الخميس، 15 أكتوبر، 2009

اسأل حتى أراك



لماذا يسأل الإنسان؟

هناك دواعٍ كثيرة تجعل الإنسان يثير الأسئلة وأكثرها شيوعاً هو طلب المعلومة، فالشخص الذي يسأل "أين ذهب خالد؟" لا يعرف مكان وجود خالد، ويرغب في معرفة ذلك المكان، فيعبر عن ذلك الجهل وتلك الرغبة بهذا السؤال، والتلميذ الذي يسأل مدرسه "ما هي المدة التي يقطعها الضوء بين الشمس والأرض؟" يعبر عن رغبته في المعرفة بذلك السؤال، كما أنه يفترض أن مدرسه يعرف الإجابة عليه.

هذه أسئلة معلوماتية. أي أن السائل يريد أن يعرف معلومة، وبالحصول على الإجابة المقبولة يعود التوازن حيث يسد الجواب الثغرة المعلوماتية الموجودة في السؤال.

ولكن هناك صنف من الأسئلة مختلف تماماً في طبيعته وفي أهدافه.

انها الأسئلة التغييرية. وهي على أكثر من مستوى: فهناك أسئلة تغييرية صغرى وأخرى متوسطة وأخرى كبيرة. سأشرحها فيما يلي مع بعض أمثلة الأسئلة ذات العلاقة بالتعليم.

الأسئلة التغييرية الصغرى (هذه الأسئلة لا ترفض الحالة المستقرة أبداً بل تسعى إلى تعزيز استقرارها من خلال تغيير عنصر أو أكثر من عناصرها الصغرى. أنها أسئلة تطوير جزئي لما هو قائم بالفعل)

- هل سيتم توظيف مدرسين أكثر كفاءة؟

(السائل هنا يسعى إلى التغيير من خلال إبداء رفضه لكفاءة المدرسين الحالية والإلماح إلى ضرورة تغييرهم بمن هم أكثر كفاءة منهم حى يقوى البناء التعليمي القائم)

الأسئلة التغييرية المتوسطة (هذه الأسئلة ترفض الحالة المستقرة رفضاً ليس كلياً ولكنه رفض كبير يغير من بعض أهم عناصرها. إنها أسئلة تطوير كبير لما هو قائم بالفعل)

- لماذا الاصرار على هذه السياسة التعليمية في المدارس؟ لماذا لا نطور سياسة تعليمية جديدة تعتمد على تطوير مهارات الطالب بدلاً من تلقينه؟

(السائل هنا لا يسأل عن إمكانية تغيير عنصر واحد مثل المعلمين ذوي الكفاءة الضعيفة، بل يسأل عن تغيير كبير يطال السياسة التعليمية التي سوف تتغير على إثرها المناهج وطرق التدريس ونوعية المعلمين)

الأسئلة التغييرية الكبرى (الأسئلة هنا ترفض الحالة المستقرة رفضاً كلياً يسعى إلى تغييرها واقتراح حالة بديلة. الأسئلة هنا ليست أسئلة تطوير بل أسئلة تغيير كلّي لما هو قائم)

- لماذا لا ندرس أطفالنا في البيوت؟ ما الذي يجعل المدارس أفضل في فائدتها المعرفية من التعليم البيتي؟

- لماذا التعليم أصلاً؟ لماذا لا ندع الطفل يكتسب المعرفة والمهارات بنفسه دون تعليم نظامي (سواء في المدرسة أو في البيت)؟

- لماذا تعتقدون بأن اكتساب المعرفة والمهارات أمر فيه خير؟ ماذا لو عاش الإنسان بدونها؟

(في هذه الأسئلة لا يرفض الحالة التعليمية رفضاً صغيراً –مثل السؤال عن جودة المعلمين – أو رفضاً كبيراً – مثل السؤال عن السياسة التعليمية- بل يرفض الحالة التعليمية القائمة بأكملها من خلال التشكيك في قبل عناصرها الأساسية مثل التعليم في المدارس، أو في جدوى التعليم النظامي بأكمله، بل حتى في جدوى اكتساب المعرفة والمهارات)

إن وضعنا الأسئلة في خط فإننا سنجد أن له نهايتين، في إحداهما نجد الأسئلة المعلوماتية التي تتطلب إجابة وبالاجابة تنتهي حالة السؤال، وفي النهاية الأخرى الأسئلة الكبرى التي لا تتطلب إجابة معلوماتية بل هدفها اقتراح بناء آخر بدلاً من البناء المستقر.

طبيعة السؤال الذي يسأله الإنسان تحدد أصلية هذا الإنسان ونسخيته، فالناس المتناسخين سيسألون (إن سألوا) أسئلة يريدون بها الإجابة المعلوماتية البسيطة. أما من هم ليسوا نسخاً من آخرين بل هم أصليون في ذواتهم فهم الذين يسألون الأسئلة الكبرى.

ما أهمية الأسئلة الكبرى؟

انها في الحقيقة ليست أسئلة ولكنها دعوات لتغيير البناءات المستقرة، واقتراح بناءات جديدة. هذا النوع من الأسئلة يدل على حيوية الإنسان الفرد والمجتمعات والأمم، وبدونها فإن الحياة ستستمر كما هي بلا تغيير. الأسئلة الكبرى هي التي تقاوم الموت.

هناك تعليقان (2):

  1. إذا كنت تسأل عني (خالد)؟
    فأنا هنا.. أول واحد أعلق علي هذا الموضوع الشيق.

    يعجبني إستهلالك،،وتلغيمك للفكرة،، وبالنسبة لي فإنا قد وصلت.. نعم معظم إبداعات المبدعين واختراعات المخترعين بدأت بأسئلة تم البحث عن إجابات لها..

    ولكننا.. (بعض الناس) لا نسأل عما يفتح الآفاق، بل نجيب أكثر مما نسأل.. وإجاباتنا عقيمة ولا تدل على إستقراء جيد للسؤال أولا وللفكر بعده

    ولا فظ فوك

    الطير المهاجر

    خالد

    ردحذف
  2. نعم أستاذي الناس العاديون هم المتناسخون ولكن ألا تلاحظ أستاذي أن كان شخص يعمل في مؤسسة وهذا حصل لي شخصيا وكنت دوما أسأل اسئلة تغييرية صغيرة ومتوسطة من أجل التطوير ......... ومنها النتيجة يوجد صدام بين افكاري وتحسب لي سلبية لكثرةانتقادي وفالأخير السياسة العيا تعمل على عزلي من التسليل الوظيفي لكي لا أوصل لنهاية السلسلة واضادهم بل اضل موظف لا حول لي ولا قوة ...... والنهاية أركن للأسئلة المعلوماتية التي لا حراك لها .

    الدول تقدمت بسبب سياية التغيير والأسئلة التغيرية .

    وأرجوا من استاذي أن يسهب في هذا الموضوع لكي نتعلم كيفية تغيير الحياة سواء عملية أو شخصية من باب الأسئلة الفكرية والتغييرية وكيفية إتقانها وكيفية طرحها بشكل مقبول للجميع..

    تحياتي

    ردحذف