الأحد، 2 يناير، 2005

حول تسونامي آسيا وبعض معانيه

حول تسونامي آسيا وبعض معانيه

عبدالله الحراصي

جاء غضب الأرض والبحر في آسيا في شرق آسيا رهيباً مفاجئاً، وهذا ديدن الطبيعة حينما تغضب فتعبر عن غضبها بالزلازل والأعاصير والأمواج الهائجة. غضبٌ بدأ بزلزال لم تشهد الكرة الأرضية له مثيلاً منذ زمن طويل، تبعته أمواج عاتية أتت على الجانب الشرقي من المحيط الهندي فخلفت أجزاء كبيرة منه أثراً بعد عين. يخبرنا التاريخ أن مثل هذه الأمواج التي تسمى باليابانية "تسونامي" قد حدثت في الماضي وتسبب في كوارث ونكبات بشرية ضخمة، بل أنها قد قضت على حضارات بأكملها مثل الحضارة المينوانية، وهي حضارة نشأت في كريت في البحر الأبيض المتوسط، حيث يقول بعض المؤرخين أن انفجاراً بركانياً قد حدث نحو عام 1480 قبل الميلاد وتسبب في هيجان أمواج بحرية ضخمة غمرت ساحل كريت الشمالي وقضت على اسطولها التجاري الذي كان عصب حياتها، كما قضى الرماد الناجم عن البركان على الزراعة في النصف الشرقي من هذه الجزيرة.

زلزال آسيا وتسوناميها قضى (حتى الآن) على ما يربو على 150 ألف إنسان ودمر مدناً وقرى بأكملها، وغير الخرائط فأختفت بقع كانت موجودة وظهرت، كما تذكر الأخبار، جزر في عرض البحر لم تكن موجودة. هذا التأثير الهائل للزلزال وللتسونامي قد كشف عن الكثير من الأمور التي سأتوقف عند بعضها في هذا المقال.

لقد أعادت هذه الكارثة للنقاش قضية مدى سيطرة الانسان على الطبيعة، والمتتبع لما تكتبه الصحافة الغربية تحديداً يجد أن هذا الموضوع قد دخل في صراعات السياسة التقليدية بين أولئك الذين يرون أنه ينبغي على الإنسان أن يمضي قدماً في إخضاع الطبيعة من أجل مزيد من النجاح للإنسان ورخائه وراحته، وأولئك الذين ينطلقون من الطبيعة واحترامها ويرون أن الإنسان ربما قد تسبب، جزئياً، بتدخله في الطبيعة والمبالغة في استغلالها في مدى الكارثة التي حدثت. يرى الفريق الأول أن كارثة الزلزال والتسونامي قد كشفت عن حاجة الانسان في آسيا الى احتذاء التنمية الغربية، فيقول ميك هيوم في جريدة "سبايكد" على سبيل المثال "من الواضح أن هذه الكارثة ليست من صنع الانسان، غير أن المزيد من النشاط الإنساني الذي يقود الى تعظيم التنمية الاقتصادية والاجتماعية يمكن أن يساعدنا في التقليل من تأثير مثل هذه الكوارث" ويضيف بأن غياب هذه التنمية في المدن والبلدات الحديثة في دول آسيا بما يصاحبها من مبانٍ أُحسِنَ تصميمها وبنائها هو الذي تسبب في فقدان قدرة هؤلاء الضحايا على رد الكارثة الطبيعية أو التخفيف من آثارها.

أما الفريق الثاني فلا ينطلق من نفس المنطلق التنموي البشري بل من وجوب حماية الطبيعة فيرى ديف ماكنيلي وهو كبير العلماء في "اتحاد حماية العالم" ومركزه سويسرا أن الاقتصاد السياحي في شرق آسيا تسبب جزئياً في الكارثة حيث أزيلت من على الشواطيء كثير من أشجار المنغروف لتحل محلها مزارع الروبيان، إضافة الى انتشار الفنادق والمنتجعات السياحية. كما ينطلق بعض متبني هذا الاتجاه غير التنموي من منطلق روحي تأملي فرأى جاك سترو وزير خارجية بريطانيا أن هذه الكارثة تدعو الانسان لأن يخفف من غلواء شعوره بالعظمة وأن يتواضع، وبنفس الرؤية يكتب اللورد وليم-ريس موج (وهو محافظ) في جريد التايمز اللندنية أن التسونامي يسخر من مجتمعاتنا الحديثة المتغطرسة، ويظهر أن الطبيعة ما زالت هي السيد المطاع الحقيقي وليس الانسان.

إضافة الى هذا الجدل حول مدى التنمية واحترام الطبيعة فقد أبرز التسونامي أن الساسة في بعض مناطق العالم الثالث (كالدول التي ضربها الزلزال والتسونامي) لم يقدروا الامور حق قدرها، فقد كان مشروع رصد موجات التسونامي مطروحاً قبل فترة قصيرة على قادة شرق آسيا لكنهم رفضوه بحجة تكاليفه الباهضة، ولو كان هذا المشروع قد أقر لما حصدت الكارثة هذا العدد الكبير من الأرواح ولما تسببت في الخسائر الضخمة في الممتلكات. يعني هذا أن كارثة الزلزال والتسونامي قد أبرزت ضرورة تطوير نظم الحكم في العالم الثالث حاسة احترام العلم وما يقوله، فالعلم هو النظام المعرفي الوحيد الذي ينطلق في طروحاته من الحقائق الثابتة وليس من الرغبات أو الأوهام، وهو ما يفيد أن توقعات العلماء (وإن لم يظهر في التو ما يفيد بقرب حدوثها) ينبغي أن تدخل في صميم تفكير الحكومات، وأن تؤخذ هذه التوقعات مأخذ الجد، فالتحوط وإن كان باهض القيمة المادية سيكون أجدى في حفظ الانسان وحفظ ممتلكاته من دمار محيق.

أبرز الزلزال والتسونامي كذلك بعض محاسن العولمة، فقد بدى للعيان الأثر الإيجابي الذي قامت به وسائل الإعلام في نشر خبر الكارثة مباشرة في وقت حدوثها وهو ما بعث وحدة شعور بالألم يعيشها كل البشر في شتى أنحاء العالم، وهي وحدة تظهر أصالة تضامن الانسان مع أخيه الانسان في أوقات الشدة والنوازل. كما أبرزت الكارثة أيضاً جانباً خيراً آخر للعولمة وهو المساعدات الدولية، فقد تداعت الدول الى مساعدة ضحايا هذه النازلة الأسيوية، وهو شعور يظهر أن مفهوم الدولة ذاته قد تغير بعد أن كان يتمحور حول إدارة شؤون مواطنيها أو تابعيها، فقد أصبح من صلب واجبات الدول أن تعين الدول الأخرى وهو ما يعطي الدول بعداً عولمياً خيراً. كما اتضح دور المنظمات الدولية كذلك في تخفيف الانسان من هول الكارثة كدور منظمات الصليب والهلال الأحمر ومنظمة الصحة العالمية وغيرها من التنظيمات الهادفة الى تقديم العون وقت الكوارث.

كل هذه المؤشرات تكشف عن وجه خير حقيقي للعولمة، وهو وجه ربما يختفي أحياناً في الأوقات العادية حينما يتم اختزال العولمة في تأثيراتها السلبية على الثقافات المحلية، وربطها بالثقافة الغربية (الأمريكية في الأغلب). العولمة التي تتجلى هذه الأيام على إثر الزلزال والتسونامي هي ثقافة أعمق من ثقافة الأزياء والطعام وأغاني الروك، بل هي ثقافة شعور الانسان بألم الانسان الآخر الذي يعيش بعيداًً عنه في سواحل آسيا، وهي ثقافة تنطلق من الشعور الانساني الواحد بالألم الى التزامات مادية حقيقية ستعين بلا شك من لحقت بهم أضرار هذه الكارثة. ثقافة التضامن القائم على الشعور بالألم ينبغي أن تعزز باعتبارها أحد أهم عناصر العولمة الخيّرة بخطوات أخرى ربما يكون من بينها التقليل من الألم الذي لا تتسبب فيه كوارث الطبيعة بل الكوارث البشرية الناشئة عن العولمة العسكرية المتمثلة في نشر جيوش بعض الدول، وعلى رأسها الدولة العظمى، في كل أنحاء العالم (كان من الجميل والشاذ من الناحية الرمزية في ذات الآن أن نرى جنود الجيش الأمريكي وهم يقدمون المساعدات لضحايا الحرب منطلقين من ذات حاملات الطائرات التي تستخدم لضرب دول وشعوب بعيدة عن الولايات المتحدة الأمريكية).

وإذا انتقلنا من العولمة إلى العالم العربي فقد أظهرت الكارثة خللاً كبيراً لا نقول في الشعور الإنساني العربي ذاته، بل في مقدار التعاطف الذي أظهره العرب تجاه النازلة الأسيوية، وهو مقدار يبعث على الخجل على أقل تقدير. لا ريب أن العرب يعانون بأنفسهم من نكبات سياسية وعسكرية واجتماعية (... الخ، إن كان لها آخر) إلا أن من الغريب أن العرب لم يظهروا أقل المتوقع من التعاطف مع منكوبي الكارثة رغم أن الدول التي تعرضت لهذه الكارثة هي دول صديقة للعرب سياسياً في الزمن المعاصر (برغم رفضا لمنطق التعاطف القائم على المصالح السياسية وقت الكوارث الطبيعية)، كما أنها دول صديقة للعرب تاريخياً، وسيكون من الثرثرة غير المناسبة التذكير هنا بالعلاقات البحرية القديمة بين عالمنا العربي وخصوصاً دول الجزيرة العربية وشرق آسيا. والأغرب إن انتقلنا الى مستوى النخب الثقافية ان هذه النخب لم يستوقفها كثيراً هذا الحدث الرهيب حتى الآن، وهو ما يبعث على التساؤل إن كان فقدان الاستجابة هذا منبعه فقدان الاحساس التام بالمعاناة البشرية (غير العربية) أم أنه مجرد تأخر (له أسبابه التي لم يتبين حتى الآن كنهها).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق