الاثنين، 24 أغسطس 2009

سلسلة التفكير المنطقي: مغالطات الهجوم الشخصي

مغالطات الهجوم الشخصي

يتم رفض قول ما هنا ليس بإثبات كذبه أو خطأه بل بالهجوم على شخص قائله دون أن يكون لشخص القائل ارتباط بخطأ ما يقوله أو صوابه. فالقول، على سبيل المثال، بأن أول أئمة اليعاربة هو الإمام ناصر بن مرشد هو قول صحيح، مهما كان من يقوله ومهما كان سلوكه الشخصي أو فضائله أو رذائله، وكذلك القول بأن مدينة رخيوت لا تقع في مسندم وانما في ظفار، أو بأننا إذا قسمنا عشر تفاحات على خمسة أشخاص بالتساوي فسيحصل كل منهم على تفاحتين. كل هذه الأمثلة صحيح بغض النظر عن قائلها.

أما في حالة مغالطة الهجوم الشخصي فان احد المتحدثين سيرفض ما يقال ليس استناداً على دليل يثبت خطأه بل بالهجوم الشخصي على القائل، على افتراض بأن شخصية القائل لها علاقة بصدق ما يقوله رغم غياب تلك العلاقة.

وهناك عدة أنواع من مغالطات الهجوم الشخصي أشهرها ما يلي:





التعرض بشتم المتحدث وإهانته

المتحدث الأول: الاكثار من شرب القهوة يسبب اضطرابات عصبية مستديمة

المتحدث الثاني: أنت تتحدث عن القهوة؟ أنظر إلى وجهك في المرآة حتى ترى قبحك، وستعرف بعدها أن ما قلته خطأ

والمغالطة هنا هي أن جمال الشخص وقبحه (وهما أمران نسبيان) ليس لهما علاقة أبداً بما يقوله حول أن الإكثار من شرب القهوة يسبب اضطرابات عصبية مستديمة، وكان يمكن للمتحدث الثاني أن يثبت خطأ ما يقوله المتحدث الأول بالتحدث عن دليل ينقض ما قاله من خلال دراسات علمية، أما القول بقبح المتحدث الأول فلا ينقض ما قاله.

س: أعتقد بأن من قطع المعاش الاجتماعي عن الأب الذي توظفت ابنته مضرٌ كثيراً للأسر

ص: كل كلامك خرابيط. لو كان فيك خير كنت ساعدت جارك المريض

س: بس هذا ما له دخل في موضوع المعاش الاجتماعي

ص: انته أصلاً ما فيك خير.

المغالطة هنا تكمن في أن عدم مساعدة المتحدث لجاره المريض لا تعني خطأ ما يقوله عن وجود أضرار تنجم عن قطع المعاش الأجتماعي عن الأب الذي توظفت أبنته. أي لا يوجد ارتباط مطلقاً بين الأمرين.

هل سمعت عن الدجال الذي يقول بأنه يدعي أنه يعالج الناس بالأدوية الشعبية؟ دليل آخر على ادعاءاته وكذبه أنه أقال كل الموظفين الذكور وعيّن مكانهم حسناوات جميلات.

المغالطة هي أن جنس الموظفين لدى الشخص الذي يتحدث عنه المتحدث ليس دليلاً على أن علاجه فاشل، وهذا بطبيعة الحال لا يعني بأن علاج ذلك الشخص بالأدوية الشعبية هو علاج ناجح ومفيد غير أن الحديث عن إقالة الذكور وتعيين إناث في مكان ممارسته للعلاج لا تعد دليلاً على فشل علاجه، ويمكن إثبات فشل العلاج بالطرق العلمية من خلال دراسة أدويته والحالات البشرية التي تعالجت عنده وآثار ما يقدمه من أدوية شعبية على المرضى.



التعريض بأمر يرتبط بالمتحدث رغم عدم ارتباطه بما يقوله مثل عمره أو أصله أو طائفته أو قبيلته

أمثلة:

أيش دراك بأن السمك مفيد للصحة وأنت أصلاً من الصحراء؟

المغالطة موجودة لأن انحدار المتحدث من الصحراء لا يقود إلى أن ما يقوله عن الأسماك خاطئ، فلا ارتباط هنا بين الأمرين، فالساكنين بالقرب من البحر ليسوا بالضرورة أقدر على تحديد مدى صحية الأسماك، كما أن هذا الشخص وإن لم يكن ينتمي لمنطقة بحرية إلا أنه ربما يكون قد درس علم الأسماك وقام بدراسات أثبتت له أن الأسماك مفيدة للصحة، أو لعله قرأ عن دراسات أثبتت الأمر الذي يتحدث عنه.

(المتحدث هنا يرد على امرأة) تقولي أن الأطفال ما يستفيدوا في المدارس الصيفية؟ آخر الزمان حرمة تعلمنا ايش نسوي. أحسن لك تروحي المطبخ.

المغالطة موجودة لأن حقيقة كون المتحدثة أمرأة وممارستها للطبيخ غير كافٍ لاعتبار أن ما تقوله عن عدم فائدة المدارس الصيفية خاطئاً. يقوم المتحدث هنا بدلاً من التركيز على موضوع الإستفادة من المدارس الصيفية بالهجوم على جنس المتحدث وهو كونها أنثى والتعريض بأن خبرتها تتركز على أمور المطبخ فقط، غير أن خبرة المرأة بشؤون المطبخ لا تعني منطقياً أنها غير مؤهلة للحديث عن أمور أخرى خارج هذا النطاق.



إثبات خطأ قول على أساس أن من قاله يفعله بنفسه

تربط هذه المغالطة بين حجة الشخص وشيء آخر يفعله أو شيء قاله فيما مضى، وهي مغالطة لأنه لا يوجد علاقة بين الحجة التي يطرحها ذلك الشخص وسلوكه غير المرتبط بالحجة أو بأقوال أخرى ليست لها علاقة بالحجة، فوجود تناقض بين حجج الشخص المختلفة لا يعني أن حجة معينة خاطئة، كما أن التناقض بين قول الشخص وما يفعله لا يعني أن ما يقوله خطأ.

زيد: الزواج من بنت العم له أضرار صحية للأطفال

عمرو: كيف ذلك وأنت بنفسك متزوج من بنت عمك؟

المغالطة موجودة لأن زواج زيد من بنت عمه لا يعني بالضرورة أن قوله بوجود أضرار صحية للأطفال هو قول خاطئ. ربما يكون ذلك القول خاطئاً ولكن لا ارتباط بين خطأ القول عن الأضرار الصحية للأطفال الناجمة عن الزواج من بنات العم وكون المتحدث متزوجاً من بنت عمه.

زيد: أنفلونزا الخنازير تنتشر بكثرة عند ركوب الطائرات

عمرو: هههه. مع أنك أمس كنت تقول أنها لا تنتشر بكثرة عند ركوب الطائرات

التناقض بين قول الأمس وقول اليوم لا يعني بالضرورة أن القول بأن "أنفلونزا الخنازير تنتشر بكثرة عند ركوب الطائرات " خاطئ



الإشراك في الذنب

تقوم هذه المغالطة حين يرفض المتحدث دعوى طرف آخر على أساس أن نفس الدعوى توجد لدى طرف ثالث لا يحبه أو يعاديه، وهي مغالطة لأن وجود نفس الدعوى أو الفكرة عند طرف لا تحبه أو تعاديه لا يعني أنها خاطئة بالضرورة.

و الآن نلخص تشابه الشيعة و اليهود في تقديسهم أنفسهم تحت النقاط التالية :

أولاً / يدعي اليهود أنهم شعب الله المختار وأنهم خاصة الله من بين كل الشعوب و أمته المقدسة وكذلك تدعي الشيعة أنهم شيعة الله و أنصار الله و أنهم خاصة الله و صفوته من خلقه .

ثانياً / يدعي اليهود أنهم أحباء الله و تدعي الشيعة كذلك هذا الأمر .

ثالثاً / يزعم اليهود أن الله سخط على كل الأمم ما عدى اليهود و تزعم الشيعة أن الله تعالى سخط على كل الناس إلا الشيعة .

رابعاً / يزعم اليهود أن أرواحهم مخلوقة من الله تعالى و ليس ذلك لأحد غيرهم , و يزعم الشيعة كذلك أن أرواحهم مخلوقة من نور الله تعالى و لم يجعل الله ذلك لأحد غيرهم إلا للأنبياء .

خامساً / يعتقد اليهود أنه لولا اليهود لم يخلق الله هذا الكون ولولاهم لانعدمت البركة من الأرض , وكذلك يعتقد الشيعة أنه لولا الشيعة لم يخلق الله هذا الكون ولولاهم ما أنعم الله على أهل الأرض .

سادساً / يدعي اليهود أنه لا يدخل الجنة إلا اليهود وغير اليهود يدخلون النار و يدعي الشيعة أنهم سيدخلون الجنة و أعداءهم سيدخلون النار .. وبهذه المقارنة الأخيرة إخواني في الله يظهر لنا مدى التوافق الكبير بين اليهود و الشيعة في العقيدة الأمر الذي يجعلنا نجزم جزماً قاطعاً بأن أصل التشيع ما هو إلا يهودي خالص و أن الإسلام بريء من هذه العقيدة التي يعتقدها الشيعة في كل زمان وفي كل مكان .

مصدر المثال

هذا مثال نموذجي على الإشراك في الذنب، فالمتحدث يعدد بعض الأفكار التي يقوم عليها المذهب الشيعي، بحسب ما يقول هو، غير أنه بدلاً من أن يناقشها يعمد إلى مغالطة عاطفية وهي أن ذات الأفكار موجودة لدى اليهود، وهم أعداء المتحدث، وهذا كفيل برفض ما يقوله الشيعة. وهي مغالطة لأن وجود ذات الأفكار عند الشيعة واليهود لا يعني أشتراكهم في الأفكار، فربما ليست هي نفس الأفكار في الحقيقة، وربما توجد هذه الأفكار المشتركة ولكن النظر إلى كل أفكار الشيعة وكل أفكار اليهود سيكشف أن الأفكار المتشابهة قليلة جداً.

لقد ترددت كثيرا حول الكتابة عما يطلق عليه الأرنلجلش وهو لمن لا يعرفه كتابة العربية بالحروف اللاتينية ، عندما بدأت بإطلاق موقع يملي ، ثم بعد ذلك موقع تعريب من جوجل ، وفي نهاية برنامج Maren من مايكروسوفت (صاحبة أشهر نظام تشغيلي ويندوز والذي يستخدمه كل العرب).

في البداية تفهمت الموقف أن الشخص قد يضطر لاستخدام هذه السخافة للكتابة بالعربية ، ولكل مضطر حكم خاص. ولكن أن تصل دعاية مايكروسوفت أن الكتابة بسخافة الأرانجلش هذه أسرع و أحسن من كتابة بالحروف العربية فهذا لا يسكت عنه. (انظر لموقعهم السابقة لتروا إعلاناتهم )

إن مايكروسوفت بهذا العمل تدعو وبشكل مباشر إلى هجر الكتابة بالحروف العربية ، واستبدالها بالحروف اللاتينية بشكل أساسي ليس فقط في المحادثة أو الشات ، بل أيضا في كتابة المستندات والرسائل وكل شيء.

إن دعوة كتابة العربية بالحروف اللاتينية ليست جديدة ، فقد بدأت منذ ثلاثينيات القرن الماضي ، والآن تبنتها شركة مايكروسوفت بإطلاقها برنامج Maren (لا أدري هل له علاقة باسم مارينز ؟؟ )

لربما قد يرى شخص ما أن هذا مجرد برنامج هدفه تسهيل الكتابة بالعربية ، فالعربية هي الناتج وليس الانجليزية !

نعم العربية هي الناتج ولكن كيف ستكتب العربية بالقلم إذا كنت تكتبها بالحروف اللاتينية في حاسوبك ؟ وهذا مما يقوي الموجة التغريبية للغة العربية.

أني أتحدى أي شخص يقول بأن الكتابة بالحروف العربية أبطأ من الكتابة بالحروف اللاتينية، فلماذا نضيف طبقة إضافية تحول الحروف اللاتينية إلى كلمات عربية ؟؟

أني أدعو من هذا المنبر الجميع إلى أخذ الحيطة والحذر من هذه الموجة التغريبية الجديدة والتي تهدف إلى طمس لغة القرآن و لغتنا الجملية.

مصدر المثال: سبلة عمان

هذا النص نموذج رائع على نصٍ ملئ يعتمد على جملة من المغالطات المنطقية أبرزها مغالطة "الإشراك في الذنب". الرأي الذي يطرحه الكاتب هو أن نظام تحويل الكلمات العربية المكتوبة بحروف لاتينية إلى الكلمات بالحروف العربية له مخاطر، وهذا رأي مشروع، ولكن لننظر إلى ما يقدمه باعتباره حقائق:

ولكن بالعودة إلى موقع برنامج مايكروسوفت مارين نجد التعريف التالي بالبرنامج باللغة الانجليزية:

Lack of access to an Arabic keyboard or lack of familiarity with one are two of the most common problems preventing Arabic users from communicating in their own language.

Microsoft Maren is a Windows extension that comes to the rescue, allowing you to type Arabic in Roman characters (Romanized Arabic, Arabizi, Arabish or Franco-Arabic) and have it converted on the fly to Arabic script.

(إن عدم التمكن من الوصول إلى لوحة مفاتيح عربية أو عدم ألفة الكتابة بها مشكلتان من أكثر المشاكل انتشاراً التي تمنع المستخدمين العرب من التواصل باستخدام لغتهم.

مايكروسوفت مارين هو وصلة لبرنامج وندوز تأتي لتقديم النجدة، بحيث تسمح لك بأن تطبع اللغة العربية بالحروف الرومانية (العربية المرومنة، الأرابازي، الأرابيش، أو العربية الفرانكو) ثم تحويلها على جناح السرعة إلى الحروف العربية.)

البرنامج يحل مشكلة غياب لوحة المفاتيح العربية أو عدم معرفة الكاتب بالطباعة بها، أي أن البرنامج هو حل لمشكلة عدم التمكن من الطباعة بالحروف العربية، وهو يقوم بتحويل الكلمات العربية المكتوبة بأحرف لاتينية (مثل sadiqi) إلى كلمات عربية بأحرف عربية (صديقي).

ورغم عدم التشكيك في نوايا الكاتب ومخاوفه على اللغة العربية إلا أن حسمه القاطع بأن هذا البرنامج باستخدامه الحروف الرومانية لكتابة الكلمات العربية ثم تحويلها إلى العربية يقع في مغالطة الإشراك في الذنب، حيث يقوم باشراك برنامج مايكروسوفت في ذنب الدعوة إلى كتابة الكلمات العربية بحروف رومانية التي ظهرت في الماضي، وهو يعتمد في هذا على اشتراك الظاهرتين في كتابة الكلمات العربية بأحرف رومانية، برغم الأختلاف الكبير بين الظاهرتين، فالأولى كانت دعوة لها أبعادها السياسية والحضارية، أما برنامج مايكروسوفت فينطلق من مشكلة غياب لوحة المفاتيح العربية في الحواسيب وخصوصاً في البلدان غير العربية.

وهنا لا بد من التأكيد على أنه لا يمكن القول بأن مثل هذا البرنامج لن يؤدي إلى التعود على استخدام الحروف الرومانية لكتابة اللغة العربية، فهذا أمر مستقبلي لا يمكن التنبؤ به وقابل للحدوث، غير أن المغالطة تكمن في الهجوم على برنامج شركة مايكروسوفت على أنه مشترك في الدعوة إلى التغريب والتآمر على اللغة العربية عن عمد وقصد.

التيّار والصخر



In the confrontation between the stream and the rock,
the stream always wins - not through strength, but through persistence.
Buddha


حينما يتواجه التيّار والصخر، ينتصر التيّار دائماً -

ليس بفعل القوة، بل بفعل الإصرار والمثابرة

"بوذا"

السبت، 22 أغسطس 2009

سلسلة التفكير المنطقي: بعض فوائد التفكير المنطقي



لسائل أن يسأل، ما فائدة التفكير المنطقي والتخلي عن التفكير غير المنطقي؟ الإجابة على السؤال تتطلب سعة في الشرح، ولكن يمكن القول بأن التفكير المنطقي مفيد لأسباب عديدة، أولها أنه سبب من أسباب احترامك لنفسك وللآخرين. حين يكون تفكيرك منطقياً تستطيع من خلاله ربط الأمور ببعضها البعض بطريقة واضحة وتستطيع من خلاله الوصول إلى نتائج مبنية على الأدلة والبراهين فأن هذا سيمنحك شعوراً بأنك تملك زمام نفسك ولا تترك للعواطف والانفعالات وللأوهام سبيلاً إلى تفكيرك وإلى سلوكك الناجم عن ذلك التفكير المنطقي. التفكير المنطقي سلاح في يدك، لا لتستغله من أجل مآرب ليس لك حق فيها، ولكنه سلاح يمكنك من أن تدافع عن نفسك. غياب المنطق ثغرة ضخمة تمكن الآخرين من أن يهاجمونك ويحيطون بك هجوماً وإحاطة لا يمكنك معهما أن تدافع عن نفسك.

كما أن التعامل مع الناس الذين يستخدمون المنهج المنطقي في التفكير سيجعلك تحترمهم وتشعر بالأمن معهم، لمعرفتك بأنهم يتبعون سبيل المنطق في وصولهم إلى أحكامهم على الأمور واستنتاجاتهم الخاصة حول مختلف القضايا.

والتفكير المنطقي يجعلك تفهم الآخرين، حتى أولئك الذين لا يفكرون بطريقة منطقية. كيف؟ لنفترض شخصاً يقول "أنا متأكد من أن كل زواج من أجنبية سوف ينتهي بالطلاق". إن إيضاح أن هذا القول غير منطقي ولا يقوم على قاعدة منطقية ليس أمراً عسيراً، غير أن هذا القول غير المنطقي له منطقه مع ذلك، أي أنك يمكن أن تقبله على أساس أنه غير منطقي لأنه لم يقم على قاعدة منطقية.

- كل قول غير منطقي لم يقم على قاعدة منطقية

- زيد أتى بقول غير منطقي

- زيد أتى بقول لم يقم على قاعدة منطقية.

أنك في هذه الحالة قادر على فهم الشخص الذي أمامك، بل ربما تفهمه كما لا يفهم هو نفسه.

كما أن التفكير المنطقي يمكنك من أن تقنع المختلفين معك الذين لا يسلكون مسلك التفكير المنطقي (يحدث هذا فقط حين تسلك أنت التفكير المنطقي). ولكن مثل هذا الاقناع يتم بالتدريج وقليلاً قليلاً. مثلاً: تبدأ بسؤال صديقنا المتيقن من فشل كل الزيجات من أجنبيات عن الأساس الذي جعله يصل إلى هذا الاستنتاج. سيخبرك أنه سمع عن أكثر من حالة. يمكنك حينها أن تقول له "ولكنك أكيد لم تسمع عن كل حالات الزواج من أجنبيات في العالم"، ومن الأكيد أنه لن يدعي بأنه سمع عن كل الحالات، عندها يمكنك أن تشرح له بأن هذا يوصل إلى نتيجة واحدة وهي أن كل الحالات التي سمع عنها فقط كانت فاشلة ولكن ليس كل الحالات، ولا ريب أنه سيوافقك. يمكنك عندها أن تضرب له أمثلة على حالات نجحت فيها هذه الزيجات (ومعنى كلمة "نجحت" هنا بقاء الزواج وعدم انتهاءه بالطلاق). هنا لن يملك إلا الإقرار بأن ما تقوله صحيح. أنه يبدأ في إلغاء التعميم الذي كان في قوله الأول. ثم يمكن التحدث عن غياب الاحصائيات، وعن بقية الأمور، وهكذا إلى أن تنقض حجته (مع افتراض صدق حجتك أنت بطبيعة الحال). الخلاصة هي أن التفكير المنطقي سوف يمكنك من أن تقنع ذلك الشخص بأن ما قاله يعوزه الدليل والبرهان.

كما أن التفكير المنطقي يضمن لك تتبع الحقائق والأدلة التي أدت إلى تعتقد إعتقاداً ما أو تسلك سلوكاً ما، وبتتبعها يمكنك الدفاع عن ذلك الموقف، وبدونها ستجد أنك عاري السلاح خصوصاً حينما يكون الطرف الذي أمامك طرفٌ أقوى منك لا يمكن أن تقنعه إلا بالحقائق والأدلة. لنقل مثلاً بأنك مدرسٌ في مدرسة خاصة، وجاءك مدير المدرسة غاضباً ويقول بأنك قمت بترسيب عدد من الطلبة وهو لا يريد طلبة يرسبون لأن رسوب الطلبة لن يشجع أولياء الأمور على أن يأتوا بطلبتهم إلى المدرسة. لنفترض أنك رسّبت الطلبة لأنهم فوضويون ودائماً ما يثيرون غيضك وأن رسوبهم لم يكن لأسباب تتعلق بأداءهم التعليمي الصرف في المادة التي تدرسها، هنا ستجد نفسك بلا وسيلة للدفاع عن نفسك. إما كنت قد توصلت إلى نتيجة رسوبهم لأسباب تتعلق بأداءهم الفعلي في الامتحانات وفي أعمالهم الدراسية فانه يمكنك شرح موقفك إستناداً على ذلك الأداء، وهو ما يعتمد على النظام التعليمي العام الذي يدعو إلى تقييم الطلبة بناءً على أداءهم الدراسي، كما أنه يعتمد على ما تعلنه المدرسة نفسها من أنها مدرسة الأداء الجيّد. أضف إلى ذلك فانه يمكنك بناءً على التزام التفكير والسلوك المنطقيين القول بأن رسوب بعض الطلبة (نتيجة لأداءهم) سوف يؤدي إلى نتيجة إيجابية تتمثل في أن مزيداً من أولياء الأمور سوف يحترمون المدرسة وسوف يأتون بالمزيد من أبناءهم إليها لالتزامها بالمعايير التعليمية الرفيعة.

سلسلة التفكير المنطقي: تقديم



كنت أطالع أحد المنتديات الالكترونية العمانية ذات يوم، وقرأت موضوعاً أستوقفني حول فتح برنامج لدراسة الأزياء في إحدى كليات التصميم في عمان. كان الكاتب مشتاطاً غضباً بسبب تدريس الأزياء، وأول ما ذكره في احتجاجه "هل انتهت كل علوم البشر حتى نبدأ في تدريس موضوع ليس له معنى في الوقت الذي يدرس الآخرون أبناءهم السياسة والعلوم العسكرية؟".

برغم ما في هذا الطرح من كمية ضخمة من العاطفة الجارفة والغضب المتقد إلا أنه في الآن ذاته يفيض بأمثلة كثيرة على غياب التفكير المنطقي، ويمكن ضرب بعض الأمثلة على ذلك فيما يلي:

- هل أن عدم تدريس العلوم السياسية والعسكرية سبب كافٍ لعدم تدريس الأزياء؟

- هل هناك طبقية بين العلوم؟ أي هل توجد علوم أفضل من علوم أخرى؟

- من هم الآخرون الذين يدرسون أبناءهم العلوم الجيدة؟

- هل ينبغي علينا أن نتبع ما يفعله الآخرون أم أننا في التعليم الجامعي ننظر إلى أنفسنا وحاجاتنا ثم نقرر العلوم التي ندرسها؟

كل هذه الأسئلة المنطقية البسيطة لم تتم الاجابة عليها مباشرة، ولبعضها إجابات مفترضة فيما لا توجد إجابات مباشرة لبعضها الآخر، فمثلاً يفترض الكاتب وجود طبقية للعلوم بحيث توجد علوم أفضل وأسمى من علوم أخرى، فالعلوم المتعلقة بالانسان وخصوصاً في السياسة الحروب أفضل من العلوم المرتبط بالجوانب المادية في حياة الإنسان مثل الطعام والملابس، كما أن الكاتب يفترض كذلك أن نتبع الآخرين من غير أن يحددهم، غير أنه لا يحدد إن كان كل الآخرين يقومون بما يعتقد أنهم يفعلونه أم بعضهم فقط.

لا شك بأن لكل إنسان الحق في أن يتبنى الرأي الذي يراه مناسباً، ولكن المنطق لا يتعلق بالاراء وإنما بالحقائق، والمشاكل المنطقية التي أشرت إليها لا تتعلق بالرأي والموقف وإنما بالحقائق الغائبة، فإن اعتبرنا أن الكاتب يرى بأن تدريس السياسة أفضل من تدريس الأزياء وهذا إلى حدٍ ما حقه، فإن ما لم يقله في سبيل طرحه لرأيه لا يعتمد على آراء بل على حقائق وأدلة غائبة تماماً، فالأسباب الواقعية (الأقتصادية والاجتماعية مثلاً) التي تدعونا إلى نبذ تدريس الأزياء ترتبط بحقائق وإحصائيات (مثلاً: ما هو الدور الاقتصادي الذي سيؤديه تدريس السياسة، وما الفرق بينه وبين أقتصاديات علم الأزياء؟)، كما أن عدد الدول التي تدرس السياسة ولا تدرس الأزياء هو حقيقة كذلك يمكن تحديدها رقمياً. الحقائق الغائبة هنا هي الأساس الذي يبني عليه الكاتب رأيه.

يمكنني أن أضرب مثلاً آخر على مثل هذه الآراء التي يبدو في الظاهر أنها تعتمد على حقائق ولكنها في الواقع ليست كذلك، وإنما ما يبدو في الظاهر على أنه حقائق ليس كذلك في الحقيقة. لنفترض أن سالماً وهو طالب عماني يدرس في بريطانيا قد أخبر أهله بأنه يريد الزواج من زميلته الفرنسية، غير أن جميع أفراد أسرته رفضوا هذا بحجة أن الزواج من أجنبيات يفشل دائماً بسبب الاختلافات الثقافية، وهذه حجة شائعة ضد هذا النوع من الزواج. لا شك بأن رفض الزواج من أجنبية رأي للانسان الحق أن يتبناه، غير أنه في هذه الحالة يقوم على حجة غير ثابتة، إذ

- تنقص هذه الحجة تحديد نسبة الزواج الفاشل من المجموع الكلي لعدد الزيجات من أجنبيات،

- كما أنه حتى في حالات الزيجات الفاشلة فان فشلها ليس بالضرورة بسبب الاختلافات الثقافية، لأن الفشل في الزواج ظاهرة عامة تحدث لأسباب كثيرة منها مثلاً عدم التوافق الشخصي بين الزوج والزوجة أو خيانة أحدهما للآخر أو لأسباب عدم الانجاب، فلعل فشل بعض الزيجات العابرة للثقافات لا يعود للاختلافات الثقافية بل للأسباب العامة،

- أضف إلى ذلك أن القول الاختلافات الثقافية لا ينبغي أن يقبل باعتباره حقيقة، إذ ليست هذه الاختلافات بالضرورة سبباً في خلق المشاكل، فلربما كانت هذه الاختلافات سبباً في الثراء والتنوع في حياة الأزواج.

والناظر في الحوارات والأحاديث والمناقشات حوله سيجد الكثير والكثير من أمثلة هذه المواقف التي لا تقوم على حقيقة ولا على دليل بل على معتقدات لا تصل إلى درجة الحقائق لأنه لم يتم التثبت منها بالدليل والبرهان، كما أن الكثير من المواقف تعتمد على حقائق خاطئة أصلاً، ومثل هذه الاستنادات على حقائق موهومة هي التي تسمى بالمغالطات المنطقية التي هي محور هذه السلسلة من المقالات.

سلسلة التفكير المنطقي


في سلسلة مقالات متوالية سوف أحاول وبلغة مبسطة إلقاء الضوء على التفكير المنطقي والمغالطات المنطقية.

سوف تحتوي هذه السلسلة على ما يشبه المقالات المفتوحة القابلة للتطوير حول طبيعة التفكير المنطقي واختلافه عن طرائق التفكير الأخرى، وكذلك عن أسباب غياب التفكير المنطقي، وفوائد استخدام الانسان لهذا النوع من التفكير، كما ستتناول هذه المقالات أنواع المغالطات المنطقية التي نمارسها ونقع ضحيتها كثيراً، وهي المغالطات التي يعيش معها الإنسان بدون أن يشعر بوجودها.

وسوف أسعى جهدي إلى أن تكون الأمثلة مستمدة من الحياة العادية من حولنا وخصوصاً من الأحاديث اليومية والتي تشمل في زمننا المعاصر مناقشات المنتديات الالكترونية.

الثلاثاء، 11 أغسطس 2009

مقال: الحوار مع النفس شرطٌ للحوار مع الآخر

الحوار مع النفس شرطٌ للحوار مع الآخر

عبدالله الحراصي

[مقال نشر في جريدة عمان يوم الثلاثاء 11 أغسطس 2009 ضمن ملف "ثقافة الحوار بين الانفتاح والتشدد"]

عندما دعتني (جريدة عمان) للمشاركة في ملف حول ثقافة الحوار قلت في نفسي أنه موضوع مكرر، ولأتيقن من هذا التكرار استخدمت محرك البحث جوجل على الشبكة لأرى عدد مرات تكرار تعبير «ثقافة الحوار»، وإذا بي أجد أن هناك 131 ألف نتيجة، أي أن هناك 131 ألف صفحة في الانترنت تحتوي على هذا التعبير. أليس من الغريب مع غياب ثقافة الحوار نفسها (على وجه العموم وبقاء الاستثناءات) أن تجد كل هذه الآلاف المؤلفة من الصفحات التي تشير إلى ثقافة الحوار أو تناقشها باعتبارها موضوعها الرئيسي؟



بطبيعة الحال لم أقرأ كل هذا العدد من الصفحات ولكن وجودها بكل هذا الكم الضخم له وجهان متضاربان، أولهما سلبي ومفاده أن هذا الموضوع قد تحول من قضية فكرية-اجتماعية-سياسية إلى موضوع للحديث العام المستهلك، أي أنه أصبح ليس أكثر من «سالفة» يتكلم حولها الناس ثم ينفضون ليعودوا إلى مألوف حياتهم، أما الأمر الثاني فهو وجه أكثر إيجابية، ويفترض أن كثرة الحديث عن ثقافة الحوار، ومن بينها هذا الملف الذي بين يديكم الآن، تعني أن الثقافة العربية يشغلها هذا الموضوع كثيراً، وأنها تسعى للاقتراب منه وفهمه وسبر سائر جوانبه. ربما يقع السبب الحقيقي في ذيوع الحديث عن ثقافة الحوار مع ندرة وجوده في منزلة بين المنزلتين، السلبية والإيجابية، وربما له أسباب أخرى، ولكن يمكن القول أيضاً بأن تعبير «ثقافة الحوار» لا يعني بالضرورة الأمر ذاته عند كل من يتحدث عنه، بل أصبح مثل الفيل الضخم الذي يتلمس مجموعة من العميان بعض أعضاء جسمه فيعتقدون أنها الفيل نفسه، فمنهم من أمسك بالذيل وظن أنه الفيل، وآخر أمسك بالخرطوم، وثالث بإحدى الأقدام، وآخر بغير هذا وذاك، وهكذا دواليك، وأخذ كل منهم يصف الفيل باعتبار ما استطاعت يداه الإمساك به، دون أن يدري كلٌ منهم أن الفيل أكبر بكثير من هذه الأعضاء المتفرقة
.



على وجه العموم فإن كثرة الحديث عن أمر ما لا تعني بالضرورة عدم وجوب الاستمرار في الحديث عنه، ولكن بشرط ألا يكون الحديث واقعاً في شَرَك تكرار الكلام المعهود والمتوقع مثل القول بأن ثقافة الحوار تتطلب احترام الآخر والاعتراف به، وأن ثقافة الحوار تتطلب غياب العنف، وأن الحوار خير من الحرب، وسواها من أفكار مكررة. سأحاول فيما تبقى من هذا المقال أن أطرح فكرة أن ثقافة الحوار بقدر ما تتطلب إعادة النظر إلى الآخر الذي يتحاور معه الإنسان فانها تتطلب قبل هذا ومعه إعادة النظر إلى الذات نفسها، أي أن قولك باحترامك لثقافة الحوار يعني أن عليك أن تعيد النظر إلى نفسك وتعيد تشكيل تلك النفس.



الذات (الفردية والحضارية) التي يمكن أن تدخل في حوار وتحترم ثقافة الحوار ليست ذاتاً منتهية، بمعنى أنها بقدر شعورها بقوتها، لا بد أن تشعر كذلك بضعفها، والضعف الذي أعنيه هنا لا يحمل شحنة دلالية سلبية بل يعني بأنها لا بد أن تؤمن بأنها ليست وحدها، ليس تكرماً بل إيماناً منها بأن التنوع أصلٌ لازمٌ في الحياة البشرية. لا يمكن لإنسان أن يدخل في حالة حوار وهو يفترض أنه يمتلك الحق النهائي بأي شكل من الأشكال، أما الحوار بين من يعتقدون أنهم يمتلكون الحق النهائي فليس إلا «جلسة استماع»، حيث يستمع فيها طرف للآخر تحت ضرورة اجتماعية-سياسية، وليس من منطلقات قيمية تطورية منها الايمان بأن الذات والهوية أمران غير منتهيين أبداً وأنهما في حالة تشكل وتغير دائمين.



وانطلاق أحد أطراف «الحوار» من فكرة الحق المطلق التي يمثلها يعني فيما يعنيه الايمان بما يمكن أن يسمى بـ«وحدانية البقاء الفكري»، أي بأن ما يمثله المرء هو الذي ينبغي أن يبقى، وأن القضية منتهى منها أصلاً، ولكن يحدث تكرماً أن يجلس أطراف مثل هذا «الحوار» ليتناقشوا، مع بقاء إيمان كل منهم (أو بعضهم) بأنهم يمثلون الحق والحقيقة، وأنهم وحدهم هم الباقون دون الآخرين. و«وحدانية البقاء الفكري» تفترض أن بقاء منظومة فكرية معينة يستلزم بالضرورة غياب المنظومات الأخرى، خصوصاً تلك المنظومات التي تعالج ذات القضايا ولكن من منطلقات مختلفة وبمناهج مختلفة.



إن نزعتي الحق النهائي ووحدانية البقاء الفكري نزعتان أنانيتان لا يمكن أن يقوما بأي حوار ولا أن يقوم بهما أي حوار، لأن الحوار يتطلب بالضرورة الإيمان بنسبية ما يحمله الانسان من فكر، والايمان بالحق في التنوع والإختلاف.



الحوار مع من يمثل هاتين النزعتين، أياً كانت طبيعة فكره (دينية-سياسية-ثقافية-اجتماعية) هو حوار فاشل لأن ذلك الطرف لن يدخل في نقاش منفتح يؤمن بتنوع طبيعة التجربة البشرية حول أية قضية، لأنه يحمل إشكالاً أصلياً ليس مع رؤية الفكر المختلفة لتلك القضية بل مع الفكر المختلف ذاته، فهو لا يؤمن بأن ذلك الفكر قد تكون له أوجه إيجابية ضمن التجربة البشرية (ولا أود هنا القول بأنه «قد يمتلك الحقيقة» لأنه لا يوجد فكر يملك الحقيقة)، كما أنه لا يؤمن في قرارة ذاته بأن ذلك الفكر من حقه أن يوجد وأن يقوم على قدميه وأن يحاوره. إن وجود الفكر الآخر يصبح هو المعضلة لا رؤاه المفردة حول المواضيع المختلفة.



مثل هذه الهويات الفكرية هي هويات قاتلة (كما يسميها أمين المعلوف)، وهي قاتلة للآخر، وقاتلة لإمكانات الفكر الإنساني، وقاتلة، قبل هذا، لنفسها لأنها تقوقع نفسها فيما هي فيه دون أن تسمح لنفسها بالتطور الحقيقي بالخروج من قوقعتها ورؤية العالم الإنساني الزاخر بالتجربة بالبشرية. ومن نافل القول التأكيد على انفتاح التجربة البشرية ولا نهائيتها، تلك التجربة البشرية التي تشمل الذات والآخر، ومن هذا المنظور فإن المنظومة الفكرية المنطلقة من انفتاح التجربة البشرية ستكون منظومة بناءة متطورة، لا قاتلة ساكنة.



الهويات القاتلة تدعي الايمان بقيم مثل «التسامح» و«التعايش»، وهي مفاهيم تقضي على احتمالات الحوار الفكري، فما يسمى قيمة «التسامح» تفترض يداً علياً على الآخرين ومِنَّة وتكرماً بالحديث معهم والاستماع إليهم، أما فكرة "التعايش" فتفترض هويات منتهية تتعايش مع بعضها البعض، دون أن تتغير هذه الهويات بحسب ضرورة تطور التجربة البشرية. هل يتعايش الإنسان مع الصحة؟ كلا، أنه يتعايش مع المرض، ولا يمكن أن يقوم حوار وأنت تعتقد أن الآخر الذي تريد «الحوار» معه، كالمرض، تضطر للتعايش معه، والصبرُ مُكرَهاً على وجوده.



الهوية القاتلة لا يمكن أن تدخل في حوار، لأنها منتهية لا تتطلب الحوار، أما الحوار فيتطلب إعادة نظر المنظومات الفكرية لذاتها، أي أن على كل منظومة فكرية أن تسأل نفسها عن العناصر الأساس التي تشكلها وتضعها في إطار تاريخي ضمن التجربة البشرية، وسؤال النفس هذا هو الضرورة اللازمة في الثقافة العربية لأنه حوار حقيقي مع الذات الفكرية، وإن كانت هذه الذات الفكرية صادقة في سعيها لفهم نفسها، فستكتشف في تتبعها لتاريخية فكرها وهويتها أنها مجرد «نتاج» بشري تشكَّل في مراحل تاريخية ولأسباب متعددة، وأن ما بين يدها من عناصر تَكَوُّنِها ليست عناصر نهائية بل أنها بشرية قابلة للأخذ والرد، وقابلة للزيادة والنقصان، والتأثير والتأثر، وقابلة للتطور والتدهور بل وحتى الاختفاء التام.



"ثقافة الحوار" لا يمكن أن توجد إذاً إلا إذا تم الحوار مع النفس قبل أن يتم مع الآخرين، وأن يتم هذا مع الاعتقاد بأن ما يبدو فوق التاريخ وفوق تطورات الحياة الانسانية وما يبدو متعالياً ليس في حقيقته إلا أمرٌ إنساني النشأة تاريخي التطور، كما أن ثقافة الحوار لا يمكن أن تتم إلا بالنظرة النسبية للذات، التي لا تفترض أنها أفضل أو أعلى من الآخرين، وأنها لا تمتلك وحدها الحق في وحدانية البقاء. في غياب هذه الشروط لن يتم حوار، وما قد يتم لا يتعدى جلسات استماع يستمع فيها كل طرف إلى الطرف الآخر، بلا طائلٍ يفيد التجربة البشرية المتطورة المنفتحة.