الاثنين، 27 يونيو 2016

فرحة قاتلة (أو "قصة ساعة")

فرحة قاتلة (أو "قصة ساعة") 

تأليف:    كيت تشوبين

ترجمة:    عبدالله الحراصي


تشكو السيدة مالارد من علّة في القلب، ونظرًا لعلتها تلك وحرصًا على سلامتها خشيَةً مما لا تحمد عقباه فقد كان لزامًا أن يُتوخى الحرص والهدوء والكياسة الشديدة عند إعلامها بنبأ موت زوجها.

كانت أختها جوزفين هي التي تولّت أمر ذلك، وقد كانت حريصةً أن تنهي لها هذا الخبر الأليم بمزيج من الإشارات والتلميحات التي تكشف الأمر وتخفيه في آنٍ واحد، ولم يكن مع جوزفين في تلك اللحظة سوى ريتشارد، وهو صديق زوجها، وهو أول من عرف بواقعة حادثة القطار في مكتب الجريدة التي يعمل بها، وقد كان اسم زوجها برنتلي مالارد على رأس قائمة القتلى التي وردت للجريدة، ولم يتأخر ريتشارد فما أن وقعت عيناه على اسم صديقه حتى أرسل فيها تلغرامًا ثانيًا ليتثبت من الأمر، ثم هرع إلى بيت السيدة مالارد كي يستبق أي صديق آخر قد يسمع بالحادثة الأليمة ويسارع إلى بيت السيدة مالارد فيلقي على مسامها الخبر دون احتراس ومراعاة لعلّة القلب التي تشكو منها.

لم يقع الخبر على السيدة مالارد كما يقع خبر موت الزوج على كثير من النساء، إذ لم تقع في حالة من الصدمة وعدم التصديق أن برنتلي قد مات وأنها ستواجه الحياةً وحيدة، بل ارتمت فجأة ودون شعور في حضن اختها باكية منتحبة، وما أن هدأت عاصفة حزنها وكمدها حتى انسحبت إلى غرفتها وحيدة، ولم يتبعها أحد.

أمام النافذة كانت هناك أريكة وثيرة واسعة، ارتمت فيها وغاصت وقد أثقلتها شدة التعب التي ألمت بجسدها، والتي تكاد أن تثقل روحها.
ترآت أمام أعينها في الساحة المفتوحة أمام بيتها قمم الأشجار التي تسري فيها رعشة الحياة الغضة التي أتى بها الربيع، كما أن أنفاس المطر اللذيذة تعطّر الأجواء، وفي الشارع يصدح صوت بيّاع جوّال ينادي على بضاعته، وتهادت إلى أذنها أنغام أغنية خافتة يغنّيها أحدهم، كما كانت هناك أعداد كبيرة من العصافير المغردة فوق سقف المنزل.

تبدت زرقة السماء هنا وهناك بين ركامات السحب التي تلبدت فوق بعضها البعض جهة الغرب قبالة نافذتها.

جلست وقد أسندت رأسها على وسادة الأريكة دونما حراك، إلا حينما يغص حلقها بالنشيج فينتفض جسمها، مثل صبيّ هدّه البكاء فنام ولم يتوقف نشيجه حتى وهو غارق في الأحلام.
كانت صغيرة السن، ذات وجه مليح يكسوه الصفاء، لكن بخطوط تشي بشعور مكبوتٍ، ونصيبٍ من البأس لا يخفى. أما الآن فلم يبد من محياها سوى نظرة باهتة تطلّ من عينيها اللتين ثبتتهما على بقع الزرقة في السماء الملبدة بالسحب. لم تكن نظرتها نظرة تبصّر وتدبر في أي أمر، بل كشفت عن سعي لكبح فكرة ألمعية فطنة.

ها قد ظفرت بما كانت تنتظره انتظار الصحراء المجدبة لماء الغيث، وإن كان انتظارها هذا مشوبًا بالخوف والجزع. ترى ما هو؟ لم تعلم علم اليقين، لكنه كان شعورًا أكثر رقّة وأصعب منالًا من أن تسميه بأي اسم، غير أنها شعرت به زاحفًا إليها من السماء. شعرت به وهو يلامسها عبر الأصوات والروائح واللون الذي كسى الهواء حولها.
صدرها الآن يعلو وينخفض باضطراب كبير. ها قد بدأت تستوعب ذلك الشيء الذي يدنو منها ويسلب منها نفسها، وكانت تقاوم لتبعده عنها بكل ما أوتيت من قوة - وهي المرأة ذات اليدين البيض الضعيفتين، وحين أطلقت العنان لنفسها انسلت من بين شفتيها كلمة هامسة أعادت نطقها مرّات عديدة "حرّة حرّة حرّة"، واختفت من عينيها الحملقة الخاوية وكذلك نظرة الرعب التي تلتها. وظلت عيناها متلهفتين لامعتين، وتسارع نبضها، وسَخُنَ الدم الذي يجري في عروقها فبث الارتياح في كل خليّة من جسدها.

لم تتوقف برهة لتسأل نفسها إن كان ما تملّكها من شعور هو شعورٌ بشعٌ أم لا، فقد احتواها إدراك واضح وسامٍ جعلها تستخف بالفكرة. كانت تعرف بأن نوبة أخرى من النحيب والنشيج سوف تنتابها مرّة أخرى حين ترى يدي زوجها الطيبتين الحنونتين وقد طواهما الموت، وحين ترى ذلك الوجه الذي لم يستقبلها يومًا إلا بالمحبّة والمودّة، وقد أمسى متيبسًا تلفه خضرة الموت، غير أنها كانت تبصر ما هو أبعد من تلك اللحظة المريرة إلى مسيرة طويلة من السِنِّي القادمة التي ستكون ملكًا لها وحدها، وها هي قد بسطت ذراعيها لتستقبلها.

لن يكون هناك من ستعيش لأجله في قادم السنين، بل ستعيش أيامها لنفسها ولن تشارك عيشتها أحد سواها، ولن تكون هناك إرادة قوية تكسر إرادتها بذلك الإصرار الأعمى الذي يتلبس الرجال والنساء حين يظنون أنهم يمتلكون الحقّ في فرض إرادتهم على غيرهم. لا فرق بين أن تكون النيّة حسنة أو سيئّة، فهو في الحالين جرمٌ شنيع. هكذا أبصرت الأمر في لحظة من لحظات التجلّي والإشراق.

ولكن بالرغم من هذا فقد كانت تكن له حبًّا - في بعض الأحيان، ولكن ليس في غالب الأحيان، ولكن هل لهذا الأمر أهميّة وشأن؟ ما أهميّة الحبّ، تلك الأحجية التي لم يخلق لها حلّ، في وجه هيمنة شعورها بذاتها، وهو الشعور الذي أدركت فجأة أنه أقوى شعور بذاتها.
 
مضت تهمس لنفسها "حرّة! لقد أصبحت حرّة، جسدًا وروحًا"

كانت جوزافين جاثمة أمام الباب المغلق وشفتاها على فتحة المفتاح، تتضرع لها أن تسمح لها بالدخول. "لويز، افتحي الباب! أتوسل إليك. افتحي الباب! - سوف تسقمين نفسك بمكابدة هذا الحزن والكمد. ما الذي تفعلينه يا لويز؟ استحلفك بالله أن تفتحي الباب"

"ابتعدي عنّي. انني لن أسقم نفسي" كلا، فقد كانت تعبّ من ينبوع إكسير الحياة عبر تلك النافذة المفتوحة.

بدأ خيالها يشطّ بلا قياد حول ما سيحدث في ما يستقبلها من أيام. أيام الربيع وأيام الصيف، وكل الأيام التي ستكون لها وحدها لا يشاركها فيها أحد. دعت الله سريعًا أن يمنحها طول العمر، وهي التي كانت بالأمس وبسبب القنوط لا تكترث قط بأن تحظى بحياة مديدة.

مضى بعض الوقت، ثم نهضت وأمام توسلات أختها فتحت الباب وفي عينيها يلمع انتصار محموم، وحملت نفسها من حيث لا تدري كأنها إلهة من آلهات النصر. تأبطت خصر أختها، ومعًا هبطا السلم، وكان ريتشارد جالسًا ينتظرهما في الأسفل.

كان هناك من يفتح باب البيت الأمامي بالمفتاح، ثم دخل برنتلي مالارد، وفي محيّاه قليل من وعثاء السفر، حاملًا حقيبته ومظلته. لقد كان بعيدًا عن موقع الحادث ولم يكن أصلًا على علم بوقوعه. تملكه الذهول حينما رأى نواح جوزافين الحادّ، وهبّة ريتشارد السريعة كي يحول بينه وبين رؤية زوجته.

وحينما جاء الأطباء قالوا بأنها قد قضت نحبها بسبب علّة في القلب - بسبب فرحة قاتلة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق