الجمعة، 26 يونيو، 2009

محاضرة "علم الجينات والأخلاق" لمايكل سانديل



فيما يلي تلخيص لمحاضرة مايكل سانديل "علم الجينات والأخلاق"ضمن سلسلة "محاضرات هيث"



تلخيص (إعداد عبدالله الحراصي)

يبتديء سانديل محاضرته بسرد قصة امرأتين شاذتين جنسياً تزوجتا وكانتا مصابتين بالصمم، ورغبتا في أن يكون عندهما طفل، ولكنهما أرادتا أن يكون هذا الطفل أصمّا مثلهما، حيث آمنتا بأن الصمم ليس إعاقةً بل هو مظهرٌ من مظاهر هويتهما الثقافية، فبحثتا عن متبرع بحيوان منوي يمكن أن يحقق لهما هذا الحلم، وبالفعل وجدتا هذا المتبرع الذي أصيبت خمسة أجيال من أسرته بالصمم، وبالفعل ولد الطفل المرغوب أصماً. وبعد ولادة الطفل وقع جدلٌ اجتماعي كبير لأن كثير من أفراد المجتمع أتهم المرأتين بتعمد التسبب في إعاقة المولود، وهذا بحسب سانديل طرح سؤالاً فلسفياً: هل هناك خطأ في التخطيط المتعمدة لولادة طفل أصمّ؟ وإن كان هذا خطأُ فما وجه الخطأ؟ هل هو الصمم؟ أم التخطيط؟ وبعيداً عن الصمم، فهل من الخطأ أن يقوم الوالدان بالتخطيط لنوع الطفل الذي يريدانه كي يحمل خصائص معينة يرغبانها؟ أولا يفعل الناس هذا دائماً بطرق مختلفة من بينها اختيار الزوج أو الزوجة؟

يضيف سانديل بأن التطورات في علم الجينات تمنح البشرية الأمل، ولكنها في الآن ذاته تتسبب في مأزق أخلاقي. يكمن الأمل في إمكانية التوصل إلى علاج لكثير من الأمراض المستعصية، أما المأزق فيكمن في أن المعرفة الجينية المعاصرة سوف تمكن الانسان من التلاعب في الطبيعة الانسانية بطرق مختلفة كتطوير عضلات الجسم، أو زيادة الذاكرة وغيرها. ويتمظهر هذا المأزق في قلق عميق يراود الكثيرين بأن بعض أشكال الهندسة الوراثية تنطوي على إشكالات أخلاقية.

ويضرب مثالاً على تطورات الهندسة الوراثية يتمثل في معالجة ما يصيب العضلات من أمراض ومشاكل، ويتساءل: ماذا لو تم استخدام هذه المعرفة في تطوير رياضيين ذوي عضلات خارقة؟ ويشير إلى أن العلماء قد اخترعوا جيناً تحقن به الفئران فتنمو عضلاتها ويمنع تدهور تلك العضلات وضعفها مع تقدم عمر تلك الفئران، وهذا ما أثار آمال الرياضيين في تطوير عضلات البشر، مع أن القوانين تمنع مثل هذا الأمر حتى الآن. ويتساءل كذلك: ترى لو حدث هذا، هل ستمنع المؤسسات الرياضية الرياضيين الذين تعرضوا لتغييرات جينية مقويّة من المشاركة في المباريات المختلفة؟ وعلى أي أساس؟ يقول سانديل أن هناك سببين أساسيين يقفزان إلى الذهن لمثل هذا المنع، يكمن أولهما في الأضرار الصحية المحتملة جراء استخدام مثل هذه المقويات الجينية للعضلات، غير أنه يرد على هذا بأن المشكلة الأخلاقية سوف تبقى، فماذا لو ثبت بأن هذه المقويات سليمةٌ تماماً وتخلو من أية أضرار صحية للرياضي؟ أما السبب الأساسي الثاني فيكمن في الإخلال بمبدأ العدالة، فالرياضي الذي حقن بالجينات المقوية سيكون أقوى من الرياضي العادي وفي هذا ظلم للأخير، غير أن سانديل يدحض هذه الحجة، فالظلم سيزول حين تكون الجينات متوفرة للجميع وليست حكراً على رياضي دون آخر. كل هذا يجعل سانديل يجادل بأن الإشكال الأخلاقي حول التدخل الجيني يتجاوز أخطار السلامة الجسدية أو غياب المساواة.

ويشير إلى أن التقوية الجينية لا تقتصر على العضلات فحسب، بل يمكن أن تنجح في تقوية الأدمغة كذلك، فقد نجح العلماء في تخليق فأر خارق الذكاء عن طريق حقنه بجين إضافي من جينات الذكاء، والنتيجة فأرٌ يتعلم على نحو أسرع من الفئران العادية، كما أنه يمتلك ذاكرة أفضل منها. ويشير إلى أن الشركات تبحث عن مقويات للذاكرة للبشر، والزبائن ليسوا فقط ممن يعانون من اضطرابات في الذاكرة، بل معظم الناس قد يكونون زبائن لأن الذاكرة البشرية تبدأ في التضعضع والضعف عند وصولهم عمر الخمسين، كما أن بعض طلبة الجامعات بدأوا في تعاطي أدوية اضطرابات الذاكرة لكي يقووا من ذاكرتهم في فترات الامتحانات الدراسية.

كل هذه الأمثلة حول التدخل الجيني في العضلات والعقول يجلعنا، كما يقول سانديل، نتساءل: هل نحصر وظيفة علم الجينات في معالجة المشاكل الصحية أم أننا نستخدمه في إعادة هندسة أجسامنا وعقولنا؟

يقول سانديل بأن أكثر استخدامات الهندسة البيولوجية إغراءً يكمن في اختيار جنس الجنين، وهو أمر طالما سعى اليه الانسان بطرق مختلفة طوال التاريخ، ووردت في التراث العالمي نصائح مختلفة لتحقيقه، غير أن العلماء المعاصرين نجحوا تماماً فيما فشلت فيه تلك النصائح التراثية من خلال استخدام وسائل طبية تم تطويرها في الأساس لاكتشاف المشاكل الصحية غير أنها قابلة للاستخدام في تحديد الجنس. وهنا يظهر اعتراض مفاده أن هذا التدخل ينطوي على تمييز بين الجنسين، وخصوصاً ضد الأناث، وتفيد الدراسات بأنه يوجد، بسبب مثل هذا التمييز، 120 ذكراً لكل 100 أنثى في الصين، و يوجد في بعض مناطق جنوب الهند 140 ذكراً لكل 100 أنثى. ولكن ماذا لو تم استخدام هذه التقنيات في مجتمعات لا تفضل جنساً على آخر، مما لا يضر بتوازن الجنسين؟ هل سيكون مقبولاً؟ ماذا لو تمكنا من استخدام الهندسة الوراثية في تحديد الطول، ولون العينين والتوجه الجنسي، والذكاء، والقدرة الموسيقية؟ هل سيكون هذا مقبولاً أيضاً؟

يقول البعض بأن الهندسة الجينية تقوض الجهد البشري الطبيعي، مثلما هو الأمر في حالة الرياضيين الذين يطورون مهاراتهم في العادة بالمواظبة على التدريب، وهو ما سيؤدي إلى أن احترامنا للاعب المقوى جينياً سيضعف لعلمنا أنه لم يجتهد للوصول إلى ما وصل إليه. ولكن سانديل يشير إلى أن رفض هذه التدخلات من قبل الهندسة الوراثية ليس بسبب تقويضها للجهد البشري، ولكن الخطر الأعمق يتمثل في أنها تمثل قوة تتدخل في الطبيعة الانسانية لتحقق أغراضاً ورغبات مسبقة، ورغم أن مثل هذا النزوع للقوة والسيطرة والتخطيط هو نزوع طبيعي في النفس البشرية إلا أن جزءاً من جمال الحياة يكمن في معرفة أن قدراتنا ليست من صنعنا رغم مساعينا لتقويتها، وهذا الادراك سوف يمكننا من كبح هذا النزوع للتفوق الخارق، ويدعونا للتواضع، وهذا، كما يقول سانديل، إدراك نابع من الدين جزئياً، ولكن صدى هذا الادراك يتجاوز الدين.

الأبوة مثلاً تعني الفرح بالمولود أيا كانت طبيعته، وليس باعتباره منتجاً لتخطيطنا ولرغباتنا ولآمالنا. نحن نقبل الطفل أيا كانت مزاياه. ونحن نختار أزواجنا وأصدقائنا بما نحبه فيهم من مزايا، أما أطفالنا فنقبلهم كما هم، مهما كان بهم من مشاكل أو إعاقات صحية، فتلك المشاكل والإعاقات إن وجدت ليست من صنيع الآباء. وملخص فكرة سانديل في رفضه لتدخل الهندسة الوراثية ينطلق من أن مثل هذا التدخل ينطوي على عجرفة إنسانية من خلال التدخل في الطبيعة البشرية، وحتى لو لم يمارس الآباء هيمنة على أطفالهم، فهذا التدخل الهندسي الجيني يحرم الآباء من فضيلة التواضع وفضيلة التعاطف والتراحم التي تكمن في قبول المولود كما هو.

ويشير سانديل إلى أن هذه النقاشات حول الهندسة الجينية تذكر بالنقاشات التي دارت حول علم "تحسين النسل" eugenics الذي كان يهدف إلى تطوير الإنسان بالابقاء على الأعراق البشرية "الأفضل" والقضاء على الأعراق "الأسوأ"، ويتمثل هذا في الطرح النازي الذي يرى بتفوق العرق الأبيض على الأعراق الأخرى. وهناك اتهام للهندسة الجينية بأنها تقوم بمثل هذا المسعى للتغيير الكلي للإنسان ولكن بطريقة رأسمالية فردية، إلا أن المدافعين عن الهندسة الوراثية يقولون بأن علم تحسين النسل البشري كان يطبق بالاكراه، والأمر ليس كذلك في حالة الهندسة الوراثية، فليس هناك مسعى للتخلص من أعراق بشرية (كما أراد النازيون مثلاً). ويقول سانديل بأن هذه حجة واهية، حيث أن هذا العلم علم بغيض في كل الحالات حتى حينما لا يكون بالاكراه وحينما لا ينطوي على إبادة لإعراق معينة.

وفي سياق الحديث عن تحسين النسل يشير سانديل إلى رئيس وزراء سنغافورا لي كوان يو الذي أبدى في الثمانينيات من القرن العشرين خشيته من أن النساء السنغافوريات اللاتي حصلن على تعليم جيد يلدن عدداً من الأطفال أقل من النساء الأقل تعليماً، وموضع الخشية هو أن الأجيال اللاحقة ستكون "مستنزفة المواهب" لأن معظم الأطفال المولودين سيرثون ضعف القدرات العقلية التي توجد عند آباءهم وهو ما سيقلل من المواهب مستقبلاً، ولهذا وضع كوان يو سياسات تشجع طلبة الجامعات على الزواج، ومن بين هذه السياسات تأسيس خدمة حاسوبية لـ"المواعدة" بين الجنسين dating service تديرها الدولة، وحوافز مالية للمتعلمات ليلدن الأطفال، وفصولاً في المغازلة بين الجنسين في مناهج الدراسة الجامعية الأولى، ورحلات بحرية مجانية للعشّاق من طلبة الجامعات، كما قدم للنساء المحدودات الدخل اللاتي لا يحملن شهادة ثانوية مساعدات مالية بشرط قبولهن بأن يتم تعقيمهن من قبل الدولة حتى لا يلدن. ويقول سانديل بأن الدولة وإن لم تعمد إلى الإكراه هنا إلا أن الإشكال الأخلاقي يظل موجوداً في تحديد السمات الجينية للجيل القادم.

إن لغة مساعي تحسين النسل تعود مرة أخرى في عصر الجينوم، ليس بين منتقديها بل بين المدافعين عن التطوير الجيني، وهو عصر تبدو فيه الدولة "محايدة" لا تتدخل في مسار النسل وتترك الأمر بأكمله في أيدي الآباء ليختاروا ما يشاؤون من سمات وراثية يرتضونها لأبناءهم. ولكن سانديل يقول بأن اختفاء الإكراه من قبل النظم السياسية لا يلغي الاعتراض على تدخلات الهندسة الجينية، ويقول بأن المشكلة الأعظم في الحالتين معاً (أي مساعي تحسين النسل من قبل الدول، والهندسة الوراثية) تكمن في انتصار التخطيط والقصد والهيمنة والإخضاع على قَبول ما يوهب الإنسان طبيعياً.

ويسأل سانديل عن السبب الذي يجلعنا نبدي المخاوف جرّاء هذا الانتصار، لماذا نخشى على اختفاء المواهب الطبيعية؟ من ناحية دينية الأمر واضح، ففي الهندسة الوراثية إساءة فهم لرسالة الإنسان في الكون ووضعه فيه وتداخل دوره ما هو إلهي، ولكن الدين، كما يقول سانديل، ليس هو السبب الوحيد للاهتمام بالمواهب الإنسانية، فالقضية الأخلاقية لتدخل الهندسة الوراثية في تحسين المواهب الإنسانية يمكن أن تطرح حتى من منظور علماني صرف، فمثل هذا التدخل سيتسبب في تحول كبير لثلاث من فضائل الحياة البشرية هي التواضع والمسؤولية والتكافل الانساني. ويقول أنه في عالم تسود فيه الهيمنة والإخضاع بين البشر فإن الأبوّة تشكل مدرسةً في التواضع الانساني، فعدم القدرة على اختيار ما يرغب فيه الإنسان يعلمه الرضا بما يأتيه، وهذا يصدق كذلك على المجتمع، وهذا يجعلنا نكبح نزعات الهيمنة والسيطرة. ويعتقد البعض بأن الهندسة الوراثية ستقضي على المسؤولية الانسانية من خلال تجاهل دور الجهد البشري، غير أن سانديل يقول بأن المشكلة الأساسية لا تكمن في تآكل المسؤولية بل في انفجارها وتعاظمها، حيث أن انعدام التواضع يجعل أمر المسؤولية أعظم وأكبر، فاختفاء القبول بما يأتينا دون تخطيط يجعلنا نتحمل المسؤولية تجاه الأختيارات التي نقوم بها، فيصبح الاباء مسؤولين عن أختيار المزايا الصحيحة لأطفالهم أو عن فشلهم في هذا الأختيار، كما أن الرياضيين سيكونون مسؤولين عن اختيار السمات الجسدية التي ستمكن فريقهم من الفوز على الفرق الأخرى. إن إحدى محاسن الايمان بالله والقدر وحتى الصدفة هي أننا لسنا مسؤولين مسؤولية كاملة عن أوضاعنا، فربما يلوم المدرب اللاعبَ اليوم إن أخطأ في رمي الكرة بسبب عدم وقوفه في المكان الصحيح، أما في المستقبل فسيقع اللوم على ذلك اللاعب لقصر قامته. كما أن شعورنا بالمسؤولية تجاه قدرنا وقدر أطفالنا سيدمر مسؤوليتنا حول من هم أضعف وأقل منا، وهو ما سيقضي على التكافل الانساني.

ويتساءل سانديل عن سبب وجود التكافل الإنساني، ويقول بأن الموهبة هبة، ولهذا لا يمكن أن نتخلى عن من هم أقل منا في المواهب والقدرات لأنهم ليسوا مسؤولين عمّا هم فيه، كما أن الشعور بالتكافل يحمي المجتمع من معتقدات قد يتم تسويقها في المستقبل مثل القول بأن الغني غنيٌ لأنه يستحق أن يكون غنياً أكثر من الفقير، كما أن المواهب الإنسانية ستتراجع عندما تكون تلك المواهب مسألة أختيار وليست أمراً يوهب للإنسان بدون أي دخل له في اختياره.

يختتم سانديل محاضرته بالاشارة إلى إغراء في الفهم مفاده أن الهندسة الوراثية للناس ولأطفالهم كي ينجحوا في مجتمع تنافسي هو ممارسة للحرية، غير أن تغيير طبيعتنا كي تتوائم مع العالم، وليس العكس، هو في حقيقة الأمر أعمق أشكال الإِضعاف، فهذا سيمنعنا من التفكير النقدي في الكون، كما أنه يقتل الدافعية للتطوير الاجتماعي والسياسي، ولهذا يقول سانديل بأنه بدلاً من هندسة أنفسنا وأطفالنا لنتوائم مع العالم، من الأحرى أن نقوم بما يلزم من ترتيبات اجتماعية وسياسية تنطوي على تقدير أكبر للمواهب البشرية ولأشكال الضعف والعجز الإنسانية، أي أن نوائم العالم مع الطبيعة البشرية، لا أن نغير في تلك الطبيعة كي تتناغم مع رؤية غير أخلاقية للعالم.

هناك تعليق واحد:

  1. بارك الله فيك
    اتمنى أن يستفيق العرب من سباتهم العميق
    أعتقد أن المشكلة مع الغرب سوف تأخد منحنى ثاني في المستقبل البعيد
    تحياتي
    جزائرية

    ردحذف