الاثنين، 28 ديسمبر، 2009

تلك الغرفة المغلقة في بيت المجتمع: المنتديات الانترنتية

تلك الغرفة المغلقة في بيت المجتمع: المنتديات الانترنتية

عبدالله الحراصي

لا شك أن شبكة الانترنت قد غيرت من أنماط التعبير في المجتمع العماني، ويتجلى هذا على وجه الخصوص في المنتديات العمانية التي يمكن للمشاركين فيها فتح مواضيع للنقاش يشارك فيها كل من يريد المشاركة، وفقاً للنظم المعتمدة في تلك المنتديات. غير أني أرغب في أن أوضح في هذا المقال بأن المجتمع العماني تمكن حتى الآن من المحافظة على فصل شبه تام بين عالمه الواقي وعالم افتراضي موازٍ يتم فيه مناقشة قضايا العالم الواقعي، ولكن بدون أن يكون لهذه المناقشات أثرٌ تغييري كبير في العالم الواقعي ذاته.

تميزت المنتديات الانترنتية بميزة قوية تتمثل في أنها فتحت الباب للجميع ليتحدث عن كل القضايا التي تهمه (والتي لا تهمه في أحيان كثيرة!!)، بمعنى أنه بإمكان كل من يريد أن يعبر عن رأي أو أن يفتح باب نقاش في قضية ما أن يفعل بكل يسر وسهولة وبسرعة عجيبة، كما أنه لا توجد حدود على نوع القضايا المطروحة في تلك المنتديات، وقد نتج عن هذا فتح نقاشات كبرى شارك فيها العشرات بل والمئات أحياناً في مواضيع عديدة كان الكثير منها يقع ضمن المواضيع التي لا يتم الحديث أو الكتابة عنها علناً، وتأتي كثير من المشاركات في مثل هذه المواضيع من قبل أشخاص يذكرون بأن لهم علاقة مباشرة بالمواضيع محور النقاش، كمن يتضرر من وضع اجتماعي معين، أو من يطالب بمصلحة معينة يرى أنه يستحقها، أو آخر يكشف ما يعده تعدياً من قبل موظف أو مؤسسة في القطاعين العام والخاص على حقوق عامة، أو ما يراه كسراً لقوانين مؤسسية أو عرفية معينة. وقد نتج عن هذه المنتديات كميات ضخمة من البيانات عن المجتمع العماني، تُمكِّن بالفعل من إنجاز دراسات موسعة حول اهتمامات أفراد هذا المجتمع وفئاته.

غير أنه بقدر الانفتاح التي وفرته هذه المنتديات وبالرغم من أنها فتحت باب النقاش حول قضايا جريئة ومثيرة وحساسة إلا أن طبيعتها (أي السماح لكل شخص أن يطرح أي رأي في أي قضية) حملت بذرة إضعاف دورها الإجتماعي، فالمنتديات تحولت إلى مجرد "دردشات" بين أشخاص يتجمعون للحظات ثم يتفرقون، فأحدهم يطرح فكرة عميقة وآخر يقدم رأياً بسيطاً وآخر يأتي ساخراً والرابع يحول النقاش إلى قضية جانبية ينقاد لها من يأتي بعده وهلمّ جرّا، وسرعان ما يمل الناس هذه الدردشة في الموضوع لينتقلوا بعدها إلى موضوع آخر قد يكون مهمّا أو سطحياً، لبعض الوقت إلى أن يتحولوا إلى غيره ثم غيره وهكذا. إن هذا النمط الدردشي للمنتديات، برغم جرأته وإثارته، قد حدّ بعمق من تأثيرها الاجتماعي لتحول تلك الدردشة إلى محض ميدان للتعبير السريع، وليس للتأمل والنقاش العميق والتغيير.

الخلاصة هي أنني أرى أن الطبيعة "الدردشية" للمنتديات إضافة إلى طبيعة المجتمع العماني المتجذر في أعرافه المتوارثة وآلياته الاجتماعية الراسخة قد تآلفا معاً ليقوما وبنجاح كبير بفعل حدّ بقوة من التأثير الاجتماعي لشبكة الانترنت، فقد تحوّلت تلك المنتديات الانترنتية العمانية إلى غرفة مغلقة في بيت المجتمع، يمكن لكل أفراد هذا المجتمع أن يدخلوها وأن يقولوا ما يشاءون فيها ولكن بشرط العودة سريعاً لممارسة الحياة الطبيعية خارجها، وهذا فيما أرى مظهر ضعف كبير يطرح شكوكاً عميقة حول القدرة التأثيرية للمنتديات الانترنتية العمانية على كسر الجدار السميك الذي صنعه المجتمع بين عالمه الواقعي بإشكالاته وتفاعلاته في جانب وتلك الغرفة الافتراضية المغلقة في الجانب الآخر.

للتعليق على هذا المقال اضغط هنا



الخميس، 24 ديسمبر، 2009

حول ضرورة حوار المختلفين في الثقافة العمانية المعاصرة



حول ضرورة حوار المختلفين في الثقافة العمانية المعاصرة

عبدالله الحراصي

الثقافة العمانية المعاصرة ثقافة حيّة ثريّة بمختلف التوجهات الفكرية، بمعنى أن العناصر النشطة في هذه الثقافة تمثل تيارات فكرية متعددة، كثيرة التباين فيما بينها، وهو مصدر ثرائها. غير أن الإشكال الرئيس الذي تعاني منه هذه الثقافة هو غياب المنابر التي يمكن من خلالها لهذه العناصر الفكرية والثقافية أن تتناقش مع بعضها البعض، لا من أجل التوصل إلى أوضاع تختفي فيها الاختلافات فيما بينها، بل، وهو الأهم، أن تبرز وبصورة هادئة ومسؤولة طبيعة تلك الاختلافات مع تقصي الأسس التي أنتجتها وما يمكن أن تؤدي إليه من نتائج محتملة.

من هم "المختلفون" فكرياً؟ هم العناصر الفكرية والثقافية التي تتبنى رؤية فكرية أو ثقافية (اجتماعية، سياسية، اقتصادية ... الخ) حول ظاهرة أو موضوع معين تختلف اختلافاً كبيراً عن رؤى فكرية أو ثقافية أخرى، والسؤال الآخر، هل يوجد لدينا مختلفون؟ لأننا مجتمع بشري طبيعي حيّ فان لدينا عدداً كبيراً من المختلفين فكرياً وثقافياً، وإن لم يقم هؤلاء المختلفون بإنتاجات فكرية ثقافية تكشف عن اختلافاتهم، إلا أن الحياة في المجتمع العماني تكشف كشفاً واضحاً عن اختلافات كبيرة بعض أمثلتها ما يلي: الحداثة مقابل التقليد، الدخول في عالم العولمة مقابل الالتزام بالثوابت المحلية التقليدية، المنادون بحرية التعبير الكاملة مقابل المنادين بالمسؤولية الفكرية والاجتماعية، المنادون بالتغيير الاجتماعي وخصوصاً في الزواج مقابل المنادين بالثبات الاجتماعي، المنادون بتعزيز النمط الاقتصادي الصناعي مقابل المنادين بالانماط الاقتصادية التقليدية مثل الزراعة والصيد التقليدي، المنادون بفتح باب السياحة مقابل القلقون من تأثيراتها، وهلم جرّا.

سأضرب مثالاً واحداً هنا على المختلفين فكرياً، وهو الاختلاف شديد التأزم الذي يشهده الفكر الديني العماني المعاصر بين تيارين: تيار جديد يمثل خميس العدوي وخالد الوهيبي رمزين من رموزه، وهو تيار قدم طروحات جديدة لم تألفها المدرسة الدينية العمانية التقليدية المعاصرة، ويقابلهم من يختلف مع تيارهم من المحافظين في فكرهم الديني والذين يرون في هذا التيار خللاً كبيراً في المنطلقات وفي النتائج والعواقب. أعاد التيار الجديد النظر في عدد من المسلمّات الراسخة في فهم بعض النصوص الدينية وقدم نظرات جديدة في فهمها تنطلق من منطلقات غير تلك التي ينطلق منها التيار التقليدي، وقد عبّر التيار الجديد عن نفسه في عدد من الأعمال الفكرية المتعددة، كتباً ومقالات، لعل أبرزها كتاب خميس العدوي وخالد الوهيبي "الايمان بين الغيب والخرافة". أما التيار الآخر فقد مثلته الردود على التيار المغيّر، وجاء أبرزها كتاب سماحة المفتي الشيخ أحمد الخليلي الذي يحمل عنوان "العقل بين جماح الطبع وترويض الشرع" والذي حذر فيه بقوة من ما يعده مخاطر التيار التغييري، بل أن سماحته يشير إلى حدوث "حوار" بينه وبين أحد ممثلي التيّار الأول "فكم جلست إليه وأفضيت اليه بما في نفسي ومحضته النصح وأقمت عليه الحجة وكان في كل مرة يتظاهر بالقبول وإسلاس القياد ويتعهد على أن لا يعود الى ارتكاب هذه الأخطاء ولكنه مع ذلك يظل مع زمرته سادرا في غيه غارقا في ضلاله يستخف بالنصح والناصح"، ويقول سماحته أن رده من خلال الكتاب جاء "لأنه يمس ديننا الذي ائتمننا الله عليه، وعقيدتنا التي ندين بها، فلا مجال للمساومة والمجاملة على حسابهما على أننا إن لم نقف بكل قوة وحزم أمام المتلاعبين بالدين؛ لم يقفوا عند حد وسينقضون في كل يوم عروة من عراه، حتى نصبح بلا دين والعياذ بالله". ويضيف سماحته "وأنت اذا تأملت الى الذين ينادون بهذا الفكر القذر في عالم اليوم وجدتهم جميعا شواذا تنكروا للاسلام وقد التقطتهم الأيدي المنظمة لحركتهم من مزابل الأفكار والأخلاق".

تكشف الاقتباسات أعلاه من كتاب سماحة المفتي عن عِظم الاختلاف بين الرؤيتين، وهو نموذج ليس إلا لتبرير ما أدعو إليه هنا من ضرورة حوار المختلفين فكرياً في الثقافة العمانية المعاصرة، وسأتحدث هنا عن بعض فوائد الحوار بين المختلفين. أول تلك الفوائد يتمثل في أمر مهم وهو الشفافية المجتمعية حيث يعترف المجتمع أنه حضن لتيارات ورؤى مختلفة، وليس تيار ورؤية واحدة ترفض ما عداها. كما أن مثل هذا الحوار يؤدي إلى ترسيخ قيمة تعلو على الاختلاف حول القضايا المختلف حولها، وهي قيمة العيش الفكري المشترك، بحيث يصبح تبني الفكر، على اختلاف ألوانه ومشاربه، حقاً مشروعاً لا يلغيه طرف لمجرد أنه لا يستسيغ فكر الطرف الآخر لسبب من الأسباب. كما أن الحوار بين المختلفين سيؤدي إلى خروج التيارات من شرنقة ذاتها، فإيضاح التيارات الفكرية لأفكارها المختلفة بهدوء سيكشف عن مواضع الاختلاف ومنابته، لأن الحوار يتيح فرصة ليقدم كل تيّار فكره تقديماً تفصيلياً يمكّن المجتمع من فهمه ومساندته أو الاختلاف معه (إن كان هناك ضرورة للمساندة أو الاختلاف). ولأن غياب الحوار هو الذي يثبّت حالات الخلاف والاختلاف المتأزم، ويرسخ التنافر بين الأطراف المختلفة، فإن الحوار سوف يؤدي إلى إعادة ترتيب الثقافة والفكر، مما يجعل التيارات المختلفة تعيد النظر في فكرها مما يؤدي بلا شك إلى التحرك من حالة الاختلاف الحالية إلى أوضاع فكريّة جديدة، وربما تيارات جديدة، تنتج من الحوار ذاته.

سؤال آخر: أين يمكن لحوار المختلفين أن يوجد؟ الجواب البسيط هو أن الكون فسيح للغاية ولا شك أنه سيتسع لحوار بين تيارين في الثقافة العمانية المعاصرة. بمعنى آخر يمكن لهذا الحوار أن يتم بطريقة مباشرة عن طريق النقاش المباشر بين العناصر الفكرية والثقافية المختلفة، مثل أن يتبنى النادي الثقافي أو أي منتدى ثقافي آخر مجلساً متخصصاً لحوار المختلفين (ويمكن أن يحمل هذا المجلس اسم "مجلس الحوار") تدعى إليه العناصر المختلفة فكرياً لتقديم تياراتها الفكرية ومناقشة آراء التيارات الأخرى التي تختلف معها. كما يمكن أن يتم مثل هذا الحوار في وسائل الاعلام بشتى أشكالها لمناقشة رؤاها المختلفة كبرامج التلفاز والاذاعة، ويمكن أن يتم من خلال مقالات الاختلاف في الجرائد والمجلات.

أخيراً، لا يمكننا أن ندفن رؤوسنا في رمال التجاهل والإنكار، وأن لا نقر بوجود اختلافات فكرية يشهدها المجتمع العماني والثقافة العمانية في زمننا المعاصر، بل أن علينا أن نقرّ بوجود اختلافات كبيرة للغاية، وتماوجات ضخمة في أمور ومستويات عديدة، وإن لم يشهد هذا المجتمع وهذه الثقافة حوارات حول القضايا المختلف حولها فإن النتيجة ستكون بقاء المجتمع على ما هو عليه من صمت وسكون ظاهري، مع غليان وتلاطمات داخلية عنيفة في العمق.

للتعليق على هذا المقال اضغط هنا