الثلاثاء، 13 أكتوبر، 2009

"الجامعات الحكومية .. رهانات وطنية" للكاتب عبدالله عبدالرزاق باحجاج

الجامعات الحكومية .. رهانات وطنية

عبدالله عبدالرزاق باحجاج



(مقال نشر في الملحق الاقتصادي بجريدة الوطن العمانية يوم الاثنين 12 أكتوبر 2009)



ماذا يعني تشكيل لجنة وطنية مشتركة من مجلسي الوزراء والشورى بشأن قضية التعليم العالي في بلادنا؟ ولماذا الآن بالذات؟ قد لا يكون هذا كله هاما رغم أنه مهم إذا لم يتمخض عن اللجنة نتائج وطنية حاسمة تجعل التعليم العالي المجاني حقا للأغلبية وليس للأقلية وتضع حدا لظاهرة (تشحيت) أولياء الأمور المقاعد الجامعية من بعض دول الجوار ، ومثل هذه المطالب تحظي بالإجماع الوطني العام ونضعها الآن على عاتق اللجنة التي أتيحت لها فرصة تاريخية لتصحيح المسار ، فهل ستكون نتائجها في مستوى التطلعات الاجتماعية والتحديات الوطنية وتأثيراتها على الأمن الشامل الذي تحدثت عنه وغيري من الزملاء في مقالات عديدة ؟

إذا نظرنا لمستوى تشكيل اللجنة وفي توقيتها الحالي ، فإن إنشائها يعني أن المؤسستين التنفيذية والتمثيلية قد بدأتا تدركان بقناعة واحدة أبعاد وخلفيات إقصاء الأغلبية عن التعليم الجامعي الحكومي وهذا يعني من جهة ثانية أن تلك المؤسستين الدستوريتين تلتقيان في المرحلة الراهنة مع الطروحات الصحفية الجادة والموضوعية التي استشرفت مسبقا النتائج السلبية لسياسة الاستيعاب المحدودة لمؤسسات التعليم العالي ، وماذا سيسفر عن هذا الإقتناع وهذا الإلتقاء اللذين تبلور خلال الاجتماع المشترك الأخير بين مجلسي الوزراء والشورى ؟ هذا ما ينتظره ويتطلع إليه مجتمعنا العماني بأكمله، وترقبا للنتائج ، علينا أن نرفع أصواتنا أكثر للتأكيد على الأهمية الوطنية لدور الجامعات الحكومية في تكوين المواطن الصالح لوطنه والمتمسك بولاءاته وانتماءاته وقيمه الخالدة سواء وجد مصدر رزقه داخل ترابه الوطني أم في محيطه الإقليمي أم الدولي ، وفي الوقت ذاته التنبيه من الرهان الغالب على دور التعليم العالي الخاص بسبب تركيزه على الربحية على حساب التكوين والتأطير ببعديه الوطني والمهني ، والتحذير كذلك من خطورة تأمين الحق في التعليم الجامعي المجاني للأقلية على حساب الأغلبية مما أوجد ذلك ظاهرة لجوء رجال ونساء الى استجداء التعليم الجامعي لابنائهم من بعض شيوخ وأغنياء محيطنا الإقليمي وقد اطلعت ميدانيا على نماذج وزرت بعض الجامعات فوجدت اغلب طلابها عمانيين وراء كل واحد منهم قصة كبيرة كما أدى إلى بروز فئة عمالية غير ماهرة بمرتبات متدنية جدا وإلى تصعيد في قضية الباحثين عن عمل أخطر فصولها تزايدهم السنوي ودخول بعضهم مشارف الأربعين عاما ولا افق لهم في عمل ولا تكوين اسرة .. فماذا نتوقع للمستقبل ؟

وقمت في مقالات سابقة باستشراف بعض النتائج ولا بأس الإشارة إلى أن النتيجة الأبرز ستكون بمثابة تحطيم طموحات الأغلبية بالحياة الكريمة في عصر العولمة وربطهم دائما بعجلة الاستهلاك اليومي مع ما يترتب على ذلك من جعلهم مواطنين ناقصي الحقوق مهمتهم خدمة المشاريع المحلية والأجنبية بأقل الأجور، وهذا سيكون تحولا في مفهوم المواطنة وبالتالي علينا دراسة تبعاته ودوره في منظومة الأمن الشامل في عصر العولمة ، أما النتائج الجديدة المستشرفة ، فإننا ينبغي أن نفتح الآفاق لقراءة أبعاد وخلفيات ومستقبل إغلاق الأبواب الجامعية والتأهيلات التربوية على الأغلبية من الطلبة والطالبات داخل بلادهم وفتحها للبعض منهم من قبل جوارنا الخليجي بالمجان بحجج إنسانية مختلفة أوعن طريق الديون ، وقد أصبحت تطلعات الكثير من الأسر العمانية تتجه لهذا الجوار لتأمين الحق في التعليم الجامعي المجاني بدلا من الداخل وهذا تحول ينبغي كذلك دراسته من زاويتين الأولى عدم استيعاب الداخل لطموحات أبنائه ودخول المحيط الإقليمي كطرف في عملية الاستيعاب ، ثانيا ، إحلال البعد الخارجي محل الدولة في تأمين هذا الحق بالمجان لبعض المواطنين وتأثير ذلك على إعادة تشكيل نفسيات وأفكار جيلنا المقبل ومن ثم على قيمهم ومبادئهم الوطنية و(... ) بما فيها ولاءاتهم وانتماءاتهم المقدسة التي ينبغي أن تظل ثابتة وهذه مسئولية نضعها على عاتق مختلف مؤسسات الدولة ، ولن يتأتى لنا ذلك إلا عن طريق استيعاب واحتواء طموحات المواطن داخل وطنه ، وكنا قد خسرنا هجرة بعض كفاءتنا الوطنية للعمل في هذا الجوار تحت ضغوطات إغراء المال وإبراز الذات أو عدم حصولهم على العمل وفرصة اثبات الذات ونتيجة مضايقات .. مما دفع ببعضهم الى نزع العمامة وتغيير الجوازات ـ كما تناولنا ذلك في مقال سابق ـ ودعونا نبحث في مسألة تفضيل هذا الجوار الأيدي العاملة الوطنية ذكورا وإناثا عوضا عن الأيدي العاملة الأسيوية لضعف تعليمهم وتكوينهم ورخص الأجورها وهذا اكبر التحولات التي ينبغي النظر إليها من منظور تاريخي ومستقبلي معا ..

وتلك التحولات إلى أين ستؤدي بنا كدولة ومجتمع ؟ سيظل هذا التساؤل مطروحا دون إجابة غير أننا لو نظرنا الى محتواها أي التحولات فسوف نلاحظ أنها ستخلق بيئة جاذبة للعنف و(... ) من جهة ومادة قد تستغل لأهداف غير وطنية من جهة ثانية ، وأطرح ذلك التساؤل البعيد النظر لعلني أوثر في الجهود الراهنة التي تبحث حاليا زيادة فرص التعليم العالي المتاحة لطلبتنا وهذه خطوة قد تكون في توقيتها الآني مهمة ، لكن على اللجنة أن لا تحصر جهودها في الزيادة العددية للمقاعد الجامعية الحكومية فقط فزيادة ألف أو حتى ألفين لن تحل المشكلة ، وإذا فعلت ذلك فقط فإنها لن تكون قد لامست أصل المشكلة وإنما حامت حولها.

فهل المصلحة الوطنية وصلت إلى حد اعتبار التعليم العالي من الحقوق السيادية ؟ نقول نعم ، وقارنوا بين مخرجات التعليم الجامعي الحكومي ونظيره الخاص حتى يتضح لنا رهاننا على الجامعات الحكومية في بلد كبلادنا ، وهل الضرورة الوطنية تقتضي منا تأمين التعليم العالي للأغلبية ؟ الإجابة كسابقتها ، وهل القناعة الرسمية ينبغي أن تحمل الى مستوى تلك المصلحة والضرورة ؟ كذلك لن تخرج الإجابة عن نظيراتها السابقة ، وإلا فما هو مصير (60%) من مخرجات الشهادة العامة إذا كان التعليم العالي لا يستوعب سوى (40%) فقط سنويا والمشكلة الكبرى تكمن في أن تلك الاعداد الكبرى تتكرر سنويا وتتراكم منذ عدة سنوات ، فما هى طبيعة السيناريوهات المستقبلية الناجمة عن العملية الميكانيكية للتكرار والتراكم ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق