوا في المحظور ولابد عندئذ من محاسبتهم واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة لردعهم وفقا لمبادئ العدل الذي أرسينا عليه دعائم الحكم والتي تقتضي منا عدم السماح لأي كان بالتطاول على النظام والقانون أو التأثير بشكل غير
مشروع على منافع الناس التي كفلتها الدولة ومصالح المجتمع التي ضمنها الشرع وأيدتها الأنظمة والقوانين ومن ثم فإننا نؤكد على أن تطبيق العدالة أمر لامناص منه ولا محيد عنه وان أجهزتنا الرقابية ساهرة على أداء مهامها والقيام بمسؤولياتها بما يحفظ مقدرات الوطن ويصون منجزاته." كما أن الوعي بأوجه الخلل في الأداء المؤسسي والحديث عنه موجودان منذ فترة وليسا بجديدين، وما أمر جلالة السلطان المعظم بدورات للصحفيين في عام 2008 مثلًا إلا تعبير من قيادة البلاد عن ضعف أداء المؤسسة الإعلامية العمانية.
اتخذت النسخة العمانية من حالة الاحتجاج السائدة حاليًّا في العالم العربي أشكالًا مختلفة من بينها التظاهر في مسيرات مثل المسيرة الخضراء (الأولى والثانية)، والمسيرة التي حدثت في البريمي، والاعتصام في صلالة، وإضراب بعض أعضاء الهيئة التدريسية بوزارة التربية والتعليم عن التدريس، وأخيرًا الاعتصام والتظاهر في صحار الذي تحول في جزء منه إلى حالة شغب وتدمير لممتلكات عامة وخاصة. هذا على مستوى التظاهر المباشر، غير أن حالة الاحتجاج العمانية اتخذت أيضًا أشكالًا أخرى مثل الاحتجاج بالقلم في المواقع والمنتديات والمدونات الالكترونية، وبالأسئلة التي يوجهها ممثلو الشعب العماني لبعض الوزراء في مجلس الشورى، إضافة إلى بعض المقالات والتحقيقات التي تظهر بين فينة وأخرى في الصحافة العمانية.
أتحدث عن أشكال مختلفة للاحتجاج في عُمان حتى لا يختزل الأمر في الاحتجاج المباشر المتمثل في المظاهرات والمسيرات والاعتصامات، وحتى أنطلق للحديث عن أهداف النسخة العمانية من الاحتجاجات. على مستوى المظاهرات المباشرة فإن الاحتجاجات رفعت وترفع شعارات تتعلق بالحاجات المباشرة لغالبية الناس، وهي مطالب اقتصادية حياتية في الغالب مثل التوظيف ورفع الأجور ورفع الراتب التقاعدي، إضافة إلى مطالب تعليمية مثل توفير فرص تعليم عالٍ للشباب العماني، إضافة إلى مطالب مرتبطة بهذا الظرف الاقتصادي العام مثل محاربة الفساد المالي لدى المسؤولين الذي يرى الكثير من الناس أنهم يزيدون ثراءً بطريق الفساد فيما يزيد الفقر والفاقة لدى الغالبية.
غير أن الأشكال الأخرى من الاحتجاج، وخصوصًا تلك التي تأخذ القلم وسيلة لها، تحمل ذات المطالبات العامة، إضافة إلى مطالب أخرى تتجاوز المطالب الاقتصادية، وحتى نسمي الأمور بأسمائها فإن الاحتجاجات العمانية حملت معها مطالب سياسية تتعلق مثلا بضرورة إعداد دستور متفق عليه من قبل الدولة والشعب العماني يكون قطب الرحى للحياة في عمان بمختلف أشكالها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، هذا إضافة إلى مطالب تختص بمحاربة الفساد الذي قدمت بعض المواقع الالكترونية الوثائق الدامغة عليه مثل الحصول على امتيازات من قبل بعض المؤسسات الحكومية دون حق يضمن مساواة جميع المواطنين، إضافة إلى ما اعتبره كثيرون فسادًا في إنفاق المال العام.
هذه إذًا أشكال الاحتجاج العمانية، وهذه كذلك المطالب، غير أن ما وقع في صحار قبل ثلاثة أيام من عنف وتخريب ومقتل أحد المتظاهرين دفع بالبلاد بأكملها في مرحلة جديدة تتجاوز مرحلة الاحتجاجات إلى مرحلة مواجهة الحقيقة من قبل الجميع، وهي مرحلة إن لم نعي بضروراتها وبما ينبغي علينا جميعًا أن نفعله لتجاوزها إلى وضع أفضل وأضمن استقرارًا للبلاد لشاركنا جميعًا في الذهاب إلى الهاوية لا قدر الله.
لنضمن استقرار البلاد لا بد أن يوجد دستور للبلاد يشترك في إعداده الشعب العماني مع الدولة العمانية، وربما سأل سائل "ولكن يوجد النظام الأساسي للدولة، أليس هذا كافيًا؟" والجواب كما يرى كثير من العمانيين هو "لا، غير كاف" لأسباب عديدة يأتي على رأسها أن المجتمع لم يشترك في إعداده، وإشراك المجتمع في إعداد دستور بلاده هو حق أصيل لأي شعب. والدساتير التي تضمن الأمان هي الدساتير التي يشترك الجميع في إعدادها حتى تكون المسؤولية مشتركة، وحتى لا يتهم طرفٌ طرفًا آخر بأنه سبب الإشكالات مستقبلًا لعدم إشراكه في إعداد وثيقة البلاد الرئيسية.
لنضمن استقرار البلاد لا بد من حريّة التفكير والقول والإعلام، وإذا عدنا لمرجعية الخطابات السامية لوجدنا أن جلالة السلطان تحدث عن رفضه لمصادرة الفكر، وتشجيع الناس، وخصوصًا الشباب، للتدبر والتفكير الحرّ، غير أن الممارسة الحقيقية في أداء الحكومة تكشف لنا عن أداء يضادّ توجه صاحب الجلالة المعظم، إذ لم يعد يمكننا، مثلًا، إنكار أن هناك مقالات يمنع نشرها في الصحافة العمانية، كما أن هناك كتبًا عمانية مهمة ممنوعة في عُمان منها "موسوعة عُمان: الوثائق السرّية" لمحمد بن عبدالله الحارثي، ورواية "الوخز" لحسين العبري الفائز بوسام جلالة السلطان قابوس للأدب والفنون.
لنضمن استقرار البلاد لا بد من تحديد واضح للمال العام، وسبل صرفه، وضرورة إيجاد نظام يكفل صرفه بطرق واضحة ولأهداف وطنية واضحة، وليس بالشكل الريعي التقليدي الذي نراه أمام أعيننا. لنضمن استقرار البلاد لا بد من محاربة الفساد، وكما قال جلالة السلطان المعظم في خطابه أمام مجلس عمان عام 2008 فإن هناك ضرورة لتقصي ثروات بعض المسؤولين الذين يتهمهم المجتمع بكل وضوح في قضايا فساد، والذين يتهمهم المجتمع بأنهم قاموا "بالتطاول على النظام والقانون أو التأثير بشكل غير مشروع على منافع الناس التي كفلتها الدولة ومصالح المجتمع التي ضمنها الشرع"، وكما قال جلالته فلابد من "ردعهم وفقا لمبادئ العدل"، وهنا فإن تقصي سبل إثراء بعض المسؤولين ومحاكمة من يثبت تورطه في الإثراء غير المشروع هو الترجمة الحقيقية الوحيدة للردع وفقا لمبادئ العدل الذي دعا إليه جلالة السلطان المعظم.
والخلاصة هي أنه كي نتحمل مسؤولية اللحظة، وهي مسؤولية خطيرة، فإن على عمان بأكملها، شعبًا ودولة، أن تتحاور مع نفسها وأن تطرح للعلن كل القضايا المختلف حولها والقضايا التي دثرها غبار الصمت والسكوت والإسكات، فالزمن قد تغيّر كثيرًا، ونحن قد تغيّرنا كثيرًا، وعلينا أن نقتنص هذه اللحظة ... قبل أن تفوت...

الثلاثاء، 1 مارس، 2011

كلمة حول الشغب والاحتجاج

كلمة حول الشغب والاحتجاج
الدكتور عبدالله الحراصي
[نشر ضمن استطلاع في الصفحة 8 من جريدة "عُمان" العمانية، يوم  الثلاثاء 1 مارس 2011]

تتباين رؤية الناس للشغب، فمنهم من يراه بعين الرضا فيعده صوت أولئك الذين لا يستمع إليهم أحد في الأيام الطبيعية، ويدلل هؤلاء على صواب رأيهم ببعض الأقوال المأثورة مثل "عجبت لمن لا يجد قوت يومه أن لا يخرج على الناس شاهرا سيفه"، وهنا فإن الشغب عند هؤلاء هو طريقة مقبولة للاعتراض وقول "لا" حين لا تحقق الوسائل الأخرى المطالب، وهناك من يرى الشغب بعين السخط والرفض فيعده شكلًا من أشكال الفساد وفعلًا شائنًا تعافه فطرة الإنسان ومصالحه لأسباب عديدة، منها أنه لا ينطلق من أسلوب حضاري لقول "لا"، كما أنه ربما قاد إلى تلف الممتلكات بل وقد يتجاوزه إلى هلاك البشر، وهلاك النفس البشرية وتلف الممتلكات، بحسب الرافضين للشغب، هما أمران يناقضان تمامًا ما يدعيه من يقوم به من أنه ينطلق من أسباب تتعلق بالسعي لإحقاق العدالة ومحق المظالم، فكيف يكون الظلم وسيلة لتحقيق للعدل، وكيف يعالج الفساد بالفساد؟
وإذا نظرنا إلى ما وقع في صحار يوم الأحد (27 فبراير 2011) من أعمال شغب وتخريب لأمكن بناء على ما تقدم أن ننظر إليها بعيني الرضا والسخط معًا، غير أن الأمور ينبغي أن ينظر إليها في سياقاتها، فالشغب ربما يُقبَل أن يكون صوت من لا يستمع إليهم في حالة عدم السماح لمن قاموا به بالتعبير السلمي عن مطالبهم، وهو ما لم يحدث في صحار، إذ لم يكن هناك اعتراض من الدولة على التظاهر والتعبير السلميين في صحار، كما لم يعترض المسيرتين الخضراء الأولى والخضراء الثانية أحد، ولم يعترض الاحتجاج والاعتصام في صلالة وغيرها من مدن عمان أي مؤسسة من مؤسسات سلطة الدولة. هذا يقودنا إذًا إلى الرفض التام لأعمال التخريب والشغب التي وقعت في صحار، وإلى رفض وقوعها في أي بقعة في بلادنا العزيزة.
غير أن رفضنا لأعمال الشغب لا ينبغي أن ينسينا أمرًا مهمًّا وهو أن الشغب ليس إلا جزءًا من قصة الاحتجاجات في عُمان، وهو جزء حَادَ بلا ريب عن الطريق القويم للاعتراض السلمي والإفصاح عن المظالم والسعي للإصلاح، أما المتن والأساس فهو أن الأرض العمانية تشهد موجة احتجاج كبرى غير مسبوقة تعبّر عن نفسها من خلال المسيرات والاعتصامات والاعتراضات وغيرها من وسائل الاحتجاج، ولا ينبغي أن يقع أي طرف في وهم اختزال المطالب الإصلاحية في حادثة الشغب المأساوية في صحار بلا شك، بل ينبغي أن تعالج قضية الشغب والتخريب تلك ضمن إطار القانون، فمن ارتكب جريمة إهلاك النفس أو تخريب أو تدمير المال العام أو المال الخاص يُقدَّم للمحاكمة جزاءًا وفاقًا على ما جنته يداه، أما الأهم فهو العظة الكبرى التي لا سبيل أمام الجميع، وخصوصًا الدولة العمانية، لتجاهلها، وهي ضرورة التعامل الجادّ مع قضية الإصلاح ومتطلباته، وإشراك الجميع فيه، وقبل هذا فإنه يتوقع من الدولة العمانية أن تعي وَعيًا صادقًا أن الزمن قد تغيّر، وأن هناك معطيات جديدة على أرض الواقع لا يمكن إنكارها والعودة إلى الوضع المعتاد وكأن شيئًا لم يكن، فالمطالب كبيرة وتشمل إنجاز عقد اجتماعي على هيئة دستور حقيقي متفق عليه ينظم شؤون البلاد وخصوصًا علاقة الحاكم بالمحكوم، وتحديد المال العام وتنظيم صرفه، وسبر قضايا الفساد ومحاكمة مرتكبيه، وحريّة الرأي ونشره في وسائل الإعلام العمانية، ولأن المطالب كبرى فإن استجابة الدولة ينبغي أن تكون أيضًا استجابة كبرى لتَعْبُر عُمانُ هذه الفترة الحرجة في تاريخها، لا لتعبر فقط فالعبور ليس مهمًا إن لم يوصلك إلى شيء، بل لتبني أساسًا راسخًا لمستقبل يحكمه دستور متفق عليه، ويسوده الاستقرار والوئام، وتظلله الوحدة الوطنية التي عليها جميعًا أن نعتصم بحبلها المتين.