الخميس، 25 يونيو، 2009

محاضرة "الأسواق والأخلاقية" لمايكل سانديل



فيما يلي تلخيص لمحاضرة "الأسواق والأخلاقية" لمايكل سانديل ضمن سلسلة "محاضرات هيث"

تلخيص (إعداد عبدالله الحراصي)

يقول سانديل في هذه المحاضرة بأننا نعيش عصر أزمة مالية، غير أنه في الآن ذاته عصر أمل كبير من الإحياء الاخلاقي والمدني الذي تتمثل بعض معالمه في انتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة، كما أن هناك أملاً شبيهاً في عديد من الديمقراطيات في مختلف أنحاء العالم. النتيجة واحدة في كل هذه التجارب وهي أن السياسة التي نريدها ليست سياسة تجري وراء المصلحة الذاتية بل وراء الصالح العام. وهذه السياسة ستفرض بعض المتطلبات على معنى المواطَنة وتتطلب مناقشات تضع في صلب اعتبارها الرؤى الأخلاقية بل وحتى الروحية.

ولو ركزنا على قضايا الأهمية الأخلاقية، لا بد من مناقشة دور الأسواق ومحدوديتها، فنحن نعيش في نهاية مرحلة أنتصار السوق التي كانت ترى بأن الأسواق هي الآلية الأساسية لتحقيق الصالح العام، وما نعيشه الآن يثير كثير من الشكوك والتساؤلات حول دور الأسواق في الحياة العامة، وهو وقت مراجعة دور الأسواق في تحقيق المصلحة العامة. ويرى سانديل بأنه نتيجة لانعتاق الأسواق عن القيم الأخلاقية الأساسية في الفترة الماضية فلابد من إعادة ربط الأسواق بالأخلاق.

ولكن، يتساءل سانديل، كيف يتم ذلك؟ يناقش في البداية رأي شائع يمكن أن يجيب على هذا التساؤل، مفاده بأن السوق يقوم على الجشع والمصلحة الذاتية المحضة، ورغم أن الجشع رذيلة من الرذائل الانسانية إلا أن الاقتصاد المعاصر قد حولها إلى أداة من أدوات الصالح العام، ويشير سانديل إلى آدم سميث الذي رأى بأن المصلحة الشخصية للجزار هي التي تجعله يوفر اللحم للمشترين، وليس أية إنسانية متوهمة. إلا أن سانديل يرى بأن اعتبار الجشع لبّ السوق والاقتصاد لا يمكن أن يفيد في فهم فترة انتصار السوق وما سببته من أزمة اقتصادية معاصرة.

يقترح سانديل بأن الحل يكمن في دراسة جوانب الحياة المختلفة التي تمددت اليها آليات السوق رغم أنها كانت تحكم في الماضي بقيم وقوانين أخلاقية صرفة. ولابد من مناقشة عامة لفهم معنى الدعوة إلى وضع السوق في حدوده، ولابد في هذا الاطار من تحديد الحدود الأخلاقية للسوق. وهنا يفرق سانديل بين الأشياء التي لا يمكن للمال أن يشتريها، والأشياء التي يمكنه أن يشتريها، ولكن لا ينبغي عليه أن يشتريها.

ومن الأمثلة على بعض المجالات التي دخلت إليها آليات السوق خصخصة المدارس والسجون والمستشفيات، والمرتزقة والمتعاقدون في الحروب، وانهيار نظام الشرطة من خلال نشوء شركات الأمن الخاصة، وتسويق الأدوية في دعايات وسائل الاعلام.

يتناول سانديل قضية دخلت إلى فهمها والتعامل معها آليات السوق وهي قضية اللاجئين في العالم، فقد اقترح البعض أن يطلب من اللاجئين أن يدفعوا مبلغاً من المال للحصول على الجنسية الأمريكية، وهذا ما سيضمن بأن من سيأتي سيكون من الماهرين الذين لن يشكلون ضغطاً على الخدمات العامة في الولايات المتحدة. كما يشير سانديل إلى اقتراح آخر يرى بأن على دول العالم أن تتفق على حصص من اللاجئين من مواطنيها، ويمكن لهذه الدول إن شاءت أن تبيع هذه الحصص لدول أخرى بحيث يستطيع أن يهاجر من يريد من مواطني تلك الدول إلى بلدان المهجر التي يريدون الهجرة إليها، وبحسب هذه الرؤية فالجميع رابح، وسيتم تنظيم عملية الهجرة وتشريعها. غير أن سانديل يرى بأن هذا سيجعل من اللاجئين بضاعة تباع وتشترى وسينزع فهمنا لمآسيهم الانسانية.

كما يناقش سانديل الاقتصاديين الذي يقولون بأن الأسواق لا توق الضرر على البضائع التي تتعامل بها، فالسوق كما يقول هؤلاء ليس إلا وسيلة لتبادل البضائع، غير أن سانديل يرى بأن هذا خطأ، فالأسواق تترك بصمتها على المجتمع، ومحفزات السوق تتفوق على المحفزات غير السوقية، ويضرب مثالاً على هذا حين أخذت بعض المدارس في أمريكا في تحفيز الأطفال على القراءة بمنح من يقرأ منهم بعض الدولارات، حيث يرى الاقتصاديون بأن الواقع يقول بأن هذه طريقة مثالية، حيث أنها تحفز الأطفال على القراءة، كما أن هناك من بين الأطفال من لا يقرأ بالضرورة حباً في المعرفة والعلم، وإنما للحصول على المال، وهنا فإن المال يصبح محفزاً إضافياً إضافة إلى محفز البحث عن المعرفة.

غير أن سانديل يرى بأن هذا خطأ لأنه في واقع الأمر يقضي على الهدف الأسمى من القراءة وهو المعرفة، وفيما سيشجع المال على القراءة على المدى القصير إلا أنه سوف يلحق بها الضرر على المدى الأبعد، ويرى بأن آلية السوق هنا ليست آلية بريئة، فما يبدأ باعتباره آلية سرعان ما سيتحول إلى قانون، وسيتحول فهم الأطفال للكتب من كونها وسيلة للمعرفة إلى اعتبارها أداة للكسب، وهذا ما يقضي على الخير الحقيقي للكتب الذي هو الحصول على المعرفة.

وهناك مثال آخر على مثل هذه المجالات التي دخل فيها السوق في الحياة الاجتماعية والأخلاقية يتمثل في لجوء إحدى دور رعاية الأطفال النهارية إلى فرض غرامة رمزية بسيطة على الأباء الذين يتأخرون في مجيئهم لأخذ أطفالهم من تلك الدور، بعد أن كانت إحدى المدرسات تضطر إلى التأخر إلى حين قدوم هؤلاء الأباء. وبدلا من أن تكون هذه الغرامة محفزا على تقليل عدد حالات تأخر الآباء أصبحت محفزاً على مزيد من التأخر حيث تم اعتبار الغرامة نوعاً من الأجر نظير خدمة أنتظار مجيء الآباء. ويشير سانديل إلى ما يعتبره خطأً أخلاقياً هنا فالغرامة التي ينبغي أن تكون محفزاً على رؤية الخطأ الأخلاقي الذي يتمثل في تأخير ذهاب المدرِّسة إلى بيتها ومراعاة ذلك أخلاقياً أصبحت مجرد مبلغ من المال الذي يدفع نظير خدمة، وتم نزع البعد الأخلاقي منها، ويشير إلى أن الغرامة في مثل هذه الحالات (وحالات أخرى مثل فرض الغرامة على من يرمي المخلفات في الشارع) لا تلغي الخطأ أبداً، أما اعتبارهاً رسماً مقابل خدمة فيمنع رؤية الخطأ فيها.

يضرب سانديل أمثلة متعددة أخرى من بينها شراء الدم وبيعه في أمريكا، فبعد أن كان التبرع في الدم مؤشراً على الايثار الأخلاقي والتضحية من أجل الآخرين أصبح محض تجارة خالية من أي قيمة أخلاقية. كل هذا يوحي بأن السوق يضع بصمته على الأخلاق. ويستدرك سانديل بأنه لا يقول بأن كل هذا سلبي ولكنه يدعو إلى مزيد من المناقشات العامة (التي تستحضر القيم الأخلاقية والدينية) حول هذه القضايا لكي تتضح حدود الأشياء، ولوضع السوق في حجمه الحقيقي دون أن تتمدد آلياته وقوانينه إلى الحياة الاجتماعية التي ينبغي أن تسودها القوانين الأخلاقية. كانت هذه المناقشات غائبة في فترة انتصار السوق، وفي غيابها، يقول سانديل، "تحولنا من اقتصاد السوق إلى مجتمع السوق".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق