العدد (162) من ملحق أنوار(جريدة الوطن) - يوم الاثنين الموافق 16/5/2005م
المشاركون في الطاولة:
الدكتور عبدالله الحراصي
هلال بن خلفان المعمري، رئيس جماعة اللغة الإنجليزية والترجمة
يونس بن خصيب الحراصي
بدر الجهوري
شيخة المحروقي طالبة بقسم اللغة الإنجليزية والترجمة
فرح بنت سالم الحرمي
تماضر بنت منصور الوهيبي
أن للترجمة دور كبير ومهم في سير الحركة الثقافية والتعليمية في أي بلد وتلعب الترجمة في السلطنة دور لا بأس به في هذه الحركة وقد تكون الترجمة في السلطنة من الحركات التي نشأت حديثا في المؤسسات التعليمية والجامعة لها الشرف في تبني بدايات هذه الحركة سواء كان من خلال مجموعة الترجمة أو قسم الترجمة في كلية الآداب والعلوم الاجتماعية
دور الترجمة
من البديهي أن نتوجه بالسؤال الأول للدكتور عبدالله الحراصي فبدا جاهزا للحديث وتبسم قائلا الترجمة حالة ثقافية جديدة لم تكن موجودة ولم تكن متأصلة في الحالة المعرفية العامة والكتابات القديمة على سبيل المثال حيث كانت كتابات أصيلة لم تكن ترجمة سواء كانت في الكتابات الفقهية والأدبية فلم يوجد في التاريخ العماني مترجم فالترجمة ظهرت حديثا على المستوى الثقافي من خلال وزارة التراث من خلال ترجمات الأستاذ محمد أمين عبدالله كرائد الترجمة في عمان على المستوى العلمي في عمان يكون من التجاوز أن نقول أن هناك إنتاج علمي كبير والترجمة جزء من الحالة العلمية العامة وما زال الإنتاج العلمي في بداياته كتأصيل للحالة العلمية وككتابة ولكن يجب أن نضع في الاعتبار ما يوجد من مساهمات الطلبة العمانيين الذين يدرسون في الخارج ويقومون بدراسات وأطروحات ورسائل ماجستير والدكتوراه وهذه الرسائل موجودة كنشاط علمي ولكن ليس في عمان كتبة العمانيين لكن هذا النشاط لم يترجم حتى الآن ولم يدخل في الحالة العلمية العمانية فما زلنا على المستوى الأدبي في البدايات ودور مجموعة الترجمة دور يجب أن لا نبالغ في تضخيمه ولا الاستخفاف به فهي بدايات لحالة تغيير ثقافية فكرية.
وعبر هلال بن خلفان المعمري عن رأيه قائل عارضا جزءا من تجربته الشخصية حيث قال في البداية لم يكن لدي إطلاع على الترجمة كحركة ثقافية قبل أن أقرأ عن الترجمة في قسم اللغة الإنجليزية وفي اللحظات التي كانت تولد بها مجموعة الترجمة مع الدكتور عبدالله الحراصي وأحمد المعيني في تلك اللحظات عرفت أن للترجمة دور كبير في الحركة الثقافية في السلطنة وأن هذا الدور لم يستغل بعد فبدأت في هذا المجال وأتيحت لنا فرصة النشر فأحسست أنني كعضو في المجموعة في تلك الأيام أنني بدأت أساهم في هذا الدور.
مؤسسة واحدة لا تكفي
استهلت شيخة المحروقي حديثها عند سؤالي هل مؤسسة واحد كافية لاحتضان هذه الحركة بالمثل الذي يقول يد واحدة لا تصفق وقالت على الرغم من أن جامعة السلطان قابوس رائدة المؤسسات التعليمية والثقافية إلا أنه لابد من قيام مؤسسات أخرى تعنى بحركة الترجمة وخاصة أنها تلعب دور كبير في تسيير حركة الثقافة والتعليم في أي بلد ومن خلال تجربتي المتواضعة في هذا المجال استطعت أن أطلع على العديد من الثقافات الأخرى من خلال ترجماتي المختلفة.
مؤسسات ومساهمات
يقول الدكتور عبدالله الحراصي أعتقد أن هناك الكثير من المؤسسات التي يجب أن تساهم وخاصة المؤسسات الثقافية والعلمية والإعلامية الآخرى فإذا توقفنا عند العلمية مثلا جامعة السلطان قابوس أحدى هذه المؤسسات وهناك جامعات وكليات أخرى تقوم بتدريس اللغة الإنجليزية فيجب على هذه المؤسسات أن تهتم لموضوع الترجمة فيجب أن تهتم بالترجمة كموضوع وفعل فالأمر له جانبان الاهتمام بالترجمة من خلال نشر الوعي الترجمي والقيام بالترجمة نفسها ، كما أن يجب عدم النظر إلى الترجمة أنها حالة منفصلة عن الحركة الثقافية والعلمية العامة في البلد بل هي جزء من هذه الحركة وهي دعوة لحالة حضارية قادمة.
ويضيف يونس بن خصيب الحراصي أن للمؤسسات الحكومية دور لا بأس به في سير حركة الترجمة وهناك أيضا مؤسسات خاصة تعنى بهذا الشأن كجامعة صحار والتي طرحت مؤخرا تخصص الترجمة وجامعة ظفار وجامعة نزوى إلا أنه لا توجد هناك مؤسسات أخرى غير تعليمية تعنى بهذا الجانب كالمنظمات والهيئات الخاصة كمنظمة الترجمة العربية في بيروت وقد يكون السبب أن الترجمة في السلطنة ما زالت في بداياتها بالنسبة للسلطنة والدخول في مشروع كهذا غير مضمون ويعتبر مغامرة وخاصة أنه لا يوجد له مردود في نفس الوقت هناك الكثير من المترجمين العمانيين الذين نادوا بضرورة وجود جمعية للمترجمين العمانيين وأتوقع أن هذه الفكرة ستطبق مستقبلا وخاصة أن هناك أفواج كبيرة من المترجمين الذين تحتضنهم الجامعة بالإضافة إلى الذين يدرسون الترجمة خارج السلطنة.
ويرى هلال المعمري يجب أن لا نقارن الترجمة في عمان بالبلدان الأخرى كلبنان وغيرها من الدول العربية فالحركة الثقافية في عمان بشكل عام ليس بذلك المستوى وهناك تردد كبير للاستثمار في الجانب الثقافي والترجمة بشكل خاص فلن يكون حضها خير من إخوانها في هذا المجال وخاصة أنها ما زالت (تحبوا)، ويقول بدر الجهوري أن فكرة المؤسسات الخاصة هي فكرة قديمة ففي أحدى المقابلات مع أحمد المعيني مؤسس مجموعة الترجمة قال أن حلمي هو العودة إلى عمان وتكوين إتحاد للمترجمين العمانيين، الفكرة موجودة سابقا ولكن المشكلة التي تواجهنا هي أين مسألة الإبداع ، فالثقافة في السلطنة تحتاج إلى دعم كثر ، البعض يقول أن الترجمة شيء جديد ولابد أن نمشي على وتيرة محددة لكن برأي يفضل أن نبدأ في هذه الخطوة بطريقة مبكرة لأن العولمة بدأت تطغى فترك الناس الكتب واتجهوا إلى الانترنت ، حيث أنه عندما أدرس مواد ويُُطلب فيها بحوث فبدوري سوف أتجه إلى الانترنت وأترك الكتب ، فإذا تركنا الموضوع لما هو عليه فقد تنسى الكتب ويقل دورنا كمترجمين وستكون مجازفة وذلك بأن نبدأ بأسرع وقت لنكون جمعية مترجمين عمانيين حتى نضع حجر الأساس للترجمة في السلطنة .
ويرد عليه يونس الحراصي بالنسبة للمجازفة التي تكلم عنها بدر بخصوص إنشاء جمعية مترجمين عمانيين يفترض أن تكون ذات كفاءة عالية بمعنى أن تضم أكثر من عشرين أو ثلاثين شخصا ، فلا يعقل أن تُكون جمعية تضم خمسة أو عشرة أشخاص فقط ، فنجد العديد من المترجين العمانيين يعملون في مجال الدفاع وأماكن أخرى لا تسمح لهم بالنشر ، والأشخاص الذين يطالبون بهذا الأمر قد يكونون أصحاب محلات الترجمة أو مؤسسات خاصة للترجمة بمعنى أنه عدد محدود جدا ، فإذا أخذنا بعين الاعتبار فستكون فكرة جمعية لإتحاد للمترجمين العمانيين خطوة جريئة وجيدة جدا ، ولابد أن تتوفر قبل ذلك العناصر التي نبني عليها هذه الجمعية .
تضيف تماضر الوهيبي أتوقع أن مثل هذه المؤسسات قد ترى النور قريبا إذا رأى المستثمر اهتماما من الجانب الحكومي ، فحسب ما علمنا أنه تم إصدار قرار وزاري مؤخرا بإنشاء قسم لدراسات الترجمة في وزارة التراث والثقافة ، فإذا رأى المستثمر الاهتمام الحكومي في هذا الجانب سيكون له الحافز الكبير في ذلك .
تقول شيخة المحروقي بالنسبة للمؤسسات الخاصة فالمشكلة تكمن في الجانب المادي ، فمن الذي سوف يمول المؤسسة برأس المال ، والمشكلة الأخرى هي أن أغلب المشاكل التي يواجهها العالم هي صفة البشر نفسهم ، فمثلا نجد أن الترجمة متعلقة بالثقافة في الأول والأخير ، إذا أن الناس يهتمون بالثقافة سوف يهتمون بالثقافات الأخرى وقراءة الكتب ، فالترجمة في التاريخ العربي كانت تعتبر حركة ثقافة كبيرة كما أنه كان لها دور كبير في تنظيم الحركات الثقافية الأخرى ، وأتى فشل الترجمة لأن العرب قاموا بالإشادة بإنجازاتهم وكانت من ضمن الترجمة إلى أن العمل بالترجمة قل والإشادة بالترجمة ارتفع مستواها إلى أن تلاشت أعمال الترجمة جميعها ، فالتاريخ قام بإعادة نفسه ونحن كعرب يجب دائما أن نبحث عن الجديد وعن الأسباب التي أدت إلى قصور العرب في جانب من الجوانب وفي حق أنفسهم ،فهم وصلوا إلى مستوى عالي وإلى القمة ثم نجد أن المنحنى ينزل تدريجيا ، فبدلا من أن يستفيدوا من ثقافاتهم قاموا بالأخذ من الثقافات الغربية الأخرى ، فخوفنا من أن نصل إلى هذا المستوى أي أننا نشيد بالترجمة فقط دون أن تكون هناك أعمال في الترجمة ، وكل ذلك أولا وأخيرا يرجع للأشخاص المهتمين بالثقافة ، فالحركة الثقافية الآن جدا بطيئة حيث أننا نادرا ما نجد أشخاص مثقفين يهتمون بمثل هذه الأمور ، فالترجمة متعلقة بكمية المثقفين الموجودين في السلطنة ، فإذا كان هناك مستفيدين فالترجمة سوف تشهد طاقم كبير لكن إذا ظل الحال كما هو عليه فلن تأخذ الثقافة ولا الترجمة حقها .
واقع ترجمي
يضيف الدكتور عبدالله الحراصي لابد من أن نفرق بين الواقع والضرورة، فواقع الترجمة وواقع الحضارة العامة في العالم العربي يميل إلى الآراء التي تأخذ عدم الرضا من الواقع،أكثر من الرضا ونشير إلى أن هناك مجال كبير للفعل البشري فلا بد من أن نفرق بين هذا الواقع والضرورة فإذا تحدثنا على مستوى السلطنة فهي الآن ضمن تكتلات اقتصادية كبيرة كمنظمة الدول المطلة على المحيط الهندي على سبيل المثال ومنظمة التجارة العالمية وما يتبعها من عالم العولمة المتداخل المفتوح دون حدود والسلطنة قامت بتوقيع اتفاقيات والالتزام بها دوليا وقانونيا والالتزام أيضا بتوابع الحالات الاقتصادية الكبرى فهذه ستؤدي إلى ضرورات لابد منها فإذا أردنا أن نظهر بالواقع هذا فلابد من الترجمة فالمستقبل عبارة عن سلع اقتصادية وثقافة الإنسان تتحول إلى سلعة ونحن يجب أن نسوق أنفسنا كحالات ثقافية وحضارية وتراث وماضي ولآ يجب أن نتخوف من كلمة السلعة ولا ننظر إليها كشيء سلبي فالموسيقى والأدب والأزياء وغيرها من المجالات تتحول في النهاية إلى سلع بحاجة إلى تسويق فإذا أردنا أن نصدر أنفسنا كسلعة للخارج لا بد من أن نترجم كذلك إذا أردنا أن نستورد من ثقافات العالم الخارجي لابد من أن نترجم فإذا تكلمنا عن العرب في الفترة العباسية وكيف ساهموا في تلك الفترة فكانت مساهمة عظيمة أدت إلى حفظ التراث الأغريقي وإلى الترجمتين العربية وحالة حراك ثقافي عربي وفي تلك الفترة الثقافات كانت تتعايش بعيدة عن بعضها فدور الترجمة كانت مختلفا كان دور يقرب بين الشعوب ويعرف بين الأمم وهوياتها وعلومها وثقافتها ويجب أن ننتبه أن دور الترجمة الآن مختلف تماما بس التقارب بين الحضارات وسهولة التواصل بين الأمم الأخرى فحضارات وأمم العالم اليوم غير منفصلة كما الحال في السابق وهناك تيار حضاري قادم يجب أن نساهم فيه ويجب أن نتخلى عن قضايا ترجمة الفلسفة والترجمة القديمة فالفترة القادمة مختلفة تماما سواء من حيث المدخلات أو المخرجات.
أكثر من لغة
نلاحظ أن الترجمة في عمان والجامعة بشكل أخص تكون من وإلى اللغة العربية والإنجليزية دون النظر إلى اللغات الأخرى يرد الدكتور عبدالله الحراصي على ذلك قائلا يجب أن نعترف أن اللغة الإنجليزية هي اللغة المهيمنة على جميع العالم وكون ترجماتنا أغلبها باللغة الإنجليزية وضع طبيعي وسلمي ولا توجد به أي سلبية ووجود الترجمة مؤشر على فعل ما ووجود الترجمة خير من أن لا توجد .
إعداد وحوار: خولة الحوسني
الاثنين، 16 مايو 2005
حوار حول طاولة مستديرة: الترجمة تبوح بأقلامها
الثلاثاء، 15 مارس 2005
حوار مع جريدة الاتحاد الاماراتية (15 مارس 2005)
للاطلاع على الموضوع كاملاً اضغط هنا (ينبغي تنزيل الملف لقراءته)
وقد نشرت "الاتحاد" إعتذاراً عن ما ذكرته في الموضوع السابق ويمكنك أن تقرأ الاعتذار (في الصفحة اليسرى) بالضغط هنا (ينبغي تنزيل الملف لقراءته)
الأحد، 23 يناير 2005
حول بعض مدلولات خطاب التنصيب الثاني للرئيس بوش
حول بعض مدلولات خطاب التنصيب الثاني للرئيس بوش
عبدالله الحراصي
من استمع أو قرأ خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن في حفل تنصيبه لولايته الثانية الخميس الفائت سيفاجأ بأن هذا النص ليس خطاباً سياسياً من النوع المألوف، أي أنه لا يتناول قضايا من الواقع السياسي المحلي أو الدولي، بل أنه خطاب تبشيري مقعقع بكل ما تعنيه هذه الكلمة من دلالات. قطب الرحى في هذا الخطاب هو أن أمريكا أخذت على عاتقها تنفيذ مهمة إلهية الأصل أخلاقية الطابع وهي القضاء على الطغيان ونشر الحرية في ربوع الكرة الأرضية، كلها.
والحقيقة أن هذا الخطاب يحمل كثيراً من الدلالات التي لا يمكن إحتواءها في مقال واحد، ولا حتى في دراسة مفصلة واحدة، فهو محمل بأفكار المحافظين الجدد، وبالايحاءات الدينية والقيم الأخلاقية والمعاني السياسية والأبعاد العسكرية المتعددة الأبعاد. يبدو هذا الخطاب في الظاهر وكأنه رسالة فيما يجب أن يكون عليه العالم كتبها أحد الأنبياء أو عظام الفلاسفة وليس رئيس دولة لها السطوة الكبرى على العالم بأكمله في كل الميادين وعلى الأخص في الميادين السياسية والعسكرية بكل ما يتبع هذا من تفاعلات وصراع وتآلف مصالح تشمل العالم بأكمله.
هذا الشرخ بين صفة القول (الأخلاقي التبشيري) وصفة القائل (رئيس دولة هي الولايات المتحدة الأمريكية) يكشف عن تبني الرئيس الأمريكي لخطاب المحافظين الجدد تبنياً تاماً ونهائياً، وهو ما ينبغي على العالم كله أن ينتبه له وأن لا يصعر خده عنه، فالرئيس بوش يصرح بكل وضوح ان المعاني التي قدمها في خطابه هي التي ستحدد السياسة الخارجية الأمريكية في فترة ولايته الثانية، كما أن على العالم ألا يصعر خده عمّا يقول بوش لأنه (سواء اتفقنا أم أختلفنا مع سياسته) يقول ويفعل، ففي فترته رئاسته الأولى (وبعد ما أسماه بـ"يوم النار" في سبتمبر 2001) غزت الولايات المتحدة دولتين وغيرت نظامي الحكم فيهما، كما أن دعواتهما لمحاربة الإرهاب أمست إجراءات فعلية تمس الحياة بكل أوجهها في كثير من دول العالم. معنى هذا إن على العالم أن يستمع لما يقوله بوش وأن يتهيأ لما بعده.
يحتوي الخطاب كما ذكرت أعلاه على أمنيات تبشيرية، فبوش يقول بأن الطغيان قد أمسك بتلابيب كثير من بقاع العالم وأن هذا الطغيان الذي يرزح تحته الملايين من الناس لا يكبح نزعات الحرية "الطبيعية" عن الناس فحسب بل أنه يؤدي إلى تأثر الولايات المتحدة ذاتها بالحنق الناتج عن تخلي أمريكا عن دورها في نشر الديمقراطية والحرية. هذا الخطاب يحمل بذور فشله النظري والواقعي داخله، فمنبعه ليس أخلاقياً كما يدعي بل هو ما حدث في "يوم النار" وهو حدث سياسي بطبيعة الحال. أضف إلى ذلك فإن هذا الخطاب يفشل لأننا حتى ولو صدقناه ومضينا معه في الحلم فإن كل الدعوات الحلمية الطابع طوال التاريخ قد فشلت في أن تستحيل واقعاً يعيشه الناس كما يدعو إليه الدعاة، فالحلم البشري، وخصوصاً ذلك الحلم الذي ينوي تغيير العالم بأكمله نحو عالم أفضل، يغض النظر في كثير من الأحيان عمّا يفرضه الواقع من تفاعلات تؤدي في نهاية المطاف إلى هيمنة قوى الواقع وتلاشي الحلم، وهو ما حدث مثلاً في حالة الشيوعية التي كانت تحلم بعالم عادل يخلو من المظالم فأنتهت إلى واقع مأساوي وهزيمة منكرة أمام الرأسمالية.
من جانب آخر، فإن أمريكا (وهذا يصدق على الغرب بأكمله) برغم تقدمها الحضاري لا تقدم بالضرورة الصورة النهائية لما يجب أن يكون عليه الإنسان، وديمقراطيتها تفشل كثيراً عند المحك. ألم تخالف أمريكا، في عصر بوش نفسه، الإجماع العالمي على عدم الإقدام على غزو العراق وذهبت منفردة؟ ألم يتبين بعد حين حجم الخداع والخطأ والتضليل الإعلامي والإستخباراتي والسياسي الذي وقعت فيه المؤسسات الأمريكية (والبريطانية) في حملتها لتبرير غزو العراق؟ إن أمريكا إذاً لا تقدم النموذج الأمثل والأنجع للديمقراطية والحرية (برغم نجاح كثير من أوجه النظام الديمقراطي الداخلي في أمريكا بطبيعة الحال، وهذا ليس محور الحديث هنا). أضف إلى ذلك فإن نشر الحرية والديمقراطية في العالم لن يجلب بالضرورة نظماً تمضي يداً بيد مع الحلم الأمريكي، فلو أعطيت كثير من الشعوب الحرية الحقة لكان أول ما تفعله هو تحويل حنقها السياسي على أمريكا إلى واقع، وهو ما سيحول حلم بوش إلى كابوس بطبيعة الحال.
إننا لا نعيش في عالم المثاليات، وعالم الواقع يقول لنا أن رئيس أقوى دولة في العالم قرر، كما يقول، أن ينشر شيئاً يسميه هو "الحرية" في الكون بأسره، وأن لديه من القوة والبأس ما يمكنه من أن يتدخل في شؤون الدول الأخرى لنشر هذه "الحرية". معنى هذا إن الفشل النظري لأطروحة بوش لا يعني أبداً تجاهل هذا الخطاب، بل أن العكس هو الصحيح فعلى العالم، وفي مقدمته الدول العربية (وهي محور اهتمامنا هنا)، أن يتهيأ لعواقب هذا الشرخ الجلي بين الحلم الأمريكي الذي يشمل العالم والمسنود بقوة عسكرية وسياسية لا مثيل لها وضرورات الواقع التي لا تبشر إلا بفشله نظرياً وواقعياً.
هنا تنبغي الإشارة إلى أمر ذي بال عن الدول العربية ذاتها. تُوفِّر الدول العربية أرضية نظرية مناسبة لبوش لكي يسعى ليحقق حلمه فيها، فالحرية والديمقراطية والأقتصاد المنتج السليم وتنمية الإنسان والحياة الكريمة الحقة كلها أندر من الزئبق الأحمر. كما تبدو الدول العربية بعد مشاريع الشرق الأوسط الكبير ودعوات التحرير الأمريكية "كما الفار السكران" كما يقول المثل العماني، فسلوكها السياسي الداخلي هو خبط عشواء يخلو من أي وعي عميق بعيد المدى، حيث أخذت كثير من الدول بسياسة ترقيع الثوب المهلهل بدلاً من السعي إلى نسج ثوب جديد، وهي سياسات داخلية لا تؤدي في نهاية المطاف إلى الإصطدام بضرورات الإصلاح الحقيقي الذي يفرضه الشعور الإنساني الحقيقي بالاغتراب وبفقدان تمكين الإنسان والمجتمع وما تفرضه العولمة واقتصادها من إلحاحات وضرورات معيشية.
إن الإصلاح وتغيير منظومة الحياة العربية المعاشة حالياً ليس مجرد رد فعل آني على دعوات أمريكية، بل أنه ضرورة حضارية ذاتية. تعيش الدول العربية حالة حضارية بائسة ومأساوية، فحالها السياسي والعسكري على نعرف جميعاً، والحال في النواحي الأخرى ليس بأحسن حالاً فالإقتصاديات العربية منهارة على وجه العموم، ومؤسسات الدول العربية تنخرها رمّة الفساد الاداري والمالي الذي لا يبدو له صادّ ولا رادّ، وحال الإنتاج الفكري هو إنهيار تام، فما أقل الكتب والدراسات العلمية والترجمات، وحينما توجد فما أقل جودتها حينما نضعها في موازين قيم الجودة العالمية! هذا الواقع المأساوي يدفع بإتجاه دعوات إصلاح وتغيير حقيقية عربية أصيلة منفصلة عن الدعوات الأمريكية. ولا ريب أن دعوة أمريكا للإصلاح والحرية لن تسعى إلى إصلاح حقيقي للبنى العربية النخرة بل أنها ستصلح ما يتناسب مع مصالحها وستُفسِد كذلك ما لا يتناسب مع مصالحها، وهنا مكمن (بعض) الخطر في هذا النوع من "نشر الحرية".
الأحد، 2 يناير 2005
حول تسونامي آسيا وبعض معانيه
حول تسونامي آسيا وبعض معانيه
عبدالله الحراصي
جاء غضب الأرض والبحر في آسيا في شرق آسيا رهيباً مفاجئاً، وهذا ديدن الطبيعة حينما تغضب فتعبر عن غضبها بالزلازل والأعاصير والأمواج الهائجة. غضبٌ بدأ بزلزال لم تشهد الكرة الأرضية له مثيلاً منذ زمن طويل، تبعته أمواج عاتية أتت على الجانب الشرقي من المحيط الهندي فخلفت أجزاء كبيرة منه أثراً بعد عين. يخبرنا التاريخ أن مثل هذه الأمواج التي تسمى باليابانية "تسونامي" قد حدثت في الماضي وتسبب في كوارث ونكبات بشرية ضخمة، بل أنها قد قضت على حضارات بأكملها مثل الحضارة المينوانية، وهي حضارة نشأت في كريت في البحر الأبيض المتوسط، حيث يقول بعض المؤرخين أن انفجاراً بركانياً قد حدث نحو عام 1480 قبل الميلاد وتسبب في هيجان أمواج بحرية ضخمة غمرت ساحل كريت الشمالي وقضت على اسطولها التجاري الذي كان عصب حياتها، كما قضى الرماد الناجم عن البركان على الزراعة في النصف الشرقي من هذه الجزيرة.
زلزال آسيا وتسوناميها قضى (حتى الآن) على ما يربو على 150 ألف إنسان ودمر مدناً وقرى بأكملها، وغير الخرائط فأختفت بقع كانت موجودة وظهرت، كما تذكر الأخبار، جزر في عرض البحر لم تكن موجودة. هذا التأثير الهائل للزلزال وللتسونامي قد كشف عن الكثير من الأمور التي سأتوقف عند بعضها في هذا المقال.
لقد أعادت هذه الكارثة للنقاش قضية مدى سيطرة الانسان على الطبيعة، والمتتبع لما تكتبه الصحافة الغربية تحديداً يجد أن هذا الموضوع قد دخل في صراعات السياسة التقليدية بين أولئك الذين يرون أنه ينبغي على الإنسان أن يمضي قدماً في إخضاع الطبيعة من أجل مزيد من النجاح للإنسان ورخائه وراحته، وأولئك الذين ينطلقون من الطبيعة واحترامها ويرون أن الإنسان ربما قد تسبب، جزئياً، بتدخله في الطبيعة والمبالغة في استغلالها في مدى الكارثة التي حدثت. يرى الفريق الأول أن كارثة الزلزال والتسونامي قد كشفت عن حاجة الانسان في آسيا الى احتذاء التنمية الغربية، فيقول ميك هيوم في جريدة "سبايكد" على سبيل المثال "من الواضح أن هذه الكارثة ليست من صنع الانسان، غير أن المزيد من النشاط الإنساني الذي يقود الى تعظيم التنمية الاقتصادية والاجتماعية يمكن أن يساعدنا في التقليل من تأثير مثل هذه الكوارث" ويضيف بأن غياب هذه التنمية في المدن والبلدات الحديثة في دول آسيا بما يصاحبها من مبانٍ أُحسِنَ تصميمها وبنائها هو الذي تسبب في فقدان قدرة هؤلاء الضحايا على رد الكارثة الطبيعية أو التخفيف من آثارها.
أما الفريق الثاني فلا ينطلق من نفس المنطلق التنموي البشري بل من وجوب حماية الطبيعة فيرى ديف ماكنيلي وهو كبير العلماء في "اتحاد حماية العالم" ومركزه سويسرا أن الاقتصاد السياحي في شرق آسيا تسبب جزئياً في الكارثة حيث أزيلت من على الشواطيء كثير من أشجار المنغروف لتحل محلها مزارع الروبيان، إضافة الى انتشار الفنادق والمنتجعات السياحية. كما ينطلق بعض متبني هذا الاتجاه غير التنموي من منطلق روحي تأملي فرأى جاك سترو وزير خارجية بريطانيا أن هذه الكارثة تدعو الانسان لأن يخفف من غلواء شعوره بالعظمة وأن يتواضع، وبنفس الرؤية يكتب اللورد وليم-ريس موج (وهو محافظ) في جريد التايمز اللندنية أن التسونامي يسخر من مجتمعاتنا الحديثة المتغطرسة، ويظهر أن الطبيعة ما زالت هي السيد المطاع الحقيقي وليس الانسان.
إضافة الى هذا الجدل حول مدى التنمية واحترام الطبيعة فقد أبرز التسونامي أن الساسة في بعض مناطق العالم الثالث (كالدول التي ضربها الزلزال والتسونامي) لم يقدروا الامور حق قدرها، فقد كان مشروع رصد موجات التسونامي مطروحاً قبل فترة قصيرة على قادة شرق آسيا لكنهم رفضوه بحجة تكاليفه الباهضة، ولو كان هذا المشروع قد أقر لما حصدت الكارثة هذا العدد الكبير من الأرواح ولما تسببت في الخسائر الضخمة في الممتلكات. يعني هذا أن كارثة الزلزال والتسونامي قد أبرزت ضرورة تطوير نظم الحكم في العالم الثالث حاسة احترام العلم وما يقوله، فالعلم هو النظام المعرفي الوحيد الذي ينطلق في طروحاته من الحقائق الثابتة وليس من الرغبات أو الأوهام، وهو ما يفيد أن توقعات العلماء (وإن لم يظهر في التو ما يفيد بقرب حدوثها) ينبغي أن تدخل في صميم تفكير الحكومات، وأن تؤخذ هذه التوقعات مأخذ الجد، فالتحوط وإن كان باهض القيمة المادية سيكون أجدى في حفظ الانسان وحفظ ممتلكاته من دمار محيق.
أبرز الزلزال والتسونامي كذلك بعض محاسن العولمة، فقد بدى للعيان الأثر الإيجابي الذي قامت به وسائل الإعلام في نشر خبر الكارثة مباشرة في وقت حدوثها وهو ما بعث وحدة شعور بالألم يعيشها كل البشر في شتى أنحاء العالم، وهي وحدة تظهر أصالة تضامن الانسان مع أخيه الانسان في أوقات الشدة والنوازل. كما أبرزت الكارثة أيضاً جانباً خيراً آخر للعولمة وهو المساعدات الدولية، فقد تداعت الدول الى مساعدة ضحايا هذه النازلة الأسيوية، وهو شعور يظهر أن مفهوم الدولة ذاته قد تغير بعد أن كان يتمحور حول إدارة شؤون مواطنيها أو تابعيها، فقد أصبح من صلب واجبات الدول أن تعين الدول الأخرى وهو ما يعطي الدول بعداً عولمياً خيراً. كما اتضح دور المنظمات الدولية كذلك في تخفيف الانسان من هول الكارثة كدور منظمات الصليب والهلال الأحمر ومنظمة الصحة العالمية وغيرها من التنظيمات الهادفة الى تقديم العون وقت الكوارث.
كل هذه المؤشرات تكشف عن وجه خير حقيقي للعولمة، وهو وجه ربما يختفي أحياناً في الأوقات العادية حينما يتم اختزال العولمة في تأثيراتها السلبية على الثقافات المحلية، وربطها بالثقافة الغربية (الأمريكية في الأغلب). العولمة التي تتجلى هذه الأيام على إثر الزلزال والتسونامي هي ثقافة أعمق من ثقافة الأزياء والطعام وأغاني الروك، بل هي ثقافة شعور الانسان بألم الانسان الآخر الذي يعيش بعيداًً عنه في سواحل آسيا، وهي ثقافة تنطلق من الشعور الانساني الواحد بالألم الى التزامات مادية حقيقية ستعين بلا شك من لحقت بهم أضرار هذه الكارثة. ثقافة التضامن القائم على الشعور بالألم ينبغي أن تعزز باعتبارها أحد أهم عناصر العولمة الخيّرة بخطوات أخرى ربما يكون من بينها التقليل من الألم الذي لا تتسبب فيه كوارث الطبيعة بل الكوارث البشرية الناشئة عن العولمة العسكرية المتمثلة في نشر جيوش بعض الدول، وعلى رأسها الدولة العظمى، في كل أنحاء العالم (كان من الجميل والشاذ من الناحية الرمزية في ذات الآن أن نرى جنود الجيش الأمريكي وهم يقدمون المساعدات لضحايا الحرب منطلقين من ذات حاملات الطائرات التي تستخدم لضرب دول وشعوب بعيدة عن الولايات المتحدة الأمريكية).
وإذا انتقلنا من العولمة إلى العالم العربي فقد أظهرت الكارثة خللاً كبيراً لا نقول في الشعور الإنساني العربي ذاته، بل في مقدار التعاطف الذي أظهره العرب تجاه النازلة الأسيوية، وهو مقدار يبعث على الخجل على أقل تقدير. لا ريب أن العرب يعانون بأنفسهم من نكبات سياسية وعسكرية واجتماعية (... الخ، إن كان لها آخر) إلا أن من الغريب أن العرب لم يظهروا أقل المتوقع من التعاطف مع منكوبي الكارثة رغم أن الدول التي تعرضت لهذه الكارثة هي دول صديقة للعرب سياسياً في الزمن المعاصر (برغم رفضا لمنطق التعاطف القائم على المصالح السياسية وقت الكوارث الطبيعية)، كما أنها دول صديقة للعرب تاريخياً، وسيكون من الثرثرة غير المناسبة التذكير هنا بالعلاقات البحرية القديمة بين عالمنا العربي وخصوصاً دول الجزيرة العربية وشرق آسيا. والأغرب إن انتقلنا الى مستوى النخب الثقافية ان هذه النخب لم يستوقفها كثيراً هذا الحدث الرهيب حتى الآن، وهو ما يبعث على التساؤل إن كان فقدان الاستجابة هذا منبعه فقدان الاحساس التام بالمعاناة البشرية (غير العربية) أم أنه مجرد تأخر (له أسبابه التي لم يتبين حتى الآن كنهها).
الثلاثاء، 28 ديسمبر 2004
عن الصوت والقول في الثقافة العربية
عن الصوت والقول في الثقافة العربية
عبدالله الحراصي
المتابع لوسائل الاعلام العربية ولما تصدره دور النشر العربية يذهل لكمية الأصوات المكتنزة والمتزاحمة. أصوات لا أول لها ولا آخر، تتصارع فيما بينها وتختلف في كل شيء، غير أن العجب العجاب هو أنها في الآن ذاته تتشابه في كل شيء وأهم ما تتشابه فيه هو أنها لا تقول شيئاً له معنى. تفتح جهاز التلفاز لتشاهد "حواراً" (هكذا يسمى) فتعجب أن المتحدث أو المتحدثين يكررون أصواتاً سمعتها من قبل، ليس مرة أو مرتين بل ربما مئات أو آلاف المرات. كما أنك تقرأ جريدة أو كتاباً فترى أحرفاً سوداء تغطي عشرات الصفحات دون أن يستوقفك كاتبٌ ترى أنه يقول شيئاً له معنى يختلف عن بقية الأصوات (إلا من رحم ربك).
لقد فقدت الأغلبية (المتحدثين والمستمعين، والكتاب والقراء) الشعور بأنهم يتعاملون مع أصوات فقدت معانيها الحقيقية لتكرارها وذيوعها. وفقدان الشعور هذا هو الأخطر في أمر هذه الظاهرة، وهو لا يخص مستخدمي اللغة (كتاباً ومتحدثين) بل يرتبط كذلك بالمتلقين (القراء والمستمعين) الذين لا يلاحظون أن ثمة أمراً إشكالياً خطير الشأن يحدث، فهم يتلقون هذه الأصوات دون أن يسألوا عن سببها أو عن سبب تلقيهم لها عن طيب خاطر، بل واستمتاعهم بها في كثير من الأحيان.
ينطلق هذا المقال إذاً من تفرقة أساسية بين حالتين من حالات استخدام اللغة هما حالة "الصوت" وحالة "القول". تتميز حالة "القول" بوجود إنسان يستخدم قدراته العقلية التحليلية أو التركيبية ليخرج بنتيجة قد تكون تحليلاً لموضوع معين أو حلاً لمعضلة ما، ويكون هذا "القول" متميزاً بحيث يستوقف الآخرين ويجعلهم يتأملون فيما قال ويجعلهم يقبلون على مستقبل حياتهم بتغيير ما، وإن كان ضئيلاً. أما في حالة "الصوت" فإن هناك إنساناً يردد صدى لصدى لصدى لصدى لقول (وعدد الأصداء ليس بذي بال هنا، فالمهم أنه لا يقول بنفسه شيئاً).
الفرد الصوتي يسعى ليقول ما تقوله الأغلبية وما تتوقعه الأغلبية، ويسعى للتميز أحياناً عن طريق واحد هو أنه يغالي في إنغماسه في ما هو متوقع، وربما صارع أصواتاً أخرى لأنها خانت قليلاً الأصوات المتوقعة، وهو بهذا يسعى الى أن يجعل سامعيه يرددون نفس "الأصوات" لتستمر الحياة الصوتية المألوفة. "الصوت"، إنتاجاً واستقبالاً، يصبح بهذا المعنى تجميداً للأوضاع الآسنة المألوفة على كل المستويات. أما الفرد الذي يقول فهو متميز أصلاً بطبيعة تفكيره وبما يقول، كما أنه يسعى من خلال قوله إلى إحداث تغيير في توقعات القراء والمستمعين ونظرتهم لحياتهم. وبهذا فإن "القول"، إنتاجاً واستقبالاً، هو فعل تغييري يسعى الى أن يكون العالم قبل "القول" مختلفاً عن العالم بعده (وكلمة "العالم" هنا تشمل صغرى الأمور وكبراها).
لنضرب مثالاً على حالة "الصوت". لنتخيل الأصوات التالية: "إن الحالة المعيشية في الوطن العربي من الخليج إلى المحيط مزرية ترتبط باقتصاد متهالك ونظام تعليمي يدمر القدرات، كما ان الحياة العربية تخلو من الديمقراطية واحترام حقوق الانسان، ويشعر الانسان الفرد فيها بالضياع وفقدان الوعي بحقوقه". لا ريب أن هذه ليست أول مرة تسمع أو تقرأ فيها مثل هذا الكلام، بل ربما قرأته أو سمعته مئات إن لم يكن آلاف المرات. لماذا إذاً يقوله من يقوله؟ ولماذا لا يحتج من يسمعه ويقول لقائله "كفى، قل شيئاً أو اكتب شيئاً مختلفاً أو فاصمت"؟ المسألة ذات جانبين: الجانب الأول هو أن إصدار "الأصوات" المكررة هو ظاهرة "طبيعية" في الثقافة العربية، والجانب الثاني يتمثل في أن تلقي هذه الأصوات هو نفسه ظاهرة "طبيعية" لا تستوقف أحداً.
توجد مدرستان تفسران الوضع الصوتي العربي (أي كون العرب يصدرون أصواتاً ولا يقولون شيئاً). ترى المدرسة الأولى بأن سبب إنتشار الأصوات في الثقافة العربية المعاصرة يكمن في خلل أصيل في جوهر "العقل العربي" أو في قلب "الذهنية العربية"، وهو خلل لا يمكن إصلاحه لأن هذا العقل وهذه الذهنية يخلوان من عناصر التفكير الأصيل ولهذا فإن كل اللغة التي تنتج عن هذا الوضع هي لغة مكررة لحديث سابق. معنى هذا أن العرب مهما فعلوا فإنهم سيظلون إلى أبد الآبدين يصدرون أصواتاً ويكرروها ولا يقولون برغم هذا شيئاً. لا حاجة لبذل كثير جهد للقول بأن هذه المدرسة خطيرة لأنها عنصرية في منطلقها، حيث أنها تفترض درجات للتفكير بين الأقوام المختلفة وتبايناً لا يمكن تغييره في طبيعة استخدام اللغة يميز بين هذه الأقوام. كما أن هذه المدرسة خطيرة لأنها تشكل برؤيتها القائمة على سكونية العقل العربي وذهنيته مهاداً لتسكين الأوضاع العربية، بمعنى أنها تقول أن على العرب الاستسلام لهذا الوضع الصوتي التكراري لأنه لا يوجد أمامهم خيارٌ حضاري آخر.
بخلاف المدرسة العنصرية هناك مدرسة أخرى أكثر واقعية واكثر مصداقية فيما أرى تقوم على أن الوضع الصوتي العربي هو نتاج لعمليات واقعية ترتبط بمنظومة الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية العربية (أي أن هذا الوضع "نتيجة" نشأت عن "أسباب" تدافعية تحدث في الواقع لظروف معينة في الثقافة العربية وتوجد، وإن كانت بدرجة أقل أو أكثر، في ثقافات أخرى)، وهو ما يبريء العرب من الخلل الجوهري الذي يجعلهم يكررون أصواتاً ولا يقولون شيئاً.
وماذا عن التلقي؟ تفسر هذه المدرسة استمراء العرب تلقي الأصوات وعدم اعتراضهم عليه، بل واستمتاعهم به أحياناً دون أن يقول المتحدث أو الكاتب شيئاً ذا بال بنفس الأسباب التاريخية. فالعمليات الواقعية التي لا تسمح إلا بنشوء "الأصوات" وتمنع نشوء "الأقوال" توفر بالنتيجة بيئة لا يجد فيها العربي المتلقي أي شيء سوى هذه "الأصوات"، وهو ما يجعله يتوهم أن هذا هو الوضع الطبيعي، كما أن هذا المتلقي يرفض "القول" وينعته بالتعقيد أو بفقدان المعنى. كأن المتحدث الصوتي يقول للمتلقي "لا تخشى، سأقول لك ما تتوقع من أصوات" وكأن المستمع يقول للمتحدث "قل لي بحق الله الكلام الذي أتوقعه ولا تقل ما يهز توقعاتي، ولا تقل لي كلاماً لا أفهمه فإني قد أَلِفتُ هذا الوضع وأنا أستمتع به". بكلمات بسيطة أصبح هذا الوضع هو المتحكم بمنظومة استخدام اللغة في الثقافة العربية، فالجميع (إلا من رحم ربك بطبيعة الحال) يعيشون هذا الوضع الصوتي والجميع (مع بقاء الاستثناء السابق) يعملون على مده بالحياة والاستدامة.
هل سيكون العرب دائماً "ظاهرة صوتية" كما قال عبدالله القصيمي؟ هل سيستمرون في انتاج الأصوات وفي استهلاكها دون أن يقولوا أو يسمعوا شيئاً له معنى؟ الإجابة على هذه التساؤلات ليست سهلة، ولكن بكلمات بسيطة يمكن القول بأنه لا يوجد شيء خللي كامن في جوهر "العقل العربي" يجعله يصدر أصواتاً ولا يقول شيئاً، كما أنه لا محل للصدفة هنا، وهو ما يقودنا الى أن نسأل عن المستفيد من هذا الوضع. من صاحب الفائدة من استمرار إنتاج "الأصوات" وتقبلها عن طيب خاطر من قبل الغالبية من العرب؟ ومن صاحب الفائدة في ألا يستخدم الإنسان العربي قدراته العقلية وألا "يقول" شيئاً يغير به حياته وحياة الآخرين؟
الاجابة "الحقة" على مثل هذه التساؤلات ستكون "قولاً" ولن تكون "صوتاً" بطبيعة الحال.
الاثنين، 20 ديسمبر 2004
حول تغير الأخلاق في المجتمع العماني
حول تغير الأخلاق في المجتمع العماني
عبدالله الحراصي
نشر ملحق "شرفات" الثقافي مقالاً مهماً للكاتب العماني حسين العبري حول تغير "سقوط" الأخلاق، سعى فيه إلى تبيان بعض معالم ما اعتبره تغيراً للأخلاق في المجتمع العماني، وخلاصة مقاله هو "أن هناك تغيرا حاصلا في الأخلاق التي ينتهجها المجتمع العماني في هذه الآونة وهذه اللحظة من التاريخ... ثمة تغير بإيقاع سريع حاصل في المجتمع العماني هنا والآن"، وقد استطاع بطرحه الأدبي الطريف المبتعد عن التعقيد الذي يرافق الكتابات التي تتعرض لمثل هذه المواضيع (خصوصاً الأكاديمية منها) أن يتوغل في مساءلة كنه التغير واتجاهه وبعض تجلياته. غير أني أجد نفسي بعد قراءة هذا المقال مستثاراً ببضعة آراء حول بعض ما ورد في هذا المقال وحول موضوع الأخلاق والتغير الاجتماعي في عمان.
استوقفتني بدءاً كلمة "الأخلاق" نفسها، والأخلاق كما هو معروف قضية لها أبعاد كبيرة تخص كل مستوى من مستويات الحياة البشرية، ويتجلى أهمية هذا البعد من أبعاد الحياة في مبحث كبير من مباحث الفلسفة يحمل اسم "فلسفة الأخلاق"، وهو مبحث يختص بجوانب الكيفية التي ينبغي أن يعيشها بها الإنسان، ويسأل أسئلة مثل "ما هي السعادة؟ أهي سعادة الفرد، بما يتبعها من سلوكيات فردية، أم سعادة المجتمع أو الكل بما يتبعها من خضوع؟ هل من الصواب أن يكذب المرء بنية حسنة؟ هل من العدل أن أعيش غنياً وسط مجموعة من الفقراء؟ وأسئلة كثيرة تختص بالحياة كما ينبغي أن تكون. وتثار فلسفة الأخلاق في حياتنا المعاصرة في حالات يدخل العلم الحديث طرفاً فيها، فهل يجوز القتل "الرحيم" على سبيل المثال؟ أهو جريمة قتل صريحة أم رحمة ورأفة؟ وهل ينبغي للإنسان أن يقبل الاستنساخ أم يرفضه؟
أقول استوقفتني كلمة "الأخلاق" لأن ما فهمته من حديث حسين العبري هو التركيز على "السلوكيات" وليس على "الأخلاق" ذاتها. الأخلاق هي محددات الصحة والخطأ في السلوك، وهي محددات يتفق عليها الأغلبية في المجتمع إلى أن تأتي لحظة تأزم في قبول هذه المحددات، وما يبرز في مقال حسين العبري هو في السلوكيات وتغيرها، وما أراه هو أن الأمثلة التي ضربت على هذه التغيرات في السلوك الفردي أو الجمعي في المجتمع لا تعني أبداً أن هناك حالة تغير في الأخلاق حيث لا تتغير الأخلاق إلا بأزمة يمر بها المجتمع. ربما يحمل الابن العماني جهاز الحاسوب في حضنه بينما لم يكن يعرف أبوه كيف يفك رموز الحروف، وربما يستبدل السيارة بالجمل إلا أن هذا كله لا يعني أبداً، كما ذكر حسين، أن هذه الاختراعات، وقد اختزلت في أربعين سنة أو أقل، قد بعثرت كيان وعقل العماني. عقل الإنسان العماني لم يتغير في جوهره، ولم تتغير الأخلاق، وإنما تغيرت التمظهرات التي تتجلى فيها القيم الأخلاقية. لا ريب أنه قد حدثت بعض التغيرات السلوكية التي لا يمكن إنكارها (النقاش حول تغير الأخلاق هو تغير في حد ذاته) إلا أن مفاصل الصحة والخطأ المقبولة اجتماعياً لم تتغير كثيراً.
لا أرى المجتمع في السلوكيات البارزة لدى أفراده، بل أفضل قياسه في السلوكيات غير البارزة. أعني أنني أفضل ألا نركز على البقعة البسيطة المساحة التي يضيئها مصباح التطورات الاجتماعية العصرية (الكمبيوتر، مقاهي مسقط، القرصنة الانترنتية) بل على تلك المساحة القاتمة المهولة التي ما تزال على حالها (وأنا هنا لا أعطي حكماً قيمياً تفضيلياً لأي من المساحتين). المجتمع لم يتغير (كثيراً، على أقل تقدير) فحال بنيته هو نفسه، وما زال الفرد مغيباً لأن هويته مرتبطة بالجماعة التي ينتمي إليها (أسرة، قبيلة، مذهب ديني، عرق)، وما زال المجتمع ذاته بنفس البنية البطركية القديمة التي احتفظت بنمط تراتبيتها التي تمنح الرجل-الأب السلطة المطلقة وصولاً إلى قمة الهرم الاجتماعي.
أجل ثمة أحلام بالتغيير في الأخلاق الاجتماعية تصطدم بالعادة بصخرة أخلاق المجتمع الثابتة، وتظهر هذه الأخلاق الحلمية الطابع في حالات تأزمية مثل الرغبة في الزواج بين طرفين "ينتميان" إلى موقعين في البنية الاجتماعية القائمة. هنا تظهر الأزمة وينكشف الثبات في الأخلاق الاجتماعية، فتبدأ لدى الطرف الأقوى عملية تقصي في تاريخ الطرف الآخر، وكلما وصل الاستقصاء إلى التاريخ الأقدم في أسرته كلما وفر خلفية أكثر دقة تحدد عملية اتخاذ القرار الرهيب. قد يقال أن ثمة حالات كسر حدثت لهذه البنية، ولكنها حالات قليلة تثبت أكثر ولا تنفي الأخلاق المهيمنة.
يمكن للمرء أن يضرب أمثلة أخرى على الثبات الاجتماعي. لنأخذ وضع المرأة مثلاً: ما زال الكثيرون (وإن لم يكن الجميع) ينظرون إلى المرأة من خلال نفس النظرة الوظيفية القديمة التي تتجلى في أمثلة شائعة مثل "ثوره من بقرته وبيداره من حرمته" (أي أن المزارع يعيش حالة اكتفاء ذاتي فثور الحراثة ستأتي به البقرة التي يربيها، وستأتي زوجته بطفل سيكون في المستقبل هو العامل الذي سيتولى شؤون المزرعة). المعنى الاجتماعي لهذا المثل يجد صداه في بعض العبارات الشائعة بين أوساط معاصرة (من الشباب في الأغلب) في عمان مثل الحديث عن المرأة العاملة بأنها "سكني تجاري" وفيه طبعاً إسقاط لتجربة الأرض التي يمكن استغلالها سكنياً وتجارياً، وكذلك القول "تزوج معلمة واحصل على سيارة كامري" بما فيه من نظرة منفعية صرفة للمرأة تنزع عنها الإنسانية الفردية. تغير الأخلاق كان سيفترض وضعاً آخر (ليس بالضرورة "مساواة"، وهو مفهوم غائم الدلالة) يختلف عن الوضع القديم، ولكن كل ما حدث هو أن الحروف تغيرت فيما تبقت المعاني ذاتها.
هل تبعثر كيان وعقل العماني؟ أبداً. كل ما تبعثر هو الشكل القديم لحياة ذلك الإنسان، وحل محله شكل جديد. يرى حسين العبري أن ثمة تغيراً قد حدث بالانتقال إلى المدينة فقد فقدنا الأخلاق القروية، ولكن هل هذا صحيح؟ هل لدينا مدينة حقاً؟ مسقط، أهي مدينة، أم أنها قرية كبيرة (ومرة أخرى بدون حكم تفضيلي)؟ التحول لحال المدينة من حال القرية له شروط لا تتحقق هنا، لأسباب عديدة منها غياب المجتمع الرأسمالي الصناعي الذي يحدد "أخلاق" المدينة، ومنها كذلك محدودية عدد السكان في عمان كلها بما لم يسمح (حتى الآن على الأقل) بتغيير في محددات الصحة والخطأ الاجتماعيين. ما زال العماني الذي يقطن خارج مسقط يعود إليها بين فترة وأخرى ويسميها "البلاد" ويصلي فيها "وطن" بما تحمل هذه المفاهيم من ثبات ورسوخ في عمق الرؤى والأخلاق. تسأل إنساناً يعيش في روي أو القرم عن بلده فيقول لك انه من الرستاق أو بخا أو رخيوت برغم أنه من الجيل الثالث (إن أردنا أن نستخدم المصطلحات المستخدمة في الغرب المديني)، وكأنه يشعر بعار خفي من أن يقول أنه من مسقط (التي لم تصل لمرتبة المدينة بالمقاييس العالمية أصلاً).
أجمل هذا المقال القصير فأقول أنه ينبغي علينا ألا نمضي بعيداً في تخيلنا للتغير الاجتماعي أو في تغير الأخلاق الاجتماعية، فما حدث ليس سوى تغيرات تمس السطح والقشرة والشكل ولا تصل إلى العمق والمعاني الاجتماعية الراسخة الثبات. كذلك فإن التغيرات الاجتماعية هذه لم تغير المفاهيم الأساسية في حياة المجتمع العماني، وما يراه المرء من تحولات متسارعة في بعض "جيوب" مسقط (المجمعات التجارية وأماكن المهرجانات مثلاً) ليست إلا بقعة شكلية بسيطة تخفي وراءها قارة هائلة المساحة في الحالة الاجتماعية التي لم تمسها يد التغيير لا أخلاقاً ولا سلوكاً.
الثلاثاء، 14 ديسمبر 2004
الترجمة في أزمنة الحرب
الترجمة في أزمنة الحرب
عبدالله الحراصي
الترجمة هي وسيلة اخترعها البشر للتواصل بين شعوبهم المختلفة الألسن، ويثبت تاريخ الترجمة أنها كانت دائماً صلة سلم وأمن بين الشعوب، وهي محرك نهوض حضاري تتفاعل فيه هذه الشعوب التي يجمعها إعمال العقل فكراً وعلماً برغم الاختلاف في اللغة. وبهذا المعنى فإن الترجمة هي المرادف الفعلي للسلام بين الدول والشعوب، وهذا يعني من الجهة الأخرى إنها نقيض الحرب والشقاق، فكيف يعيش المترجم أزمنة الحرب كزماننا هذا؟
يتخذ دور المترجم في زمن الحرب الذي نعيشه طبيعة أكثر خصوصية، فأطراف الحرب المعاصرة ترى أنها ليست مجرد صراع عسكري بين جيوش نظامية مألوفة الطابع بل انه في الأساس بين رؤيتن للكون يكادان يفترقان في كل شيء، بدءاً من توجهاتهما العقدية الأساسية مروراً بقيمهما الاجتماعية وانتهاء بأنماط الحياة الفردية البسيطة. الحرب المعاصرة في الفهم العام هي حرب بين جيشين يرى كل منهما أنه جيش الحق، وجيش الله بعد أن انقسم الكون كله إلى معسكرين هما معسكر الخير ومعسكر الشر، وهو نفس التقسيم الذي نجده عند الطرف الآخر (وإن اختلفت الشحنة الدلالية التاريخية) حيث العالم منقسم إلى فسطاطين لا ثالث لهما هما فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر. في مثل الوضع يجد المترجم نفسه بالضرورة مطلوباً من قبل الجميع ومتهماً من قبل الجميع.
في أزمنة الحضارة وازدهار السلم تنشأ الحاجة للمترجم لينقل إلى لغة من اللغات علوم وأفكار الحضارات الأخرى، أما في زمان الحرب فالحاجة إلى المترجم تكون لكي يكون ميسراً لفهم الآخر، وهو فهم لا يراد له أن يمضي جهة التعايش بل الفهم المباشر السريع لأوضاع سياسية حركية الطابع، أعني إن المترجم يكون لازماً في أوضاع التحقيق مع أسير حرب من الطرف الآخر أو لترجمة نصوص وصل إليها أحد طرفي الحرب بطرق التجسس في الأغلب. وحيث أن الحرب المعاصرة تتضمن في محوريها بعض عناصر حضارتين راسختين مختلفتين تماماً عن بعضهما البعض هما الحضارة الغربية والحضارة العربية الإسلامية (ونحن لا نقول هنا إن الحرب تقع حقيقة بين هاتين الحضارتين) فإن المترجم يتحول فعلاً إلى عملة نادرة خصوصاً في حالة البحث عن مترجم يقوم بالترجمة بين العربية والانجليزية على سبيل المثال. وإذا حددنا حديثنا هنا بالولايات المتحدة الأمريكية فإننا نجد أنها قد واجهت وضعاً صعباً يتمثل في أنها لم تهتم كثيراً بتدريس العربية في جامعاتها،انطلاقاً، على الأرجح، من مركزية ثقافية-لغوية تتمحور حول اللغة الانجليزية (يرى بعض المسئولين الأمريكان أن تدريب شخص على قيادة طائرة ف-14 هو أمر أيسر بكثير من تدريبه على التحدث بالعربية). بعد 11 سبتمبر 2001 اكتشفت الولايات المتحدة خطورة هذا الوضع فأصبح غياب المترجمين المؤهلين من بين مواطني الولايات المتحدة عاملاً له تأثيره على السياسة والحرب ذاتها. فـ"العدو" يتكلم العربية وما يقوله مسجل في أجهزة جمع المعلومات لديها ولكن لا يوجد العدد الكافي من المترجمين الذين يمكنهم أن ينقلوه إلى اللغة الانجليزية، كما لا يوجد عدد كاف من المترجمين ممن يستطيع ترجمة التحقيقات مع المتهمين والأسرى من صفوف هذا "العدو".
والأمر الأكثر طرافة هو أن الأزمة تتعقد أكثر حين يوجد المترجمون، فحساسية طبيعة العمل الذي يتعاملون معه، أي ترجمة النصوص الاستخباراتية، تفرض على المؤسسة في الولايات المتحدة عملية أخرى وهي البحث عن المترجم المأمون الجانب. والمترجم المأمون الجانب الذي ينتمي إلى الطرف الذي تحاربه لا يتوفر بأعداد كبيرة، وإن توفر فليس من البعيد أنه يحمل ميولاً تتفهم حنق الثقافة التي ينتمي إليها (وإن لم يكن ينتمي تنظيمياً إلى المحاربين الفعليين) على الثقافة التي يود العمل معها. وهكذا وجدت الولايات المتحدة لزاماً عليها أن تبحث في ماضي المترجمين أنفسهم حتى لا يتسلل إلى نصوصها الحساسة من بينهم أعضاء من الأعداء، وهو بحث لم يحالفه الحظ دائماً كما تثبت ذلك تجربتان. التجربة الأولى كانت مع مترجمة تركية حملت اسماً امريكياً هو جان دكرسن، فقد تبين لجهاز الأف بي آي بعد أن عين هذه المترجمة ومارست عملها أنها كانت تعمل لدى تنظيم تركي كان يخضع لمتابعة وتقصي وحدة مكافحة التجسس لدى الأف بي آي ذاته، أي أن المترجمة كانت عملياً جاسوساً وظفه هذا الجهاز الإستخباري الأمريكي في حين انها كانت في الحقيقة تعمل لحساب طرف آخر. التجربة الثانية هي تجربة المترجمين في قاعدة غوانتانامو الأمريكية في كوبا. فقد تبين أن المترجمين يسعون كثيراً إلى مساعدة أسرى الحرب، بل تبين أن ثلاثة من المترجمين كانوا جواسيس ينقلون الأسرار التي يطلعون عليها بحكم عملهم إلى الطرف الآخر.
إضافة إلى ما تقدم فقد أثبتت الحرب الحالية، المتعددة المعارك (أفغانستان، العراق ...)، أن هناك وجهاً آخر لممارسة الترجمة في زمن الحرب وهو أن المترجم يصبح متهماً بالعمالة والخيانة من قبل الشعب الذي ينتمي إليه وهو ما تبين تحديداً في تجربة العراق المحتل أمريكياً. في هذا العراق كان المترجمون العراقيون والعرب العاملين لدى القوات الأمريكية هدفاً ينافس الجنود الأمريكيين لدى من يرفض هذا الاحتلال، حيث يرى الرافضون للاحتلال أن المترجمين الذين يتوقع منهم أن يقفوا "مع أمتهم" يمارسون الخيانة العملية بتسهيلهم للتواصل اللغوي للجيش الأمريكي، وهكذا فإنهم معهم في نفس الصف، بل ربما ينبغي القضاء عليهم أولاً، وهو ما أدى إلى مقتل الكثير من المترجمين العراقيين والعرب، بل قتلت كذلك أيضاً أستاذة جامعية تعمل في حقل الترجمة هي المرحومة الدكتورة إيمان عبد المنعم يونس رئيسة قسم الترجمة في كلية الآداب بجامعة الموصل.
التواصل اللغوي عبر الترجمة يصبح في زمان الحرب المعاصر إذا أمراً يتميز بحساسية شديدة، فالمترجم الذي كان يوصف بأنه خائنٌ لمؤلف (ميت في الأغلب) يصبح الآن حاملاً لبذرة خيانة عند الجميع، فثمة طرف يسعى إلى الاستفادة منه ولكنه يفاجأ أن المترجم ليس آلة تنقل الكلام فحسب بل إنسان له توجهاته وآرائه التي ربما تعارضت مع الوظيفة التي يؤديها ذاتها فينتصر لآرائه وتوجهاته، وثمة طرف يرى في المترجم عميلاً خائناً لشعبه أو لأمته لا بد لكي يصلح الحال من القضاء عليه كخطوة أساسية للقضاء على العدو السافر الذي يعمل لديه. بين هذا الطرف وذاك يقف المترجم الذي تبدي التجربة الآن ضرورة وجوده وحساسية دوره في زمن الحرب بعد أن أثبتت التجارب الحضارية الكبرى مركزية دوره في التقارب بين الشعوب ونشر العلم والفكر الذي أنتجه الإنسان إلى الآخر المختلف عنه في اللسان.
