الثلاثاء، 23 يونيو، 2009

تحقيق صحفي عن "ترجمة القرآن الكريم .. بين قداسة النص وتبسيط المدلولات"





تحقيق صحفي عن "ترجمة القرآن الكريم .. بين قداسة النص وتبسيط المدلولات"

ملحق "أشرعة" الثقافي بجريدة الوطن العمانية (الثلاثاء 23 يونيو 2009)

كهلان الخروصي: لابد من مراعاة العوامل الفكرية والاجتماعية والذهنية والنفسية حين نريد تقريب معنى نص من نصوص القرآن الكريم لقارئ لا يتقن اللغة العربية

عبدالله الحراصي: الترجمة عنصر رئيس من عناصر تشكيل التداخل الحضاري العالمي

تحقيق ـ أحمد بن ناصر الحارثي:

القرآن الكريم المعجزة الخالدة التي تمتد في أفق الزمان إلى نهايته وتتميز هذه المعجزة في كونها شاملة لمختلف جوانب الحياة الإنسانية وصالحة لكل زمان ومكان، وكما هو معلوم فإن رسالة الإسلام رسالة عالمية لا تختص بشعب دون آخر ولا بجنس دون آخر وإنما هي للناس أجمعين وقد اختار الله سبحانه وتعالى اللغة العربية لتكون وعاء لهذا الدين وشرفها بأن نزل القرآن الكريم بها، ومع انتشار الدين الحنيف وامتزاج الحضارة الإسلامية بالحضارات الأخرى فقد كانت هناك صعوبة في فهم هذا الدين وتطبيقه التطبيق الأسلم لكون أن هناك كثيرا من الشعوب والحضارات لا ينطق أهلها العربية، وفي خضم هذه المشكلة وحاجة هذه الشعوب للتعرف على دينها وقراءة كتاب ربها كانت الحاجة ماسة لترجمة القرآن الكريم إلى لغات أخرى غير اللغة التي أنزل بها، فكيف نظر العلماء إلى هذه القضية؟.. وكيف يمكن أن نوفق بين قداسة النص القرآني وترجمته إلى لغات أخرى خاصة وأن اللغة التي نزل بها القرآن هي اللغة العربية وهي التي أظهرت دلالاته ومعانيه وإعجازه؟، كما طرحنا بعض التساؤلات حول موضوع الترجمة ذاتها كأهمية الترجمة في الوقت الراهن إذا ما قارناها بأهمية العلوم الإنسانية الأخرى والعقبات التي تواجهها الترجمة خاصة ترجمة النصوص الدينية وترجمة معاني القرآن الكريم وغيرها من التساؤلات ذات الصلة.

وكمدخل للموضوع فإننا بداية نتعرف على معنى الترجمة وأهميتها في الوقت الراهن إذا ما قارناها بأهمية العلوم الإنسانية الأخرى وفي هذا يقول الدكتور عبدالله الحراصي أستاذ الترجمة المساعد بجامعة السلطان قابوس: الترجمة هي سبيل من سبل التواصل بين الحضارات والثقافات المختلفة التي ينسد التواصل اللغوي بينها بسبب وجود لغات مختلفة. وتقوم أساساً بأن يقوم مترجم باختيار نص معين و"نقله" الى اللغة الأخرى. على المستوى الأعم فإن الترجمة تعني كذلك نقل المعارف والعلوم والاداب من لغة الى لغة أخرى ومن ثقافة إلى ثقافة أخرى، وهذا يؤدي الى عملية حضارية مهمة تسمى المثاقفة حيث تخرج الحضارات من "أسر" اللغة لتتداخل وتتفاعل مما يؤدي الى التعارف والتواصل البشريين، وتجميع خبرات الحياة الانسانية المختلفة وتطوير خبرة إنسانية تعلو على حواجز اللغة، وما تفرضه الثقافات المنفصلة من ضيق حضاري ومن رؤى تعتمد على ما لدى حضارة معينة لا تشترك فيه مع ما لدى الحضارات الأخرى.

أما عن أهميتها في الوقت الراهن فيقول: الترجمة في الوقت الراهن عنصر رئيس من عناصر تشكيل التداخل الحضاري العالمي، ووسيلة مهمة من وسائل تشكيل عولمة العلوم الإنسانية، حيث كانت العلوم الانسانية وغير الانسانية في العادة أسيرة لغاتها، فقامت الترجمة بإخراج هذه العلوم الى آفاق إنسانية. انظر مثلاً إلى علم الاجتماع، ستجد أن هذا العلم قد تطور تطوراً ضخماً من خلال الترجمة لتتآلف وتتفاعل فيه معارف الشرق والغرب في دراسة الاجتماع البشري، فتجد على سبيل المثال ابن خلدون العربي، والفرنسي إميل دوركهايم، والألماني ماكس فيبر، وغيرهم من العلماء الذين كسرت الترجمة حواجز اللغة بينهم، وطوروا علم الاجتماع انطلاقاً من التجربة البشرية وفوق حاجز اللغة.

أما إذا ما انتقلنا إلى قضية ترجمة القرآن الكريم إلى لغات أخرى غير اللغة العربية وكيف نظر العلماء إلى ذلك فإننا نجيب عن هذا التساؤل من خلال الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي المستشار الشرعي بمكتب الإفتاء فيقول: حينما ظهرت قضية نقل القرآن الكريم إلى لغات أخرى ظهر معها جدل بين أهل العلم في مشروعية ترجمة هذا الكتاب الذي خاطب الله تعالى به عباده إلى لغة غير اللغة التي نزل بها وهي اللغة العربية فبعض أهل العلم رأى عدم جواز نقل القرآن الكريم إلى أي لغة أخرى ولكن الذي استقر عليه قول أهل العلم وسار عليه العمل هو جواز ترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغات أخرى فهذا الخير الذي أنزله الله تعالى لعباده ليكون نورا وهداية لهم ورشادا وإصلاحا لأحوالهم وسببا لسعادتهم في الدنيا والآخرة لا ينبغي أن يحرم منه أولئك الذين لا يحسنون اللغة العربية وليست اللغة العربية بلغة لهم وهذا لا يتعارض مع كون القرآن أنزل بهذه اللغة التي أكرمها الله عز وجل بإنزال القرآن بها كما يقول سبحانه "إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون" وكما يقول في سورة الرعد "وكذلك أنزلناه حكما عربيا" أي حكمة معبرا عنها في اللغة العربية فإن ترجمة معاني القرآن الكريم التي استوعبتها اللغة العربية إلى لغات أخرى لا يتعارض في شيء مع قداسة القرآن الكريم ولا مع نص القرآن الكريم وكان هذا الرأي هو الرأي الذي يتوافق مع مصالح المسلمين جميعا في أصقاع الأرض.

موضحا أن هذا الدين الحنيف قد امتد فوصل إلى أرجاء المعمورة ولم يعد سهلا خاصة مع تراخي العرب في نشر لغتهم والاهتمام بها لم يعد من السهل أن يتقن كل هؤلاء البشر اللغة العربية حتى يتمكنوا من فهم الخطاب الذي خاطبهم به ربهم الله تبارك وتعالى في هذا الكتاب العزيز الخالد فيسر لهم نقل معاني هذا الكتاب والمضامين التي اشتمل عليها إلى لغاتهم التي يتقنونها فيسر لهم فهم هذا الخطاب وإدراك كثير من أسراره والقدرة على الانتفاع من حكمه وأحكامه.

تراجم كثيرة وخير كثير

مؤكدا أن هذه التراجم حينما تكون للمعاني التي يشتمل عليها القرآن الكريم وإن كانت بشكل موجز ومبسط وكانت أيضا مرتبطة بالآيات في السور القرآنية تكون الترجمة في أغلب الأحيان للآية بعد الآية كما هي في المصحف الشريف إلا أن هذه التراجم هي ليست في حال من الأحوال مصاحف ما لم يكن النص العربي موجودا في متنها فإنها ليست بمصاحف ولا يمكن أن يطلق عليها أنها قرآن وإنما هي ترجمة لتفسير وتوضيح معاني القرآن الكريم وهذا ما استقر عليه كلام أهل العلم ولذلك وجدت ترجمات كثيرة جدا للقرآن الكريم في اللغة الواحدة ولم تكن محصورة بترجمة واحدة لكل لغة من اللغات وإنما نجد مثلا في اللغة الفرنسية تراجم عديدة لمعاني القرآن الكريم وكذلك الحال بالنسبة للغة الإنجليزية فهناك الكثير من التراجم لمعاني القرآن الكريم التي كتبت باللغة الإنجليزية بعضها ينحى منحى الكتابة باللغة الكلاسيكية وبعضها ينحى منحى الكتابة باللغة المعاصرة المبسطة وبعضها يتوسط بين هذا وذاك ولكل ترجمة من هذه التراجم ولكل أسلوب من هذه الأساليب جمهوره المستفيدين منه فإن قضية ترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغات أخرى صارت من القضايا التي انقطع الحديث عنها وأصبح الواقع العملي خير برهان على مشروعية ترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغات أخرى.

مشيرا الى أنه قد تحقق من جراء ذلك الخير الكثير في هذا الدين الحنيف فبسبب الكثير من هذه التراجم تعرف الناس على حقيقة رسالة الإسلام ودخل الكثير منهم في هذا الدين الحنيف كما تطلع الكثير منهم إلى دراسة اللغة العربية لما وجدوا تلك المعاني والمضامين التي يشتمل عليها ما قرأوه هم من تراجم لمعاني القرآن الكريم وهذا دفعهم إلى أن يحاول كثير منهم دراسة اللغة العربية حتى يتمكن من حيازة فضل التعامل مع القرآن الكريم وليس مع تراجمه فعادت هذه الخطوات المباركة بالخير على اللغة العربية ذاتها.

وفي سؤال آخر للدكتور كهلان الخروصي حول مدى إمكانية التوافق بين قداسة النص القرآني وترجمته إلى لغات أخرى خاصة وأن اللغة العربية هي اللغة التي تظهر دلالات ومعاني وإعجاز القرآن الكريم أجاب: هذه القضية ـ القداسة ـ إنما هي للنص الموحى به من عند ربنا تبارك وتعالى المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته وهذا يصدق على القرآن كما أنزله الله عز وجل بلغته العربية ولا شك أن اختيار الخالق جل وعلا للغة العربية لكي تكون وعاء لكتابه الكريم هو دليل على ما في هذه اللغة من مزايا وخصائص أهلتها لتكون جديرة بأن يكون خطاب الله عز وجل الخالد لعباده الذي أنزل على رسوله الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم أن يكون بها فاللغة بما فيها من أساليب وتراكيب وأساليب بيانية تتعلق بالمفردات والتراكيب والسياقات هذه المزايا هي التي أهلت هذه اللغة لتكون مدعاة لافتخار المسلم بلغته التي أنزل بها كتابه الخالد لكن ما كان من قداسة فإنها تقتصر على الكتاب المنزل بهذه اللغة أما ما سوى ذلك من تفاسير وشروح أو من تراجم للمعاني والمضامين فهي لها بلا شك تقديرها ومكانتها لكنها بإجماع ليست بمصاحف أو قرآن حتى يقال أن هذا النقل للغات الأخرى للمعاني والدلالات والمضامين التي يشتمل عليها القرآن الكريم سوف يؤدي إلى التقليل من قدسية القرآن الكريم، قدسية القرآن الكريم محفوظة بحفظ هذا الكتاب الخالد باللغة التي أنزل بها وأما ما سوى ذلك من الجهود البشرية التي تحاول أن تبسط المعاني أو توضح وتفسر وتقرب المعاني والحكم والأحكام والمواعظ التي يشتمل عليها القرآن الكريم فهذه جهود بشرية ناقصة ولا يقبل من أي مسلم أن ينسب قدسية إلى شيء من هذه الأعمال البشرية التي تحاول أن تقرب معاني القرآن الكريم أو تنقل معانيه إلى لغات أخرى وإنما القدسية إلى القرآن الكريم كما أنزله الله عز وجل بلسان عربي مبين.

تشويه الحقائق

ويضيف الدكتور كهلان الخروصي أن بعض تراجم القرآن الكريم وهذه وجدت في لغات عديدة من اللغات الأجنبية ما كان الهدف منها تقريب المعاني وإيضاح ما يشتمل عليه القرآن الكريم من خطاب رباني وإنما كان المقصود منها هو تشويه ما يشتمل عليه القرآن الكريم من رسالة إلهية فيها خير البشرية وهدايتها وهذه قام بها من يحملون في قلوبهم العداء لهذا الدين وبالتالي فإنهم زوروا الكثير من المعاني وشوهوا الكثير من الحقائق لكن بحمد الله عز وجل لم تجد أمثال هذه الأعمال قبولا من الناس ولم تجد قبولا إلا عند المشتغلين بها فقط وكان من الغرائب أن بعض من قصد تشويه حقائق الإسلام من خلال تشويه تراجم القرآن الكريم قدر الله عز وجل أنه لم يتمكن من الوصول إلى بغيته بل رأى حقائق القرآن الكريم وما يشتمل عليه من حكم بليغة فكان ذلك سببا لهدايته ولعزوله عما كان يقصده إلى طريق الخير وطريق الهدى.

وعن العقبات التي تواجهها الترجمة بشكل عام وترجمة معاني القرآن الكريم والنصوص الدينية بشكل خاص يقول الدكتو عبدالله الحراصي: هناك عقبات كثيرة تواجه المترجمين، منها العقبات المتعلقة باللغة وتلك المتعلقة بالثقافة، وهي عقبات تفرض على المترجم أن يتخذ من استراتيجيات الترجمة ما يمكنه من تجاوزها لتحقيق أهداف يضعها نصب عينيه قبل عملية الترجمة واثناءها. فحين نترجم نصاً دينياً على سبيل المثال ينبغي أن نسأل أنفسنا، أنترجمه لقارئ مسلم أم لقارئ غير مسلم؟ الاجابة على هذا السؤال ستساعد المترجم كثيراً حينما يترجم، فهو لا يفترض أي معرفة بالاسلام عند غير المسلم ولهذا سيساعده بتوفير ما يلزم من المعلومات حول المفاهيم التي يعرفها المسلمون عن دينهم وثقافتهم بعكس غير المسلم الذي لا يعرف تلك المفاهيم.

أما عن العقبات التي تواجهها ترجمة معاني القرآن الكريم يقول الدكتور كهلان الخروصي: هناك جملة من العقبات الثقافية التي تظهر حينما تترجم معاني القرآن الكريم إلى لغات أخرى وهذه ظاهرة معروفة في الترجمة بشكل عام، فحينما يراد ترجمة نص فليس من الصواب أن تكون الترجمة حرفية لذلك النص لأن اللغة ليست وسيلة خطاب فقط وإنما هي وسيلة تفكير وإبداع وهي أداة معبرة عن ثقافة وحضارة فلما كان الأمر كذلك في النصوص العادية التي يراد نقلها إلى لغات أخرى ووجد علم الترجمة له قواعده وأصوله وضوابطه كانت الحاجة أدعى إلى أن تراعى هذه الاعتبارات الثقافية واللسانية والصوتية والاجتماعية والنفسية حينما يراد نقل معاني القرآن الكريم إلى لغات أخرى فالحاجة أدعى والضرورة ألزم في أن تراعى الكثير من الاعتبارات السابق ذكرها للغات التي ينقل إليها نص القرآن الكريم أو معاني نصوص القرآن الكريم وهذا ما يفسر السبب الذي دعى إلى كثرة التراجم في اللغة الواحدة لأن هذه الجهود المتدافقة تحاول أن تقرب المعاني التي يشتمل عليها القرآن الكريم بأحسن اسلوب وأفضل طريقة إلى اللغات الأخرى التي يراد الترجمة إليها وبالتالي لابد من اعتبار العوامل الثقافية والحضارية في النصوص التي تترجم وفي اللغة التي يترجم إليها عمل جماعي واستفادة من العلوم الأخرى.

مضيفا أن العقبات الثقافية لا تقف عند حدود فهم معاني بعض المصطلحات والمفردات وإنما ذات الجمل والتراكيب وما لها من دلالات لغوية ونفسية واجتماعية وما تشتمل عليه أيضا من أبعاد معنوية تخاطب هذا الإنسان من جوانب روحية وما تشتمل عليه من مراعاة لاعتبارات نفسية واجتماعية في المخاطب لأن القرآن الكريم يراعي كل هذه الجوانب لأنه أنزل من لدن حكيم خبير وهو كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فكانت الحاجة ماسة لأن تتضافر هذه الجهود للتغلب على هذه العقبات الثقافية وهذا هو الذي يفسر وجود عدد من التراجم في اللغة الواحدة.

مشيرا إلى أن معطيات العصر تتجدد ومن ضمن هذه المعطيات ظهور فروع خاصة لعلوم وفنون كانت منضوية تحت علوم أخرى وإذا بها تغدو في عصرنا الحاضر علوما مستقلة لها قواعدها ومبادئها وضوابطها فالانتفاع منها من أجل تقريب معاني القرآن الكريم هو أمر لابد أن يكون في الاعتبار ويحسب له حساب إن كان فعلا يراد أن تقرب المعاني لأحسن طريقة وأفضل أسلوب.

مؤكدا على ضرورة العمل الجماعي فيما يتعلق بالتغلب على هذه العقبات فكثير من الأعمال التي يشترك فيها أكثر من متخصص في جملة من العلوم والفنون التي لها صلة بنقل وترجمة معاني النصوص المقدسة للقرآن الكريم إلى لغات أخرى لابد أن تتضافر هذه الجهود وأن تجتمع حتى يكمل بعضها بعضا فيكون النقل للمعاني أقرب إلى تحقيق الغاية التي أنزل من أجلها القرآن الكريم باللغة العربية.

وسألنا الدكتور عبدالله الحراصي عن المبادئ والأسس التي يجب أن يتقيد بها المترجم أثناء الترجمة فأجاب: الأساس الأول والأخير هو أن يقوم بالترجمة بحيث تؤدي غرضاً لا أن يترجم هكذا كيفما اتفق. هذا مهم لأنه يحدد أموراً كثيرة، أولها اختيار النص الذي يريد ترجمته ثم كيفية ترجمته ثم موضع نشره وتوصيله للقارئ المستهدف. على المترجم أن يكون ملمّا بكل هذه الضرورات لترجمته وإلا فإن الترجمة لن تكون إلا مجموعة من الكلمات المرصوصة التي لا تخدم غرضاً.

كذلك لا ضير في التغيير والافتراق عن النص الأصلي، فلا يوجد مقدسات في الترجمة، أعني أن المترجم يستطيع، إن كان له هدف واضح، أن يحول في النص ويغيره ويضيف إليه ويحذف منه، بحسب ما يناسب هدفه وقارئه الجديد. ينبغي أن نلتفت أن فعل الترجمة هو غير فعل الكتابة الأصلية، فالكاتب الأصلي كتب نصه أو كتابه لغرض ولقارئ مختلفين، ولهذا فان على المترجم ألا يعد نفسه أسيراً للنص الأصلي، فهو في وضع آخر يمكنه من اتخاذ استراتيجيات أخرى في عملية الترجمة.

وعن مدى تأثير مراعاة الجوانب النفسية والاجتماعية والفكرية أثناء ترجمة معاني القرآن الكريم على الحكم والدلالات التي يزخر بها القرآن الكريم يقول الدكتور كهلان الخروصي: لا بد أن يكون القائمون على ترجمة معاني القرآن الكريم أناس مؤهلون أكفّاء أن يكونوا علماء باللغة التي يترجمون منها وعلماء باللغة التي يترجمون إليها وعلم الترجمة بحد ذاته يستدعي استحضار الكثير من الاعتبارات الاجتماعية والنفسية الذهنية في كل نصوصها وهذا المتفق عليه وهي ليست إيجاد مرادف للكلمة الأجنبية للكلمة العربية التي يراد ترجمتها لأن خطاب القرآن لا يقوم على المفردات فقط وإنما يقوم على تراكيب وجمل هذه التراكيب فيها من البلاغة والبيان ففيها الصريح والكناية فيها الحقيقة والمجاز وبالتالي قد لا توجد في اللغة المترجم إليها أمثال هذه الأساليب فلابد من مراعاة أمثال هذه القواعد أو أمثال هذه الخصائص التي توجد في اللغة العربية واستخدمها القرآن الكريم حينما تنقل إلى لغات أخرى ونحن هنا نتحدث عن معاني القرآن الكريم والمراد هو تفسير وتوضيح وبيان معاني القرآن الكريم فليس من الإنصاف في حق نصوص القرآن الكريم ألا يلتفت إلى أساليبه التي خاطب بها الناس حينما لا توجد في اللغة الأخرى نفس تلك الأساليب بل لابد من اعتبارها ومحاولة تقريبها بما يمكن القارئ في تلك اللغة من تذوق معانيها وإدراك دلالاتها، يتصل بهذا حتى موضوع تذوق اللغة التي يقرأ بها القارئ نصا ما الذائقة التي يستطيع أن يدرك بها الكثير من لطائف المعاني أي قارئ لأي نص هذه تحكمها جملة من العوامل العلمية الفكرية والذهنية والنفسية والاجتماعية هذه أيضا لابد أن تراعى حينما يراد أن يقرب معنى نص من نصوص القرآن الكريم لقارئ لا يتقن اللغة العربية.

أما عن الدور الذي من الممكن أن تلعبه الترجمة في تنشيط الحراك الثقافي بالسلطنة يقول الدكتور عبدالله الحراصي: الترجمة حالة جديدة في عُمان، فهي لم تكن عنصراً فاعلاً في الثقافة إلا في الفترة الأخيرة التي يسعى فيها بعض المهتمين بالترجمة إلى بناء قاعدة من المترجمين وثقافة الترجمة والنصوص المترجمة.

فوجد مثلاً عدد من المترجمين الشباب الذين انتظموا في مجموعة الترجمة في الجامعة وأسرة الترجمة في النادي الثقافي، كما ظهرت العديد من الترجمات في الصحف والمجلات العمانية، إضافة إلى أنشطة أخرى متعلقة بالترجمة مثل الندوات والمؤتمرات التي ناقشت الترجمة وحالها وآمالها المستقبلية. هذه الحركة أدت إلى وعي من قبل العديد من المؤسسات بهذا المسعى فبادرت هي الأخرى إلى تقديم يد العون له فظهرت على سبيل المثال مسابقات الترجمة التي لم تكن موجودة من قبل، مثل مسابقة الترجمة في النادي الثقافي والمنتدى الأدبي وجامعة السلطان قابوس.

هناك تعليق واحد:

  1. إلى اي مدى اتسمت ترجمات القرآن بالدقة في أيصال التعاليم السماوية كما هي خصوصاً تلك المتعلقة بالجهاد والأحوال المدنية والمعملات بين الأزواج (كالتعدد وضرب الزوجة وملك اليمين) والرق وأسرى الحروب وغيرها؟؟

    ردحذف