الاثنين، 14 سبتمبر 2009

تحديات .. الأمن الشامل (مقال لعبدالله عبدالرزاق باحجاج)

تحديات .. الأمن الشامل

عبدالله عبدالرزاق باحجاج



مقال نشر في جريدة "الوطن" يوم الأثنين 14 سبتمبر 2009



ما هي علاقة التعليم العالي بمفهوم الأمن الشامل؟ وهل قلقنا على الأمن الاقتصادي في مستوى القلق على الأمن الاجتماعي؟ أم لا يزال مفهوم الأمن ينظر إليه من خلال منظورين سياسي واقتصادي فقط؟ أفتح هذا الموضوع للمرة الثانية بعد أن قرأت للدكتور عبدالله الحراصي في مقال منشور في جريدة عمان يوم الأحد 6/9/2009 تحت عنوان ضرورة إنشاء جامعات حكومية جديدة، شدني فيها ربط التعليم بشمولية الأمن ودور الجامعات الحكومية في تحقيقه مقارنة بالجامعات الخاصة، وكنت قد طرحت في مقالات سابقة نفس الرؤية الإستراتيجية الغائبة عن السياسة التعليمية في البلاد، طبعا مع اختلاف الطرحين واستدلالاتهما غير أنهما يدوران حول علاقة التعليم العالي بالأمن الشامل من منظور مستقبلي.



وأجد نفسي الآن افتح نفس الموضوع مجددا لاستشراف المستقبل في ظل استمرار النظرة الرسمية للتعليم الجامعي الخاص وفي ظل طبيعة النتائج التي افرزها هذا التعليم لسوق العمل خاصة وللوطن عامة مقارنة بالتعليم العالي الحكومي، وفي ضوء ما ذكره الحراصي من استيعاب محدود لمؤسسات التعليم العالي من طلاب الدبلوم العام لا يتجاوزون (40 % ) من مخرجات الشهادة العامة،

أي أقل من النصف، وهذا رقما مخيف جدا ويدعو الى القلق بل الى دق ناقوس الخطر على المستقبل القادم، فأين تذهب نسبة (60%) أي الغالبية العظمى من الطلبة؟ هل إلى الشوارع؟ وما أدراكم ما الشارع وما في الشارع؟ ثم ما أدراكم من تأثير ذلك على مفهوم الأمن الشامل في مرحلة محلية بدأت فيها تتقاطع مصالح عالمية بأجندة اقتصادية لا ولن تخلو من أبعاد سياسية سوف تسيس حسب مصالح كل مرحلة وتجاذباتها السياسية والاقتصادية كما حدث لتصنيف بلادنا في عهد إدارة بوش ضمن الفئة الثالثة التي تتاجر بالبشر،

إذن ما هى علاقة التعليم العالي بالأمن الشامل؟ ونفس التساؤل يطرح بالنسبة التعليم العالي الخاص؟ ومن ثم كيف يبدو لنا السيناريوهات مستقبلا خاصة إذا ما أستمر إصرارنا على الجامعة الحكومية الواحدة وعلى الرهان على الجامعات الخاصة؟ من ابرز ما كتب عن الأمن الشامل، روبرت مكنمارا وزير الدفاع الأميركي الأسبق وأحد المفكرين الاستراتيجيين البارزين في كتابه جوهر الأمن حيث قال : إن الأمن يعني التطور والتنمية سواء منها الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية في ظل حماية مضمونة ثم أستطرد قائلا : إن الأمن الحقيقي للدولة ينبع من معرفتها العميقة للمصادر التي تهدد مختلف قدراتها ومواجهتها لإعطاء الفرصة لتنمية القدرات تنمية حقيقية في كافة المجالات في الحاضر وفي المستقبل،

وإذا ما حاولنا تبسيط هذه المسألة، فينبغي القول إن الأمن هو ضد الخوف، والخوف بالمفهوم المعاصر يعني التهديد الشامل سواء منه السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي الداخلي منه والخارجي، وقد كانت استجابتنا للخوف الاقتصادي أكثر من استجابتنا للخوف الاجتماعي بعد ما اكتشفنا حقيقة النفط وعمره الزمني القصير، فلجأت الحكومة الى تبني سياسات اقتصادية عديدة لتحضير البلاد لمرحلة ما بعد نضوب النفط بشيك مفتوح صرف منه حتى الآن عدة المليارات على عكس الخوف الاجتماعي، لربما لم ينظر اليه بنفس الخوف الاقتصادي أو على أنه خوف أصلا أو أن الخوف الاقتصادي قد حركته وتقاطعت معه مصالح ومنافع بعض الفاعلين الاقتصاديين المحليين، وأرجح الاحتمالين معا، فلو كان الخوف الاجتماعي في منزلة الخوف الاقتصادي لضخت خزينة الدولة الملايين -ولا أقول المليارات -لإنشاء جامعات حكومية لتأمين حق التعليم العالي لأغلبية أفراد المجتمع بالمجان وبمعايير تنافسية،



فلا يزال هناك من يرى في التعليم العالي ترفا أو شانا فرديا أو اجتماعيا وجميعها منعزلة عن سياقها الأمني كما أن هناك من يحصر الحق في التعليم المجاني حتى الثانوية فقط، وهذه افق ضيقة للتحديد القانوني لحق التعليم المجاني من المنظورين الإنساني والوطني، هذا كله يتم بمعزل عن ربط التعليم العالي بمفهوم الأمن الشامل، وبالتالي بات من الأهمية القصوى إعادة النظر في بعض المفاهيم والقناعات الرسمية التي لم تخرج عن مرجعية حقبة السبعينيات رغم التحولات الكبرى التي طرأت على دور الدولة وعلى حياتنا المعاصرة وما يواجهها من تحديات داخلية وخارجية .



وعلينا أن نستدعي الخوف الاجتماعي من أوسع أبوابه إذا كان غالبية جيل الشباب غير مؤهل تأهيلا علميا أو مهنيا وخارج مظلة التعليم العالي، سلاحه الوحيد الثانوية وما دونها، وهنا يكمن الخوف الحقيقي سواء في إطار جغرافيتنا الوطنية في عصر العولمة والخصخصة وفقدان الأجر العادل والآمن أو في إطار الجغرافيا الإقليمية التي أصبحت بعض دولها تستهدف ايدي عمالتنا الوطنية وتفضلها أكثر من الأيدي العاملة الأسيوية ووصل بها الجرأة المحسوبة إلى نشر إعلاناتها في صحفنا المحلية بمباركة مؤسسات رسمية طالبة (نادلات) عمانية لفنادقها السياحية وسائقين وحراس بوابات، هذه طبيعة المهن التي تستحقها أغلبية جيلنا المقبل بتلك الشهادات وهو ما يعني أن جيلا كاملا من فئة الشباب سيقعون تحت عبء الاستتباع الداخلي والخارجي في عصر العولمة وهناك مؤشرات راهنة يمكن أن نبني عليها استشرافنا المستقبلي خاصة إذا ما علمنا بأن فئة الشباب تشكل النسبة الأكبر في المجتمع العماني، ويعني كذلك في حالة تكريسه أن الجيل الجديد سيفقد إحساسه بالمواطنة وحتى بالكرامة وسيقعون ضمن فئة الفقراء في ظل مستويات الأجور المتدنية لحملة شهادة الصفوف الأولى والشهادة العامة،

وهذه مؤشرات مقلقة تستدعي جعل الخوف الاجتماعي في مستوى الخوف الاقتصادي لان المواطن الشريك الأساسي في النهوض بالعملية الأمنية لتحقيق مفهوم الأمن الشامل الذي تتطلبه المرحلة الاقتصادية المقبلة ولن تحقق لنا الجامعة الحكومية الوحيدة والرهان على الجامعات الخاصة هذه الشراكة الأمنية، دليلنا على ذلك أن (60%) من مخرجات الثانوية في الشوارع .. هل يستدعي ذلك دق ناقوس الخطر؟ الموضوع مفتوح ولم اعطي حقه وسوف أتناوله قريبا مستشهدا بالواقع السائد في محافظة ظفار كمثال بغية تغيير القناعة الرسمية بضرورة الرهان على الجامعات الحكومية في تكوين المواطن فكريا وعلميا لأسباب وطنية.



عبدالله عبدالرزاق باحجاج

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق