الاثنين، 31 أغسطس، 2009

سلسلة التفكير المنطقي: مغالطة الإتكاء على التراث والتقاليد

مغالطة الاتكاء على التراث (مغالطة "هذا ما وجدنا عليه آباءنا")

لعل هذه من أكثر المغالطات المنطقية انتشاراً، ومفادها أن وجود فكرة أو معتقد ما في التراث والتقاليد وتوارثهما من جيل إلى جيل هو دليلٌ كافٍ على صحتهما. تنطلق هذه المغالطة من الاعتقاد بأن من عاش في الماضي لديهم الدليل على صحة المعتقد أو الفكرة، وأن التبريرات التي سادت في الماضي للدلالة على صحة المعتقد ما زالت موجودة لتبرير صحة المعتقد.

ولهذه المغالطة أكثر من وجه، أولها أن التراث والتقليد لا يعد دليلاً أبداً على صحة فكرة ما لأن الدليل على الصحة ينبغي أن يكون مرتبطاً بالفكرة ذاتها وليس مجرد توارث اعتقاد الناس بها، والأمر الآخر الذي يعزز من هذه المغالطة هو أن التراث والتقليد في هذه الحالة لن يكون دليلاً على صحة فكرة واحدة فقط بل على عدد ضخم من المعتقدات التي يتوارثها الناس. إضافة إلى ذلك فإن الأدلة العلمية الواقعية تثبت أحياناً الإعتقادات التراثية والتقليدية وأن توارث الاعتقاد بصحتها سببه الرئيس (من بين أسباب أخرى) يكمن في غياب الأدلة الحقيقية على صحتها.

الأمثال على سبيل المثال هي إحدى تجليات هذه المغالطة، والأمثال هي إحدى قنوات توريث المعتقدات السائدة، أو بلغتنا تعد الأمثال وسيلة ضخمة لتوريث المغالطات المنطقية. والعجيب أن الأمثال تسند نفسها في إستمرارية بقاء المغالطات المنطقية التي تحملها، فهناك مثل عماني يقول "المثل ما يغلط" وهو، من الناحية المنطقية، غير صحيح، فكثير من الأمثال المتوارثة تحمل كثيراً من الأخطاء التي يمكن إثباتها بشتى الطرق.

من الأمثلة على المغالطات المنطقية في الأمثال "لا تسكن على وادي ولا ترابع بادي" (وكلمة "بادي" هنا تعني الشخص البدوي)، وهذا المثل يفيد بضرورة البعد عن الأودية عند إنشاء المساكن، كما أنه يفيد أيضاً أن على الإنسان (الحضري) ألا يصادق أو يعاشر شخصاً بدوياً على أساس أن البدوي، بحسب التقاليد الحضرية، يخون الحضري ولا يحترم نظمه وأعرافه. إن الموضوعين اللذين يتحدث عنهما المثل لا يمكن أن يكونا صحيحين بسبب توارث الاعتقاد بهما من خلال المثل، فيمكن للإنسان أن يسكن بالقرب من الوادي إذا أخذ الأحتياطات المناسبة كأن يعزز من البناء الذي يشيده حتى لا يؤثر ذلك الوادي حينما يسيل عليه، وهذا الجزء من المثل يرتبط بنمط البناء القديم الذي يقوم على استخدام المواد البسيطة في البناء مثل جريد النخل (العريش) الذي يسهل على الوادي جرفه بعيداً. بل حتى في حالة السكن في مثل هذه البناءات يمكن للإنسان أن يتقي خطر الأودية باستخدام النشرات الجوية التي تمكنه من معرفة الأمطار وشدتها، ويمكن كذلك معرفة سيلان الأودية باستخدام الهاتف مثلاً فيعرف عن وجود الوادي من خلال التواصل مع سكّان المناطق التي يصل إليها الوادي قبل الوصول إلى منطقته.

والأمر نفسه ينسحب على الثقة في الشخص البدوي، حيث ينطوي المثل على نصيحة بعدم ثقة الإنسان (الحضري) بالبدوي، ولا شك بأن عدم الثقة بالبدوي هو بنفسه (بدون أن يتوارث) أمر خاطئ، لأنه يقوم على تعميم بأن كل البدو سواسية في سلوكهم، كما أنه يفترض بأن قيم الحضري وأنماط سلوكه أفضل وأقرب للصحة من تلك التي تميز البدوي، كما أنه يفترض بأن سلوك البدو لا يتغير على مرّ التاريخ (رغم عدم افتراضي أصلاً بسوء سلوكهم ماضياً أو حاضراً).

والمعتقدات الشائعة هي شكلٌ آخر من أشكال هذه المغالطة، فمن المعتقدات التي استمرت لمدة طويلة في عمان (ما زال البعض يؤمن بها) أن عقرباً تلدغ القمر فيغيب نور أثناء الخسوف. إن استمرار هذا الاعتقاد لا يعني أبداً صحته فقد أثبت العلم الحديث أن الخسوف ليس ظاهرة خارقة بل نتيجة طبيعية لتوسط الأرض بين القمر والشمس فتنعدم إمكانية أن يعكس القمر ضوء الشمس.

لماذا تستمر المعتقدات الخاطئة أي مغالطات الإتكاء على التراث؟ هناك عدة أسباب أهمها:

- لأن الناس قد ألفوها ويصعب عليهم تغييرها (الجمود الفكري)

- استصعاب الناس القيام بتجارب جديدة تؤدي إلى فهم جديد لما ألفوه (الكسل الفكري)

- أن هناك من يستفيد من بقاء هذا المعتقد، أي أن هناك جماعات أو رؤى فكرية أو سواها لا تزدهز إلا في بقاء الجمود والكسل الفكريين عند الناس.

الخلاصة: لا يمكن القول بصحة معتقد بمجرد القول بأنه متوارث من "زمن الأجداد"، فهذا ليس دليلاً على صحته أبداً. ورغم استمرار مثل هذه المعتقدات بأشكال شتى إلا أن هذه الإستمرارية والانتشار الذي يعبر الأزمان لا يمنحاها أي صحة. الصحة لا تثبت إلا بالدليل.





الجمعة، 28 أغسطس، 2009

سلسلة التفكير المنطقي: مغالطة الإتكاء على مكانة المتحدث





تقوم المغالطة على أن صحة القول تقوم على أن للقائل مكانة معينة في موضوع الحديث، حيث يقدم صاحب المكانة هذا قولاً لا يقوم يستند على الدليل بل على تلك المكانة، ورغم أن القول ذاته قد يكون صحيحاً إلا أن صحته تلك لا ترتبط على المكانة. ومن الأمور المعروفة أنه لا يوجد إنسان خبير في كل شيء ولا يوجد إنسان لديه كله العلم حتى في مجال معين، ولهذا فإن أي قول من أي إنسان، وإن كان خبيراً في مجال ما، عرضة للخطأ.

وهناك نوعان من هذه المغالطة.

النوع الأول يكون حين يكون المتحدث ذا مكانة في مجال معين، ولكن ليس في المجال الذي يتحدث عنه، وهنا فان ما يقول لا يمكن أن يقبل على أنه صادق أو صائب لأن خبرته ومكانته في مجال ما لا تعني بأن كل ما يقوله سيكون مقبولاً.

ومن الأمثلة الشائعة على هذه المغالطات ما يراه الإنسان في الإعلانات التجارية التي تستعين بشخصية شهيرة (لاعب كرة، ممثلة، مطرب) كي تقنع القرّاء بشراء المنتج التي تسعى الشركة الصانعة أو المعلنة إلى تسويقه. المغالطة تكمن هنا في أن تلك الشخصية الشهيرة في مجال ما (كرة القدم، التمثيل، الطرب مثلاً) ليست بالضرورة قدوة في مجالات آخرى كي يؤخذ رأيها فيها ويتبعها الناس. كما تستعين الإعلانات أحياناً بممثلين أدوا أدواراً معينة في أفلام أو مسلسلات في إعلانات ترتبط بأدوارهم في أدوارهم التمثيلية وليس الحقيقية.

مثال على ذلك استخدام اللاعب البرازيلي كاكا في الإعلان عن ساعات كما تظهر الصورة في الأعلى، وكذلك نيكول كيدمان في الإعلان عن عطر شانيل.

وقد يكون المتحدث ذا خبرة ومكانة في مجال قريب من المجال الذي يتحدث عنه ولكن ما يقوله لا ينبغي اعتباره صحيحاً وصادقاً بالضرورة كما في المثال التالي:

المتحدث الأول: أعتقد بأن الأبل في ظفار هي السبب الرئيسي في تصحر جبال ظفار

المتحدث الثاني: لا، التغير المناخي هو السبب، سمعت ذلك من خبير الأحياء في مديرية التعليم بالمنطقة. الإبل ما لها علاقة

المتحدث الأول: وهل هو متخصص في هذا؟

المتحدث الثاني: لازم يكون متخصص يعني؟ تراه خبير

تكمن المغالطة هنا في أن الاستناد على خبير أحياء في القول بأن التغير المناخي هو السبب في تصحر جبال ظفار واستبعاد أي دور للرعي الجائر من قبل الإبل هو استناد خاطئ لعدة أسباب أهمها أن مكانته (خبير أحياء في مديرية التعليم) لا تمكنه من الفصل في موضوع معقد مثل التصحر في جبال محافظة ظفار. طبعاً هذا لا يعني أن ما يقوله خطأ بالضرورة، بل ربما يكون صحيحاً، ولكن صحة قوله لا تستمد من كونه خبير أحياء في مديرية تعليم، بل من أدلة واقعية ودراسات محددة بحثت هذا الموضوع.

ومن الأمثلة الشائعة لدينا في الحياة العربية ما يمكن أن أسميه "مغالطة الاتكاء على المكانة غير المكتملة" مثل أن البعض يأخذ أقوال بعض طلبة العلم في مجالات معينة على أنها أقوال صادقة وصحيحة، وهذه مغالطة فكون الإنسان طالباً في مجال معين لا يمنحه الحقّ في أن يبتّ في قضايا علمية كبرى ينبغي أن يكون مردها الخبراء المتخصصون الذين يملكون من الخبرة في المجال الذي يدرس فيه ذلك الطالب. المثال التالي يوضح هذه المغالطة.

المتحدث الأول: هذه المنطقة الأثرية عمرها خمسة آلاف سنة

المتحدث الثاني: كيف عرفت؟ لم يقم أحد بدراسات أثرية فيها

المتحدث الأول: طالب آثار من الجامعة جاء إلى هنا وقال أنها تشبه آثار تلك الفترة

إن طالب الآثار الذي يدرس في الجامعة، رغم تخصصه في الآثار، لا يعد ما يقوله حقيقة حتى في تخصص الآثار، كما أن مجرد تشبيهه لآثار وجدت في منطقة معينة بآثار فترة أخرى لا يكفي للاستنتاج بأنها بالفعل تنتمي إلى تلك الفترة.

ومن الصيغ التي تعكس هذه المغالطة أحياناً ما ينتشر في الثقافة العربية المعاصرة حينما يقر الإنسان بشيء على أساس أنه سمعه "من ثقة" أو "من أثق به"، وهذا يشير إلى الاتكاء على شخص متوهم (ربما يكون موجوداً ولكنه يظل متوهماً ما لم يتم تحديده)، أي أن المغالطة تكون هنا بالاتكاء على مكانة خياليّة. وهنا أشير إلى أن ما يقوله ذلك "الثقة" غير المحدد قد لا يكون خاطئاً ولكن المغالطة تكمن في إثبات صحة القول بنسبته إلى "ثقة" فحسب دون الإتيان بدليل محدد يشرح كيف توصل ذلك "الثقة" إلى تلك النتيجة والبراهين على استنتاجه.



النوع الثاني الأساسي من أنواع مغالطة الإتكاء على مكانة المتحدث تقع حينما يكون المتحدث بالفعل ذا مكانة في الموضوع الذي يتحدث عنه غير أن حديثه لا يكون موضوعياً بل به مسحة من الانفعال النفسي والعاطفي بحيث لا يكون كلامه معبراً عن مكانته وخبرته في مجال حديثه بل معبراً عن شخصيته ورؤاه الذاتية، أو قد يكون كلامه موجهاً بحيث يخدم توجهاً معيناً يؤيده، وربما يكون واقعاً تحت ضغط سلطة أكبر منه تجبره على قول ما قال.

من الأمثلة التي يمكن أن أضربها على هذه المغالطة قصة جاليليو (ولد عام 1564) مع حركة الأرض، فقد كانت الفكرة السائدة في زمنه والأزمنة السابقة هي أن الأرض ثابتة وأن الشمس تدور حول الأرض، غير أنه أثبت بعد دراسات متفحصة بأن الأرض ليست إلا كوكب صغير في الكون الكبير وأنها، مثل كواكب عدة، تدور حول الشمس، فاتهم بالزندقة لأن استنتاجه يخالف ما يقوله الكتاب المقدس بأن الله قد ثبت الأرض في مكانها فلا تتحرك أبداً، فأجبرته الكنيسة على أن يتراجع عن كلامه وأن يقول بأن الأرض ثابتة وهي مركز الكون وأن الشمس هي التي تدور حول الأرض. هنا فان مكانة جاليليو العلمية في مجال الفلك لا يمكن أن تعتبر حجة في الأخذ بقوله بأن الشمس هي التي تدور حول الأرض لأنه لم يقله بحريته بل تحت الإكراه.

[ملاحظة مرتبطة: مازال بعض العرب يؤمنون بأن الأرض ثابتة وأن الشمس هي التي تدور حول الأرض. أنظر الحوار هنا مثلاً]