الخميس، 25 يونيو، 2009

محاضرة "الأخلاقية في السياسة" لمايكل سانديل



فيما يلي تلخيص لمحاضرة "الأخلاقية في السياسة" لمايكل سانديل ضمن سلسلة "محاضرات هيث"



تلخيص (إعداد عبدالله الحراصي)

يتناول مايكل سانديل في هذه المحاضرة العلاقة بين السياسة والأخلاق، وينادي بضرورة إحضار الأخلاق والدين في الممارسة السياسية وفي معالجة القضايا الاجتماعية المعاصرة (في الغرب) مثل قضايا تأجير الأرحام وزواج الشواذ وغيرها من القضايا. يبتديء سانديل المحاضرة بمناقشة ظاهرة تأجير الأرحام، وهي ظاهرة شكلت "صناعة" قائمة بذاتها يكسب فيها كل الأطراف، فبسبب منع تأجير الأرحام في كثير من الدول وفي بعض الولايات الأمريكية وغلاءه في الولايات التي تسمح به عمد الأزواج الراغبين في "الحصول" على طفل إلى استئجار رحم امرأة من دول فقيرة مثل الهند التي سمحت بهذا للحصول على سيل الأموال الذي تدره هذه الصناعة (تشير دراسة إلى أنه في إحدى العيادات الهندية يولد طفل لأبوين بريطانيين من أم هندية أجرت رحمها كل 48 ساعة), والمقصود بكسب جميع الأطراف هو أن المرأة الهندية تكسب مبلغاً ضخماً من المال لا يمكن أن تحلم به، كما أن الزوجين الغربيين يحصلان على الطفل الذي يريدانه.

غير أن هذه الممارسة تثير عدداً من الأسئلة الأخلاقية المهمة، أولها يتعلق بـ"حقيقة" قبول المرأة التي تؤجر رحمها لهذه العملية، فربما يعود ذلك القبول إلى أوضاع الفقر الذي تعيشه تلك المرأة، كما أن هذه العملية فيها حط من شأن الطفل الذي يتحول إلى "بضاعة" يمكن الحصول عليها بدفع المال، إضافة إلى أنه يضع من شأن تلك المرأة الفقيرة لأنه ينزع منها مشاعرها الإنسانية ويحولها إلى مجرد "مصنع" للأطفال.

هنا يعود سانديل إلى مفهوم العدل عند أرسطو الذي يعني إعطاء كل ذي حق حقه، ويشير سانديل إلى مثال أشار إليه أرسطو في شرحه لمفهوم العدل يتعلق بالمزامير، فلو كان عندك عدد من المزامير، لمن ستعطي أفضل المزامير؟ الجواب الذي سيتفق عليه أغلب الناس هو أنك ينبغي أن تعطيها لأفضل العازفين على المزمار، ولكن لماذا؟ يرى الناس بأن هذا كفيل بانتاج موسيقى جميلة وهو ما سنسر به ونسعد، ولكن أرسطو يرى بأننا سنعطي أفضل المزامير لأفضل العازفين لأن المزامير صنعت لهذا الغرض، أي لأن يُجاد عزفها، كي تنتج أفضل موسيقى، كما أن هذا يجلب التكريم والتوقير لكبار الموسيقيين.

غير أن مثال المزامير مثال سهل، ويمكن الاتفاق عليه، على عكس قضايا أخرى يفترق حولها المجتمع. فماذا لو اختلف المجتمع في غرض ممارسة ما؟ يضرب سانديل مثالاً على هذا مستمداً من لعبة الجولف، حيث أصيب أحد لاعبي الجولف الماهرين وأسمه كيسي مارتن مما منعه من لعب الجولف بطريقة المشي التقليدي، واضطره إلى أن يطلب من أحد اتحادات الجولف الامريكية استخدام عربة كي يستقلها أثناء لعبه للجولف، غير أن أنصار الجولف التقليدي رفضوا هذا تحت حجة أن لاعب الجولف ينبغي أن يمشي أثناء لعبه لا أن يستقل عربة، وبعد أن كبر الخلاف حول الأمر وصل إلى المحكمة العليا الأمريكية التي ناقشت دور المشي في لعبة الجولف وهل هو أساسي أم غير أساسي. وكان حكم المحكمة هو حقّ هذا اللاعب في استخدام العربة في لعب الجولف. ويعلق سانديل أن الحقيقة هي أن لبّ القضية لا يكمن في قضية المشي أو العربة بل بتقدير لاعبي الجولف للعبتهم واعتبارها "رياضة" بدنية وليست مجرد لعبة تخلو من الجهد البدني كما يرى البعض.

ثم يستعرض سانديل قضية زواج الشواذ في أمريكا، والخلاف الضخم الساخن حوله، وانقسام المجتمع الى طائفتين أساسيتين، هما الطائفة المؤيدة له والتي تنطلق من منطلقات الحرية في الاختيار، والطائفة الثانية التي هي الطائفة الأخلاقية التي ترفض مثل هذا الزواج واليها ينتمي سانديل نفسه. ويشير إلى إمكانية محتملة أخرى وإن كانت غير شائعة اجتماعياً تكمن في أن تتخلى الدولة عن تسجيل الزواج وتتركه للمجتمع ممثلاً في هيئاته الاجتماعية والدينية، ويشير إلى مايكل كنسلي الذي يرى هذا الرأي وبأن الزواج قضية حرية شخصية ويمكن أن يتم بأية كيفية يراها أطراف العلاقة فإن قرر ثلاثة الزواج يمكنهم فعل ذلك، وإن رأى شخص فرد بأن يريد أن يتزوج نفسه فيمكنه فعل ذلك كذلك دون تدخل الدولة في كل الحالات.

يرى سانديل هنا أن القضية ليست قضية حرية اختيار وأنما ينبغي على المجتمع أن يسأل إن كان هذا الزواج يحقق غرض الزواج والكرامة التي ترافقه. غير أن المعارضين يرون بأن غرض الزواج غير واضح وغير محدد، فإن رد المحافظون بأن غرض الزواج هو التناسل فإن مؤيدي زواج الشواذ سيقولون بأن هذا غير منصوص عليه في عقود الزواج، كما أن كثير من الأزواج يفضلون عدم الانجاب إضافة إلى "الخصوبة" ليست شرطاً للزواج.

لا يطرح سانديل حلّا جذرياً هنا ولكنه ينادي بمزيد من النقاش الاجتماعي حول هذه القضايا، غير أن هذا النقاش لا ينبغي أن يستبعد الأخلاق والدين. كما يرى بأن على الدول عدم الهروب من هذه القضايا تحت ستار الحيادية، بل أن عليها أن تلتزم بقضايا المجتمع وتقترب منها وتفتح أبواب مناقشتها والحوارات حولها.

بعض الأسئلة التي طرحت للمناقشة وتعليق سانديل عليها

1. سؤال حول دور وسائل الاتصال وعلاقتها بالأخلاق والسياسة: يرد سانديل بأنه يشجع قيام مؤسسات مجتمع مدني تتجاوز حدود الدول، كما أنه ينبغي الاقتراب أكثر من المواطن العادي مباشرة بدلاً من اقتصار مناقشة القضايا العامة على مؤسسات كبرى مثل البرلمانات. أما عن الانترنت فقال بأنها توفر وسيلة رخيصة للتواصل غير أنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن التفاعل الانساني المباشر.



2. سؤال حول خطر الانطلاق من المسلمات اليقينية في رؤى الخطاب الأخلاقي الديني، وأن الأخلاق موجودة لدى الفريق الذي لا ينطلق من الدين كما هي موجودة لدى الفريق المتدين: يرد سانديل بأنه مثلما يوجد متطرفون من بين المتدينين فأن هناك متطرفين بين غير المتدينين.



3. هل ينبغي إخضاع حياة السياسيين الخاصة (مثل إخلاصهم أو خيانتهم لزوجاتهم) للفحص لتكون معياراً على تقبل المجتمع لهم ومساندتهم، بدون الاقتصار على سياساتهم؟ يرد سانديل بأن دراسة شخصية السياسيين أمر معقد للغاية، مع موافقته على أن الاقتصار على النظر إلى السياسات أمر غير كاف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق