الثلاثاء، 5 ديسمبر، 2006

ترجمات نجيب محفوظ: تجارب وقضايا

ترجمات نجيب محفوظ: تجارب وقضايا

عبدالله الحراصي

(نسخة غير نهائية)

أود في البدء أن أتقدم بشكري الجزيل لوزارة التراث والثقافة الموقرة على دعوتها الكريمة للمشاركة في هذه الندوة الموسعة حول كاتبنا الراحل نجيب محفوظ. والحقيقة أن العنوان الذي قدم لي للحديث حوله وهو "ترجمات نجيب محفوظ إلى لغات العالم" هو عنوان واسع ومتشعب كما لا يخفى لأنه يشمل إضافة إلى مسح لترجمات نجيب محفوظ إلى مختلف لغات العالم مواضيع أخرى مثل جودة هذه الترجمات وطبيعة المترجمين وأنماط استقبال الترجمات في الثقافات الأخرى والعوامل المؤثرة على ذلك الإستقبال وغيرها من المواضيع ذات العلاقة بالترجمة وتلقيها. وبعد تفكير متأنٍ ولضيق الوقت الذي منح لي منذ تلقي الدعوة وحتى إلقاء هذه الورقة والذي لا يزيد على ثلاثة أسابيع فقد رأيت أن من المناسب أن أتحدث بعض الشيء عن بعض المواضيع المتعلقة بترجمات نجيب محفوظ على نجو يجعل منها تنسل من خصوصية ترجمة نجيب محفوظ إلى عمومية تر جمة الأدب العربي عموماً.

لا ريب أن نجيب محفوظ هو عملاق الرواية العربية ورمزها الأول غير أن البعض ربما سيتفاجأ حينما يعرف أن أول كتاب صدر لنجيب محفوظ لم يكن رواية كتبها بل ترجمة قام بها من اللغة الإنجليزية عام 1932 وكانت لكتاب جيمس بيكي "مصر القديمة"، ولعل هذه الترجمة مؤشر على أمرين أساسيين يتعلقان بخصوصية نجيب محفوظ المصرية العربية وعالميته في آن، ذلك أن فعل الترجمة ذاته يعني تواصلاً مع ما يكتبه الآخر وسعياً لنقله إلى ثقافة المترجم وهو شكل من أشكال الانعتاق من المحلية الضيقة وفي الآن ذاته فإن محفوظ قد انتقى كتاباً له علاقة بمصر، وانتقاء المترجم للعمل الذي يترجمه لا يأتي خبط عشواء وأنما يتم وفق رؤية ولتحقيق غرض، وهنا فإن ترجمة هذا الكتاب المتعلق بمصر القديمة يمكن أن تفسر على أنها محاولة للتقرب من المكان المصري – الفرعوني – من خلال ما كتبه الآخر.

وإن انتقلنا إلى ترجمات نجيب محفوظ فإنه يمكن الإشارة سريعاً إلى أن رواياته قد ترجمت إلى نحو 40 لغة من لغات العالم المختلفة، وتعد مطبعة الجامعة الأمريكية بالقاهرة هي الناشر الرئيس لترجمات نجيب محفوظ حيث نشرت ترجمات لأعمال محفوظية في 28 لغة من لغات العالم وفي نحو 400 طبعة، وكانت أكثر من ربع تلك الترجمات في اللغة الانجليزية التي بيع فيها أكثر من مليون نسخة من أعمال محفوظ (وهو رقم يزيد على العدد الكلي لنسخ أعماله التي طبعت باللغة العربية ذاتها). ويقول مدير قسم النشر بالجامعة الأمريكية في القاهرة مارك لنز أن رواية "زقاق المدق" قد صدرت في 25 طبعة في 12 لغة فيما طبعت روايتي "اللص والكلاب" و"ميرامار" في ما يربو على 20 طبعة في 10 لغات.

ومن الأمور المهمة هنا أن نتوقف عند رؤية نجيب محفوظ للترجمة ذاتها، فنجيب محفوظ يدرك تماماً ما قدمته الترجمة للأدب العربي المعاصر من خلخلة لمنظومة الكتابة الأدبية العربية التقليدية عموماً وفي أنماط الكتابة السردية على وجه الخصوص، فقد كانت الترجمة هي القناة التي دخلت عبرها القصة القصيرة والرواية إلى الأدب العربي الحديث في القرن التاسع عشر حين بدأت ترجمة الروايات والقصص الغربية والتي تأثرت في البداية بالأسلوب العربي التقليدي (والتي من أمثلتها تغيير عنوان "مغامرات تليماك" إلى "مواقع الأفلاك في مغامرات تليماك"[1]) وما تبع ذلك من غلبة للأسلوب الغربي في الكتابة والتخلي التدريجي عن الاسلوب العربي الموروث. يقول نجيب محفوظ في إحدى حواراته الصحفية مثمناً أثر الترجمة في نشوء القصة القصيرة الرواية العربية الحديثة "استعرنا نحن الكتاب العرب المفهوم الحديث للقصة القصيرة والرواية من الغرب، غير أنهما قد أصبحا جزءاً أصيلاً من أدبنا الآن. فقد ظهرت الكثير من الترجمات خلال الأربعينات والخمسينات (من القرن العشرين)، وقد تقبلنا أساليب [تلك الترجمات] على أنها هي الأساليب التي تكتب بها القصص. وقد استخدمنا الاسلوب الغربي للتعبير عن قضايانا وأساليبنا" غير أن نجيب محفوظ يستدرك ليؤكد على أهمية التراث السردي العربي الذي يشكل هو الآخر منهلاً أساسياً لتجربة القصة والرواية العربية المعاصرة حين يقول "ولكن [بالرغم من هذا] فلا ينبغي عليك أن تنسى بأن تراثنا يحتوي على أعمال مثل "أيام العرب" التي تتكون من العديد من القصص من بينها قصة "عنترة" وقصة "قيس وليلى" – و"ألف ليلة وليلة" بطبيعة الحال"[2].

وعن بدايات ترجمة كتبه يقول محفوظ "عندما ترجمت قصصي القصيرة إلي الانجليزية، والفرنسية، والألمانية، كانت قصة 'زعبلاوي' بصفة خاصة ناجحة إلي أبعد حد، وعادت عليٌ بكسب مالي أكثر من أية قصة أخرى. وكانت أول رواية لي تترجم 'زقاق المدق'، وقام ناشر لبناني يسمي خياط بنشرها. ولم أحصل، كما لم يحصل المترجم علي أية نقود لأن خياط غشنا. وقد قامت دار النشر 'هاينيمان' Heinemann بإصدارها من جديد في حوالي 1970، وترجمت بعد ذلك إلى الفرنسية، وسرعان ما تبعتها ترجمات أخري لأعمالي."[3] وبعيداً عن هذه التجربة غير السعيدة فإن ترجمات نجيب محفوظ توالت في اللغات الغربية، وقد تحدث نجيب محفوظ في أكثر من سياق عن دور الترجمة في شهرته العالمية حيث نقل عنه قوله أن الناشرين قد عرفوا أعماله من الترجمات وأضاف "أنني على يقين بأن تلك الترجمات كانت من بين أهم العوامل التي ساهمت في حصولي على جائزة نوبل"[4].

ويمكن أن نعتبر أن قصة فوز نجيب محفوظ بنوبل في الآداب عام 1986 هي في الآن ذاته قصة علاقة نوبل بترجمة الأدب العربي ذاته ويمكن تبين هذا من خلال ما يقوله مترجمو محفوظ، ويمكن لأجل الإختصار أن أسوق رؤية روجر ألن، وهو أحد أشهر مترجمي نجيب محفوظ إلى اللغة الانجليزية، حول علاقة الترجمة بجائزة نوبل فهو لا يشكك بطبيعة الحال حول المستوى الأدبي العالي لنجيب محفوظ غير أنه في الآن ذاته يقدم نظرة أكثر واقعية لطريقة عمل جائزة نوبل، فيقول في حوار مع جريدة الشرق الأوسط "أريد أن أقرر هنا أن نجيب محفوظ حصل على نوبل لجدارته بها، وقيمة ما يبدعه جماليا وبسبب عدد الكتب أيضا التي صدرت له. لكن هناك سببا آخر مهما جدا وهو الترجمة، وهي الوسيلة التي تتعرف بها لجنة نوبل على الكاتب وابداعاته، وأتذكر هنا تعليقات الأديب يوسف ادريس التي دافع بها عن جدارته وأفضليته على نجيب محفوظ بالحصول على نوبل، وقد حاولت في بغداد أن أنقل ذلك الى إدريس، وكان في زيارة لها بعد اعلان الجائزة، وقلت له ان الجدارة رغم أهميتها ليست كافية، فلا بد من وجود ترجمات لعدد كبير من مؤلفاته حتى تتعرف عليها اللجنة المانحة للجائزة، وهذا هو الواقع الذي تتحرك فيه جائزة نوبل. من هنا تسأل اللجنة عندما يرشح أي مبدع لنوبل عن ترجماته وهل هي كافية، ثم تسأل عن وفرة مؤلفاته وقيمتها الادبية. ولا يمكن الحديث هنا عن قيمة الكاتب وابداعاته بدون أن تكون هناك ترجمة كافية لها، وبغيرها لا تكون هناك جدوى من البحث عن نوبل للعرب مرة أخرى. عدم الترجمة هو الذي يقف عثرة امام فوز كتاب عرب بالجائزة." كما يقول ألن "وأستطيع القول بأن هناك طريقا واحدا لنوبل وهو الترجمة، بغض النظر عن الجدارة الأدبية للكاتب في العالم العربي أو عدد الأعمال المنشورة. هناك سؤال أطرحه عندما يسألونني لماذا لم يفز فلان؟ وهو: هل ترجمت أعماله لعدة لغات أوربية حتى يتسنى لأعضاء لجنة نوبل قراءتها؟ والجواب دوما هو "لا"، فإذا لم تتوافر نسخ كثيرة مترجمة لمؤلفات الكاتب في الأربع لغات التي تقرؤها لجنة نوبل، وهي: الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسكندنافية؛ فلا فائدة مطلقا مما ترشحه."[5]

والحقيقة أن الترجمات وإن أدت إلى حصول محفوظ على نوبل في الآداب إلا أن تلك الترجمات لم تكن كافية في نظر النقاد الغربيين ويمكن أن أمثل على هذا بقول أحد النقاد الألمان معلقاً في إحدى الصحف الألمانية على حصول محفوظ على نوبل:

"نزلت إلى المكتبات وسألت عن أعماله المترجمة إلى الألمانية، فلم أعثر إلا على ترجمة لرواية بوليسية عنوانها "اللص والكلاب"، وقيل لي أن ترجمة لرواية أخرى قد صدرت في برلين الشرقية، ولكنها غير متوفرة في المكتبات وما فاجأني أكثر من ذلك هو أن الصحافة لم تتفق حتى على شكل واحد لكتابة اسمه، فهناك من يسميه "مخفوتس"، بينما يدعوه آخرون "مهنوس" أو "مهفوس"، وأنا أتساءل:" كيف تمنح جائزة نوبل لأديب لا يعرف الرأي العام اسمه الصحيح؟[6]"

وبعيداً عن هذا فإن حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل كان منعطفاً في الترجمة من العربية إلى لغات العالم، ولغات الغرب على وجه الخصوص، وربما لا يعادل ذلك المنعطف في في الفترة المعاصرة إلا أحداث 11 سبتمبر التي قادت أيضاً إلى هوس بالترجمة من اللغة العربية. ولكي لا أطيل الحديث في هذا الموضوع المعروف سأنقل إليكم بعض الأرقام التي تبين تأثير حصول محفوظ على نوبل على ترجمة الرواية العربية في اللغة الايطالية كما أظهرتها إحدى الدراسات[7] كما يلي:

1900-1949: روايتان

1950-1959: لا توجد أي ترجمة

1960-1969: روايتان

1970-1979: سبع روايات

1980-1988: 16 رواية

1989-1999: 112 رواية



سأنتقل الآن إلى تجربة لأحد مترجمي نجيب محفوظ قمت بالاتصال به عن طريق البريد الالكتروني لغرض تقديم رأيه حول ترجمة نجيب محفوظ في هذه الندوة، وهذا المترجم هو بيكا سوني Pekka Suni الذي ترجم خمس روايات محفوظية إلى اللغة الفنلندية هي "زقاق المدق" و"ميرامار" و"بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية"، وقد وجدت في رده ما يفيد وما يمكن الانطلاق منه للحوار حول جوانب عامة تتعلق بترجمة الأدب العربي على وجه العموم. يقول سوني:

"قبل أن يفوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل كانت "الايام" لطه حسين هي الرواية العربية الوحيدة التي ترجمت مباشرة من اللغة العربية الى الفنلندية، ولم تعرف الثقافة الفنلندية من الثقافة العربية قبل هذا إلا "القرآن الكريم" و"ألف ليلة وليلة"

"وكنت قد درست اللغة العربية (وتاريخ الفن والأدب العربي) في جامعة هلسنكي وقضيت شهراً واحداً في معهد بورقيبة في تونس غير أني لم أترجم أي شيء من هذه اللغة، وكانت لدي بعض التجربة في ترجمة الاعمال التلفزيونية كما ساهمت في دورات في كتابة النصوص السينمائية والكتابة الابداعية وهو ما منحني الثقة بأنني سأكون مترجماً ناجحاً، ولهذا فحينما اشتهر نجيب محفوظ قمت بتقديم ترجمة لمقاطع من رواية "ميرامار" لدار النشر تامي التي فازت بعقد النشر، وكانت "ميرامار" أول رواية تنشر بالفنلندية لمحفوظ... "

"كانت تجربتي بترجمة الأدب شحيحة وكانت مهاراتي العربية متواضعة ولهذا فقد كانت الترجمة في غاية البطء والمشقة، ولم يكن النجاح ليحالفني بغير العون الذي تلقيته من صديقي المصري مصطفى شيكبن، وكان الناشر في غاية القلق لأن الترجمة السويدية حظيت بنقد ضعيف لأن المترجم لم ينجح في الحفاظ على المستوى الاسلوبي الراقي، وبالاستمرار في الترجمة أخذ الناشر في الارتياح أكثر فأكثر، وهكذا أبصرت "ميرامار" النور في نسختها الفنلندية عام 1989."

"وكان تلقي هذه الترجمة طيباً بصورة استثنائية. فقد استعظم الجمهور القيام بالترجمة مباشرة من العربية وليس عن طريق اللغة الانجليزية وهو ديدن المترجمين في ترجمة الأعمال التي تكتب باللغات النادرة، وما أود قوله أساساً هنا فيما يتعلق بالتلقي الايجابي هو أن محفوظ قد منح العرب، بمشاعرهم ومطامحهم، وجهاً إنسانياً طيباً، حيث أنهم كانوا يربطون في شاشات التلفاز بظروف العنف في فلسطين. وهذه هي وظيفة الأدب الجيد، فهو الذي يجعل من الغرباء بشراً ويمنحنا القدرة على أن نرى عقولهم، وقد جادل بعض النقاد بأن محفوظ قد فاز بنوبل على أساس أنه "آن الأوان لعربي أن يخطو خطوة نحو المنصة"-ولعله نفس الرأي الذي يحيط بالفائز هذا العام وهو أورهان باموك الذي يشك بأنه فاز بالجائزة لدواعي سياسية. والأمر في حالة نقاد محفوظ هو أنه ليس داعياً للحداثة ولا طليعياً كثيراً كي يرضي النقاد الذين يصعب إرضاءهم، غير أن أغلبهم قد اقتنع بأن العالم في روايات محفوظ هو كون ثري ومتنوع وممتع."

وعن تمويل الترجمة يقول:

"إن نحن قارنا الترجمة إلى العربية بالترجمة إلى الانجليزية لوجدنا أن العربية تستهلك الكثير من الوقت، ونتيجة لهذا فانها قليلة الثواب المادي، غير أنني الحظ قد حالفني في أن أحظى ببعض الدعم المادي من جمعية الادب الفنلندية، وبدون ذلك العون فإن الترجمة كانت ستودي بي إلى المجاعة."

وعن أثر الترجمة الحضاري يقول:

"لقد كانت ترجمة محفوظ بداية طيبة لمزيد من المعرفة والتقدير للثقافة العربية والاسلامية في فنلندا، وحينما رأى بعض الناشرين أن هناك طلباً أكبر للثقافة الغريبة والبعيدة فقد ترجم منذئذِ مزيد من الأدب، غير أن الأدب المترجم مباشرة من العربية ليس كثيراً."

إن حديث مترجم نجيب محفوظ الفنلندي بيكا سوني عن تجربته ترجمته لنجيب محفوظ تشير إلى الوضع الصعب الذي يعاني منه كثير من مترجمي الآثار الأدبية العربية إلى اللغات الأخرى، وتتلخص مظاهر هذا الوضع في إدبار الناشرين الأجانب، وخصوصاً في الغرب، عن نشر الترجمات التي لا تناسب توجهاتهم وضعف الحوافز المادية التي تقدم للمترجمين. يقول روجر آلن حول ضرورة توثيق علاقات مع الناشرين الغربيين:

لا بد أولا من عقد اتفاقيات مع المكتبات في أوروبا واميركا لتوزيع الكتب العربية المترجمة لأنها المسيطرة كما قلت على عملية نشر الكتب وتسويقها هناك بعد أن خرجت دور النشر الصغيرة من السوق وأفلست بسبب دخولها في عملية نشر وترجمة كتب عربية. أما عن تحسين الوضع السيئ في ميدان الترجمة للأدب والآثار الأدبية العربية الى اللغات الأخرى فيحتاج الى تعاون بين المترجمين والمؤسسات المعنية المسؤولة في العالم العربي نفسه، كما يجب التغلب على المشكلات التي تواجه عمليات الترجمة بين الأقطار العربية فضلا عن التوزيع. ولا بد من وجود عملية تنسيق بين القائمين على الترجمات والمؤسسات توفيرا للجهد والمال وتحقيق الأهداف التي يطمح لها الأدب العربي، وهناك شيء آخر وهو خاص بالآثار التي تركها الاستعمار على الدول العربية. ففي مصر مثلا تتجه معظم الترجمات من والى الانجليزية وباستثناء نجيب محفوظ الذي ترجمت أعماله الى لغات عدة، لا تجد الا قليلا من الأعمال العربية المترجمة الى الفرنسية أو غيرها من اللغات الأخرى. وهذا ينطبق أيضاً على الكتاب في المغرب العربي، الذين نادراً ما تترجم أعمالهم إلى اللغة الإنجليزية."[8]

ويشير دينيس جونسون ديفيز[9] وهو مترجم آخر من مترجمي نجيب محفوظ إلى قضية العائد المادي بقوله في لقاء مع مجلة نزوى العمانية "اكتشفت شيئا مدهشا، فقد انصرفت مؤخرا، الى كتابة قصص للأطفال ذات خلفية عربية وشرقية بشكل عام وفوجئت بأن العائد المادي من تأليف كتيب صغير للأطفال باللغة الانجليزية يفوق العائد من ترجمة رواية عربية ضخمة تستغرق وقتا وجهدا وحوارات ممتدة مع المؤلف والنقاد." ويشير جونسون ديفيز إلى الجشع المادي للناشر الغربي وعدم رغبته في تقديم دور ثقافي يخلو من البعد المادي فيقول " أصدرت دار دوبلداي أربعة كتب من ترجمتي لأعمال نجيب محفوظ، وقد عاد عليها حصولها على حقوق نشر أعمال محفوظ بعوائد تقدر بملايين الدولارات، ويكفي أن أشير الى أن الثلاثية وحدها وزع منها أكثر من ربع مليون نسخة، وفي تصوري أنه كان من المنطقي أن يتم تخصيص جانب من هذه الأرباح لتشجيع المزيد من تعرف جمهور القراء الغربيين على الأعمال الأدبية العربية واتاحة المجال لأفضل المترجمين لتقديم هذه الأعمال، وفي هذا أيضا نوع من رد الجميل بحسب تصوري، وفي إطار هذا التصور كتبت مؤخرا لمديرة الدار، مقترحا عليها أولا إصدار مجموعة من القصص القصيرة المصرية في إطار كتاب واحد يلقي الضوء على الوضعية الواهنة للقمة القصيرة كما تكتب الآن في مصر، وقد جاء الرد بالاعتذار عن عدم نشر كتاب من هذا النوع".

أخيراً لم تستعرض هذه الورقة كل ما له علاقة بترجمات نجيب محفوظ إلى لغات العالم كما هو عنوان المحور لكنها ألقت الضوء على بعض جوانب هذه الترجمات وهي جوانب تتعلق في كثير من مستوياتها بترجمة الأدب العربي ذاته إلى لغات العالم المختلفة، فلا شك أنه لا يمكن الوصول إلى الانتشار والذيوع العالميين بدون الترجمة، فحتى لو كان الكاتب عظيماً وكانت آثاره عظيمة فإنه سيظل سجين ثقافته المحلية بدون ترجمة أعماله، غير أن للترجمة عالمها الخاص المتعدد الجوانب، فهناك المترجم الذي ينبغي أن يكون كفئاً لينتج نصاً يعكس عظمة النص الأصلي ويوازيه في تأثيره الجمالي، وهناك الناشرون العالميون بشروطهم الخاصة التي لا تنظر دائماً إلى القيمة الأدبية بقدر نظرتهم واهتمامهم بالكسب الذي ستأتي به الترجمة لهم، وهناك كذلك التباينات الثقافية التي قد تقرب بين الحضارات المختلفة حين ترغب ثقافة ما في التعرف على الثقافات الأخرى وقد تفعل العكس أحياناً حينما تتسبب هذه التباينات في رفض التواصل الحضاري والانكفاء عن الاقتراب من الثقافات الأخرى بسبب صور نمطية أو بسبب مركزية ثقافية. لقد بينت ترجمة نجيب محفوظ إلى اللغات الأخرى وحصوله على جائزة نوبل الدور الكبير الذي يمكن للترجمة أن تقوم به في توصيل الأدب العربي والثقافة العربية إلى العالم، وكسر حدة الصور النمطية العنيفة والدموية عن الثقافة العربية المعاصرة.




[1] عصفور، جابر” (2000) الترجمة ونشأة الرواية العربية"، مجلة العربي، العدد 498، صص 78-83

[2] http://weekly.ahram.org.eg/2002/572/cu2.htm

[3] http://www.theparisreview.org/media/2062_MAHFOUZ.pdf

[4] http://weekly.ahram.org.eg/2002/572/cu2.htm

[5] http://www.asharqalawsat.com/details.asp?article=227007&issue=9261&section=3

[6] عبد عبود (1988)، "سبيل الأدب إلى العالمية. نجيب محفوظ نموذجا" مجلة الأسبوع الأدبي، عدد 147.

[7] بولاندة غواردي "الأدب الجزائري في إيطاليا: بين الدراسة العفوية والآراء الجاهزة" في http://liste.unimi.it/wws/d_read/araboscpol/articolo%20benhaduga%20in%20arabo.doc

[8] http://www.asharqalawsat.com/details.asp?article=227007&issue=9261&section=3

[9] http://www.nizwa.com/volume11/p159_166.html

الاثنين، 27 نوفمبر، 2006

بعض فريق الموسوعة


صاحبناعاصم


الجهوري

صالح المسكري (قبل أن يغادر)
عادل المعولي





الأحد، 1 أكتوبر، 2006

عُمان في الصحافة الأمريكية في القرن التاسع عشر: استعراض عام مع ترجمة لبعض النماذج

عُمان في الصحافة الأمريكية في القرن التاسع عشر:
استعراض عام مع ترجمة لبعض النماذج

عبدالله الحراصي


توسعت فوائد التكنولوجيا المعاصرة لتشمل البحوث الإنسانية في مجالات عديدة، ولعل «رقمنة» الوثائق القديمة من خلال تحويلها إلى نصوص حاسوبية يمكن البحث فيها يعد أحد أهم التطورات التي يمكن أن تستفيد منها بحوث الحقول الإنسانية، حيث يمكن من خلالها البحث في خزانات ضخمة من الكتب أو النصوص الأخرى كالجرائد أو النصوص الأدبية وسواها وتتبع ظاهرة معينة أو موضوع معين تتبعاً تاريخياً بحسب الهدف الذي يسعى إليه الباحث بدقة وبسرعة وبيسر وسهولة.

وقد تطورت هذه الأرشفة الالكترونية في الغرب تطوراً كبيراً فظهرت الكثير من قواعد البيانات الأرشيفية هذه، حيث نجد باللغة الانجليزية على سبيل المثال قواعد البيانات الأدبية مثل «لترتشر أونلاين» Literature Online التي تحتوي على ما يزيد على ٠٥٣ ألف قصيدة ومسرحية ونصاً أدبياً وسيرة ذاتية إضافة إلى 192 دورية أدبية بكامل محتويات أعدادها المختلفة ومصادر نقدية ومرجعية أخرى، كما نجد كذلك قاعدة «جستور» JSTOR التي تحتوي على الأعداد الكاملة لمئات من الدوريات الأكاديمية التي يعود بعضها إلى القرن التاسع عشر في مختلف حقول المعرفة البشرية، ومثال ثالث على قواعد البيانات هذه قاعدة بيانات «إيبو» EEBO التي يذكر موقعها على شبكة الانترنت أنها تحتوي على «كل كتاب طبع في إنجلترا وايرلندا واسكتلاندا وويلز وشمال أمريكا البريطانية والكتب المطبوعة بالانجليزية في بقية الأماكن من عام 1473 إلى عام 1700، أي منذ أول كتاب طبع بالانجليزية على يد ويليام كاكستون مروراً بعصر سبنسر وشكسبير واندلاع الحرب الأهلية الانجليزية.»

إن قواعد البيانات هذه توفر منجماً ثرياً إلى حد لا يمكن وصفه للدراسات في مختلف فروعها وعلى الأخص في الدراسات الإنسانية، وإذا حددنا مجال اهتمامنا بالعالم العربي فإنه يمكن من خلال الإستفادة من موارد قواعد البيانات هذه إجراء دراسات تحليلية لكثير من الظواهر ذات العلاقة بالعرب والبلدان العربية في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والأنثروبولوجية والإعلامية وسواها من مجالات، وهو ما تحاول هذه الورقة أن تقوم به من خلال الاستفادة من أرشيف الصحف المطبوعة باللغة الإنجليزية الموجود على شبكة الانترنت لتقصي حضور عمان في الصحافة الأمريكية في القرن التاسع عشر من خلال بعض النماذج الرئيسية.

تعتمد هذه الورقة على خزانة الصحف المتوفرة في موقع www.newspaperarchive.com والبحث في الفترة من أقدم الصحف المتوفرة والتي تعود لعام 1759 إلى عام 1899 عن كل ما له علاقة بعمان بإدخال كلمات مفتاحية مثل Muscat وأشكال كتابتها الأخرى باللغة الانجليزية مثل Maskat و Masqat وكلمة Oman و Uman وأماكن ذات علاقة بعمان مثل زنجبار Zanzibar. وتنبغي هنا الإشارة إلى أن خزانة الصحف هذه تحتوي على صحف من المملكة المتحدة وكندا ونيوزلندا وجامايكا وبلدان أخرى وجدت أو توجد فيها صحف تصدر باللغة الإنجليزية، وقد أوردت نتائج البحث بيانات عن حضور عمان في صحف تنتمي لدول مختلفة غير أن هذه الورقة لن تتعرض لها لاقتصارها على صحف الولايات المتحدة الأمريكية لخصوصية علاقة عمان مع الولايات المتحدة في تلك الفترة المبكرة من العلاقات العمانية (والعربية)-الأمريكية، حيث وقعت عمان مع الولايات المتحدة اتفاقية مودة وتجارة في عام 1833 وأبحرت إلى الولايات المتحدة أول سفينة عمانية في عام 1840.

أشير هنا إلى أمر مهم وهو أن هذه الورقة ليست إلا جزءاً مختصراً من كتاب أقوم بإعداده حالياً يتعلق بحضور عمان في الصحافة الأمريكية منذ نشأة تلك الصحافة إلى العصر الحديث، ويتتبع ذلك الحضور تاريخياً ويقدم تحليلاً متعدد الأوجه للمادة الصحفية المتوفرة والتي لها علاقة بعمان، كما يقدم ترجمة لعدد من النماذج على النصوص التي تتعلق بعمان في الصحافة الأمريكية. إن الهدف الأساس من هذه الورقة لا يتعدى الاستعراض العام لما ذكرته الصحافة الأمريكية في القرن التاسع عشر عن عمان لغرض أكبر هو إبراز أهمية خزانة الصحف الالكترونية هذه بحيث تتضح أهميتها للباحثين العرب الذين يمكنهم أن يجروا بحوثاً تحليلية دقيقة لما ورد في هذه الصحافة حول مختلف الظواهر المهمة بحثياً المتعلقة بالعرب وبالحياة العربية بمختلف تمظهراتها.

كما أشير إلى أمر آخر وهو أن الهدف الاستعراضي لهذه الورقة يعني أنها لن تتعمق في جوانب ذات أهمية كبرى للغاية مثل مصادر النصوص التي ذكرت فيها عمان ومراسليها وطبيعة علاقتهم بالسياسة الدولية في تلك الفترة وتوجهاتهم الايديولوجية والثقافية المختلفة، كما أن الطبيعة الاستعراضية تعني كذلك أن الورقة لن تقدم أي تحليل لأي مادة صحفية ذكرت عمان، حيث أن مثل هذا التحليل يتطلب متسعاً ليس محله هنا وهو ما سيوجد في الكتاب الذي أقوم بإعداده حالياً والذي أشرت إليه أعلاه.

التعريف بعمان

لنبتدئ بملاحظة مهمة هنا وهي أن إسم «مسقط» كان هو الأشهر في القرن التاسع عشر للإشارة إلى «عمان» بأكملها في الأدبيات الغربية ولم يكن استخدام «عمان» شائعاً في تلك الفترة بالرغم من أنه أخذ يزداد في الانتشار بنهاية ذلك القرن.

نشرت بعض الجرائد الأمريكية مقالات تعرف بمسقط تحديداً وبما جاورها من المناطق العمانية، فقد نشرت جريدة «آلتون أبزرفر» نقلاً عن جريدة «نيويورك إكسبرس» في يوم ٩ مارس 1837 مقالاً تعرف فيه بمسقط والقوة التجارية والعسكرية الضخمة للسيد سعيد بن سلطان، ويبدو أن الحاجة كانت ملحة في أمريكا في تلك الفترة للحصول على معلومات عن مسقط خصوصاً عقب توقيع الاتفاقية العمانية الأمريكية عام 1833. يحمل هذا المقال عنوان «مسقط: أسطولها وتجارتها» وقد كتب على نحو يصدم القارئ الأمريكي بالحقائق التي لا يعرفها عن مسقط:

لو علم أي من قرائنا بأن سلطان مسقط يمتلك بحرية تكاد أن تكون بحجم ضخامة بحريتنا فإنه ربما ارتاب في ذلك إلى أن يطلع على الحقائق، فالسلطان يملك بحرية قوية، ونجد في كتاب «موجز حول النظم التجارية الحالية للدول الأجنبية التي ترتبط الولايات المتحدة بعلاقات معها»، وهو بالمناسبة عمل قيم للغاية أمر الكونجرس بطباعته، ما يلي حول القوة البحرية لسلطان مسقط:

«السفينة ليفربول 74 مدفعاً، شاه علم 56 مدفعاً، كارولين 40 مدفعاً، أمير ويلز 36 مدفعاً، هينينجشو 36 مدفعاً، بيدمونتيس 23 مدفعاً، موسابا 24 مدفعاً، رحماني ٢٢ مدفعاً، فلك 18 مدفعاً، سليمان شاه 18 مدفعاً، البارجة كرلو 12 مدفعاً، البارجة سايكي 12 مدفعاً، اليخت سيج ٦ مدافع، فيستال ٦ مدافع، أليفنستون ٦ مدافع. كما أنه يملك خمسين بغلة [نوع من السفن] تحمل ما بين ثمانية مدافع إلى ثمانية عشر مدفعاً، والبتيل هي أيضاً سفينة ذات سارية واحدة تحمل ما بين 100 إلى 200 طن من الحمولة. ويستخدم جزء من هذه السفن في الخليج فيما يستخدم الجزء الآخر في أفريقيا ...

إن القوة البحرية للسلطان تمنحه اليد الطولى في كل موانئ شرق أفريقيا والبحر الأحمر وساحل الحبشة والخليج . وتتكون هذه القوة، فيما يبدو، من عدد من السفن يتراوح بين سبعين إلى ثمانين سفينة شراعية تحمل عدداً من المدافع يتراوح بين أربعة مدافع وأربعة وسبعين مدفعاً. ويمارس ضباط هذه القوة البحرية المراقبة القمرية ولديهم أجهزة ميقات ممتازة».

«ومنذ اتفاقيتنا مع السلطان عام 1835 بدأت سفننا في القيام بتجارة رابحة هناك، على الرغم من أنهم يواجهون منافسة هائلة من قبل البريطانيين الذين يستفيدون أيما استفادة من ممتلكاتهم الهندية. والصادرات هي اللبان والكوبال والألوة [الصّبر] واللبان العربي والعاج وذَّبل السلاحف [قشرتها الخارجية] والجلود وشمع النحل والكاكاو والرز والسمن والتمر والزبيب وعدد كبير من الأدوية» جريدة «آلتون أبزرفر» Alton Observer، ٩ مارس 1837، الصفحة ٢)

ويبدو أن الأمريكان لم يكونوا يحملون صورة واضحة تماماً عن العرب وعن أنماط حياتهم وثقافتهم وهو ما جعل بعض الصحف تنشر مواد صحفية حول العرب، مثل المقال الذي نشرته جريدة «فريمان آند مسنجر» بتاريخ 18 يونيو 1840 الذي تناول فيه الكاتب العرب ومساكنهم وطبيعة معيشتهم، ويورد المقال مقطعاً حول مسقط يقول فيه «في أقصى الغرب توجد العديد من القبائل العربية المستقلة، ومثلها في الجنوب فهناك قبائل عربية مستقلة يحكمها سلطان مسقط والأمراء النشطون الآخرون» (جريدة «فريمان آند مسنجر» Freeman and Messenger، 18 يونيو 1840، الصفحة ١.)

كما نجد مقالاً مطولاً نشرته جريدة «ذَ نيويورك هيرالد» بتاريخ ٧٢ مارس ١٧٨١ حول مسقط يحمل عنوان «مسقط: حالها السياسي والتجاري، مع التاريخ الحديث لأسرتها الحاكمة» يبدأ كالتالي:

بعيداً في الشرق وفيما يكاد أن يكون عند بوابة الخليج الشهير بلؤلؤة توجد مدينة مسقط الصغيرة، عاصمة مملكة عمان، والمركز السياسي والاقتصادي للجزء الجنوبي الشرقي من [شبه الجزيرة] العربية السعيدة.

بعدها يتحدث المقال عن التغيير في قمة هرم الحكم في مسقط الذي أتى بالسيد تركي حاكماً على عمان، ويضيف قائلاً:

لعل القليل من الأمريكان يقدرون أهمية التغيير الذي تم الإعلان عنه في مسقط، ولهذا فإن من الجدير استعراض التاريخ الحديث لمسقط وسرد القصة الرومانسية السياسية الطويلة التي انتهت لتوها باعتلاء السيد تركي عرش عمان.

بعد هذا يأخذ المقال في ذكر أهمية عمان بالنسبة لأمريكا في تلك الفترة والتمر العماني الذي كانت أمريكا تشتريه من عمان:

ينبغي أولاً أن يفهم المرء فهماً واضحاً بأن لنا فائدة مباشرة في قضايا هذه المملكة الصغيرة، فالولايات المتحدة هي إحدى قوى متحضرة ثلاث رأت من المناسب أن تعقد اتفاقيات تجارية رسمية مع عمان، وهي الدولة الوحيدة التي لها تجارة مباشرة معها، فلأنجلترا تجارة صغيرة في مسقط غير أن كل هذه التجارة تتم من خلال الخط الهندي البريطاني عبر بومباي حيث يعاد شحنها، غير أن السفن الأمريكية (التي يملكها ويعمل فيها أشخاص من مدينة سالم في ماساشوستس) تبحر مباشرة من بوسطن كل عام إلى زنجبار ومسقط وتعود إلى أرض الوطن تحمل أساساً «سلالا» من التمر - وهو ذات التمر الذي نراه أمام محلات بيع الخضار والفواكه الذي يرص مع بعضه البعض في كتل بنية غامقة، وتمثل مسقط سوق التمر الرئيسي والوحيد.

وبعد هذا التأطير السياسي والاقتصادي للعلاقات بين عمان والولايات المتحدة الأمريكية يتحدث المقال عن مسقط وعمان العلاقة بينهما:

العلاقة بين مسقط واقليم عمان علاقة غريبة مثيرة للتساؤل، فالوضع العادي هو أن الاثنين جزء لا يتجزأ من مملكة واحدة، غير أن البلاد في الواقع لا يقطنها الا القليل من السكان المستقرين بصفة دائمة لمسافة تمتد لبضعة أميال من الساحل، وبقية الأرض تقطنها قبائل البدو التي تربط بأغرب الطرق بين الصناعة المسالمة وميل نحو الحروب الدموية المألوفة، وتعتاش هذه القبائل أساساً على قطعان الجمال والخيول والأبقار...

ثم يتحدث المقال عن من يشير إليهم باسم «العرب المتحضرين» .

غير انه توجد هنا وهناك، بل حتى في «الصحراء»، مستوطنات متفرقة يعيش فيها عرب متحضرون وجدوا قطعة من الأرض الصالحة على نحو استثنائي ويزرعون النخيل والحبوب، غير أنهم أقل من أن يكون لهم وزن سياسي. وإذا وضعنا في اعتبارنا هذا الوضع الغريب لعمان فان المرء سيلاحظ بدون كثير عناء بأن مدينة مسقط تصوغ مصائر المملكة كلها، حيث أنها تملك امتياز فرض كل الضرائب تقريباً، وهي في الواقع البقعة الوحيدة في هذه الأرض [أي عمان] التي يوجد فيها النظام والقانون وجوداً فعلياً حقيقياً. (جريدة «ذ نيويورك هيرالد» The New York Herald، 27 مارس ١٧٨١، صفحة ١١).

وتنشر جريدة «ذَ ماريون ديلي ستار» في ٠٣ ابريل 1879 مقالاً يتحدث عن رحلة قام بها جراتان جيري Grattan Geary عام 1827 إلى أراضي السلطان العثماني، وزار في طريقه مدينة مسقط، وعن هذه الزيارة يقول المقال:

في مسقط، عاصمة عمان في شبه الجزيرة العربية، وجد [الرحّالة جيري] مدينة ذات دروب غاية في الضيق حتى أنه يستحيل على حيوان من ذوات الأقدام الأربع غير القطط والكلاب أن تعبرها، برغم أن المدينة يقطنها أربعون ألف نسمة وتجارتها ضخمة. والأسواق مسقوفة ومملوءة بالبدو القادمين للتو من الصحراء والمسلحين حتى أخمص أقدامهم، والسلاح المفضل هنا هو السيف المستقيم ذو الحدين والذي يمكن لضربة منها أن تقطع فخذ إنسان [بكل سهولة]، ويحمل حاملو السيوف فوق أكتافهم تروساً صغيرة مصنوعة من جلد وحيد القرن. (جريدة «ذَ ماريون ديلي ستار» The Marion Daily Star،30 ابريل 1879، الصفحة ٢).

كما تنشر جريدة «ذ ماريون ديلي ستار» مقالاً بتاريخ 15 نوفمبر 1893 (تنقله عن «فورتنايتلي ريفيو» Fortnightly Review) يحمل عنوان «مسقط وقصرها: حيث يُقطع المجرمون إرباً ويأكلهم الأسد» يصف فيه كاتبه مسقط:

حين تقترب من مسقط سرعان ما تتذكر عدن من جهة الشكل، حيث تقترب منك زوارق الكانو canoe ذاتها يدفعها الزنوج العراة الأجسام بالمجاديف الزاهية الألوان، وتجد نفس صفوف البيوت البيضاء المطلة على الساحل، غير أن مسقط، بخلاف عدن، تتميز بأودية خصبة في التلال الواقعة وراءها. فهناك وادٍ اسمه «الفردوس» Paradise يزدهر بنخيله وبحدائقه وظلاله المنعشة، وهذا ناجم عن الري وعن الآبار التي يقوم عليها العبيد مستخدمين الثيران بالطريقة الهندية - أي باستخدام ممر مائل الارتفاع بحيث يرتفع الدلو المعلق حينما يهبط الزنجي والثور، أما حينما يتحرك الزنجي والثور في طريق الصعود فإن الدلو ينزل [إلى قاع البئر]ئ؟ وعلى غير مبعدة من مسقط يوجد «الجبل الأخضر» الشهير بعنبه ونبيذه، ويظن أن البرتغاليين قد نقلوا من هنا سلالة العنب الرائع الذي نسميه «مسقطيل» Muscatel .

ثم يمضي في وصف مسقط ذاتها:

[حينما] تنزل من السفينة [فإنك تجد نفسك] في شاطئ غير مثير به بعض المدافع القديمة التي تعود إلى زمان البرتغاليين تطل من جثوات قبورها الرملية. ومن وأفضل المنازل في هذا المكان يقطنه المقيم البريطاني ومحطة البريد والتلغراف البريطانية، ويقع هذا البيت في موضع يهب عليه النسيم من بحرين ويقع بالضبط أسفل القلعة الجنوبية.... (جريدة «ذّ ماريون ديلي ستار» The Marion Daily Star، 15 نوفمبر 1893، الصفحة ٢).

ثم يأتي على ذكر لقب «الإمام» الذي كان مستخدماً للإشارة إلى حكام عمان وكذلك تاريخ الحكم في عمان.

ومن التسعينات كذلك نجد مقالاً تعيد نشره أكثر من جريدة حول مسقط (نقلاً عن «كونتمبرري ريفيو» Contemporary Review) يتحدث فيه الكاتب عن مسقط:

إن داخل مسقط أسواق ضيقة ومسقوفة بحصير مصنوع من أوراق أشجار النخيل. ولا توحي هذه الأسواق بأهمية كبير،ة. وإن المدينة تنقصها سمة من سمات المدن الاسلامية ألا وهي المنارة، ويصعب على الانسان في البداية أن يميزها عن صحن بيت عادي، ولكن العين تتعود بالتدريج على تمييز المسجد من البيت من خلال البديل الذي يستعاض به عن المنارة وهو بناء مخروطي الشكل على هيئة جرس يبلغ ارتفاعه ٤ أقدام، يوضع على ركن أحد جدران المسجد الخارجية. (جريدة «ديلي أدفوكيت» Daily Advocate، 24 يناير 1896، الصفحة ٦).

وصف نساء عمان

نشرت جريدة «ذَ أوشكوش ديلي نورثويسترن» Oshkosh Daily Northwestern مقالاً يصف فيه الكاتب نساء مسقط كما يلي:

ترتدي النساء رداء متميزاً عن بقية النساء الشرقيات بشكله العام، وإن لم يكن مختلفاً في تفاصيله. ففيما يتوشح الرجال لباساً زاهياً فإن النساء يرتدين سراويل زاهية...، وفوقها ترتدي النساء ثوباً واسعاً من المخمل يغطي الصدر وبه أزرار كبيرة، غير أن هذا الثوب يُغَطَّى في العادة بعباءة سوداء ساترة حينما تمشي المرأة في الشارع. والنساء لا يغطين وجهوهن تماماً كما تفعل النساء الفارسيات، كما أنهن لا يغطين الجزء السفلي من الوجه كما تذهب عادة المصريين، فالنساء هنا يرتدين على الوجه تمتد قطعة قماش سوداء بها ثقبان للرؤية، وثقب للتنفس وللتعطس إن دعت الحاجة لذلك، وهذه الثقوب تكون في العادة واسعة جداً، وبدلاً من أن تكون المرأة لغزاً فإنني أتمكن من نظرة واحدة من معرفة إن كانت المرأة شابة أم كبيرة السن، قبيحة أم جميلة. وحول الكاحل ترتدي النساء خلاخيل فضية كبيرة، كما توجد خلاخيل أخرى حول الخصر، وتتدلى من شحمات آذانهن حلي ثقيلة الوزن.

كما تنشر إحدى الجرائد الأمريكية ترجمة إنجليزية لجزء من كتاب السيدة سالمة بنت سعيد بن سلطان «مذكرات أميرة عربية» يتحدث عن السيدة موزة بنت الإمام أحمد بن سعيد وحفاظها على الحكم باعتبارها الوصية على السيد سعيد بن سلطان الذي كان صغير السن عند وفاة أبيه (أشير هنا أن النص التالي هو ترجمة للنص المنشور في الجريدة وليس جزءاً من الترجمة العربية للكتاب الذي نشرته وزارة التراث والثقافة العمانية في غير طبعة).

النجاة على يد امرأة شجاعة

توفي سلطان مسقط [في الأصل السلطان إيماني] Sultan Imani مخلفاً ثلاثة أطفال.

وحيث أن الشخص الذي حدد لأن يكون الحاكم المقبل لا يتجاوز عمره تسع سنوات لم يكن هناك بد من إعداد وصاية على العرش، وقد ملأت الدهشة الجميع حينما أعلنت أخت السلطان الراحل أنها ستتولى أمور الحكم حتى بلوغ ابن أخيها سن الرشد.

أما الوزراء الذين كانوا بلا ريب يأملون أن يقع في أيديهم تدبير أمور البلاد فلم يكن أمامهم إلا الرضوخ والقبول، وبدأوا يكتبون تقاريرهم اليومية لها ويتلقون أوامرها كذلك، وكان من المستحيل عليهم التهرب من يقظتها واحتراسها، فقد كانت ترى كل شيء وتسمع كل شيء، وكانت مثار رعبٍ للكسلاء والمخادعين منهم.

وسرعان ما شبت حرب قام باشعالها بعض أقارب الأسرة الحاكمة الذين ظنوا أن الاطاحة بحكومة تقودها امرأة أمر هيّن يسير، وكانت الوصية على العرش قد وضعت جانباً في السابق كل أعراف السلوك [التقليدية المعهودة] فقد كانت تلتقي بوزرائها شخصياً، وكانت تتجول بخلاف تقاليد النساء العربيات التي تفرض عليهن أن يخفين أنفسهن عن أنظار العامة.

[بل لم تكتف بذلك] فقد فعلت المزيد، فحينما حوصرت مسقط ارتدت ملابس الرجال، وقامت بتفتيش المراكز العسكرية ليلاً، وشدت من أزر عساكرها في الأماكن المكشوفة، وتعرضت لموتٍ محقق في مرات عديدة.

ووقعت المجاعة في المدينة المحاصرة، وحيث أنه لم يكن يتوقع أحد وصول مساعدات من الخارج، فقد كان القرار هو أن تقوم بمحاولة معركة أخيرة، لتموت، إن ماتت، بعزّ وشرف، وقد كان هناك ما يكفي من البارود لهجمة واحدة أخيرة، ولكن لم يكن هناك أي رصاص، ولهذا فقد أمرت الوصية بأن تشحن المدافع بالمسامير والحصى، وأخيراً فتحت خزانتها لتصنع الطلقات من دولاراتها الفضية.

وقد تم الهجوم وانتصر السكان المحاصرون الذين كانوا مسلحين باليأس، وهرب العدو في كل اتجاه، وسجدت الوصية في ميدان المعركة وحمدت الله حمداً صادقاً.

ومنذ ذلك الوقت كان حكمها سلمياً، وحينما نقلت الامبراطورية لابن اخيها شهد لها الجميع، بمن فيهم أعداؤها، بأن البلاد كانت في حالة ازدهار لم تشهد له مثيلاً - مذكرات أميرة عربية (جريدة «ذ فورت وايني سنتينل The Fort Wayne Sentinel ، 12 مارس 1888، الصفحة ٣)

الكوارث الطبيعية

تحدثت الجرائد الأمريكية كثيراً عن مرض الكوليرا الذي أصيب به الآلاف في مسقط في الربع الأول من عشرينيات القرن التاسع عشر، فنجد في جريدة «ذِ أوهايو ريبوسيتوري» الخبر التالي:

وردتنا أنباء فظيعة تفيد بأن مرض الكوليرا يعيث دماراً وخراباً في كل نواحي الهند [ويقصد بكلمة «الهند» هنا البلدان المطلة على المحيط الهندي والخليج]، حيث يموت 150 شخصاً كل يوم في البصرة ومن بينهم كبار التجار وغيرهم، ويبدو أن الساحل العربي قد أقفر بسبب هذا المرض فقد مات ٠٤ ألف شخص في إقليم عمان، وقد لقي 10 آلاف شخص مصرعهم في مسقط والمناطق المجاورة لها خلال عشرة أيام. (جريدة «ذِ أوهايو ريبوسيتوري» The Ohio Repository ، 25 يوليو 1822، الصفحة ٢).

وتورد جريدة «هيورن ريفلكتور» خبراً آخر عن هذا المرض وكيفية انتشاره إلى مسقط والخليج:

في يوليو ١٢٨١ وعبر التبادل التجاري بالسفن بين بومباي ومسقط في الجزيرة العربية تم تصدير العدوى إلى الأخيرة [مسقط] التي أتى فيها المرض على 60 ألف شخص، وقد لاقى الكثير منهم حتفهم بعد عشر دقائق فقط من إصابتهم بالمرض. وقد انتشرت الكوليرا الآن في أجزاء كثيرة من الخليج - البحرين وبوشهر والبصرة ..... «(هيورن ريفلكتور» Huron Reflector ، 26 سبتمبر 1831).

وتشير جريدة أخرى هي «ذ ريببليكان كومبايلر» أنه «في مدينة مسقط في الجزيرة العربية وصلت نسبة الوفيات إلى ثلث عدد السكان» «(ذ ريببليكان كومبايلر» The Republican Compiler، ٣ ابريل 1832، الصفحة ٤). كما نجد إشارة أخرى إلى أن المرض ظهر في مسقط مرة أخرى في أربعينيات القرن التاسع عشر حيث نجد في جريدة «ذ زانزيفيل ديلي كورير» مقالاً مطولاً عن مرض الكوليرا ينقل فيه عن أحد الأطباء قوله أن المرض قد ظهر في مسقط، ومرّة أخرى نجد أن المدة الفاصلة بين الإصابة بالمرض والموت التام لا تزيد على عشر دقائق «(ذ زانزيفيل ديلي كورير» The Zanesville Daily Courier، ٨ أغسطس 1865، الصفحة ١).

ويبدو أن هذا المرض ظهر مرة أخرى في السبعينيات من القرن التاسع عشر حيث نجد في «ويكلي نيفادا ستيت جورنال» خبراً قصيراً يقول «لقد ظهر الطاعون في مسقط» دون مزيد من التفصيل «(ويكلي نيفادا ستيت» Weekly Nevada State، 20 مايو 1876، الصفحة ١)، كما نجد خبراً قريباً منه في شهر يونيو 1876 في جريدة «بتّ ماينور» Butte Minor يقول «ما زال الطاعون يتفشى بحدّة متزايدة في بغداد ومسقط» «(بتّ ماينور»، ٦ يونيو 1876، الصفحة ٤).

كما وثقت الصحافة الأمريكية من خلال أخبار نشرت في أكثر من جريدة الإعصار الحلزوني الكبير الذي حلّ بمسقط في يوليو 1890 فنجد في جريدة «ذَ أوشكوش ديلي نورثويسترن» خبراً عن هذا الإعصار عنوانه «نبأ يفيد بمقتل سبعمائة شخص»:

مسقط، ٩ يوليو: اجتاح اعصار حلزوني فظيع مسقط والمنطقة المحيطة بها، وقد دمّر الإعصار كثيراً من المنازل هنا وفي المناطق الزراعية، وعدد الأرواح التي أزهقت [بفعل الاعصار] مريع، حيث تشير الأنباء التي وردت حتى الآن إلى مقتل سبعمائة شخص. (جريدة «ذَ أوشكوش ديلي نورثويسترن» The Oshkosh Daily Northwestern، ٩ يوليو 1890، الصفحة ١).

كما تورد جريدة «ديفينبورت مورننج تريبيون» الخبر التالي الذي يحمل عنوان «الآلاف فقدوا: إعصار في مسقط يخلف في طريقه الموت والدمار»:

بومباي، ٩ يوليو: وصلت إلى هنا أنباء عن دمار فظيع نجم عن إعصار ضرب مسقط، ويقال بأن 700 شخص قد لقوا حتفهم، فيما يصعب تقدير حجم الدمار الذي حل بالممتلكات بسبب الفيضانات الناجمة عن ارتفاع الأنهار [الأودية]، وقد هُدِّمت البيوت كما أسقط الاعصار كل أنواع الأشجار، وقد رافقت الكارثة مشاهد عديدة حيث حاول السكان المرعوبين والعاجزين عن فعل أي شيء، هرباً من العاصفة الهائجة. (جريدة «ديفنبورت مـورننج تريبيــون» Davenport Morning Tribune، 10 يوليو 1890، الصفحة ١)

كما تورد جريدة أمريكية أخرى هي جريدة «ستيفنز بوينت ديلي جورنال» في يناير 1879 خبراً عن زلزال في قشم التي كانت تابعة لمسقط عنوانه «ضحايا كثيرون للزلزال»:

لندن، ٠٢ يناير: ورد إلى جريدة «التايمز» خبر من طهران عاصمة فارس يفيد بأن زلزالاً كبيراً قد ضرب في ١١ يناير جزيرة قشم وهي كبرى جزر الخليج ، وبأن عدد من فقدوا أرواحهم كبير، وتبعد جزيرة قشم نحو ٣١ ميلاً عن مدخل الخليج ، ويبلغ طولها 70 ميلاً ومتوسط عرضها 12 ميلاً، ويقدر عدد سكانها بخمسة آلاف نسمة، أغلبهم من العرب. وتعود ملكية الجزيرة لإمام مسقط. (جريدة «ستيفنز بوينت ديلي جورنال» Stevens Point Daily Journal ، 20 يناير 1897، الصفحة ٢).

كما تتحدث بعض الجرائد عن كوارث أخرى أصابت مسقط من بينها حريق ضخم وقع في ٦٢ يونيو ٩٢٨١، فتذكر جريدة «ذَ آدمز سينتينال» الخبر التالي:

شب حريق هائل للغاية في مدينة مسقط في شبه الجزيرة العربية في ٦٢ من يونيو الماضي [1829]، وهو حريق لم يعرف له مثيل لعظمه في العصر الحديث حيث احترق ما بين ٠٠٢١ إلى ٠150 بيت في مدة قصيرة تتراوح بين الساعة والساعة والنصف. (جريدة «ذ آدمز سينتينال» The Adams Sentinel، ٨ يونيو 1830، الصفحة ٥).

قصص الغرق و«القرصنة»

كما تتحدث عدد من الصحف الأمريكية عن مآسي البحر التي كان تتعرض لها السفن العابرة للمحيط الهندي والخليج، ومن الأمثلة على هذه المآسي ما أوردته جريدة «ويكلي تايمز» الصادرة في دوبوك في أيووا بتاريخ 20 يونيو ١٦٨١، ويشمل قصة سفينة بريطانية تتعرض لهجوم من قبل من تسميهم الجريدة بـ«القراصنة» عند رأس فتيك [؟] وكيف قطعوا الصحراء حتى وصلوا مسقط:

حملتنا الأمواج إلى الساحل وقضينا الليل في الشاطئ تحت سيطرة بعض العرب الذين لم يسيئوا معاملتنا، بعد أن وجدوا أن ليس معنا شيء يستطيعون أخذه غير أرواحنا، بعد أن سرقوا قمصاننا وسراويلنا، وأعطونا بدلاً منها بعض خرق ملابسهم لنغطي عرينا. وفي صبيحة اليوم التالي أعطونا نحو خمسة أرطال من الخبز الذي كان في سفينتنا، وألمحوا لنا بأن الطريق إلى مسقط أمامنا وأن علينا أن نبدأ في التحرك، وهو ما فعلناه. وكان الخبز وثلاث حفنات من التمر كل المؤونة من الغذاء لرحلة طولها نحو أربعمائة ميل عبر الصحراء الجافة الحجرية في شبه الجزيرة العربية. مشينا لمدة أحد عشر يوماً، تلفحنا الشمس اللاهبة التي سقطت على أجسادنا شبه العارية وأقدامنا الحافية نهاراً، ويجمدنا البرد ليلاً وهو ما سبب لنا المغص وآلام المعدة. وحتى لا نضل الطريق في الصحراء فضلنا أن نمشي بجنب الساحل ونقتات بصيد السلطعونات وحلزونات البحر التي أكلناها نية لنبقي على حياتنا. أما عن الماء، الماء العزيز، فقد كان علينا في كل يوم أن نتتبع آثار الجِمال وكنا نعثر أحياناً على عين ماء أو بئر، وأحياناً لم نعثر على شيء، وكانت تمر يومان أحياناً دون أن نشرب قطرة ماء، وحينما نجد الماء كان في غاية الملوحة والقذارة. وقد حدث أحياناً أن التقينا بعوائل مرتحلة من العرب و«السيديين» [ Seedies . اسم كان شائعاً في القرن التاسع عشر للإشارة إلى الأفارقة الذين كانوا يعيشون في شمال الهند]، وكان العرب يفتشوننا بتفحص أما «السيديون»، وخصوصاً نساؤهم، فقد أعطونا الماء لنشرب، والماء هو الشيء الوحيد الذي كنا نطلبه لأن أفواهنا وألسنتنا كانت متقرحة ومتورمة بحيث أنه كان من العسير علينا أن نبتلع أي طعام، كما أن حاجتهم للطعام كانت بعظم حاجتنا اليه.

العرب الكرماء

وأخيراً وفي اليوم الحادي عشر وبأقدام متقرحة وشفاه دامية وانهاك عظيم، وبعد مرور ثمانٍ وأربعين ساعة على اقتسامنا آخر قطرة من الماء الذي حملناه في حذاء استلقينا تحت أريكة لنواجه الموت المحقق كما كنا نظن، وكانت أفئدتنا خالية إلا من اليأس والقنوط التام، وشعرنا بعدم القدرة على أن نقوم بأي شيء آخر للابقاء على حياتنا، وفي هذه اللحظة سمعنا نهيق حمار، وبعد أن زحفنا في سلسلة من التلال الرملية الخفيضة فتهللت أساريرنا عندما رأينا قطيعاً من الجمال والحمير مع سبعة أو ثمانية من السكان المحليين الذين توقفوا لبعض الراحة. ناديناهم و بالاشارة طلبنا منهم أن يعطوننا ماء لنشرب فأعطونا الكثير من الماء وأحسنوا معاملتنا، وقد تبين لنا أن هذه المجموعة كانت من البدو العرب، وعن طريق الإشارة سألونا إن كان سكان الساحل قد سرقونا، وبالاشارة سألونا إن كنا نرغب في الذهاب إلى مسقط، وبعد أن عرفوا بأنا نرغب في ذلك أعطونا رزاً وحليباً ليكون عشاءنا وحصراً لننام عليها. حمدنا الله تعالى على نجاتنا وحمايتنا نحن المساكين الذين ضلوا سبيلهم وشكرنا لهؤلاء البدو لكرمهم نمنا الليلة.

الوصول إلى مسقط

كنا جميعاً نعاني من المغص والاسهال، [عبارة غير واضحة في الأصل لكنها تفيد بأن البدو قاموا بتقديم العلاج لآلام المعدة التي كانوا يشعرون بها] وفي اليوم التالي أركبونا على جمال بعد رحلة استمرت احدى عشر يوماً ... وبعد ان عبرنا سلسلة جبال طويلة وقرية واحدة كثيرة السكان وسط حدائق النخيل وصلنا مسقط حيث كان هناك نائب القنصل الذي لبى كل طلباتنا ودفع لنا أجرة ركوبنا في زورق إلى بومباي. وقد التقيت بإمام مسقط الذي تحدث بطيبة ولطف، وقال بأنه لو كان لديه باخرة لكان قد بعث بعض جنوده ليبحثوا عن القراصنة وسفينتنا المسلوبة. ولا ريب أن القراصنة كانوا هم طواقم قوارب الصيد على الساحل، ولن أشعر بمقدار أكبر من السعادة من أن أذهب مرّة أخرى في مركب صغير وأن أعد للأمر عدته، وأن أضع لهولاء [اللصوص] كميناً وهو ما سيجعلهم أكثر حذراً في المرات القادمة حين يصعدون إلى سفينة غريبة إلى الأبد. أما الآن وبسبب نواياهم الحسنة فإني أكتفي بما أدونه في كتابي بعد أن خسرت أدواتي البحرية وملابسي وكل ما أملك. «(ويكلي تايمز» Weekly Times، 20 يونيو ١٦٨١، الصفحة ٢)

كما سردت الجرائد الأمريكية بعض كوارث الغرق مثل القصة المثيرة التي تنشرها جريدة «ذ دلتا هيرالد» وتحمل عنوان «قصة فظيعة من قصص البحر» وتتعلق بغرق إحدى السفن (العمانية على الأرجح) المتجهة إلى مسقط ونجاة قبطانها بأعجوبة من خلال تعلقه بخزان مياه السفينة الذي أخذه إلى شاطئ فارس:

تورد جريدة «تايمز أوف إنديا» وصفاً لما أسماه الكابتن مورلاند إحدى حالات النجاة الاستثنائية، وإن صدقت هذه الرواية فإن بحارا عربيا اسمه عبدالله بن أحمد عاش بلا مأكل ولا مشرب لمدة ثمانية عشر يوماً، وجرفه البحر لمسافة 300 ميلاً في خزّان [مياه] خالٍ قبل أن يرمي به في ساحل كوش، فقد غرقت البغلة [نوع من السفن العربية] الضخمة، التي تحمل اسم «الجابري» والمملوكة في بومباي، قبالة «رأس الحد» أثناء رحلتها إلى مسقط. كان عدد أفراد الطاقم ستين رجلاً وكان على متن السفينة أربعون راكباً، تمكن سبعة منهم من الصعود إلى خزان ماء خالٍ رمته المياه من على سطح السفينة عند غرقها في خضم «صفير الرياح وأطياف البشر والأشباح في البحر». وهنا في هذا الخزان عاش الرجال لمدة عشرة أيام بلا طعام ولا ماء، غير أنه عند انقضاء اليوم العاشر بدأ الرجال يتساقطون موتى واحداً في كل يوم، وكانت جثامين هؤلاء الموتى ملقاة في الخزان. وانجرف الخزّان نحو ساحل كوش بسرعة ثمانية وعشرين ميلاً في اليوم، وقد مات السادس والبرّ على مرمى بصره، فيما استطاع السابع أن يحبو إلى الساحل عند «جاكاو» في كوش. ورأى بيراً [شيخ دين] في مصلى به عَلَم، غير أن المكان كان مهجوراً. ويقول «ولأنني كنت عارياً اعتذرت من البير ولففت العلم على جسدي لأغطيه». كما عثر على إناء من الذرة البيضاء غير أنه لم يستطع أن يلمسه بسبب شدة الظمأ الذي يشعر به إلى أن رطب حلقه بماء البحر. وبعد ان استرد روحه تمكن من العثور على مسكن بشري حيث تم إكرامه وحيث خر صريع الحمى لعدة أيام. وتستمر قصته بالعثور على الخزّان وعلى الجثث التي كانت فيه. (جريدة «ذ دلتا هيرالد» The Delta Herald، ٣٢ أكتوبر ٥٨٨١، الصفحة ١)

الأمير العماني الذي يهاجر من مسقط الى وارسو

تنقل جريدة «ذَ ستيفنز بوينت جورنال» (عدد ٤ نوفمبر 1882) مقالاً يستعرض فيه كاتبه جريدة اسمها «جورنال بوليتيك» Journal Politique كانت تصدر بصفة اسبوعية في فيينا عام ٩٧٧١ وكان يصدرها ميشيل لامبيرت. ويستعرض الكاتب بعض أعداد هذه الجريدة ويأتي على ذكر الشخصيات التي تظهر فيها ومن بين تلك الشخصيات أمير عماني شاب ينتقل من مسقط إلى وارسو:

وهنا يأتي إلى وارسو، ومن «ألف ليلة وليلة»، أمير من مسقط ذارعاً الأرض ساعياً وراء قدره، ويقول السيد لامبيرت [في مجلة «جورنال بوليتيك»] (كان عمره لا يتجاوز التاسعة عشر عاماً، وقد جاء ليدرس الفنون الجميلة وعلوم أوروبا، وكان معه ثلاثون شخصاً، وخيول ذات سرعة قلّ نظيرها، وعشرة جِمَال محمّلة بالتوابل والأطعمة المحفوظة المستخدمة في الشرق». لعله السندباد في مغامرته الأولى. «(ذَ ستيفنز بوينت جورنال» The Stevens Point Journal، ٤ نوفمبر 1882، الصفحة ٧).

وينهي مقاله بأنه لن يعرف على الإطلاق مصير شخصيات الجريدة التي كان من بينها «الأمير الصبي القادم من الجزيرة العربية في حَجِّهِ الغريب»، وعلى الرغم من أنه لا توجد أي إشارة أخرى إلى هذا الأمير العماني المهاجر إلى وارسو في الوثائق العربية أو الإنجليزية المعروفة، إلا أن كاتب المقال المنشور في جريدة «ذَ ستيفنز بوينت جورنال» يوحي بأن الشخصيات التي ورد ذكرها في الجريدة التي كانت تصدر في فيينا حقيقية وانه بقراءة تلك الجريدة «لم تعد تلك الشخصيات التاريخية محض الهياكل العظمية التي درسناها في الكتب في المدارس، بل أنهم معنا بلحمهم ودمهم، يتحركون ويتحدثون أمام أنظارنا. وننتقد الملابس التي يرتدونها ونهتم بصحتهم كل صباح».

حمير مسقط

ويشير عدد من الصحف الأمريكية من العقد الثامن من القرن التاسع عشر إلى نوع من الحمير كان معروفاً في تلك الفترة اسمه «حمير مسقط» حيث يكثر ذكرها على لسان عدد من الرحالة الذين يستكشفون المجاهل الأفريقية فيصف ستانلي، المستكشف المعروف، أحد الرجال الأفريقيين الأقوياء بأنه يستطيع أن يرمي رجلاً لعشرة أقدام للأعلى، كما أنه يستطيع أن «يأخذ حماراً من حمير مسقط البيضاء الضخمة من أذنه وبحركة سريعة من رجله اليمنى يرمي هذا الحمار المباغَت على ظهره» (جريدة «رينو إيفننج جازت» Reno Evening Gazette، 29 نوفمبر 1884، الصفحة ١). ولكن ما هي حمير مسقط هذه؟ لا تسعفنا المصادر العمانية والعربية بأي معلومة عن «حمير مسقط»، غير أن دراسة موسعة عن تاريخ الحمير في أفريقيا وانتشارها كتبها روجر بلنش من «معهد التنمية لما وراء البحار» (نشرت هذه الدراسة في كتاب «الحمير والناس والتنمية»:

Donkeys, People and Development الذي حرره ب. ستاركي و د. فيلدنج P. Starkey and D. Fielding ونشره المركز الفني للزراعة والتعاون الريفي في هولندا، وهو موجود على شبكة الانترنت على الموقع:

http://www.atnesa.org/donkeyspeopledevelopment.htm

تشير إلى هذا النوع من الحمير على أنها «حمير فاتحة اللون يرتبط استخدامها بالعرب [في شرق أفريقيا] ولعلها لهذا قد جلبت من منطقة الخليج أو من مصر حيث يوجد تراث طويل من استخدام الحمير» (الصفحة 28).

العلاقات العمانية الأمريكية:

رحلة السفينة «ذَ بيكوك»

هناك محوران يتعلقان بالعلاقات العمانية الأمريكية شغلا الصحافة الأمريكية في القرن التاسع عشر هما قضية الاتفاقية الموقعة بين السيد سعيد بن سلطان والولايات المتحدة الأمريكية عام 1833 وزيارة السفينة العمانية «سلطانة» لنيويورك عام 1839. فقد تابعت الصحافة الأمريكية رحلة السفينة «ذَ بيكوك» إلى مسقط في عامي 1833 و1835 لتوقيع اتفاقية مودة وتجارة مع مسقط في المرة الأولى، ولتبادل وثائق التصديق عليها في المرة الثانية، فنجد على سبيل المثال خبراً نشر في جريدة «ذ ستار آند ريبابليكان بانر» بتاريخ ١٢ مارس 1836 حول حادثة جنوح السفينة بالقرب من جزيرة مصيرة العمانية:

تذكر جريدة «واشنطن جلوب» بأنه قد تم تلقي أنباء في وزارة الخارجية من المبعوث الذي ابتعث في السفينة الحربية الأمريكية «ذ بيكوك» لتبادل النصوص المصدق عليها مع المعاهدة التي عقدت مع مسقط. وتذكر الأنباء كذلك بأن «ذ بيكوك» قد تعرضت لفترة قصيرة من الوقت لخطر عظيم على ساحل الجزيرة العربية، غير أن القدر حالفها فنجت منه بعد أن رمى البحارة من على ظهر السفينة جزءاً من الأسلحة التي تحملها ومخزونها. وما أن سمع سلطان مسقط بالوضع الذي كانت عليه السفينة حتى بعث احدى سفنه الحربية لمساعدتها، كما بعث فرقة حراسة مكونة من المئات إلى الساحل لحماية الطاقم إن قرروا النزول في البر. إن صنيع هذا الأمير في هذا الظرف يعد من أكرم وأعظم الأفعال. «(ذ ستار آند ريبابليكان بانر» The Star And Republican Banner، 21 مارس 1836، الصفحة ٣)

وقد بلغ الإعجاب بالسيد سعيد بن سلطان حداَ كبيراً جعل الصحافة الأمريكية تشيد بكرمه وأفعاله النبيلة، ومن النماذج التي يمكن أن تضرب على هذا الإعجاب المقال الذي نشرته جريدة «ذ بيركشار كاونتي إيجل» بتاريخ 17 سبتمبر 1858 ويحمل عنوان «ليتعلم النصارى الأنانيون من العرب» وجاء فيه ما يلي:

تم ابتعاث إدوارد روبرتس Edward Roberts إلى مسقط عام 1832 للتفاوض بشأن اتفاقية تجارية مع السلطان. وقد تم إعداد مسودة للاتفاقية وسلِّمت للسلطان غير أنها تعرضت للنقد من قبله، ذلك أنه ما أن قرأ المادة التي تنص على تعويض العرب على استقبال البحارة الذين تغرق سفنهم وإعانتهم وإرسالهم إلى وطنهم حتى اقترح تعديلها بحيث تفرض على حكومته أن تقوم بكل ذلك على نفقتها! حيث ذكر بأنه ليس من شيم العرب وحقوق الضيافة التي عهدوها منذ قديم الزمان أن يتسلموا أي تعويض جزاء خدمة يقدمونها للمحتاجين. (جريدة «ذ بيركشار كاونتي إيجل» The Berkshire County Eagle، 17 سبتمبر 1858، الصفحة ٤)

وقد نوهت الصحافة الأمريكية بالفوائد التي تجنيها الولايات المتحدة الأمريكية من اتفاقيتها التجارية مع مسقط، بل اعتبرتها هي والاتفاقيات الأخرى التي وقعتها أمريكا مع دول أخرى في تلك الفترة دليلاً ساطعاً على صحة الاتحاد الأمريكي الشاب آنئذٍ:

إن زيارة «ذ بيكوك» لهذه البلدان المختلفة قد رافقتها بلا ريب فائدة عظيمة لمصالحنا التجارية، ونحن واثقون بأنه بسبب الاهتمام الذي أولته حكومتنا لهذا الموضوع فإن الكمية الكبرى من الممتلكات الأمريكية في البحار المشرقية لن تترك مرّة أخرى بدون حماية قوتنا البحرية. (جريدة «ذ آدمز سنتينال» The Adams Sentinel، ٦ نوفمبر 1837، الصفحة ٢).

السفينة العمانية سلطانة في نيويورك عام 1840

اهتمت الصحافة الأمريكية في العقد الرابع من القرن التاسع عشر بمظهر آخر من مظاهر العلاقات العمانية الأمريكية وهو وصول السفينة العمانية «سلطانة» (أو «سلطاني» بحسب الصحافة الأمريكية) إلى نيويورك. فتنقل جريدة «ساوثبورت تيليغراف» Southport Telegraph الصادرة في ساوثبورت في ويسكونسن يوم 16 يونيو 1840 عن جريدة «ذي جلوب» الخبر التالي الذي يحمل عنوان «السفينة الحربية الآسيوية في ميناء نيويورك»:

من أحدث أخبار اليوم الوصول المتأخر إلى نيويورك لسفينة وشحنة من مسقط على الخليج . وتسمى هذه السفينة «السلطاني» (أي Royal) وهي سفينة حربية يقودها الريس أحمد بن حمد، وهي إحدى سفن بحرية إمام مسقط، السيد سعيد بن سلطان. والقبطان أحمد يحمل رسالة وهدايا مجاملات من السلطان سعيد إلى رئيس الولايات المتحدة. (جريدة «ساوثبورت تيليغراف» Southport Telegraph، 16 يونيو 1840، الصفحة ١)

وبعد أن تتحدث عن اتفاقيات الولايات المتحدة مع الدول الآسيوية تتحدث ببعض التفصيل عن تجارة الولايات المتحدة مع عمان:

إن قيمة تجارتنا مع أراضي السلطان أكبر مما افترض البعض، ... فخلال ثمانية عشر شهراً من السفن التي زارت زنجبار نجد احدى وأربعين سفينة، كانت من بينها اثنتان وثلاثون سفينة أمريكية، عشرون منها من مدينة سالم، وثلاث من بوسطن وثلاث من نيويورك.

وبعد الحديث عن زنجبار والأراضي الشاسعة التابعة للسيد سعيد بن سلطان تعلق على وصول السفينة «السلطاني»:

إن وجود إحدى سفن السلطان في مينائنا يضفي علينا الكثير من السرور والرضا، ونأمل أن تكون رحلة «السلطاني» إلى الولايات المتحدة سينجم عنها رحلات متكررة لسفن السيد سعيد إلى موانئنا.

وتتحدث بعض الصحف عن السفينة فتقول جريدة «ميلووكي أدفرتايزر» عن السفينة قائلة بأنها:

سفينة ممتازة تصل حمولتها 300 طن، وقد بنيت في بومباي من خشب التيك، وطاقمها مكون من خمسين بحاراً عربياً، وقد بلغنا أن مسؤول الضرائب ومدعي المقاطعة يقومون بمراجعة لغتهم العربية لفهم أوراق السفينة. ونحن على يقين من أنهم لن يجدوا أي شيء سيقومون بمصادرته بل أن هذه المحاولة التي يقوم بها الإمام للقيام بتعامل تجاري مع ميناء نيويورك ستكون بحجم حفاوة الاستقبال التي هو أهل لها من طرفنا. والمكان الذي قدمت منه هذه السفينة يقع عند مدخل الخليج. (جريدة «ميلووكي أدفرتايزر» Milwaukee Advertiser، 23 مايو 1840، الصفحة ٣).

وتتحدث جريدة «وسنكونسن إنكوايرر» (نقلاً عن جريدة بفلو ريبابليكان Buffalo Republican) في مقال عنوانه «قائد السفينة العربي» عن الاستقبال الذي تلقاه أحمد بن النعمان (والذي تذكره عدد من الصحف الأمريكية على أنه «أحمد بن حمد»)، مبعوث السيد سعيد بن سلطان، في نيويورك ودهشته مما شاهده هناك من آلات:

حظي الريس أحمد بن حمد (انطقها كيفما شئت أيها القارئ) قائد السفينة الحربية الأسيوية «سلطانة» القادمة من مسقط بحفاوة استقبال مدينة نيويورك له ممثلة في مجلس النواب. فقد أخذ إلى كل المؤسسات الخيرية في المدينة، وعبر عن دهشته الشديدة من مهارة الصمّ والبكم والعمي في الفنون والعلوم التي يتعلمونها. وحينما عرضت عليها المنتجات التي صنعت بأجمل الأشكال بدون استخدام تلك النوافذ التي دأب «الرجل الداخلي» على أن ينظر من خلالها للخارج ويعطي أوامره للموظفين الحقيقيين فقد شكّ في الأمر للغاية، وظل متسمراً في مكانه إلى أن أُخِذَ إلى الورشة وشاهد الآلات التي يعملون بها ورأى كيفية عملها. وكان سعيداً غاية السعادة بأداء التلاميذ على الآلات الموسيقية. (جريدة «وسكونسن إنكاويرر» Wisconsin Enquirer، ٣ يونيو 1840، الصفحة ٢)

قضايا الهدايا المتبادلة بين

عمان والولايات المتحدة الأمريكية

وقد انشغلت الصحف الأمريكية بالهدايا المتبادلة بين السيد سعيد بن سلطان والرؤساء الأمريكان، وتأتي على رأس القضايا المتعلقة بهذا الشأن قضية هدايا السيد سعيد بن سلطان إلى الرئيس الأمريكي مارتين فان بورين التي حملها أحمد بن نعمان، حيث تحولت هذه الهدايا إلى قضية سياسية ودبلوماسية لأن الدستور الأمريكي يمنع الرئيس الأمريكي من تلقي هدايا من رؤساء الدول الأجنبية، بعكس الوضع في المشرق العربي الذي تعد فيه مثل هذه الهدايا إحدى السبل التي تتعزز بها العلاقات بين الدول. ففي يوم 10 يونيو 1840 تنشر جريدة «تيوجا إيجل» Tioga Eagle التي تصدر في ويلسبورو في بنسلفانيا الرسالة التي بعث بها الرئيس الأمريكي إلى الكونجرس يبلغه بهذه الهدايا التي تشتمل على «خيول ولآلئ وأشياء ثمينة أخرى» (الصفحة ٣)، ويذكر الرئيس أن الحكومة الأمريكية أبلغت المبعوث العماني أحمد بن نعمان بالقانون الأمريكي الذي يحرم قبول الهدايا ويذكر أن أحمد بن النعمان قرر إهداءها إلى حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، ويضع الرئيس الأمريكي الموضوع برمته أمام الكونجرس لاتخاذ ما يراه مناسباً، كما يدعو الكونجرس إلى إصدار تشريع يمكن اتباعه في مثل هذه الحالات في المستقبل بحيث يمكن أن ترفض دون أن يؤدي ذلك إلى خلق شعور بالاهانة لدى الطرف الذي بعث هذه الهدايا. وتنشر الجريدة كذلك رسالة الرئيس الأمريكي إلى السيد سعيد بن سلطان حول هذا الأمر:

إلى صاحب السمو سعيد بن سلطان، إمام مسقط، من مارتن فان بورين رئيس الولايات المتحدة الأمركية.

بعد التحية،

أيها الصديق العظيم والحق،

تلقيت من أحمد بن هامان [المقصود «أحمد بن النعمان»] قائد سفينة سموكم «سلطاني» ببالغ الرضى رسالة سموكم المؤرخة ٣١ شوال للسنة القمرية 1255، وقد كانت هذه الرسالة مبعث بالغة السعادة عندي، ولرغبتي في تأسيس تبادل تجاري مستمر ومفيد بين دولتينا فإني آمل أن تكون رؤية سفينة تحمل علم سموكم تدخل ميناء من موانئ الولايات المتحدة دليلاً على أن هذه العلاقات ستكون متبادلة ومستديمة.

وقد بلغني أن أحمد بن هامان مكلف من طرف سموكم بتسليمي هدية عظيمة، وأنا أعتبر أن هذا دليل آخر على رغبة سموكم في توطيد علاقات سلمية [مع الولايات المتحدة]، غير أن هناك قانوناً أساسياً في الجمهورية يمنع موظفيها من قبول هدايا من الدول أو الأمراء الأجانب، وهذا القانون يمنعني من تلقي الهدية التي بعثتموها إلي. وآمل من سموكم أن تتيقنوا بأني بعدم قبول هديتكم أؤدي واجباً تجاه بلادي، وأن هذا لا ينتقص من تفهمي للمشاعر الطيبة التي كانت الدافع وراء الهدية. وأتمنى لسموكم الصحة والرفاهية، ولحكومتكم المنعة والاستقرار، ولشعبكم الطمأنينة والسعادة، وأدعو الله جل جلاله أن يحفظكم أيها الصديق العظيم والحق.

م. فان بورين [رئيس الولايات المتحدة الأمريكيةئ؟] ئ؟(جريدة «تيوجا إيجل» Tioga Eagle، 10 يونيو 1840، الصفحة ٣)

كما أشارت صحيفة أمريكية أخرى إلى قضية هدايا الرئيس الأمريكي آدمز إلى السيد سعيد بن سلطان التي حملها المبعوث العماني أحمد بن النعمان في رحلة العودة من نيويورك إلى مسقط:

وجدنا أن هناك تبايناً في الرأي بين أصدقائنا من أصحاب البحر الذين تأخذهم تجارتهم إلى زنجبار يتعلق بما إذا كانت هدايا الحكومة الأمريكية قد تم تقديرها وقبولها القبول الكريم أو أن الإهمال كان هو مصيرها، فقد أكد لنا أحد أوثق أصحاب السفن منذ مدة بأن الهدايا كانت مبعث سعادة ورضى كبير وأن هناك مبنى على وشك أن يبنى لتحفظ فيه هذه الهدايا. وفي المقابل فقد سمعنا من بعض من وصل من هناك منذ فترة قريبة بأن الإهمال التام كان هو مآل هذه الهدايا، وأن القارب الجميل الذي كان أحد هذه الهدايا قد بدأ في التحطم، بسبب تعرضه للجو.

وقد بلغنا أن نية السلطان هي أن يبعث بسفينة أخرى من سفنه، بارجة، إلى هذه البلاد، وفي وقت قصير. وعلى الرغم من أن هذه السفن يملكها السلطان إلا أن حمولتها، أو جزءاً من حمولتها، هي من الممتلكات الخاصة. (جريدة «ساوثبورت تيليجراف» Southport Telegraph ، 18 يناير 1842، الصفحة ١).

موقع مسقط على الخارطة

ومن الجوانب الطريفة المتعلقة بتطور العلاقات العمانية الأمريكية التي تعرضت لها الصحافة الأمريكية قضية موقع مسقط على الخارطة، فنجد في «آدامز سينتينال» Adams Sentinel الصادرة في جيتيسبرج ببنسلفانيا (١ يوليو 1839) خبراً من تينيسي يحمل عنوان «قصة مضحكة» يتعلق بالمرشحين للكونجرس في الضاحية الثانية Second District من بنسلفانيا وهما: م. كيني M. Kenny وماكليلان M Clellan اللذان التقيا وتحدثا في اجتماع في جاكسونبورو Jacksonborough حيث استعرض كيني بعض قرارات الكونجرس ومن بينها قرار يتعلق بمخصصات كبيرة للمبعوث الذي قررت الحكومة الأمريكية إرساله إلى مسقط لعقد معاهدة تجارية معها وفاجأ المرشح الآخر بسؤال عن موقع مسقط وعن حجم تجارتها، وذكر بأنه سيعطي خصمه الفرصة للرد على هذه الأسئلة، ويضيف الخبر:

وحينما علم ماكليلان أن المعلومات الجغرافية منقوصة حك رأسه وبدت على محياه إمارات الحكمة، لكن كل هذا ذهب أدراج الرياح حيث لم يستطع أن يحدد موقع مسقط بالرغم من انه، كما قال كيني، قد أيد القرار المتعلق بالمخصصات الخاصة بابتعاث سفير إلى تلك البلاد. (جريدة «آدمز سنتينال» Adams Sentinel، ١ يوليو 1839، الصفحة ١)

وتضيف الجريدة «منذ تلك الحادثة عقد ماكليلان العزم على دراسة الجغرافيا».

وتذكر جريدة «ذَ نورث آدمز ترانسكربت» قصة أخرى تتعلق بجهل الأمريكان بموقع عمان على الخارطة:

وفيما يتعلق بقصة كرزون تتحدث الجرائد الانجليزية عن مشهد حدث منذ سنوات عدة في الكونجرس، فقد وصلت مجموعة من الهدايا تتكون من حصانين عربيين وسيف وأشياء أخرى من إمام مسقط إلى الرئيس آدمز. ورأى عضو من الغرب الأمريكي، ببعض الغضب، بأن الهدايا ينبغي أن تعاد مع رسالة من الكونجرس تخبر حاكم مسقط بأن رئيس الولايات المتحدة ليس ملكاً بل خادماً للشعب، وأنه ممنوع من تلقي الهدايا أو إرسالها، غير أن عضواً آخر هبّ قائلاً «السيد المتحدث، يمكن بسهولة كتابة تلك الرسالة، ولكن إلى أين تبعث؟ أين تقع مسقط؟»، ولم تكن هناك أية إجابة على هذا السؤال. وكان من الواضح أنه لا يوجد أي عضو في الكونجرس مستعد للاجابة، ولم يتم العثور على مسقط في أي أطلس نشر في هذه البلاد. ولكن عثر عليها في نهاية المطاف في خارطة ألمانية:

((The North Adams Transcript، الثلاثاء 26 يناير 1899، الصفحة ٧.

بذور التمور العمانية والعربية

وكما كان للجوانب السياسية والاقتصادية نصيب الأسد في اهتمامات الصحافة الأمريكية في القرن التاسع عشر فإن هناك أيضاً إشارات إلى جوانب أخرى لهذه العلاقات، نذكر مثالاً عليها بذور التمور العمانية التي نقلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية في مطلع القرن التاسع عشر.

فتـورد جريــدة «ذي ربيبليكـــان كـومـبايـلـــــر» The Republican Compiler الصادرة في جيتيسبرج في بنسلفانيا نص رسالة من الدكتور ميتشيل Mitchell مؤرخة بتاريخ ٢٢ يونيو 1819:

أهنئكم على النجاح الذي حالفكم في أقلمة نخيل التمر (Phoenix Dactyljfera) في الولايات المتحدة الأمريكية. إن رجلين من جنوب كارولينا، أحدهما كان مزارعاً بالقرب من سينت ماريز St. Marys في جورجيا أكدا لي قبل بضع ليالٍ، بأن الهدف العظيم قد تم تأمينه. إن بذور التمر التي جلبت من [شبه الجزيرة] العربية السعيدة على يد القبطان هنري أوستن Henry Austin والتي تم تحويلها من نيويورك إلى السيد سنكلير قد نبتت بنفس سرعة الجوز الأسود أو لب الخوخ، والكمية الأكبر من البذور التي زرعها تنمو الآن، وقد وصل طولها إلى أربعة إنشات. إن توقعاته باحراز النجاح التام تعتمد على حقيقة أن بأن شجرة جيدة من هذا النوع يبلغ عمرها ثمانية عشر عاماً تنمو الآن بكامل قوتها في جزيرة كومبرلاند Cumberland Island، وتلك النخلة أنثى، وتنتج عدداً كبيراً من الزهور عاماً بعد عام، ولكن لأنها وحيدة فإنها لا تنتج ثماراً ممتازة.

«وعن بذور تمر مسقط فإن الكمية الأكبر قد نمت، ودعك من القصص الرائجة بأن أنانية العرب وصعوبة الرحلة (العواصف) قد تسببت على نحو ما في تدمير حيويتها. وعندما تلقيت آيات الشكر والعرفان من هؤلاء المواطنين الفضلاء على دوري في إدخال نخيل التمر إلى أمريكا فإني أكدت لهم بأن الشكر والعرفان والشرف يستحقها القبطان أوستن».

[ويضاف إلى ما ورد أعلان حقيقة يعرفها المحررون بأن نبتة يبلغ طولها ما بين خمسة إلى ستة إنشات قد تمت زراعتها في هذه المدينة من بذر التمر. وحينما بلغت ذلك الطول قتلت عند محاولة استزراعها] (جريدة ««ذي ربيبليكان كومبايلر» The Republican Compiler، ٤ أغسطس 1819، الصفحة ٤).

كما نجد ذكر تمور الجزيرة العربية في جريدة «نورث آدامز إيفننج ترانسكربت» North Adams Transcript الصادرة في ماساشوستس في 15 فبراير 1899 (الصفحة ٧) حيث تذكر أن وزارة الزراعة الأمريكية قد استوردت شجيرات نخيل تمور من كل من الجزائر وشبه الجزيرة العربية ومصر، وتم توزيعها في كل من جنوب أريزونا ونيو مكسيكو وكاليفورنيا مع طريقة التعامل مع هذه النباتات.

خلاصة

لم تهدف هذه الورقة إلى استعراض أو تحليل كل ما ورد عن عمان في الصحافة الأمريكية في القرن التاسع عشر، بل أن الهدف كان هو التدليل على ما تقدمه الأرشفة الالكترونية المتوفرة بيسر وسهولة حالياً على شبكة الانترنت أساساً، وفي مراكز البحث والجامعات، من إمكانيات ضخمة لإنجاز دراسات تحليلية حول كثير من المواضيع المهمة، فقد استعرضت هذه الورقة من خلال بعض نماذج المواد الصحفية التي نشرت عن عمان في صحافة أمريكا في القرن التاسع عشر بعض أوجه الأهتمام الأمريكي بعمان وأحداثها الطبيعية والسياسية وغيرها، كما بينت بعض النماذج الاعجاب الأمريكي ببعض حكام عمان وعلى رأسهم السيد سعيد بن سلطان وكذلك الإعجاب بالمرأة العمانية كما تجلى في السيدة موزة بنت الإمام التي وردت قصة حكمها لعمان في كتاب «مذكرات أميرة عربية»» للسيدة سالمة بنت سعيد بن سلطان ونشرتها الصحافة الأمريكية. إضافة إلى هذا فقد أوضحت بعض النماذج الصحفية في هذه الورقة أشكالاً أخرى غير معروفة على وجه عام من العلاقات العمانية الأمريكية مثل نقل بذور التمور العمانية إلى أمريكا، والخلافات المتكررة المتعلقة بجهل الأمريكان بموقع مسقط على خارطة العالم برغم قوة علاقتهم الاقتصادية معها. والخلاصة هي أن الاستفادة من مثل قاعدة البيانات التي اعتمدت عليها هذه الورقة ستكشف بكل تأكيد عن جوانب نجهلها من الرؤية الأمريكية للعرب ولأحداث تاريخهم وتطورهم السياسي وثقافتهم بأشكالها المختلفة.


تصميم الحاسب الشامل