الثلاثاء، 14 ديسمبر، 2004

الترجمة في أزمنة الحرب

الترجمة في أزمنة الحرب

عبدالله الحراصي

صفحة "قضايا وآراء" (ص 24)، جريدة عمان، الثلاثاء 14 ديسمبر 2004: النسخة الأصلية هنا





الترجمة هي وسيلة اخترعها البشر للتواصل بين شعوبهم المختلفة الألسن، ويثبت تاريخ الترجمة أنها كانت دائماً صلة سلم وأمن بين الشعوب، وهي محرك نهوض حضاري تتفاعل فيه هذه الشعوب التي يجمعها إعمال العقل فكراً وعلماً برغم الاختلاف في اللغة. وبهذا المعنى فإن الترجمة هي المرادف الفعلي للسلام بين الدول والشعوب، وهذا يعني من الجهة الأخرى إنها نقيض الحرب والشقاق، فكيف يعيش المترجم أزمنة الحرب كزماننا هذا؟

يتخذ دور المترجم في زمن الحرب الذي نعيشه طبيعة أكثر خصوصية، فأطراف الحرب المعاصرة ترى أنها ليست مجرد صراع عسكري بين جيوش نظامية مألوفة الطابع بل انه في الأساس بين رؤيتن للكون يكادان يفترقان في كل شيء، بدءاً من توجهاتهما العقدية الأساسية مروراً بقيمهما الاجتماعية وانتهاء بأنماط الحياة الفردية البسيطة. الحرب المعاصرة في الفهم العام هي حرب بين جيشين يرى كل منهما أنه جيش الحق، وجيش الله بعد أن انقسم الكون كله إلى معسكرين هما معسكر الخير ومعسكر الشر، وهو نفس التقسيم الذي نجده عند الطرف الآخر (وإن اختلفت الشحنة الدلالية التاريخية) حيث العالم منقسم إلى فسطاطين لا ثالث لهما هما فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر. في مثل الوضع يجد المترجم نفسه بالضرورة مطلوباً من قبل الجميع ومتهماً من قبل الجميع.

في أزمنة الحضارة وازدهار السلم تنشأ الحاجة للمترجم لينقل إلى لغة من اللغات علوم وأفكار الحضارات الأخرى، أما في زمان الحرب فالحاجة إلى المترجم تكون لكي يكون ميسراً لفهم الآخر، وهو فهم لا يراد له أن يمضي جهة التعايش بل الفهم المباشر السريع لأوضاع سياسية حركية الطابع، أعني إن المترجم يكون لازماً في أوضاع التحقيق مع أسير حرب من الطرف الآخر أو لترجمة نصوص وصل إليها أحد طرفي الحرب بطرق التجسس في الأغلب. وحيث أن الحرب المعاصرة تتضمن في محوريها بعض عناصر حضارتين راسختين مختلفتين تماماً عن بعضهما البعض هما الحضارة الغربية والحضارة العربية الإسلامية (ونحن لا نقول هنا إن الحرب تقع حقيقة بين هاتين الحضارتين) فإن المترجم يتحول فعلاً إلى عملة نادرة خصوصاً في حالة البحث عن مترجم يقوم بالترجمة بين العربية والانجليزية على سبيل المثال. وإذا حددنا حديثنا هنا بالولايات المتحدة الأمريكية فإننا نجد أنها قد واجهت وضعاً صعباً يتمثل في أنها لم تهتم كثيراً بتدريس العربية في جامعاتها،انطلاقاً، على الأرجح، من مركزية ثقافية-لغوية تتمحور حول اللغة الانجليزية (يرى بعض المسئولين الأمريكان أن تدريب شخص على قيادة طائرة ف-14 هو أمر أيسر بكثير من تدريبه على التحدث بالعربية). بعد 11 سبتمبر 2001 اكتشفت الولايات المتحدة خطورة هذا الوضع فأصبح غياب المترجمين المؤهلين من بين مواطني الولايات المتحدة عاملاً له تأثيره على السياسة والحرب ذاتها. فـ"العدو" يتكلم العربية وما يقوله مسجل في أجهزة جمع المعلومات لديها ولكن لا يوجد العدد الكافي من المترجمين الذين يمكنهم أن ينقلوه إلى اللغة الانجليزية، كما لا يوجد عدد كاف من المترجمين ممن يستطيع ترجمة التحقيقات مع المتهمين والأسرى من صفوف هذا "العدو".

والأمر الأكثر طرافة هو أن الأزمة تتعقد أكثر حين يوجد المترجمون، فحساسية طبيعة العمل الذي يتعاملون معه، أي ترجمة النصوص الاستخباراتية، تفرض على المؤسسة في الولايات المتحدة عملية أخرى وهي البحث عن المترجم المأمون الجانب. والمترجم المأمون الجانب الذي ينتمي إلى الطرف الذي تحاربه لا يتوفر بأعداد كبيرة، وإن توفر فليس من البعيد أنه يحمل ميولاً تتفهم حنق الثقافة التي ينتمي إليها (وإن لم يكن ينتمي تنظيمياً إلى المحاربين الفعليين) على الثقافة التي يود العمل معها. وهكذا وجدت الولايات المتحدة لزاماً عليها أن تبحث في ماضي المترجمين أنفسهم حتى لا يتسلل إلى نصوصها الحساسة من بينهم أعضاء من الأعداء، وهو بحث لم يحالفه الحظ دائماً كما تثبت ذلك تجربتان. التجربة الأولى كانت مع مترجمة تركية حملت اسماً امريكياً هو جان دكرسن، فقد تبين لجهاز الأف بي آي بعد أن عين هذه المترجمة ومارست عملها أنها كانت تعمل لدى تنظيم تركي كان يخضع لمتابعة وتقصي وحدة مكافحة التجسس لدى الأف بي آي ذاته، أي أن المترجمة كانت عملياً جاسوساً وظفه هذا الجهاز الإستخباري الأمريكي في حين انها كانت في الحقيقة تعمل لحساب طرف آخر. التجربة الثانية هي تجربة المترجمين في قاعدة غوانتانامو الأمريكية في كوبا. فقد تبين أن المترجمين يسعون كثيراً إلى مساعدة أسرى الحرب، بل تبين أن ثلاثة من المترجمين كانوا جواسيس ينقلون الأسرار التي يطلعون عليها بحكم عملهم إلى الطرف الآخر.

إضافة إلى ما تقدم فقد أثبتت الحرب الحالية، المتعددة المعارك (أفغانستان، العراق ...)، أن هناك وجهاً آخر لممارسة الترجمة في زمن الحرب وهو أن المترجم يصبح متهماً بالعمالة والخيانة من قبل الشعب الذي ينتمي إليه وهو ما تبين تحديداً في تجربة العراق المحتل أمريكياً. في هذا العراق كان المترجمون العراقيون والعرب العاملين لدى القوات الأمريكية هدفاً ينافس الجنود الأمريكيين لدى من يرفض هذا الاحتلال، حيث يرى الرافضون للاحتلال أن المترجمين الذين يتوقع منهم أن يقفوا "مع أمتهم" يمارسون الخيانة العملية بتسهيلهم للتواصل اللغوي للجيش الأمريكي، وهكذا فإنهم معهم في نفس الصف، بل ربما ينبغي القضاء عليهم أولاً، وهو ما أدى إلى مقتل الكثير من المترجمين العراقيين والعرب، بل قتلت كذلك أيضاً أستاذة جامعية تعمل في حقل الترجمة هي المرحومة الدكتورة إيمان عبد المنعم يونس رئيسة قسم الترجمة في كلية الآداب بجامعة الموصل.

التواصل اللغوي عبر الترجمة يصبح في زمان الحرب المعاصر إذا أمراً يتميز بحساسية شديدة، فالمترجم الذي كان يوصف بأنه خائنٌ لمؤلف (ميت في الأغلب) يصبح الآن حاملاً لبذرة خيانة عند الجميع، فثمة طرف يسعى إلى الاستفادة منه ولكنه يفاجأ أن المترجم ليس آلة تنقل الكلام فحسب بل إنسان له توجهاته وآرائه التي ربما تعارضت مع الوظيفة التي يؤديها ذاتها فينتصر لآرائه وتوجهاته، وثمة طرف يرى في المترجم عميلاً خائناً لشعبه أو لأمته لا بد لكي يصلح الحال من القضاء عليه كخطوة أساسية للقضاء على العدو السافر الذي يعمل لديه. بين هذا الطرف وذاك يقف المترجم الذي تبدي التجربة الآن ضرورة وجوده وحساسية دوره في زمن الحرب بعد أن أثبتت التجارب الحضارية الكبرى مركزية دوره في التقارب بين الشعوب ونشر العلم والفكر الذي أنتجه الإنسان إلى الآخر المختلف عنه في اللسان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق