السبت، 19 سبتمبر 2009

عبدٌ وحرٌّ



أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثني عمي عن ابن الكلبي وأخبرني إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة قال قال ابن الكلبي: " شداد جد عنترة غلب على نسبه وهو عنترة بن عمرو بن شداد"، وقد سمعت من يقول إن شدادا عمه كان نشأ في حجره فنسب إليه دون أبيه، قال "وإنما ادعاه أبوه بعد الكبر وذلك لأن أمه كانت أمة سوداء يقال لها زبيبة وكانت العرب في الجاهلية إذا كان للرجل منهم ولد من أمة استعبدوه وكان لعنترة إخوة من أمه عبيد.

وكان سبب ادعاء أبي عنترة إياه أن بعض أحياء العرب أغاروا على بني عبس فأصابوا منهم واستاقوا إبلا فتبعهم العبسيون فلحقوهم فقاتلوهم عما معهم وعنترة يومئذ فيهم فقال له أبوه "كر يا عنترة" فقال عنترة "العبد لا يحسن الكر إنما يحسن الحلاب والصر" فقال "كر وأنت حر"، فكرّ وهو يقول

( أنا الهجينُ عَنْتَرهْ ... كلُّ امرىء يحمي حِرَهْ )

( أسودَه وأحمرَه ... والشَّعَرَاتِ المُشْعَره )

( الوارداتِ مِشْفَره ... )

وقاتل يومئذ قتالا حسنا فادعاه أبوه بعد ذلك وألحق به نسبه"

(المصدر: كتاب "الأغاني" للأصفهاني، المجلد الثامن)

لماذا نحتاج إلى جامعة رسمية جديدة؟ (مقال لأحمد بن علي المخيني)



لماذا نحتاج إلى جامعة رسمية جديدة؟

أحمد بن علي بن محمد المخيني

جريدة عمان (السبت 19 سبتمبر 2009)

« إن طريق النجاح في رأيي يمكن أن نشقه معا إذا ما تآلفت الموارد الوقفية والخيرية مع التنظيم القانوني والتشجيع الحكومي جنبا إلى جنب مع الجهد المجتمعي المدني ليصنعوا لنا ولأبنائنا جامعات مناسبة راعية لمقدرات هذا الوطن، غير مؤسسة على الحس الربحي، تمنحهم أملا في المستقبل .»



السؤال هو أس الحوار، وهو استنطاق للكامن في العقول، وتحريك للساكن من الأوضاع، وسؤالنا اليوم يأتي تجسيدا للحوار داخل الجسد الواحد، واستجابة لهاجس ذاتي، وتكاملا مع تساؤل مجتمعي عن أبنائنا ومستقبلهم وعن الرؤية السائدة بين ردهات الحكومة حول مسالة تأسيس جامعات رسمية إضافية.



سؤالي، وإن بدا من الوهلة الأولى أنه قد يتعارض مع طرح الدكتور عبدالله الحراصي حول ضرورة تأسيس جامعة حكومية جديدة، إنما هو تعاضد مع موقفه وتأكيد على حاجتنا لتأسيس جامعة رسمية إضافية، ولكنه تعاضد يحمل تساؤلات وأفكارا ترمي استيضاح المقصود ولربما تعديل المطلوب. ومن جهة أخرى، إنني وإن كنت أتفق مع القول القائل بدور القطاع الخاص في التنمية البشرية ودعم التعليم والمعرفة، إلا إن هذا يتطلب قطاعا خاصا حقيقيا في عمان. وإذا ما سلمنا بوجود مجموعة شركات وأصحاب أعمال مخلصين وصاحبات أعمال مخلصات يرغبون جميعا في المساهمة في تنمية البلاد، فهل بإمكانهم القيام بذلك دون إشراك عامل الربح الذي تشرئب إليه الأعناق؟ وهذا ليس افتراء وإنما ذُكر استنادا على ما دار في بعض الاجتماعات التي حضرتها في مرحلة تأسيس بعض الجامعات الخاصة في عمان، وبدا لي من خلال الأطروحات التي تبودلت أن الأشخاص الذين تزاحموا في الحضور والمشاركة في هذا العمل الخيِّر كانوا يبغون الربح ويرنون إلى الدعم الحكومي، مع الإقرار برغبتهم المُعَبَّر عنها في المشاركة ببناء الوطن، بشرط ألا تكون تلك المشاركة مكلفة ماديا ودون جدوى، ولذا – بالإضافة إلى أسباب أخرى - تأكدت قناعتي الذاتية من أن «القطاع الخاص» الحالي قد لايكون قادرا على المساهمة بجد في بناء الإنسان، وإنما هم أفراد بعينهم يملكون رؤية خالصة تجاه الوطن وأبنائه وتجاه العلم والمعرفة ويرون في تأسيس جامعات خاصة – ليست بالضرورة تجارية - طريقا لرد الجميل إلى هذا الوطن المعطاء وإلى تحقيق مسؤوليتهم الاجتماعية لأبناء هذه البلاد، وإنجاز واجباتهم الإنسانية الاستخلافية في هذا العالم بما استؤمنوا عليه من موارد وخير.



ومن هنا كانت قناعتي بألا نعتمد فقط على المؤسسات التعليمية الخاصة، التي تعتمد كثيرا بكل الأحوال على المنح والمساعدات المقدمة من الحكومة، ولن أسرد هنا التقارير الدولية والإقليمية التي تناولت وضع التعليم الخاص - وعلى وجه الخصوص الجامعات الخاصة - في الدول العربية، وإنما سأكتفي بالإشارة إلى أمرين مهمين جاءا في هذه التقارير: الأمر الأول هو عدم نضج القطاع الخاص مقارنة بالدول التي يلعب فيها القطاع الخاص والمجتمع المدني دورا في هذا الإطار، ويتضافر مع عدم النضج هذا خصوصية متطلبات التعليم الجامعي الخاص سواء تلك المتعلقة بمراحل التنمية الإنسانية التي نقر بها أو تلك المرتبطة بثقافة العمل الوقفي الذي يشارك فيه القطاع الخاص، ولذا أشارت هذه التقارير إلى محدودية قدرة القطاع الخاص ومحدودية جاهزيته في الإسهام بفعالية إلى التعليم، والأمر الثاني هو أهمية عدم الاعتماد الكلي على مؤسسات التعليم الجامعي الخاصة وضرورة التوسع في المؤسسات التعليمية الجامعية الرسمية وتوفير بدائل للمواطنين وغيرهم، والمطلع على مفاهيم التنمية الإنسانية ليدرك محورية التعليم ومحورية الاختيار والبدائل في تمكين البشرية وتنمية أفرادها. ولربما يبرز صوت يتساءل : فما شأن الجامعات الغربية المشهورة التي هي جامعات خاصة والتي أثبتت جدارتها ومكانتها العلمية؟ والإجابة على هذا التساؤل جد بسيطة، فكثير من هذه الجامعات التي يشار إليها في الغرب تدار بآليات المؤسسات التجارية ومنهجيتها فيما يتعلق بصنع القرارات والتخطيط والتنظيم وتقييم الأداء تعظيما للانتفاع من مواردها المتاحة لها من موارد مادية وبشرية، ولكنها لا تدار من منظور الربحية التجارية الصرفة، فمعظمها في حقيقة الأمر هي مؤسسات وقفية أو شركات مدنية بدأتها مؤسسات دينية أو أشخاص كرماء النفس واليد، خَبِروا الدنيا وأدركوا أن العمل الصالح المؤسسي هو الذي يبقى وهو الذي يعم خيره، ولذا انتهجوا هذا النهج، وأوقفوا على هذه المؤسسات مشاريع وأملاكا ومبالغ، وهذه الأوقاف هي التي تدار بطريقة تجارية لتدر ربحا يصرف على المؤسسات التعليمية التي وضعت أمامها أهدافا سامية متعلقة بالعلم والمعرفة عن طريق التعليم والبحث وصناعة مناجم الأفكار.

والغريب حقا أن هذه التجربة الجميلة بدأت أساسا في عالمنا نحن، فالمطلع على تاريخ جامعة الأزهر العريقة ليعلم أن هذه الجامعة أنشئت بموجب رغبة واضحة وأوقفت لها الأوقاف حتى لا يأتي مسؤول حكومي لينظر في أمر إدارتها من مناظير إدارة الدولة أو الربح والخسارة أو الجدوى قصيرة النظر، وإنما جعلت منارة مستقلة للعلم والمعرفة تهدي إلى الحق، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الحوزات الشيعية والمؤسسات العلمية اليسوعية والأوقاف اليهودية، جميعها تمشي على ذات النهج، أليس في ذلك حكمة واضحة؟



ولقد حظيت من خلال عضويتي في الجمعية التاريخية العمانية ومصاحبتي للأخيار من أهل عمان أن أطلع على الدور الهام الذي لعبه الوقف في المجتمع العماني بكل أطيافه ومناطقه. واللافت للنظر الرؤية الثاقبة التي تمتع بها الأولون في أنواع الأوقاف ومصارفها وسبل إدارتها، سيرت الأمور حتى في الأوقات التي تنازعت عمان أطماع خارجية ومشكلات داخلية، وهذه الرؤية الثاقبة تحتمل التطوير والتوظيف الحديث.

واسمحوا لي بأن أذكر حادثة استوقفتني في هذا الصدد، قبل سنوات شاركت في مؤتمر للحوار بين العالم الإسلامي والولايات المتحدة الأمريكية، ومما شد انتباهي إشارة أحد الباحثين الأمريكيين إلى تاريخ الأوقاف وأثرها في نشر العلم والمعرفة في العالم الإسلامي مما حدا بالآباء الأوائل للولايات المتحدة الأمريكية أن يحذو حذو المسلمين الأوائل.

وعُرِض خلال المؤتمر تقرير لمعهد بروكنجز – وهي مؤسسة بحثية مستقلة مقرها واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية - يتكلم عن الموارد الهائلة المتاحة للعالم الإسلامي والمخزونة في الأوقاف، التي في بعض الأحيان لا تجد مصارف لها، ولذا يقتنع المسؤولون عنها بما تؤتيه من عوائد بسيطة تصرف عادة على المساجد أو مدارس القرآن، وكان مقترح المعهد، وهو يتحدث من منظور المصلحة الوطنية لأمريكا، أن توجد شراكة حقيقية بين هذه الأوقاف والمراكز البحثية الأمريكية لتوجد مراكز بحثية في العالم الإسلامي بتمويل إسلامي لنشر العلم والمعرفة ومحاربة الإرهاب، والمقترح مع ما يحمله من كلمات خبيثة وطيبة يوجه انتباهنا إلى هذا المخزون من الموارد التي يمكن أن توظف لصالح أجيالنا.



ولذا، عودا إلى ذي بدء، فإنني وإن كنت أؤمن بضرورة إنشاء جامعة رسمية جديدة فإنني لا أؤمن بالضرورة أن تكون على نسق جامعة السلطان قابوس لا من حيث التنظيم والهيكلة ولا من حيث التمويل، وهما أمران بالضرورة مرتبطان عضويا، ولكنني سأتجاوز أمر التنظيم والهيكلة فهو أمر ذو شجون ويطول شرحه، وسأتوقف عند مسألة التمويل، فهي الحجة التي وضعها المسؤولون امام المطالبين من أعضاء مجلس الشورى والمواطنين مرارا وتكرارا.

ولي في التمويل رأي؛ فأنا أعتقد يقينا أن في هذا مجالا خصبا للأوقاف الدينية (الإسلامية وغيرها)، فهو توظيف لأموال خاملة، وتعبد لمن ينطلق من قناعات دينية، وتخفيف على ميزانية الدولة، وتحويل مسؤولية التدقيق إلى المجتمع الذي هو المستفيد الأول من هذه الجامعة المقترحة، ولذا ففي رأيي فإن الجامعة القادمة ليس بالضرورة أن تمول من قبل الحكومة لتصبح جامعة رسمية، ولكن أن تمول من قبل الأوقاف سواء القائمة حاليا أو التي ستنشأ، إذا ما أتيح المجال لأهل الخير أن ينشئوا جامعات خاصة على غرار نظام الأوقاف والمؤسسات الخيرية، وفي رأيي أيضا أن التمويل الوقفي الخاص سيحل مشكلة إضافية قد تطل برأسها لاحقا ألا وهي تسمية الجامعة، التي ستوقع المسؤولين في حرج إن كانت جامعة حكومية، وهو جدل ليس خفيا على كثيرين. ومن يسأل عما يمنع هؤلاء من تأسيس مثل هذه الجامعات غير ذات الصفة التجارية الصرفة، يُجاب بأن الأطر القانونية المناسبة والكفيلة بتحقيق هذا الغرض غير موجودة، وأن الفهم العام لهذا المبدأ بحاجة إلى بلورة وتوضيح، وأن العمانيين الذين أبدعوا في نظام الوقف توقفوا. ونحن في عمان بحاجة إلى منظومة من الجامعات صانعات الأجيال لا قوى عاملة فقط، منشآت فكر وليست مطابع للشهادات، ومن يظن أني ناقد ناقم فلينظر إلى الجامعات والمؤسسات التعليمية الخاصة التي تمنح شهادات جامعية وليفحص تركيزها الجغرافي وسنوات إنشائها ومرافقها والتخصصات التي تدرس فيها، وسيدرك سريعا تميز القلة من هذه الجامعات أو المؤسسات عن غيرها في تقديم تخصص دون آخر، ولكنه سيدرك قبل ذلك تكرار التخصصات وازدواجيتها، وستبرز الغاية الربحية لهذه المؤسسات، ومن الواجب أن تغيب هذه الغاية الصرفة عن أذهان المخططين والقائمين على هذه المؤسسات، وإنما يُكتفى بتغطية تكاليف تشغيلها إن كان ذلك ضروريا، ولهم في بعض الجامعات العالمية المرموقة أسوة حسنة، وهذا ليس بقول حالم أو مثالي وإنما هو المعيار الذي يجب اتباعه، ولن يتأتى اتباعه إذا كان المؤسسون يبحثون عن عائد ربحي.

ولننظر جميعا إلى المستقبل القريب العاجل، فعدد مخرجات الشهادة العامة في ازدياد وعدد المقبولين منهم في المؤسسات التعليمية والتدريبية الحكومية والخاصة ثابتة نوعا ما، فلم تتعد نسبتهم 35% من إجمالي مخرجات الشهادة العامة، ويزداد الأمر حرجا إذا ما حسبنا هذه النسبة من الإجمالي التراكمي لمخرجات الشهادة العامة الذين لم يجدوا حظا، ويترجم هذا انحسار ترتيب عمان في مؤشرات التنمية البشرية خاصة تلك المتعلقة بالتعليم، لأن النسبة التي تنشر من قبل البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة عادة ما تحسب من واقع إجمالي المقيدين في مؤسسات التعليم العالي أو المهني على إجمالي الشريحة السكانية المفترض أن تكون في مقاعد الدراسة الجامعية أو المهنية (15-24 سنة). يحدوني أمل كبير في أن نقف معا لنبني منارات المعرفة، فمن يظن أن عمان ستترقى نظاما اقتصاديا مبنيا على المعرفة معتمدا على البحث والتطوير دون أن يكون معها جامعات حاضنة لهذا البحث والتطوير وصانعة لهذه المعرفة سيبقى ينتظر طويلا. إن طريق النجاح في رأيي يمكن أن نشقه معا إذا ما تآلفت الموارد الوقفية والخيرية مع التنظيم القانوني والتشجيع الحكومي جنبا إلى جنب مع الجهد المجتمعي المدني ليصنعوا لنا ولأبنائنا جامعات مناسبة راعية لمقدرات هذا الوطن، غير مؤسسة على الحس الربحي، تمنحهم أملا في المستقبل وتمنعهم من التسكع في الشوارع وتقيهم رفقاء السوء الذين يودون بهم إلى مزالق خطيرة كتناول المؤثرات العقلية أو الانضمام إلى مجموعات إجرامية منظمة وإرهابية متطرفة. لم لا نلتفت إلى شعوب عربية وأجنبية كثيرة جعلت التعليم الجامعي حقا للجميع، ونظمت منحا للمتميزين علميا وصنعت من أبنائها روادا وجعلت منهم جيلا قادرا على العطاء حتى في غير بلده، وصنعت منه مواطنا عالميا بآفاقه وأحاسيسه.

أنا على ثقة أن الجميع يدرك محورية إتاحة فرص التعليم الجامعي لأكبر شريحة من شبابنا وشاباتنا، ولكن متى نجعل هذا الإدراك واقعا معاشا؟



سأنهي كلامي بسؤال وجواب ورجاء. فأما السؤال: فكم منكم من سمع عن «الميمات الأربع» ؟ أكاد أجزم أن العديد من القراء لم يسمع بهذا المصطلح، وإن سمع فلربما نسي، وحتى أكون منصفا فإن هذا المصطلح الذي عبر عن سياسة جلالة السلطان المفدى التنموية لم يتم تناوله بالقدر الكافي هنا في أدبيات النهضة العمانية الحديثة على زخمها، ولكن من عاصر ألق السبعينات والثمانينات سيدرك المقصود بالميمات الأربع سرعان ما ينتهي من قراءة الفقرة التالية.

وأما الجواب: ففي حديث أدلى به سلطان البلاد المفدى إلى مجلة باري-ماتش (Paris Match) بنسختها الإنجليزية الصادرة بلندن في منتصف الثمانينات، أوجز جلالته منهجه العمراني لإحياء عمان من سباتها في ما أسماه سياسة الميمات الأربع: ماء، مدرسة، مسكن، ومستشفى. وأوضح جلالته في معرض شرحه لهذه السياسة أن الهدف هو ضمان وصول كل مواطن أو حصوله على هذه الميمات الأربع، التي كانت في تقييمه تشكل الحاجات الأساسية آنذاك في رؤية جلالته لانتشال عمان من الوضع الذي كانت فيه، وليمكن بعدها تحقيق التنمية البشرية الحقيقية حيث يكون الإنسان وسيلة التنمية وغايتها.



وأما الرجاء فهو أننا تجاوزنا مرحلة الميمات الأربع كمتطلبات أساسية للتنمية الإنسانية، وعلينا أن نواكب مرحلة ما أسميها بالتاءات الأربع: تعليم (Education)، تكافؤ الفرص (Equal opportunities)، تمكين (Empowerment)، تنوير (Enlightenment)، ومن الطريف أنني بعد أن كتبت هذه الكلمات تبين لي أنها جميعا تبدأ بحرف (التاء) كما يجمعها حرف (E) باللغة الإنجليزية وهو ذات الحرف الذي يجمع بين الضروريات (Essential) والذات (Essence).



إننا بالانتقال من الميمات إلى التاءات فنحن ننتقل طوريا الى مرحلة اخرى، وهو توجه وإن التفتت إليه الحكومة مؤخرا ولكنها على ما يبدو لي لم تستطع أن تؤطره على ذات الشاكلة التي أطر من خلالها صاحب الجلالة السلطان المفدى المرحلة السابقة في سياسته المعروفة بسياسة الميمات الأربع.



إن تنفيذ سياسة تنتظم التاءات الأربع في إطار عملي ينتقل بنا من وضع الاستراتيجيات إلى تنفيذها ومن توضيح النوايا إلى تطبيقها، وعلى رأسها التوسع في إنشاء الجامعات والمؤسسات البحثية والمعرفية، وفي رأيي هي الحل إلى مستقبل يعطي لهذه النهضة حقها من التقدير والاستمرارية، ويفي لجميع الباذلين وعودهم، وإلا فإن الأجيال القادمة لن تُرحم و لن تَرحم.

الاثنين، 14 سبتمبر 2009

تحديات .. الأمن الشامل (مقال لعبدالله عبدالرزاق باحجاج)

تحديات .. الأمن الشامل

عبدالله عبدالرزاق باحجاج



مقال نشر في جريدة "الوطن" يوم الأثنين 14 سبتمبر 2009



ما هي علاقة التعليم العالي بمفهوم الأمن الشامل؟ وهل قلقنا على الأمن الاقتصادي في مستوى القلق على الأمن الاجتماعي؟ أم لا يزال مفهوم الأمن ينظر إليه من خلال منظورين سياسي واقتصادي فقط؟ أفتح هذا الموضوع للمرة الثانية بعد أن قرأت للدكتور عبدالله الحراصي في مقال منشور في جريدة عمان يوم الأحد 6/9/2009 تحت عنوان ضرورة إنشاء جامعات حكومية جديدة، شدني فيها ربط التعليم بشمولية الأمن ودور الجامعات الحكومية في تحقيقه مقارنة بالجامعات الخاصة، وكنت قد طرحت في مقالات سابقة نفس الرؤية الإستراتيجية الغائبة عن السياسة التعليمية في البلاد، طبعا مع اختلاف الطرحين واستدلالاتهما غير أنهما يدوران حول علاقة التعليم العالي بالأمن الشامل من منظور مستقبلي.



وأجد نفسي الآن افتح نفس الموضوع مجددا لاستشراف المستقبل في ظل استمرار النظرة الرسمية للتعليم الجامعي الخاص وفي ظل طبيعة النتائج التي افرزها هذا التعليم لسوق العمل خاصة وللوطن عامة مقارنة بالتعليم العالي الحكومي، وفي ضوء ما ذكره الحراصي من استيعاب محدود لمؤسسات التعليم العالي من طلاب الدبلوم العام لا يتجاوزون (40 % ) من مخرجات الشهادة العامة،

أي أقل من النصف، وهذا رقما مخيف جدا ويدعو الى القلق بل الى دق ناقوس الخطر على المستقبل القادم، فأين تذهب نسبة (60%) أي الغالبية العظمى من الطلبة؟ هل إلى الشوارع؟ وما أدراكم ما الشارع وما في الشارع؟ ثم ما أدراكم من تأثير ذلك على مفهوم الأمن الشامل في مرحلة محلية بدأت فيها تتقاطع مصالح عالمية بأجندة اقتصادية لا ولن تخلو من أبعاد سياسية سوف تسيس حسب مصالح كل مرحلة وتجاذباتها السياسية والاقتصادية كما حدث لتصنيف بلادنا في عهد إدارة بوش ضمن الفئة الثالثة التي تتاجر بالبشر،

إذن ما هى علاقة التعليم العالي بالأمن الشامل؟ ونفس التساؤل يطرح بالنسبة التعليم العالي الخاص؟ ومن ثم كيف يبدو لنا السيناريوهات مستقبلا خاصة إذا ما أستمر إصرارنا على الجامعة الحكومية الواحدة وعلى الرهان على الجامعات الخاصة؟ من ابرز ما كتب عن الأمن الشامل، روبرت مكنمارا وزير الدفاع الأميركي الأسبق وأحد المفكرين الاستراتيجيين البارزين في كتابه جوهر الأمن حيث قال : إن الأمن يعني التطور والتنمية سواء منها الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية في ظل حماية مضمونة ثم أستطرد قائلا : إن الأمن الحقيقي للدولة ينبع من معرفتها العميقة للمصادر التي تهدد مختلف قدراتها ومواجهتها لإعطاء الفرصة لتنمية القدرات تنمية حقيقية في كافة المجالات في الحاضر وفي المستقبل،

وإذا ما حاولنا تبسيط هذه المسألة، فينبغي القول إن الأمن هو ضد الخوف، والخوف بالمفهوم المعاصر يعني التهديد الشامل سواء منه السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي الداخلي منه والخارجي، وقد كانت استجابتنا للخوف الاقتصادي أكثر من استجابتنا للخوف الاجتماعي بعد ما اكتشفنا حقيقة النفط وعمره الزمني القصير، فلجأت الحكومة الى تبني سياسات اقتصادية عديدة لتحضير البلاد لمرحلة ما بعد نضوب النفط بشيك مفتوح صرف منه حتى الآن عدة المليارات على عكس الخوف الاجتماعي، لربما لم ينظر اليه بنفس الخوف الاقتصادي أو على أنه خوف أصلا أو أن الخوف الاقتصادي قد حركته وتقاطعت معه مصالح ومنافع بعض الفاعلين الاقتصاديين المحليين، وأرجح الاحتمالين معا، فلو كان الخوف الاجتماعي في منزلة الخوف الاقتصادي لضخت خزينة الدولة الملايين -ولا أقول المليارات -لإنشاء جامعات حكومية لتأمين حق التعليم العالي لأغلبية أفراد المجتمع بالمجان وبمعايير تنافسية،



فلا يزال هناك من يرى في التعليم العالي ترفا أو شانا فرديا أو اجتماعيا وجميعها منعزلة عن سياقها الأمني كما أن هناك من يحصر الحق في التعليم المجاني حتى الثانوية فقط، وهذه افق ضيقة للتحديد القانوني لحق التعليم المجاني من المنظورين الإنساني والوطني، هذا كله يتم بمعزل عن ربط التعليم العالي بمفهوم الأمن الشامل، وبالتالي بات من الأهمية القصوى إعادة النظر في بعض المفاهيم والقناعات الرسمية التي لم تخرج عن مرجعية حقبة السبعينيات رغم التحولات الكبرى التي طرأت على دور الدولة وعلى حياتنا المعاصرة وما يواجهها من تحديات داخلية وخارجية .



وعلينا أن نستدعي الخوف الاجتماعي من أوسع أبوابه إذا كان غالبية جيل الشباب غير مؤهل تأهيلا علميا أو مهنيا وخارج مظلة التعليم العالي، سلاحه الوحيد الثانوية وما دونها، وهنا يكمن الخوف الحقيقي سواء في إطار جغرافيتنا الوطنية في عصر العولمة والخصخصة وفقدان الأجر العادل والآمن أو في إطار الجغرافيا الإقليمية التي أصبحت بعض دولها تستهدف ايدي عمالتنا الوطنية وتفضلها أكثر من الأيدي العاملة الأسيوية ووصل بها الجرأة المحسوبة إلى نشر إعلاناتها في صحفنا المحلية بمباركة مؤسسات رسمية طالبة (نادلات) عمانية لفنادقها السياحية وسائقين وحراس بوابات، هذه طبيعة المهن التي تستحقها أغلبية جيلنا المقبل بتلك الشهادات وهو ما يعني أن جيلا كاملا من فئة الشباب سيقعون تحت عبء الاستتباع الداخلي والخارجي في عصر العولمة وهناك مؤشرات راهنة يمكن أن نبني عليها استشرافنا المستقبلي خاصة إذا ما علمنا بأن فئة الشباب تشكل النسبة الأكبر في المجتمع العماني، ويعني كذلك في حالة تكريسه أن الجيل الجديد سيفقد إحساسه بالمواطنة وحتى بالكرامة وسيقعون ضمن فئة الفقراء في ظل مستويات الأجور المتدنية لحملة شهادة الصفوف الأولى والشهادة العامة،

وهذه مؤشرات مقلقة تستدعي جعل الخوف الاجتماعي في مستوى الخوف الاقتصادي لان المواطن الشريك الأساسي في النهوض بالعملية الأمنية لتحقيق مفهوم الأمن الشامل الذي تتطلبه المرحلة الاقتصادية المقبلة ولن تحقق لنا الجامعة الحكومية الوحيدة والرهان على الجامعات الخاصة هذه الشراكة الأمنية، دليلنا على ذلك أن (60%) من مخرجات الثانوية في الشوارع .. هل يستدعي ذلك دق ناقوس الخطر؟ الموضوع مفتوح ولم اعطي حقه وسوف أتناوله قريبا مستشهدا بالواقع السائد في محافظة ظفار كمثال بغية تغيير القناعة الرسمية بضرورة الرهان على الجامعات الحكومية في تكوين المواطن فكريا وعلميا لأسباب وطنية.



عبدالله عبدالرزاق باحجاج

الجامعات الحكومية.. مرة أخرى (مقال لأحمد بن سالم الفلاحي)

الجامعات الحكومية.. مرة أخرى

احمد بن سالم الفلاحي



نشر في جريدة "عمان" يوم السبت 14 سبتمبر 2009



نشرت الجريدة في عددها الصادر يوم الأحد السادس من الشهر الجاري مقالا حمل عنوان:حول ضرورة إنشاء جامعات حكومية جديدة «للدكتور عبدالله الحراصي، حيث أفضى الحراصي في معالجته في كل ما يمس هذا الموضوع «الجامعات الحكومية»، وهو موضوع لا يزال موضع اهتمام من قبل كل أبناء السلطنة باستثناء الذين انشأوا الجامعات الخاصة، مع تثمين الدور الذي تقوم به جامعة السلطان قابوس كأول جامعة حكومية استقبلت أول دفعة من طلابها في عام 1986م.



وتعضيدا لهذا الطرح المهم للدكتور عبدالله، لعلي أقف مع بعض الحقائق المتعلقة بهذا الموضوع، وفي البداية أقف متمعنا حول نقاط من حوار أجريته مع سعادة أمين عام مجلس التعليم العالي؛ ومن ضمن ما قاله سعادته في هذا الحوار: من الأدوار المهمة التي يضطلع بها المجلس هي السعي إلى رفع نسبة الاستيعاب لدى مؤسسـات التعليم العالي إلى نسبة( 52,4% ) من مخرجات دبلوم التعليم العام وفقا للإمكانيات المتاحة، وإنشاء صناديق دعم يمولها القطاع الخاص، وفق متطلبات وثيقة استراتيجية تطوير التعليم في السلطنة 2006-2020م، وهذه مسألة مهمة، إن أعطيت الاهتمام الحقيقي.



كما أضاف سعادته: لو جئنا إلى نوعية التعليم نجد اليوم عندنا فروعا لجامعات عريقة من خارج السلطنة، وهي جامعات لها شهرتها المعروفة، تقدم خدماتها التعليمية لأبناء السلطنة. ويوجد اليوم بالسلطنة (57) مؤسسة تعليم عالٍ منها (33) مؤسسة حكومية و(24) مؤسسة خاصة مكونة من 5 جامعات و 19 كلية، حيث يدرس في هذه الجامعات والكليات الخاصة وحدها قرابة (26000) ستة وعشرين ألف طالب وطالبةً بحسب إحصائيات العام الدراسي 2007 /2008م.



مع الوضع في الاعتبار، وهذا كلامي، ان خريج مؤسسات التعليم الخاص، يماثل وزنه وزن الذي دفع له من مال حتى تخرج.

ومما أكد عليه سعادة الأمين العام أيضا أن مؤسسات التعليم الخاص تحظى بالدعم المتواصل،:" ويأتي في مقدمة هذا الدعم المنحة السامية التي تفضل بها صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- الذي أمر بصرف (17) مليون ريال عماني لكل جامعة خاصة، لتغطية تكاليف إنشاء البنية الأساسية مثل المباني والأجهزة والمعدات والمختبرات التعليمية وغيرها بالإضافة إلى منحها الأراضي المناسـبة لإقامة مبانيها ومنشآتها التعليمية والخدمية، وتقديم المنح المالية للجامعـات الخاصـة، بما يعادل (50%) من رأس مال الجامعة المدفوع، بحد أقصى ثلاثة ملايين ريال عماني، بالإضافة إلى إعفاء المؤسسات التعليمية الخاصة من أداء جميع الضرائب المفروضة على المؤسسات والشركات لمدة خمس سنوات".



في الوقت الذي يتساءل فيه الجميع ما هو الدور الذي تقدمه مؤسسات التعليم الخاص لمساعدة أبناء المجتمع، وفق هذا السخاء الذي يقدم لها، هل سمع أحدكم يوما أن جامعة أو كلية قدمت منح دراسية مجانية حتى لفئة أسر الضمان الاجتماعي على الأقل لم اسمع.

في الوقت نفسه تستوقفني الأرقام التالية، حيث تجاوز عدد مخرجات شهادة الدبلوم في الشهادة العامة للعام الدراسي (2008-2009) الـ(46) ألف طالب وطالبة، وما استوعبته مؤسسات التعليم العالي الحكومية منهم (14) ألفا، حيث استوعبت جامعة السلطان قابوس –على سبيل المثال- في دفعتها الرابعة والعشرين (2730) طالبا وطالبة، بينما استوعبت الكليات التقنية السبع بما فيها الكلية التقنية العليا بمسقط (6000) طالب وطالبة خلال، ومعنى هذا انه أمام السلطنة حكومة وشعبا –هذا العام فقط– (32) ألفا من خريجي الدبلوم العام، ويضاف إلى هذا العدد الأعداد السابقة من الذين لم يتضمنوا أرقام التوظيف في القطاعين، فضلا أن يحصلوا على مقاعد دراسية.

وهنا أعود إلى ملخص مقال الدكتور عبدالله الحراصي: "هناك أسباب أساسية تظهر بجلاء، أن التعليم العالي في السلطنة قضية لا تتعلق فقط بمستقبل الأفراد في حدودهم الفردية، بل تتعدى ذلك لتكون قضية وطنية من الطراز الأول، وقضية تقع في قلب مفهوم الأمن الشامل، وهو المدخل الأساسي الذي اقترحه للنظر في هذه المسألة"، وأقول هل هناك استحضار لكل هذا الثقل الإنساني بكل تداعياته، إن لم يكن اليوم، فغدا.