الجمعة، 26 يونيو 2009

محاضرة "علم الجينات والأخلاق" لمايكل سانديل



فيما يلي تلخيص لمحاضرة مايكل سانديل "علم الجينات والأخلاق"ضمن سلسلة "محاضرات هيث"



تلخيص (إعداد عبدالله الحراصي)

يبتديء سانديل محاضرته بسرد قصة امرأتين شاذتين جنسياً تزوجتا وكانتا مصابتين بالصمم، ورغبتا في أن يكون عندهما طفل، ولكنهما أرادتا أن يكون هذا الطفل أصمّا مثلهما، حيث آمنتا بأن الصمم ليس إعاقةً بل هو مظهرٌ من مظاهر هويتهما الثقافية، فبحثتا عن متبرع بحيوان منوي يمكن أن يحقق لهما هذا الحلم، وبالفعل وجدتا هذا المتبرع الذي أصيبت خمسة أجيال من أسرته بالصمم، وبالفعل ولد الطفل المرغوب أصماً. وبعد ولادة الطفل وقع جدلٌ اجتماعي كبير لأن كثير من أفراد المجتمع أتهم المرأتين بتعمد التسبب في إعاقة المولود، وهذا بحسب سانديل طرح سؤالاً فلسفياً: هل هناك خطأ في التخطيط المتعمدة لولادة طفل أصمّ؟ وإن كان هذا خطأُ فما وجه الخطأ؟ هل هو الصمم؟ أم التخطيط؟ وبعيداً عن الصمم، فهل من الخطأ أن يقوم الوالدان بالتخطيط لنوع الطفل الذي يريدانه كي يحمل خصائص معينة يرغبانها؟ أولا يفعل الناس هذا دائماً بطرق مختلفة من بينها اختيار الزوج أو الزوجة؟

يضيف سانديل بأن التطورات في علم الجينات تمنح البشرية الأمل، ولكنها في الآن ذاته تتسبب في مأزق أخلاقي. يكمن الأمل في إمكانية التوصل إلى علاج لكثير من الأمراض المستعصية، أما المأزق فيكمن في أن المعرفة الجينية المعاصرة سوف تمكن الانسان من التلاعب في الطبيعة الانسانية بطرق مختلفة كتطوير عضلات الجسم، أو زيادة الذاكرة وغيرها. ويتمظهر هذا المأزق في قلق عميق يراود الكثيرين بأن بعض أشكال الهندسة الوراثية تنطوي على إشكالات أخلاقية.

ويضرب مثالاً على تطورات الهندسة الوراثية يتمثل في معالجة ما يصيب العضلات من أمراض ومشاكل، ويتساءل: ماذا لو تم استخدام هذه المعرفة في تطوير رياضيين ذوي عضلات خارقة؟ ويشير إلى أن العلماء قد اخترعوا جيناً تحقن به الفئران فتنمو عضلاتها ويمنع تدهور تلك العضلات وضعفها مع تقدم عمر تلك الفئران، وهذا ما أثار آمال الرياضيين في تطوير عضلات البشر، مع أن القوانين تمنع مثل هذا الأمر حتى الآن. ويتساءل كذلك: ترى لو حدث هذا، هل ستمنع المؤسسات الرياضية الرياضيين الذين تعرضوا لتغييرات جينية مقويّة من المشاركة في المباريات المختلفة؟ وعلى أي أساس؟ يقول سانديل أن هناك سببين أساسيين يقفزان إلى الذهن لمثل هذا المنع، يكمن أولهما في الأضرار الصحية المحتملة جراء استخدام مثل هذه المقويات الجينية للعضلات، غير أنه يرد على هذا بأن المشكلة الأخلاقية سوف تبقى، فماذا لو ثبت بأن هذه المقويات سليمةٌ تماماً وتخلو من أية أضرار صحية للرياضي؟ أما السبب الأساسي الثاني فيكمن في الإخلال بمبدأ العدالة، فالرياضي الذي حقن بالجينات المقوية سيكون أقوى من الرياضي العادي وفي هذا ظلم للأخير، غير أن سانديل يدحض هذه الحجة، فالظلم سيزول حين تكون الجينات متوفرة للجميع وليست حكراً على رياضي دون آخر. كل هذا يجعل سانديل يجادل بأن الإشكال الأخلاقي حول التدخل الجيني يتجاوز أخطار السلامة الجسدية أو غياب المساواة.

ويشير إلى أن التقوية الجينية لا تقتصر على العضلات فحسب، بل يمكن أن تنجح في تقوية الأدمغة كذلك، فقد نجح العلماء في تخليق فأر خارق الذكاء عن طريق حقنه بجين إضافي من جينات الذكاء، والنتيجة فأرٌ يتعلم على نحو أسرع من الفئران العادية، كما أنه يمتلك ذاكرة أفضل منها. ويشير إلى أن الشركات تبحث عن مقويات للذاكرة للبشر، والزبائن ليسوا فقط ممن يعانون من اضطرابات في الذاكرة، بل معظم الناس قد يكونون زبائن لأن الذاكرة البشرية تبدأ في التضعضع والضعف عند وصولهم عمر الخمسين، كما أن بعض طلبة الجامعات بدأوا في تعاطي أدوية اضطرابات الذاكرة لكي يقووا من ذاكرتهم في فترات الامتحانات الدراسية.

كل هذه الأمثلة حول التدخل الجيني في العضلات والعقول يجلعنا، كما يقول سانديل، نتساءل: هل نحصر وظيفة علم الجينات في معالجة المشاكل الصحية أم أننا نستخدمه في إعادة هندسة أجسامنا وعقولنا؟

يقول سانديل بأن أكثر استخدامات الهندسة البيولوجية إغراءً يكمن في اختيار جنس الجنين، وهو أمر طالما سعى اليه الانسان بطرق مختلفة طوال التاريخ، ووردت في التراث العالمي نصائح مختلفة لتحقيقه، غير أن العلماء المعاصرين نجحوا تماماً فيما فشلت فيه تلك النصائح التراثية من خلال استخدام وسائل طبية تم تطويرها في الأساس لاكتشاف المشاكل الصحية غير أنها قابلة للاستخدام في تحديد الجنس. وهنا يظهر اعتراض مفاده أن هذا التدخل ينطوي على تمييز بين الجنسين، وخصوصاً ضد الأناث، وتفيد الدراسات بأنه يوجد، بسبب مثل هذا التمييز، 120 ذكراً لكل 100 أنثى في الصين، و يوجد في بعض مناطق جنوب الهند 140 ذكراً لكل 100 أنثى. ولكن ماذا لو تم استخدام هذه التقنيات في مجتمعات لا تفضل جنساً على آخر، مما لا يضر بتوازن الجنسين؟ هل سيكون مقبولاً؟ ماذا لو تمكنا من استخدام الهندسة الوراثية في تحديد الطول، ولون العينين والتوجه الجنسي، والذكاء، والقدرة الموسيقية؟ هل سيكون هذا مقبولاً أيضاً؟

يقول البعض بأن الهندسة الجينية تقوض الجهد البشري الطبيعي، مثلما هو الأمر في حالة الرياضيين الذين يطورون مهاراتهم في العادة بالمواظبة على التدريب، وهو ما سيؤدي إلى أن احترامنا للاعب المقوى جينياً سيضعف لعلمنا أنه لم يجتهد للوصول إلى ما وصل إليه. ولكن سانديل يشير إلى أن رفض هذه التدخلات من قبل الهندسة الوراثية ليس بسبب تقويضها للجهد البشري، ولكن الخطر الأعمق يتمثل في أنها تمثل قوة تتدخل في الطبيعة الانسانية لتحقق أغراضاً ورغبات مسبقة، ورغم أن مثل هذا النزوع للقوة والسيطرة والتخطيط هو نزوع طبيعي في النفس البشرية إلا أن جزءاً من جمال الحياة يكمن في معرفة أن قدراتنا ليست من صنعنا رغم مساعينا لتقويتها، وهذا الادراك سوف يمكننا من كبح هذا النزوع للتفوق الخارق، ويدعونا للتواضع، وهذا، كما يقول سانديل، إدراك نابع من الدين جزئياً، ولكن صدى هذا الادراك يتجاوز الدين.

الأبوة مثلاً تعني الفرح بالمولود أيا كانت طبيعته، وليس باعتباره منتجاً لتخطيطنا ولرغباتنا ولآمالنا. نحن نقبل الطفل أيا كانت مزاياه. ونحن نختار أزواجنا وأصدقائنا بما نحبه فيهم من مزايا، أما أطفالنا فنقبلهم كما هم، مهما كان بهم من مشاكل أو إعاقات صحية، فتلك المشاكل والإعاقات إن وجدت ليست من صنيع الآباء. وملخص فكرة سانديل في رفضه لتدخل الهندسة الوراثية ينطلق من أن مثل هذا التدخل ينطوي على عجرفة إنسانية من خلال التدخل في الطبيعة البشرية، وحتى لو لم يمارس الآباء هيمنة على أطفالهم، فهذا التدخل الهندسي الجيني يحرم الآباء من فضيلة التواضع وفضيلة التعاطف والتراحم التي تكمن في قبول المولود كما هو.

ويشير سانديل إلى أن هذه النقاشات حول الهندسة الجينية تذكر بالنقاشات التي دارت حول علم "تحسين النسل" eugenics الذي كان يهدف إلى تطوير الإنسان بالابقاء على الأعراق البشرية "الأفضل" والقضاء على الأعراق "الأسوأ"، ويتمثل هذا في الطرح النازي الذي يرى بتفوق العرق الأبيض على الأعراق الأخرى. وهناك اتهام للهندسة الجينية بأنها تقوم بمثل هذا المسعى للتغيير الكلي للإنسان ولكن بطريقة رأسمالية فردية، إلا أن المدافعين عن الهندسة الوراثية يقولون بأن علم تحسين النسل البشري كان يطبق بالاكراه، والأمر ليس كذلك في حالة الهندسة الوراثية، فليس هناك مسعى للتخلص من أعراق بشرية (كما أراد النازيون مثلاً). ويقول سانديل بأن هذه حجة واهية، حيث أن هذا العلم علم بغيض في كل الحالات حتى حينما لا يكون بالاكراه وحينما لا ينطوي على إبادة لإعراق معينة.

وفي سياق الحديث عن تحسين النسل يشير سانديل إلى رئيس وزراء سنغافورا لي كوان يو الذي أبدى في الثمانينيات من القرن العشرين خشيته من أن النساء السنغافوريات اللاتي حصلن على تعليم جيد يلدن عدداً من الأطفال أقل من النساء الأقل تعليماً، وموضع الخشية هو أن الأجيال اللاحقة ستكون "مستنزفة المواهب" لأن معظم الأطفال المولودين سيرثون ضعف القدرات العقلية التي توجد عند آباءهم وهو ما سيقلل من المواهب مستقبلاً، ولهذا وضع كوان يو سياسات تشجع طلبة الجامعات على الزواج، ومن بين هذه السياسات تأسيس خدمة حاسوبية لـ"المواعدة" بين الجنسين dating service تديرها الدولة، وحوافز مالية للمتعلمات ليلدن الأطفال، وفصولاً في المغازلة بين الجنسين في مناهج الدراسة الجامعية الأولى، ورحلات بحرية مجانية للعشّاق من طلبة الجامعات، كما قدم للنساء المحدودات الدخل اللاتي لا يحملن شهادة ثانوية مساعدات مالية بشرط قبولهن بأن يتم تعقيمهن من قبل الدولة حتى لا يلدن. ويقول سانديل بأن الدولة وإن لم تعمد إلى الإكراه هنا إلا أن الإشكال الأخلاقي يظل موجوداً في تحديد السمات الجينية للجيل القادم.

إن لغة مساعي تحسين النسل تعود مرة أخرى في عصر الجينوم، ليس بين منتقديها بل بين المدافعين عن التطوير الجيني، وهو عصر تبدو فيه الدولة "محايدة" لا تتدخل في مسار النسل وتترك الأمر بأكمله في أيدي الآباء ليختاروا ما يشاؤون من سمات وراثية يرتضونها لأبناءهم. ولكن سانديل يقول بأن اختفاء الإكراه من قبل النظم السياسية لا يلغي الاعتراض على تدخلات الهندسة الجينية، ويقول بأن المشكلة الأعظم في الحالتين معاً (أي مساعي تحسين النسل من قبل الدول، والهندسة الوراثية) تكمن في انتصار التخطيط والقصد والهيمنة والإخضاع على قَبول ما يوهب الإنسان طبيعياً.

ويسأل سانديل عن السبب الذي يجلعنا نبدي المخاوف جرّاء هذا الانتصار، لماذا نخشى على اختفاء المواهب الطبيعية؟ من ناحية دينية الأمر واضح، ففي الهندسة الوراثية إساءة فهم لرسالة الإنسان في الكون ووضعه فيه وتداخل دوره ما هو إلهي، ولكن الدين، كما يقول سانديل، ليس هو السبب الوحيد للاهتمام بالمواهب الإنسانية، فالقضية الأخلاقية لتدخل الهندسة الوراثية في تحسين المواهب الإنسانية يمكن أن تطرح حتى من منظور علماني صرف، فمثل هذا التدخل سيتسبب في تحول كبير لثلاث من فضائل الحياة البشرية هي التواضع والمسؤولية والتكافل الانساني. ويقول أنه في عالم تسود فيه الهيمنة والإخضاع بين البشر فإن الأبوّة تشكل مدرسةً في التواضع الانساني، فعدم القدرة على اختيار ما يرغب فيه الإنسان يعلمه الرضا بما يأتيه، وهذا يصدق كذلك على المجتمع، وهذا يجعلنا نكبح نزعات الهيمنة والسيطرة. ويعتقد البعض بأن الهندسة الوراثية ستقضي على المسؤولية الانسانية من خلال تجاهل دور الجهد البشري، غير أن سانديل يقول بأن المشكلة الأساسية لا تكمن في تآكل المسؤولية بل في انفجارها وتعاظمها، حيث أن انعدام التواضع يجعل أمر المسؤولية أعظم وأكبر، فاختفاء القبول بما يأتينا دون تخطيط يجعلنا نتحمل المسؤولية تجاه الأختيارات التي نقوم بها، فيصبح الاباء مسؤولين عن أختيار المزايا الصحيحة لأطفالهم أو عن فشلهم في هذا الأختيار، كما أن الرياضيين سيكونون مسؤولين عن اختيار السمات الجسدية التي ستمكن فريقهم من الفوز على الفرق الأخرى. إن إحدى محاسن الايمان بالله والقدر وحتى الصدفة هي أننا لسنا مسؤولين مسؤولية كاملة عن أوضاعنا، فربما يلوم المدرب اللاعبَ اليوم إن أخطأ في رمي الكرة بسبب عدم وقوفه في المكان الصحيح، أما في المستقبل فسيقع اللوم على ذلك اللاعب لقصر قامته. كما أن شعورنا بالمسؤولية تجاه قدرنا وقدر أطفالنا سيدمر مسؤوليتنا حول من هم أضعف وأقل منا، وهو ما سيقضي على التكافل الانساني.

ويتساءل سانديل عن سبب وجود التكافل الإنساني، ويقول بأن الموهبة هبة، ولهذا لا يمكن أن نتخلى عن من هم أقل منا في المواهب والقدرات لأنهم ليسوا مسؤولين عمّا هم فيه، كما أن الشعور بالتكافل يحمي المجتمع من معتقدات قد يتم تسويقها في المستقبل مثل القول بأن الغني غنيٌ لأنه يستحق أن يكون غنياً أكثر من الفقير، كما أن المواهب الإنسانية ستتراجع عندما تكون تلك المواهب مسألة أختيار وليست أمراً يوهب للإنسان بدون أي دخل له في اختياره.

يختتم سانديل محاضرته بالاشارة إلى إغراء في الفهم مفاده أن الهندسة الوراثية للناس ولأطفالهم كي ينجحوا في مجتمع تنافسي هو ممارسة للحرية، غير أن تغيير طبيعتنا كي تتوائم مع العالم، وليس العكس، هو في حقيقة الأمر أعمق أشكال الإِضعاف، فهذا سيمنعنا من التفكير النقدي في الكون، كما أنه يقتل الدافعية للتطوير الاجتماعي والسياسي، ولهذا يقول سانديل بأنه بدلاً من هندسة أنفسنا وأطفالنا لنتوائم مع العالم، من الأحرى أن نقوم بما يلزم من ترتيبات اجتماعية وسياسية تنطوي على تقدير أكبر للمواهب البشرية ولأشكال الضعف والعجز الإنسانية، أي أن نوائم العالم مع الطبيعة البشرية، لا أن نغير في تلك الطبيعة كي تتناغم مع رؤية غير أخلاقية للعالم.

الخميس، 25 يونيو 2009

محاضرة "الأسواق والأخلاقية" لمايكل سانديل



فيما يلي تلخيص لمحاضرة "الأسواق والأخلاقية" لمايكل سانديل ضمن سلسلة "محاضرات هيث"

تلخيص (إعداد عبدالله الحراصي)

يقول سانديل في هذه المحاضرة بأننا نعيش عصر أزمة مالية، غير أنه في الآن ذاته عصر أمل كبير من الإحياء الاخلاقي والمدني الذي تتمثل بعض معالمه في انتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة، كما أن هناك أملاً شبيهاً في عديد من الديمقراطيات في مختلف أنحاء العالم. النتيجة واحدة في كل هذه التجارب وهي أن السياسة التي نريدها ليست سياسة تجري وراء المصلحة الذاتية بل وراء الصالح العام. وهذه السياسة ستفرض بعض المتطلبات على معنى المواطَنة وتتطلب مناقشات تضع في صلب اعتبارها الرؤى الأخلاقية بل وحتى الروحية.

ولو ركزنا على قضايا الأهمية الأخلاقية، لا بد من مناقشة دور الأسواق ومحدوديتها، فنحن نعيش في نهاية مرحلة أنتصار السوق التي كانت ترى بأن الأسواق هي الآلية الأساسية لتحقيق الصالح العام، وما نعيشه الآن يثير كثير من الشكوك والتساؤلات حول دور الأسواق في الحياة العامة، وهو وقت مراجعة دور الأسواق في تحقيق المصلحة العامة. ويرى سانديل بأنه نتيجة لانعتاق الأسواق عن القيم الأخلاقية الأساسية في الفترة الماضية فلابد من إعادة ربط الأسواق بالأخلاق.

ولكن، يتساءل سانديل، كيف يتم ذلك؟ يناقش في البداية رأي شائع يمكن أن يجيب على هذا التساؤل، مفاده بأن السوق يقوم على الجشع والمصلحة الذاتية المحضة، ورغم أن الجشع رذيلة من الرذائل الانسانية إلا أن الاقتصاد المعاصر قد حولها إلى أداة من أدوات الصالح العام، ويشير سانديل إلى آدم سميث الذي رأى بأن المصلحة الشخصية للجزار هي التي تجعله يوفر اللحم للمشترين، وليس أية إنسانية متوهمة. إلا أن سانديل يرى بأن اعتبار الجشع لبّ السوق والاقتصاد لا يمكن أن يفيد في فهم فترة انتصار السوق وما سببته من أزمة اقتصادية معاصرة.

يقترح سانديل بأن الحل يكمن في دراسة جوانب الحياة المختلفة التي تمددت اليها آليات السوق رغم أنها كانت تحكم في الماضي بقيم وقوانين أخلاقية صرفة. ولابد من مناقشة عامة لفهم معنى الدعوة إلى وضع السوق في حدوده، ولابد في هذا الاطار من تحديد الحدود الأخلاقية للسوق. وهنا يفرق سانديل بين الأشياء التي لا يمكن للمال أن يشتريها، والأشياء التي يمكنه أن يشتريها، ولكن لا ينبغي عليه أن يشتريها.

ومن الأمثلة على بعض المجالات التي دخلت إليها آليات السوق خصخصة المدارس والسجون والمستشفيات، والمرتزقة والمتعاقدون في الحروب، وانهيار نظام الشرطة من خلال نشوء شركات الأمن الخاصة، وتسويق الأدوية في دعايات وسائل الاعلام.

يتناول سانديل قضية دخلت إلى فهمها والتعامل معها آليات السوق وهي قضية اللاجئين في العالم، فقد اقترح البعض أن يطلب من اللاجئين أن يدفعوا مبلغاً من المال للحصول على الجنسية الأمريكية، وهذا ما سيضمن بأن من سيأتي سيكون من الماهرين الذين لن يشكلون ضغطاً على الخدمات العامة في الولايات المتحدة. كما يشير سانديل إلى اقتراح آخر يرى بأن على دول العالم أن تتفق على حصص من اللاجئين من مواطنيها، ويمكن لهذه الدول إن شاءت أن تبيع هذه الحصص لدول أخرى بحيث يستطيع أن يهاجر من يريد من مواطني تلك الدول إلى بلدان المهجر التي يريدون الهجرة إليها، وبحسب هذه الرؤية فالجميع رابح، وسيتم تنظيم عملية الهجرة وتشريعها. غير أن سانديل يرى بأن هذا سيجعل من اللاجئين بضاعة تباع وتشترى وسينزع فهمنا لمآسيهم الانسانية.

كما يناقش سانديل الاقتصاديين الذي يقولون بأن الأسواق لا توق الضرر على البضائع التي تتعامل بها، فالسوق كما يقول هؤلاء ليس إلا وسيلة لتبادل البضائع، غير أن سانديل يرى بأن هذا خطأ، فالأسواق تترك بصمتها على المجتمع، ومحفزات السوق تتفوق على المحفزات غير السوقية، ويضرب مثالاً على هذا حين أخذت بعض المدارس في أمريكا في تحفيز الأطفال على القراءة بمنح من يقرأ منهم بعض الدولارات، حيث يرى الاقتصاديون بأن الواقع يقول بأن هذه طريقة مثالية، حيث أنها تحفز الأطفال على القراءة، كما أن هناك من بين الأطفال من لا يقرأ بالضرورة حباً في المعرفة والعلم، وإنما للحصول على المال، وهنا فإن المال يصبح محفزاً إضافياً إضافة إلى محفز البحث عن المعرفة.

غير أن سانديل يرى بأن هذا خطأ لأنه في واقع الأمر يقضي على الهدف الأسمى من القراءة وهو المعرفة، وفيما سيشجع المال على القراءة على المدى القصير إلا أنه سوف يلحق بها الضرر على المدى الأبعد، ويرى بأن آلية السوق هنا ليست آلية بريئة، فما يبدأ باعتباره آلية سرعان ما سيتحول إلى قانون، وسيتحول فهم الأطفال للكتب من كونها وسيلة للمعرفة إلى اعتبارها أداة للكسب، وهذا ما يقضي على الخير الحقيقي للكتب الذي هو الحصول على المعرفة.

وهناك مثال آخر على مثل هذه المجالات التي دخل فيها السوق في الحياة الاجتماعية والأخلاقية يتمثل في لجوء إحدى دور رعاية الأطفال النهارية إلى فرض غرامة رمزية بسيطة على الأباء الذين يتأخرون في مجيئهم لأخذ أطفالهم من تلك الدور، بعد أن كانت إحدى المدرسات تضطر إلى التأخر إلى حين قدوم هؤلاء الأباء. وبدلا من أن تكون هذه الغرامة محفزا على تقليل عدد حالات تأخر الآباء أصبحت محفزاً على مزيد من التأخر حيث تم اعتبار الغرامة نوعاً من الأجر نظير خدمة أنتظار مجيء الآباء. ويشير سانديل إلى ما يعتبره خطأً أخلاقياً هنا فالغرامة التي ينبغي أن تكون محفزاً على رؤية الخطأ الأخلاقي الذي يتمثل في تأخير ذهاب المدرِّسة إلى بيتها ومراعاة ذلك أخلاقياً أصبحت مجرد مبلغ من المال الذي يدفع نظير خدمة، وتم نزع البعد الأخلاقي منها، ويشير إلى أن الغرامة في مثل هذه الحالات (وحالات أخرى مثل فرض الغرامة على من يرمي المخلفات في الشارع) لا تلغي الخطأ أبداً، أما اعتبارهاً رسماً مقابل خدمة فيمنع رؤية الخطأ فيها.

يضرب سانديل أمثلة متعددة أخرى من بينها شراء الدم وبيعه في أمريكا، فبعد أن كان التبرع في الدم مؤشراً على الايثار الأخلاقي والتضحية من أجل الآخرين أصبح محض تجارة خالية من أي قيمة أخلاقية. كل هذا يوحي بأن السوق يضع بصمته على الأخلاق. ويستدرك سانديل بأنه لا يقول بأن كل هذا سلبي ولكنه يدعو إلى مزيد من المناقشات العامة (التي تستحضر القيم الأخلاقية والدينية) حول هذه القضايا لكي تتضح حدود الأشياء، ولوضع السوق في حجمه الحقيقي دون أن تتمدد آلياته وقوانينه إلى الحياة الاجتماعية التي ينبغي أن تسودها القوانين الأخلاقية. كانت هذه المناقشات غائبة في فترة انتصار السوق، وفي غيابها، يقول سانديل، "تحولنا من اقتصاد السوق إلى مجتمع السوق".

محاضرة "الأخلاقية في السياسة" لمايكل سانديل



فيما يلي تلخيص لمحاضرة "الأخلاقية في السياسة" لمايكل سانديل ضمن سلسلة "محاضرات هيث"



تلخيص (إعداد عبدالله الحراصي)

يتناول مايكل سانديل في هذه المحاضرة العلاقة بين السياسة والأخلاق، وينادي بضرورة إحضار الأخلاق والدين في الممارسة السياسية وفي معالجة القضايا الاجتماعية المعاصرة (في الغرب) مثل قضايا تأجير الأرحام وزواج الشواذ وغيرها من القضايا. يبتديء سانديل المحاضرة بمناقشة ظاهرة تأجير الأرحام، وهي ظاهرة شكلت "صناعة" قائمة بذاتها يكسب فيها كل الأطراف، فبسبب منع تأجير الأرحام في كثير من الدول وفي بعض الولايات الأمريكية وغلاءه في الولايات التي تسمح به عمد الأزواج الراغبين في "الحصول" على طفل إلى استئجار رحم امرأة من دول فقيرة مثل الهند التي سمحت بهذا للحصول على سيل الأموال الذي تدره هذه الصناعة (تشير دراسة إلى أنه في إحدى العيادات الهندية يولد طفل لأبوين بريطانيين من أم هندية أجرت رحمها كل 48 ساعة), والمقصود بكسب جميع الأطراف هو أن المرأة الهندية تكسب مبلغاً ضخماً من المال لا يمكن أن تحلم به، كما أن الزوجين الغربيين يحصلان على الطفل الذي يريدانه.

غير أن هذه الممارسة تثير عدداً من الأسئلة الأخلاقية المهمة، أولها يتعلق بـ"حقيقة" قبول المرأة التي تؤجر رحمها لهذه العملية، فربما يعود ذلك القبول إلى أوضاع الفقر الذي تعيشه تلك المرأة، كما أن هذه العملية فيها حط من شأن الطفل الذي يتحول إلى "بضاعة" يمكن الحصول عليها بدفع المال، إضافة إلى أنه يضع من شأن تلك المرأة الفقيرة لأنه ينزع منها مشاعرها الإنسانية ويحولها إلى مجرد "مصنع" للأطفال.

هنا يعود سانديل إلى مفهوم العدل عند أرسطو الذي يعني إعطاء كل ذي حق حقه، ويشير سانديل إلى مثال أشار إليه أرسطو في شرحه لمفهوم العدل يتعلق بالمزامير، فلو كان عندك عدد من المزامير، لمن ستعطي أفضل المزامير؟ الجواب الذي سيتفق عليه أغلب الناس هو أنك ينبغي أن تعطيها لأفضل العازفين على المزمار، ولكن لماذا؟ يرى الناس بأن هذا كفيل بانتاج موسيقى جميلة وهو ما سنسر به ونسعد، ولكن أرسطو يرى بأننا سنعطي أفضل المزامير لأفضل العازفين لأن المزامير صنعت لهذا الغرض، أي لأن يُجاد عزفها، كي تنتج أفضل موسيقى، كما أن هذا يجلب التكريم والتوقير لكبار الموسيقيين.

غير أن مثال المزامير مثال سهل، ويمكن الاتفاق عليه، على عكس قضايا أخرى يفترق حولها المجتمع. فماذا لو اختلف المجتمع في غرض ممارسة ما؟ يضرب سانديل مثالاً على هذا مستمداً من لعبة الجولف، حيث أصيب أحد لاعبي الجولف الماهرين وأسمه كيسي مارتن مما منعه من لعب الجولف بطريقة المشي التقليدي، واضطره إلى أن يطلب من أحد اتحادات الجولف الامريكية استخدام عربة كي يستقلها أثناء لعبه للجولف، غير أن أنصار الجولف التقليدي رفضوا هذا تحت حجة أن لاعب الجولف ينبغي أن يمشي أثناء لعبه لا أن يستقل عربة، وبعد أن كبر الخلاف حول الأمر وصل إلى المحكمة العليا الأمريكية التي ناقشت دور المشي في لعبة الجولف وهل هو أساسي أم غير أساسي. وكان حكم المحكمة هو حقّ هذا اللاعب في استخدام العربة في لعب الجولف. ويعلق سانديل أن الحقيقة هي أن لبّ القضية لا يكمن في قضية المشي أو العربة بل بتقدير لاعبي الجولف للعبتهم واعتبارها "رياضة" بدنية وليست مجرد لعبة تخلو من الجهد البدني كما يرى البعض.

ثم يستعرض سانديل قضية زواج الشواذ في أمريكا، والخلاف الضخم الساخن حوله، وانقسام المجتمع الى طائفتين أساسيتين، هما الطائفة المؤيدة له والتي تنطلق من منطلقات الحرية في الاختيار، والطائفة الثانية التي هي الطائفة الأخلاقية التي ترفض مثل هذا الزواج واليها ينتمي سانديل نفسه. ويشير إلى إمكانية محتملة أخرى وإن كانت غير شائعة اجتماعياً تكمن في أن تتخلى الدولة عن تسجيل الزواج وتتركه للمجتمع ممثلاً في هيئاته الاجتماعية والدينية، ويشير إلى مايكل كنسلي الذي يرى هذا الرأي وبأن الزواج قضية حرية شخصية ويمكن أن يتم بأية كيفية يراها أطراف العلاقة فإن قرر ثلاثة الزواج يمكنهم فعل ذلك، وإن رأى شخص فرد بأن يريد أن يتزوج نفسه فيمكنه فعل ذلك كذلك دون تدخل الدولة في كل الحالات.

يرى سانديل هنا أن القضية ليست قضية حرية اختيار وأنما ينبغي على المجتمع أن يسأل إن كان هذا الزواج يحقق غرض الزواج والكرامة التي ترافقه. غير أن المعارضين يرون بأن غرض الزواج غير واضح وغير محدد، فإن رد المحافظون بأن غرض الزواج هو التناسل فإن مؤيدي زواج الشواذ سيقولون بأن هذا غير منصوص عليه في عقود الزواج، كما أن كثير من الأزواج يفضلون عدم الانجاب إضافة إلى "الخصوبة" ليست شرطاً للزواج.

لا يطرح سانديل حلّا جذرياً هنا ولكنه ينادي بمزيد من النقاش الاجتماعي حول هذه القضايا، غير أن هذا النقاش لا ينبغي أن يستبعد الأخلاق والدين. كما يرى بأن على الدول عدم الهروب من هذه القضايا تحت ستار الحيادية، بل أن عليها أن تلتزم بقضايا المجتمع وتقترب منها وتفتح أبواب مناقشتها والحوارات حولها.

بعض الأسئلة التي طرحت للمناقشة وتعليق سانديل عليها

1. سؤال حول دور وسائل الاتصال وعلاقتها بالأخلاق والسياسة: يرد سانديل بأنه يشجع قيام مؤسسات مجتمع مدني تتجاوز حدود الدول، كما أنه ينبغي الاقتراب أكثر من المواطن العادي مباشرة بدلاً من اقتصار مناقشة القضايا العامة على مؤسسات كبرى مثل البرلمانات. أما عن الانترنت فقال بأنها توفر وسيلة رخيصة للتواصل غير أنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن التفاعل الانساني المباشر.



2. سؤال حول خطر الانطلاق من المسلمات اليقينية في رؤى الخطاب الأخلاقي الديني، وأن الأخلاق موجودة لدى الفريق الذي لا ينطلق من الدين كما هي موجودة لدى الفريق المتدين: يرد سانديل بأنه مثلما يوجد متطرفون من بين المتدينين فأن هناك متطرفين بين غير المتدينين.



3. هل ينبغي إخضاع حياة السياسيين الخاصة (مثل إخلاصهم أو خيانتهم لزوجاتهم) للفحص لتكون معياراً على تقبل المجتمع لهم ومساندتهم، بدون الاقتصار على سياساتهم؟ يرد سانديل بأن دراسة شخصية السياسيين أمر معقد للغاية، مع موافقته على أن الاقتصار على النظر إلى السياسات أمر غير كاف.

الأربعاء، 24 يونيو 2009

محاضرات ريث لعام 2009 Reith Lectures



محاضرات ريث Reith Lectures هي سلسلة من المحاضرات تقوم على إعدادها الاذاعة البريطانية BBC ويقدمها كل عام بعض أهم المفكرين والقادة في العالم، وتتناول عدداً من القضايا التي يهتم بها المفكرون والقادة وخصوصاً قضايا الحياة والمجتمع المعاصرين. يتم بث هذه المحاضرات في القناة الرابعة المحلية في هيئة الإذاعة البريطانية.

ضيف محاضرات ريث لهذا العام الفيلسوف الامريكي مايكل سانديل Michael Sandel، وعنوان سلسلة محاضراته "مواطَنَة جديدة" (بفتح حرف الطاء في كلمة "مواطَنة") A New Citizenship، وتتكون السلسلة من أربع محاضرات:



المحاضرة الأولى

الأسواق والأخلاقية Markets and Morality

يمكن سماع المحاضرة بالضغط هنا

المحاضرة الثانية

الأخلاقية في السياسة Morality in Politics

يمكن سماع المحاضرة بالضغط هنا

المحاضرة الثالثة

علم الجينات والأخلاق Genetics and Morals

يمكن سماع المحاضرة بالضغط هنا

المحاضرة الرابعة

سياسة جديدة للصالح العام New Politics of the Common Good

لم يتم بثها حتى الآن





سوف أعود في وقت لاحق لتلخيص المحاضرات والمناقشات التي تتلوها، مع بعض التعليق.