الثلاثاء، 5 يناير، 2010

كيف شق آينشتاين صفّ يهود أمريكا؟




كيف شقّ آينشتاين صفّ يهود أمريكا
وصلني قبل أيام عدد ديسمبر 2009 من مجلة أتلانتك the Atlantic الأمريكية، ومن بين أهم مقالاته مقال بعنوان How Einstein Divided America’s Jews "كيف قسّم آينشتاين يهود أمريكا" كتبه ولتر آيزاكسون Walter Isaacson (الذي كان قد كتب سيرة حياة آينشتاين ونشرها تحت عنوان "آينشتاين: حياته وكونه" Einstein: His Life and Universe. يكشف مقال آيزاكسون الجديد عن معلومات حديثة وغاية في الدلالة عن الدور الذي قام به آينشتاين في إنشاء الدولة اليهودية ومؤسساتها العلمية.
يتمحور مقال آيزاكسون حول رحلة آينشتاين الشهيرة إلى أمريكا في عام 1921 حيث حظي باستقبال النجوم بعد أن ذاعت شهرة نظريته النسبية في الآفاق، غير أن بعض رسائل آينشتاين التي تم الكشف عنها ونشرتها مطبعة جامعة برنستون هذا العام 2009 تظهر بأن آينشتاين وجد نفسه وسط صراع بين الصهاينة الأوروبيين الذين كان يقودهم حاييم وايزمان الذي كان يرافق آينشتاين في رحلته ويهود أمريكا الذين كانوا يبدون بعض الحذر والشكوك حول المشروع الصهيوني، ويمثلهم لويس د برانديس Louis D. Brandeis وفلكس فرانكفورتر Felix Frankfurter.
يشير مقال آيزاكسون أن آينشتاين تربى تربية علمانية ونأى بنفسه عن المعتقد الديني اليهودي وطقوسه، غير أنه برغم ذلك كان يفتخر بأنه ينتمي إلى التراث الثقافي اليهودي، وهي آصرة تجمعه مع بني قومه من اليهود كان يشدد عليها ويتباهى بها آينشتاين. ولعل هذه الآصرة هي التي دفعت آينشتاين لزيارة أمريكا لجمع الأموال لتشييد جامعة في القدس. وكان تصاعد العداء لليهود هو الذي دفع آينشتاين لتعزيز انتماءه لتلك الآصرة، فقد رفض الدعوات لذوبان اليهود في المجتمع الألماني وتحولهم إلى الديانة المسيحية، بل واتجه في الخط المعاكس الذي يؤكد على الهوية اليهودية وضرورة المحافظة عليها من خلال تبني المشروع الصهيوني الرامي إلى إنشاء دولة يهودية في فلسطين.
ويكشف آيزاكسون عن زيارة قام بها إلى بيت آينشتاين أحد قادة الصهاينة وهو كورت بلومنفيلد Kurt Blumenfeld عام 1919 لدعوته للمشروع الصهيوني، وكان رد آينشتاين "باعتباري إنساناً فأنا ضد الوطنية غير أني كيهودي أعد نفسي من اليوم نصيراً للجهد الصهيوني"، وركز منذ ذلك الحين جهده على إنشاء جامعة يهودية في القدس (هي الجامعة التي أصبحت فيما بعد "الجامعة العبرية")، وهو الجهد الذي دفعه إلى زيارة الولايات المتحدة الأمريكية التي كان يسميها مازحاً بـ "دولاريا"، بطلب مباشر من رئيس المنظمة الصهيونية العالمية حاييم وايزمان عبر بلومنفيلد الذي نبهه بأن هذه قبوله القيام بهذه الزيارة سيدل على أنه يأخذ اعتناقه الصهيونية مأخذ الجدّ.
ويقول آيزاكسون بأن قرار آينشتاين القيام بهذه الزيارة يعبر عن تحول جذري في حياته، فقد كان حتى ذلك الحين مكرّساً حياته للعلم، غير أنه كان مضطراً ليشدد على هويته اليهودية بسبب تنامي العداء لليهود في ألمانيا، حيث قال في رسالة بعثها إلى ناشر كتبه باللغة الفرنسية "لست متحمساً للذهاب إلى أمريكا ولكني أقوم بهذه الزيارة نيابة عن الصهاينة ليس إلا"، وأضاف "إنني أبذل قصارى جهدي لمصلحة إخواني في القبيلة [يعني اليهود] الذين يتعرضون لأفظع معاملة في كل مكان".
حين وصلت السفينة التي تقل آينشتاين إلى أمريكا كان في انتظاره الآلاف المؤلفة من المعجبين به من اليهود وغيرهم، غير أن مجموعة من الناس كانوا غائبين بشكل واضح وفاضح عن هذا الاستقبال، وهم قادة المنظمة الصهيونية في أمريكا، بل أن رئيسها الفخري القاضي لويس د. بانديس لم يبعث حتى مبعوثاً لينقل ترحيبه بوصول آينشتاين، والسبب هو خلاف وقع بين بانديس ووايزمان بسبب رؤيتهم للوضع في فلسطين والصراع على قيادة المنظمة الصهيونية، وتطور إلى خلاف شخصي قوي يمثله وصف بانديس لوايزمان بأنه "لا يعرف ما هي الأمانة" وهو تشكيك في الذمة المالية لوايزمان ومؤيديه من يهود أوروبا الذين يرى بانديس بأنهم ليسوا أهلاً لكي يتسلموا أموال المتبرعين للقضية الصهيونية.
كما أن سعي آينشتاين للحصول على أموال طائلة جزاء أي محاضرة يلقيها في الجامعات الأمريكية زاد من حدة التأزم، فبانديس وجماعته كانوا يرون بأن من اللائق أن يقوم آينشتاين بإلقاء محاضرات عن الفيزياء وبالمجان، لا ليكرس همه بجمع المال من أجل المشروع الصهيوني في فلسطين، وأتهموه بأنه "يتاجر بعلمه".
كما كانت هناك جماعة يهودية أخرى عارضت المهمة التي أتت بآينشتاين إلى أمريكا، وهي جماعة اليهود الإصلاحيين في نيويورك وهم من أصول ألمانية، ويعارضون الصهيونية برمتها، حيث قال أحد ممثليهم "شخصياً لدي أعظم الشكوك فيما يتعلق بالخطط الصهيونية وأتوقع عواقبها بدهشة أصيلة صادقة". كما كان هناك عديد من اليهود البارزين الذين عارضوا تلك المهمة من بينهم أول وزير يهودي أوسكار شتراوس Oscar Straus وعضو الكونجرس السابق جيفرسون ليفي Jefferson Levy وغيرهم.
وعلى عكس هؤلاء فقد كان أبرز من رحب بآينشتاين ووايزمان اليهود الذين كانوا يعارضون فكرة الاندماج في المجتمعات الأخرى. غير أن الوسطاء حاولوا ترتيب لقاء بين بانديس ووايزمان لكن هذا اللقاء لم يحدث بسبب التعارض بين آراء الطرفين في مسائل عديدة، غير أن آينشتاين قام بزيارة بانديس وأجب كل منهما بالآخر، غير أن هذه الزيارة لم تسفر عن أي تحسن بين الفريقين المختلفين من الصهاينة.
عقب هذا قام آينشتاين بزيارة جامعة برنستون التي وقع في غرامها ووصفها بأنها جامعة فتية وفي تشبيه جميل وصفها بأنها "غليون لم يدخنه أحد"، وهذا كما يقول آيزاكسون، مديح من رجل مولع بتدخين الغليون. أما جامعة هارفارد فلم تأسر لبّه كثيراً، كما أن الجامعة نفسها لم تقدم له أي دعوة ليلقي محاضرة فيها. ومن آخر محطات رحلته الأمريكية كانت مدينة كليفلاند حيث استقبله ووايزمان الألوف من اليهود المؤيدين لوايزمان الذين أدى ضغطهم لاحقاً إلى استقالة بانديس من الرئاسة الفخرية للمنظمة اليهودية واستقالة رئيسها المؤيد لبانديس وهو جوليان ماك Julian Mack.
عاد آينشتاين إلى أوروبا بقناعة تؤيد المشروع الصهيوني حيث ذكر في إحدى رسائله أن "الصهيونية تقدم في الواقع مثالاً يهودياً جديداً يمكن أن يمنح الشعب اليهودي فرحاً بوجوده مرة أخرى"، ولاحظ أن تصاعد العداء لليهود هو الذي تسبب في ظهور الصهيونية، فاليهود في الماضي "كانوا يعتبرون أنفسهم أعضاء في مجموعة دينية" بعكس ما حدث بعد تنامي معاداة اليهود التي أدت إلى رفضهم الاندماج في المجتمع الألماني، وقبولهم للمشروع الصهيوني لإنقاذ هويتهم كما يعتقد آينشتاين.

الجمعة، 1 يناير، 2010

حول السنين الضوئية والعيش في الماضي

حول السنين الضوئية والعيش في الماضي

عبدالله الحراصي

من أجمل ما قدمه لنا علم الفلك المعاصر معرفة أن الضوء يخترق الفضاء إلى أعيننا قادماً من النجوم وأن ما نراه ليس سوى الماضي. كيف عرف العلماء هذا؟ ببساطة، بمعرفة حركة الضوء وسرعته، أي أن الضوء يتحرك من نقطة إلى نقطة أخرى بسرعة محددة حيث يقطع الضوء مسافة ما يزيد على 299 مليون متر في الثانية، وبحساب هذه السرعة تمكن العلماء من معرفة المسافة بين أعيننا والنجم مصدر الضوء.

يتمثل الأمر المذهل هنا في أن ما يصل إلى أعيننا من ضوء ليس في حقيقة الأمر إلا الضوء الذي وصل للتو بعد رحلة استغرقت ملايين السنين. والأمر الأكثر إذهالاً وجمالاً هو أن النجم نفسه قد لا يكون موجوداً الآن، واختفى من الوجود لسبب من أسباب الفلك والطبيعة، ولكننا مع ذلك نراه متألقاً في لمعانه البديع. أليس من عجائب الأمور أن ترى بأم عينك شيئاً لم يعد موجوداً أبداً؟

إنها لعبة من لعب الفلك، وفيها، فيما أرى، عظة –بل عظات– في حياتنا الشخصية والاجتماعية، وفي مستويات أعلى وأخطر. أعني إنّ أُلفتنا الأشياء تجعلنا نراها هي ولا نرى غيرها، وهنا فإن الأمور التي اعتاد على رؤيتها جيل من الأجيال تبقى راسخة في ذهن ذلك الجيل، بل ويقوم دون وعي منه بتوريثها إلى الجيل التالي، فتبقى حيّة جيلاً بعد جيل. ومن هذه الأمور المتوارثة الاعتقادات القائمة على خرافات صدقها الناس حيناً بسبب غياب المعرفة العلمية أو العملية عن الجيل السابق، ومع ذلك يتم توريثها للأجيال التالية برغم ثبوت خطئها وضلالها وتضليلها. ومن هذه الأمور القادمة من الماضي على أجنحة سرعة الضوء الإنساني العابر للأزمنة الإصطفاف وبقوة وعنف فكري أو واقعي مع أحد فريقين اختلفا حول قضية سياسية-دستورية في عهود الإسلام الأولى، ومثله انتماء البعض، وبإخلاص منقطع النظير، إلى أحلاف قبلية كان وجودها الواقعي قبل قرون ولم يعد لها وجود في عالم منطلق إلى المستقبل بسرعة ضوئية لا يمكن لمن يعيش في الماضي أن يجاريها أبداً.

تلك إذاً أمثلة على بعض أشكال التصديق الاجتماعي لأحداث وظواهر حدثت في الماضي السحيق ولم يعد لشخوصها الحقيقيين وجود فعلي، ومع ذلك فإن الناس يصدقونها، بدرجة تصديق من يظن أن ضوء النجم الماثل أمامه يلتمع فعلاً وواقعاً في لحظة رؤيته له، وليس في تاريخ النجوم السحيق.

العظة التي أدعو إليها هي أن علينا، ونحن نرى الأحداث الماضية حيّة برغم غيابها، أن ننتبه إلى أنها لم تعد موجودة بل ذهبت مع أصحابها، ومن عبثي الأمور أن ينشغل أناس في عصر معين بآثار أحداث وقعت قبل سنين طوال من زمنهم الذي يعيشون فيه وكأنهم أطرافٌ فيها، وكأن تلك الأحداث لم تنتهِ بل هي باقية وستبقى إلى أبد الآبدين.

علينا إذاً أن نفرز جانباً الأعراف والقيم والأحداث والصدامات والتحالفات القادمة من الماضي والتي نراها حيةً لامعةً بيننا، وأن ندرك أنها ليست إلا آثاراً لماضٍ لم يعد موجوداً، وأن أخذها على محمل الجدّ بناءً عليها هو ضرب من ضروب الأفعال الدون كيشوتية. و"دون كيشوت" لمن لا يعرفه هو بطل رواية للروائي الأسباني سرفانتس، وقد اعتاد هذا "البطل المغوار" قراءة كتب الفرسان الجوّالين الذين انتشروا في القرون الوسطى في أوروبا وكانوا يحاربون الأشرار انتصاراً للضعفاء والمساكين. لقد انغمس المسكين دون كيشوت بكل عقله (أو جنونه، إن شئت) في ذلك الماضي المجيد، فعقد عزمه على أن يكون أحد أولئك الفرسان الأشاوس، واختلط عليه ما يفصل ما بين خيط الصواب/الواقع/المعاش وخيط الخطأ/الماضي/المتوهم، فعاش حياته يناضل في حروب مأساوية ضد أبطال توهمهم وهم غير موجودين في الواقع، فكان من بين أعدائه الذين صال معهم بسيفه وجال قطيع خراف كان يرعى في البرية، وطواحين الهواء المتحركة، ورجال يحملون شخصاً ميتاً يريدون دفنه، وأعداء آخرون كُثُر.

دون كيشوت كان حالماً ولم يكن يرى واقعه أبداً، بل كان يرى الماضي (أي أؤلئك الأشرار الذين يتوجب عليه محاربتهم) غير أنه بدلاً من أن يدرك أنه ماضٍ لن يعود، على النحو الذي ندرك به اليوم أن ما نراه في السماء ليس إلا ضوءاً وصلنا بعد رحلة طويلة ملايينية السنين، فقد تعامل معه على أنه حاضرٌ ينبض بالحياة، فصدقه وهندس حياته على أساس أن زمن الفرسان أسود الوغى وحماة الضعفاء وأباة الذلّ لم ينقضِ بل ما زال موجوداً، فحمل سيفه يحارب الأشرار الذين توهمهم عقله الذي يعيش في ماضي الشجاعة والبأسِ والإِقدام.

نرى كثيراً في حياتنا مثل هؤلاء الذي يعيشون في الماضي، ويتفاعلون مع تفاصيل مضى عليها مئات السنين، ويستجيبون لها بالمساندة أو المعارضة، ومع ذلك فهم لا يلتفتون إلى أحوال حاضرهم والمشاكل التي يعيشونها، بل ولا يرون أبداً الأشياء الجميلة التي تنبض بها الحياة الواقعية حولهم: فلا هم يعيشون الماضي حقيقة، فهذا أمرٌ محال، وفي الآن ذاته يفوّتون على أنفسهم عيش الحاضر والاستمتاع بجماله أو معالجة أمر قبحه!!!!

والأخطر بطبيعة الحال ليس هؤلاء الأفراد، ولكن الأخطر هو أن تتم هندسة المجتمعات ويتم تجميدها عند لحظات ماضوية لا تستطيع أن تفك نفسها من أسرها، فتعيش تلكم المجتمعات، دون وعي منها، ماضٍ لا يوجد إلا في مقبرة الزمان، تعيشه كأنه حاضر ماثل أمامها، وفي ذلك تنسى يومها، بجماله وقبحه، وغدها الذي يمكنها أن تخطط له وتشيّده كي يكون زماناً أفضل وأجمل. وهندسة المجتمعات كي تعيش الماضي وتعمى عن الحاضر وتنسى أمر المستقبل هي موضوع مقال آخر.

للتعليق على هذا المقال اضغط هنا

ملاحظتان:

(1) نشر هذا المقال في جريدة "الرؤية" العمانية يوم الخميس 31 ديسمبر 2009

(2) نشرت في هذه المدونة مسودة لهذا المقال هنا.