الجمعة، 23 أكتوبر، 2009

أن تفهم كائناتك المختبرية



من فضائل الناس الذين أعتبرهم أصولاً وليسوا نسخاً من الآخرين فضيلة الانعتاق من الأحداث وتفاعلات البشر ورؤية الأمور من منظور أعم من نظرة الآخرين. الناس الأصول (الذين ليسوا نسخاً من الآخرين) يتميزون بفضيلة تجعلهم في موضع قدرة عجيبة تمكنهم من امتلاك قدرة فهم ضخمة، وكذلك قدرة ضخمة كذلك على التحكم في الناس وفي الأحداث، إن رغبوا في ذلك.

أول ما ينبغي عليك معرفته هو أن الأنداد ندرة، بمعنى أن القليل من الناس هم الذين يمكنهم أن يروا الصورة الكليّة للحياة البشرية على مستوى الأفراد أو المجموعات، وقبل هذا على مستوى أنفسهم.

على مستوى النفس الواحدة الوضع يبدو به بعض التعقيد ومع ذلك فهو سهل، فإن كنت عقلاً أصيلاً غير مستنسخ فإنك سوف تفهم نفسك، وهذا يعني أنك تنقسم إلى قسمين على الأقل: القسم الذي يسلك السلوك الإنساني العادي، خيراً وشراً (مع نسبية معانيها)، والقسم الثاني هو الذي (1) يفهم ما يقوم به القسم الأول، و(2) يتحكم في، أو على أقل تقدير، يؤثر في ما يفعله القسم الأول. وعلى مستوى الأفراد والمجتمع، يصبح القسم الأول هو سلوك الأفراد الآخرين أو مجموعة معينة من البشر (كَثُرَت أو قلَّت). بكلمات أخرى فإن عقلك سوف يفهم ما يفعله الآخرون، خيراً وشرّاً.

بهذا المعنى فأن عقلك أو قدرتك على الفهم تجعل من الآخرين ميداناً لفهمك.

الآخرون حقلٌ لفهمك.

الآخرون كائناتك المختبرية.





لا تنسَ أمراً مهماً: أنهم ليسوا أندادك وأنت لست ندّاً لهم، فلا تخرّب حقلك ومختبرك بالتفاعل معهم بحسب متطلبات تفاعلهم، خيراً وشرّاً، وكأنك واحد منهم. هل سمعت بانسان يغضب مثلاً من كائناته المختبرية لأنها أتت بما يخالف رغبته؟ المسألة ليست رغباتك. أنهم هكذا فافهمهم ولا تنفعل لما يفعلون.

دعهم يفعلون ما يفعلون، وأبقِ على الحد الأدنى من التفاعل معهم، إلا إن كنت ترغب لسبب أو لآخر في فعل شيء يتطلبه دخولك بما يبدو أنك ندٌ لهم.

هذا كلام به بعض الخطورة، فهو يتطلب منك سلوكاً صعباً: أن تقضي على نزعاتك التلقائية الشعورية، أي أنه يقضي على إغراء أن تكون واحداً منهم يفعل ما يفعل بسبب الدوافع العمومية التي ينفعل لأجلها الناس ويسلكون سلوكهم التلقائي غير الواعي في الغالب وعلى المستوى العميق، دون مستوى علوي من الفكر والفهم.

ما معنى هذا؟ معناه أن المطلوب منك أن لا تغضب، وأن لا تفرح، وأن لا تستغرب لخير عميمٍ أو لشينٍ عظيمٍ أتى به أحدهم، وأن لا تستجيب لأي شيء من سلوك الآخرين، فقدرتك على فهم ذلك السلوك تجعلك مُرتَفِعاً في مكانٍ عَليٍّ من التحكم في نفسك (وفي الآخرين).

هذا لا يعني بأنك تصبح سلبياً. الحقيقة على عكس هذا: فصلابتك في وجه من هم في حقل تفكيرك وفهمك وتحكمك هي أمر في قمة الإيجابية، كما أن هذا لا يمنعك من أن تقف في وجه الضرر المحيق المباشر إن تطلب الأمر، ففي هذا خير أكيد هو بقاء مكانتك العليا وقدرتك على الفعل.

أليس في سلوكك تمثيلٌ؟ بمعنى من المعاني نعم، ولم لا؟ وفي الحقيقة أنك لا تمثل. أنت فقط ترى المشهد من الأعلى، وتديره إن رغبت.

لا تعتقد بأن في هذا استعلاءً على الآخرين. بالعكس: في هذا خير واسع لأنه حماية للبشرية وحصن أمان لها، فمن يمتلك قدرة الفهم هو الذي سيتدخل في اللحظة المناسبة لتغيير الأمور، وإن لم تتعدل في العالم الظاهري، فإن الندرة من أصحاب العقول التي ترى الصور الكلية سيكونون في وضع الفاهم لتلك الحالة من حالات البشر العامة.

أخيراً لا تظن بأن الناس يسلكون سلوكاً ما يعدونه خيراً أو شرّاً (مع بقاء معانيهما النسبية) لأنهم خيّرون أو لأنهم أشرار. أبداً!! دوافع السلوك البشري كثيرة، فمنها الجينات التي يرثها الإنسان عبر الكروموزمات الذكرية والأنثوية والتي تؤثر تأثيراً ثابتاً علمياً في سلوكه، وهناك أثر النفس الناشئة وما تعرضت له في صغرها بحسب ما أقرّه علماء النفس وتطور السلوك، وهناك البيئة والتربية وآثارها، وهناك المصالح المادية والنفسية والإجتماعية وسواها، وهناك الأطماع، وهناك أشكال الخلل والتخلف العقلي والنفسي والبدني. كل هذا وغيره يؤثر على سلوك الإنسان. أن الإنسان بهذا هو نتاج. عليك أن تفهم هذا. عليك ألا تغضب من سلوك مشين ولا تفرح في أعماقك من سلوك طيب.

سأركز على اغراء استجابتك لسلوك الآخرين المشين بالغضب أو الرفض.

فكر معي:



كيف تغضب من كائناتك المختبرية؟

كيف تغضب من جينات؟

كيف تغضب من أحداث وقعت لطفل وبدأت آثارها في السلوك الذي تراه؟





لقد رفعك عقلك مكاناً عليّاً، فلماذا تريد النزول؟

.

هناك 23 تعليقًا:

  1. هذا المقال يحمل بذرات عديدة من المقالات التي يمكنك كتابتها .. أتمنى أن تكملها والأ تتركها عامة


    هذه المرة أجدك بوضوح تعلي من شأن العقل، والفهم .. بشكل واضح .. نيتشوي كما قلتَ ذاتَ يوم ..

    أجدني أختلف معك تماماً فالتعامل مع البشر على اعتبار أنهم كائنات قابلة [للفهم] [التأثر] [التأثير عليهم بشكل مدروس وواعي] واعتبارهم كائنات مختبرية أمر ينطوي على الكثير من الخطورة لاستحالة ذلك نظرياً، وإمكانية ذلك بالتجربة [أو باستحضار التجارب السابقة] إلا أن هناك متغيرات أوسع في حياة الإنسان مما قد لا يستطيع عقل واحد [مهما كان بعيدا في أفقيته أو رأسيته] أن يحيط بها إحاطة الخبير ناهيك عن قدرته على تحويل تلك المعارف الخام في دماغِه إلى مجموعة من القرارات التي تنتهي بالتأثير ..


    كمن يحسب نفسَه يرى الجَميع بعين النسر المحلِّق، وفي حقيقة الأمر هنالك قمر صناعي يرى الصورة بشكل أكثر وضوحاً ... ربما سأفكر [معك] بخط مقروء في المدونة .. شكرا على هذا الاستفزاز العقلي ..

    ردحذف
  2. مقال في غاية الروعه ... دراسة الطبائع البشرية وتحليلها وأتباع أفضل الطرق للسيطرة عليها مجال واسع يشمل علوم النفس والاجتماع والثقافة وغيرها وأرجو أن يأتي اليوم الذي نرى فيه دراسات معمقة في هذا المجال في عمان.

    لك خاص التحية من ألمانيا

    ردحذف
  3. د. عبدالله. شكراً لك على المقال القيم.
    كيف يغضب الإنسان من جيناته؟ بل وكيف ينزل قليلاً ليحاور كائنات مختبرية؟
    لا يمكن. العاقل لا يفعلها.

    شكراً لك. لقد كنت أبحث عن شيء ما.. ووجدته هنا.

    ردحذف
  4. رحمه ال خليفين23 أكتوبر، 2009 2:10 م

    سيدي اجدني افهمك ولا افهمك ....

    هناك قاعده علميه مهمه جداو هي ان كل شي في العالم يميل الى التوازن... فلا يمكنك مثلا أن تجد ذره اكسجين تهيم لوحدها في الهواء ففي كل الاحيان تتفاعل كيميائيا بتقنية معينه لتخلق مركبا جديدا مع ذرات اخرى.ما اود ايصاله هنا ان التصادم بين البشر _سواء اكان ايجابيا ام سلبيا _ هو شي حتمي لتحقيق قاعدة التوازن....و اختلاف الظروف و طبيعة التفاعل هو ما يحدد نوع هذا التصادم و مدى قوته...
    ففي متال ذره الاكسجين : سنرى ان تفاعلها مع ذره اكسجين اخرى اسرع بكثير و يحدث في ظروف طبيعيه جدا في الهواء و في المقابل الامر ذاته قد يحتاج الى ظروف كيميائية خاصه جدا للتفاعل مع الماغنيوم او الفسفور.... و هذا يعود الى تشابه ف التركيب الا لكتروني بين الذرتين في المثال الاول و اختلافه في المثال الثاني ... هكذا هي العلاقه بين بني البشر هي مسالة الانسجام ما يخلق التوازن ....
    و في احيان اخرى قد يخلق غدم الانسجام كذللك توازنا عجيبا قد يحقق نتائج مثمرة و هذا ما يسمى بالاستثنائيات و هولا هم من ساسميهم بالاصول استعارة من موضوعك اعلاه

    لا اجدني اتفق معك في ما قلتة( فلا تخرّب حقلك ومختبرك بالتفاعل معهم بحسب متطلبات تفاعلهم، خيراً وشرّاً، وكأنك واحد منهم.)....

    التخريب في حد ذاته مطلوب لخلق التوازن والا لاصبح العام مليئا بالايجابيات فقط ولن نعيش ايه تناقضات ... فبالاضداد و التناقضلت تتميز الاشياء

    هذه وجهة نظري المتواضعه...اشكرك بعمق بالغ سيدي .... فقد فتحت لي افاقا جديدة

    معاويه لم افهم شيئا من تحليلك (-:

    رحمه ال خليفين

    http://ralkhulifeen.blogspot.com/

    ردحذف
  5. يبغالنا جلسة الحبيب! هين قريت انته ؟

    ردحذف
  6. لن يفهم الإنسان نفسه والآخرين، إلا إن جرب بنفسه ما يحاول فهمه، ومحاولة فهم ذلك نظريا أمر متعب ومجهد ومكلف جدا، وفيه تضييع للوقت كان بإمكانه أن يستغله في الإنتاج المثمر

    ردحذف
  7. أبهرتني وأذهلتني يا حرّاصي!
    جميلٌ منك جداً
    وهذا ما أٌقوله دائماً: لماذا أُرهقُ عقلي بالنزول إليهم؟!! فليرتقوا أو فأسمعهم دون سماعهم حقاً

    ردحذف
  8. متعالي ومتعالين

    ردحذف
  9. أسوأ الأشخاص ، هُم أولئك (الأمعة )
    إن قلت فصفقوا لما تقول.
    هكذا دون نقاش.
    هم دائموا التصفيق ، ولأنني لستث كذلك .

    أترفع بنفسي أن أكون إمعة .

    انا أحاور وساظل أحاور .

    تحياتي إليك سيدي

    ردحذف
  10. معاوية ،
    تحياتي إليك،
    هكذا هم الناس "الأصل" ، إن كان هُناك مصطلح فعلي وحقيقي لتلك الكلمة

    ما أكره شيئا قدر كرهي للذي يتغابى على ذاته ، فيظن "جهلا " انه الاذكى!!!!

    هُنا الكلام موجه للأشخاص "الإمعة " النسخ.

    نتمنى أن نقرأ عقولا تفكر بعمق، ولا تكثر "التطبيل فقط !

    تحياتي مرة أخرى وأخرى وأخرى .

    ردحذف
  11. مرحباً عُلا .. في الحقيقة ذلك التعليق السريع لم يكن اختلافا حادا، وكذلك يم يكن تصفيقاً [من النوع الذي تكرهينه] كما قال الدكتور [دون تمحيص] وإنما كانت تساؤلات على عجالة .. ستجدين موضوعاً أكثر تشعباً على هذه الوصلة ..

    مودتي ..

    http://www.muawiyah.com/2009/10/blog-post_22.html

    ردحذف
  12. كلام الدكتور يحمل في ثناياه بذورا يمكن ان تستغل لزراعة حقول مليئة بالخير او الشر و الشر الموغل ان تبنتها عقولا شيطانية و هو ما يحدث الان للعمانيين و الاستخفاف بمستقبل اجيال بأسرها لتحقيق مصالح ثلة من المتنفعين و يؤكد كيف يمكن تحويل المجتمع الى كائنات مختبرية لمن استطاع امتلاك المختبر برمته . ادعو الدكتور ان ينحاز اكثر لتعميق انسانية التدافع في هذا الجحيم الفسيح وفق ترجمته

    ردحذف
  13. مرحبا مرة أخرى ،
    مُعاوية ، أن نختلف مع الآخر ، يعني اننا نحاول أن نبحث عن طريقة للوصول إلى فهم مُشترك ،

    ولا انا أختلف بشكل (مُطلق) مع الدكتور الحراصي،
    ولكني قلتث وجهة نظري فقط في الموضوع ،

    الإنفرادية في التفكير ، تُعني أن تظل حبيس مسار واحد في الفهم ، وفكرة واحدة فقط تظل في رأسك لا تتغير ولا تتحول، وانا ضد هذا المبدأ.

    ربما شحطُ بكلامي بعيدا،
    ولكني أذكر الدكتور الحراصي أن هُناك (عقول) فهمت كلامك بطريقة (هكذا أريد أن أفهم انا ) . فقط وليس لأنها فهمت كلامك وما ترمي إليه بالفعل،
    كما ان هُناك عقول تتشبث بمقولات لتزكي نفسها فقط !
    وهذا بإعتقادي فعل "غبي" وأعتذر للمصطلح .

    بالأخير، نصيحة (لا تكونوا إمعة ) أي ( لا تكونوا نُسخ).

    رحمة آل خليفين ، ردك يدل على أنك تُعمقين الفهم ، تحياتي لشخصك ولفكرك الحر .

    ردحذف
  14. من وجهة نظري بأن الدكتور/ لا يقصد بأن نكون متعالين ولا نكترث لأي احد ونفعل ما نشاء......

    الطابع السلوكي الذي أستنتجة من مقالته هو يجب علينا أن نتقبل كل ما موجود سواء خيرا او شرا سواء من الناس أو أنفسنا ....وان لا نتأثر بالسلبيات الصادرة من الفريقين ( الناس والنفس الإنسانية)سواء بإرادتنا أو بغير إرداة .

    نلاحظ بأن الكثير من الناس الذين يعانون الإحباط والحالات النفسية والسبب يرجع لإهتمامه الزائد بالسلبيات الموجودة سواء من الأخرين أو من النفس ولم يقم بالتخص منها مما أدرى إلى تقهقر نفسي.

    وكما يقولون ( طنش تعش) .....

    نعم لا جدوى من الأهتمام بما هو يصدر من نفسك أو من الأخرين ..... ما عليك هو أن تتقبل كل شي بنظره واسعة وكأنك تراقب تصرفاتك وأفعالك وافعال الأخرين من مجهر أو تلسكوب .........وتعلم متى سوف تتدخل لكي تدير الامور بشكل سهل. ومنها سوف تتعلم فهم الأخرين وان تتقبل منهم بدون ان يكونوا اندادا ولا يوجد صراع إجتماعي أو فكري .

    تحياتي

    ردحذف
  15. الحراصي يقول لكم إنكم جميعا كائناته المجهرية فعلى ماذا تهللون !!!

    ردحذف
  16. يونس الحراصي24 أكتوبر، 2009 2:36 م

    مرحبا دكتورنا العزيز

    بغض النظر عن اختلافي واتفاقي معك فمن الواضح أن هناك جهدا ذهنيا عال قد بذل في سبيل الخروج بهذه الخلاصة، في الحقيقة ذكر أحدهم في الردود أعلاه أن ما كتبت يمكن أن يستغل خيرا "في التدخل في الوقت المناسب لحل المشاكل" وقد يكون شرا في زيادة تعالي بعض العقول بحجة الابتعاد للفهم فلا توجد معايير معينة للتحكم بهذا الموضوع. وأما فيما يخص المجمل العام فأجد أنه من الصعوبة بمكان أن يبتعد الشخص عن الآخرين مكانينا بمعنى أن لا يختلط معهم إلا إذا كنت تقصد ذهنيا فهذا أمر آخر. لأن الشخص لو ابتعد مكانينا أي لا يختلط مع الناس ولا يتفاعل معهم فسيقد العديد من أدوات الفهم "العملية" للحراك البشري وذلك لبعده عنه فمن يجلس في الظل يرا أشعة الشمس ولكن لا يشعر بحرارتها... وهذا قد يكون خادعنا إذ قد يجعل الشخص يعيش في وهم كبير وهو أنه فاهم لكل شيء وأن الناس لا يفهمون وفي حقيقة الأمر هو ليس كذلك لأنه أصبح يبعد عنهم بكثير ولا تناسب حلوله التي قد يأتي بها إن وجدت واقع حياتهم البشري المعاش.

    أما في حالة الاختلاط بهم ولكن الابتعاد ذهنيا فهذا أمر مختلف بمعنى أن تكون موجودا ولكن بدون أن تتفاعل معهم...

    أمر شيق نظريا ممتع وعمليا قد يكون أقرب الى الإستحالة وخير دليل على ذلك مقولة ابن خلدون أن الإنسان مدني بطبعه..

    ردحذف
  17. تعليق للكاتب حسين العبري منقول من مدونته في حوار البعير والبعرة:


    قرأتُ مقال عبدالله الحراصي في مدونته.

    1. وأنا أغبط عبدالله على شيء طالما أخبرته به، وهو أنه يستطيع أن يقول كلاما متطرفا غاية التطرف، أو يأتي بفكرة غاية في الشناعة والإطلاقية والدكتاتورية، ويقولها بطريقة تجعلك تسير في هواها وتأخذك بشراكها. وذلك في رأيي لأنه قادر على تمثّل الآخر المُحَاوَر تمثلا يجعله يشمله في قوله. فهو يعرف الشعور الذي يتلقى به المتلقي كلاما ما، وبالتالي يضع في كلامه الطمأنينة له في أن الكلام ليس ضده وليس مما سيناقضه. ببساطة ، عبدالله يستبق خطوات محاوره بمراحل. فتنساب لغته رقراقة مع أنها تحمل داخلها حامضا فتاكا.

    2. في مقاله يشير عبدالهه إلى السؤال:
    كيف تغضب من كائناتك المختبرية؟
    فكر معي عزيزي القارئ فيما يريد عبدالله أن يقوله!
    هو يريد أن يقول، إن زيادة أو نقصانا، لا تغضب على من تظن أنه أقل منك لأن غضبك هذا يجعلك ندا للمغضوب عليه.
    لنحلل القول:
    الغاضب أعلى من المغضوب
    الغاضب لا يجب أن يغضب بالتالي لأن المغضوب عليه ليس ندا بل هو أقل من ند.
    كل من أغضبك فالأفضل أن تجعله أقل من أن يكون ندا لك ،ولذا فالأفضل ألا ترد عليه.

    لكن من هو المخاطب هنا؟ المخاطب هو الغاضب وليس المغضوب عليه. وهنا تفرق المسألة كثيرا ، فالقارئ حين يقرأ هذه الجملة يضع نفسه في مكان الغاضب ، أي الأعلى ، ولا يضع نفسه أبدا في مكان الأدنى المغضوب عليه.
    وهذا فيه تضليل إلى حد ما .
    لكن استخدام اللغة أوهمت القارئ أنه الأفضل فانساق إلى الإيمان بما يقول.
    ثم إن عبدالله بحنكته أبعد الأمر تماما ظاهريا عن الجدال البشري حين اختار الكائنات المجهرية الدقيقة، فإن كان الآخر أقل بكثير بحيث يمكن عده من الكائنات الدقيقة فلا شك أن مقولة أن أقل تصبح ضرورية جدا.

    3. مقال عبدالله يحمل في طياته تفكيرا نيتشويا متعاليا وهو ينطلق من وضع الذات في النطاق الأقوى.
    وإنما هذا ما أخالف فيه مقال عبدالله.

    ردحذف
  18. هناك مقال أيضاً كتبه معاوية الرواحي حول نفس الموضوع هنا على الرابط التالي:

    http://www.muawiyah.com/2009/10/blog-post_22.html

    ردحذف
  19. اشكرك علا

    دمتي بحب


    http://ralkhulifeen.blogspot.com/

    ردحذف
  20. سعيد الريامي24 أكتوبر، 2009 11:43 م

    لعل أولى المقاربات "العلمية" التي تتبادر إلى الذهن عند قراءة هذا الطرح "الفلسفي" هو ما يقوله عالم النفس السويسري كارل جوستاف يونج عن عملية "التفرد" - INDIVIDUATION - وهي مرحلة من مراحل التطور النفسي يصل إليها الفرد بعد طول عناء . حيث يتسامى الفرد فوق الفعل البيولوجي الفردي وفوق الثقافات النمطية الجماعية . فكأن الحياة شريط سينمائي تتبلور أحداثه أمام ناظريك من دون أن يكون لديك الوازع "الطبيعي" للإنخراط فيها. وهي -كما يقول يونج- مرحلة متقدمة من مراحل التطور النفسي تسبق مرحلة أكثر نضجا وعمقا ، ألا وهي مرحلة الوصول إلى الذت (SELF) حيث يكون الفرد أقرب ما يكون من المطلق .. والحديث يطول ..........

    ردحذف
  21. لقد قلتم كثيراً أيها الأحبة في عدم التزاحم، وأراني لم أكن مع كثيرٍ مما قلتم.. لقد قال أحد غير المعرفين أن: الحراصي يقول لكم إنكم جميعا كائناته المجهرية فعلى ماذا تهللون !!! وأرى أن فهمي قريبٌ مما قاله. -لا انكم كائنات الحراصي المجهرية-

    في الفقرة: فإن كنت عقلاً أصيلاً غير مستنسخ فإنك سوف تفهم نفسك، وهذا يعني أنك تنقسم إلى قسمين على الأقل: القسم الذي يسلك السلوك الإنساني العادي، خيراً وشراً (مع نسبية معانيها)، والقسم الثاني هو الذي (1) يفهم ما يقوم به القسم الأول، و(2) يتحكم في، أو على أقل تقدير، يؤثر في ما يفعله القسم الأول. وعلى مستوى الأفراد والمجتمع، يصبح القسم الأول هو سلوك الأفراد الآخرين أو مجموعة معينة من البشر (كَثُرَت أو قلَّت). بكلمات أخرى فإن عقلك سوف يفهم ما يفعله الآخرون، خيراً وشرّاً.
    بهذا المعنى فأن عقلك أو قدرتك على الفهم تجعل من الآخرين ميداناً لفهمك.
    فهمتُ: أنك إن كُنتَ أصيلاً فإنك تكون منفصلاً عما يغضب له الناس ويفرحون.. أنتَ تتفاعلُ معهم بطريقتين: مرةً حين تراقبُ الشيء الذي له يفرحون ويغضبون -أيّ أنك تدرس حالات انفعالهم- ومرةً حين تُعلِّق على انفعالهم وِفقاً لتقييمك له في قاموسك الخاص. القسم الأول صحيحٌ أنه أصل لكنه يعيش مع الآخرين كما هم لا ينفصل عنهم رغم أنه يميّز ما يفعلون، والقسم الثاني أصلٌ لكنه لا يتفاعل مع الآخرين حسب تفاعلاتهم بل حسب فهمه لتفاعلاتهم. -ملخبط شوية!-

    في الفقرة: لا تنسَ أمراً مهماً: أنهم ليسوا أندادك وأنت لست ندّاً لهم، فلا تخرّب حقلك ومختبرك بالتفاعل معهم بحسب متطلبات تفاعلهم، خيراً وشرّاً، وكأنك واحد منهم. هل سمعت بانسان يغضب مثلاً من كائناته المختبرية لأنها أتت بما يخالف رغبته؟ المسألة ليست رغباتك. أنهم هكذا فافهمهم ولا تنفعل لما يفعلون.دعهم يفعلون ما يفعلون، وأبقِ على الحد الأدنى من التفاعل معهم، إلا إن كنت ترغب لسبب أو لآخر في فعل شيء يتطلبه دخولك بما يبدو أنك ندٌ لهم.

    فهمتُ: لأن الأصل لا ينفعلُ بما ينفعل الآخرون، فهو ليس مثلهم ولا فائدة من أن يرهق نفسه من الخوض معهم في حديثٍ يتداولونه من مستوى فهمهم وانفعالهم لأنه ينظر إليهم من أعلى وكأنه يتفحص الأشياء من عدسةٍ مخبرية، ولهذا هم كائناته المخبرية: منهم يفهم الأشياء وسير الحياة. كيف يتفاعل الأصل مع من تجرّد من لباسهم وعرّاهم على حقيقتهم؟! هذا الأصل يعرف منابع تصرفاتهم وانفعالاتهم فمن السُخفِ أن يُرهق نفسه بجدالهم والانفعال معهم فيما ينفعلون، فليتركهم يفعلون ويقولون وليكتفي هو بالنظر والسماع والتبسم حين يشاء ولربما ضحك أحياناً.

    وأجمل شيءٍ هذه العبارة: لقد رفعك عقلك مكاناً عليّاً، فلماذا تريد النزول؟

    لا أعرف إن كان هذا ما قصدت يا حراصي، فقد قال الرواحي والعبري والباحث وآخرون أشياء مختلفة جداً، وربما أكون قد فهمتُ ما أردتُ أن أفهم، لكني أشكرك على المقال الجميل الممتع.

    ردحذف
  22. سعيد الريامي أشار في الأعلى الى نقطة مهمة وهي فكرة "التفرد" Individuation التي قال بها بعض علماء النفس وغيرهم.

    لمن اراد الاستزادة يوجد تعريف مفصل للغاية لهذه الظاهرة في الويكيبيديا باللغة الانجليزية

    http://en.wikipedia.org/wiki/Individuation

    ردحذف
  23. "إن المساواة مع العدو هي الشرط الأول لنزال شريف وحيثما يوجد مجال للاحتقار لا يمكن للمرء أن يخوض حربا"
    أنت لست ابن سينا ولا الفارابي ولا أفلاطون أنت نشتية...
    فعلى من ستعلن الحرب يا نيشتية عمان؟!

    ردحذف