الخميس، 22 يناير، 2004

مجازات الكتاب

مجازات الكتاب

عبدالله الحراصي

أصدرت سلسلة عالم المعرفة الكويتية في عدد أكتوبر 2003 كتابا مهما عنوانه "الكتاب في العالم الاسلامي: الكلمة المكتوبة كوسيلة للاتصال في منطقة الشرق الاوسط" حرره باللغة الانجليزية جورج عطية وترجمه الى العربية عبدالستار الحلوجي. يشتمل الكتاب على اثني عشر فصلا يتكون كل منها من دراسة أعدها بعض أهم العلماء المتخصصين في الدراسات العربية والاسلامية في الغرب من بينم فرانز روزنتال وآن ماري شيمل ووداد القاضي (التي ألقت محاضرتين الاسبوع الماضي في جامع السلطان قابوس في مسقط بدعوة من وزارة الاوقاف والشؤون الدينية) وديل ايكلمان (وهو متخصص في أوضاع العالم الاسلامي، وعلى الأخص في الخطاب الديني في بعض الدول من بينها عمان) وغيرهم.

لن استعرض هذا الكتاب هنا فلكل دراسة فيه أهمية كبيرة تسد ثغرة في المعرفة حول الكتاب في العالم الاسلامي، بل ان بعض الدراسات تتعلق بمواضيع لم يتطرق اليها البحث العلمي كثيرا مثل "دور المرأة في الخط العربي" و"الرسوم التوضيحية في المخطوطات العلمية الإسلامية وبعض أسرارها" وهي مواضيع بينت هذه الدراسات ان لها جوانب قيمة وأبعادا مهمة في فهم قصة الكتاب في العالم الاسلامي. الا ان دراسة واحدة من بين كل الدراسات الذي يحتويها الكتاب لفتت انتباهي لطرافة موضوعها وجمال أمثلتها هي دراسة العالمة الراحلة آني ماري شيميل عنواها "التورية بالكتب في الآداب الاسلامية". وآني ماري شيمل، لمن لا يعرفها، هي باحثة ألمانية تخصصت في العالم الاسلامي ومنحته قلبها وحياتها وبحثها، وألفت العشرات من الكتب والترجمات المتعلقة بالاسلام وحضارته من بينها "الأبعاد الصوفية في الاسلام" و"الاسماء الاسلامية" و"الشعر الصوفي في الاسلام" وغيرها من قيم الكتب، وقد توفت شيمل في يناير 2003.

موضوع دراسة شيمل طريف لأنه لا يتعلق بالكتاب نفسه في العالم الاسلامي، بل بالكتاب حين يستخدمه الادباء مجازا يعبرون من خلاله عن ظاهرة او رؤية معينة توفر لهم صور الكتاب المختلفة صورا مجازية ثرية. تتحدث شيمل في البداية عن أهمية الكتاب في الادب الاسلامي، وعن الشغف بالكتب والمكتبات كما انعكس في الشعر وفنون الادب الاخرى. تضرب شيمل مثالا على هذا الود بين المسلم والكتاب هو قول عالم هرات الافغانية الملا جامي (الذي توفى عام 1429):

"خير صديق في الزمان كتاب

وفي مواجهة هموم الحياة لا يوجد جليس أفضل منه

فكل لحظة نقضيها معه، نشعر بالأمن والطمأنينة والسلام

وعندما نستشعر الوحدة والعزلة لا نجد تسلية وعزاء أفضل منه

ثم انه لا يؤذي القلب أبدا."

بل ان الكتاب يتجاوز الصداقة ليصل الى مرتبة المعشوق، كما يقول أحد مشايخ الصوفية:

"لقد أصبح كتابي هو محبوبي

فشكرا له لأن قلبي المكسور قد انفتح له

وانت تسألني أن أعيرك إياه

فهل سمعت عن أحد أعار محبوبه؟"

ان كل هذا الود والمحبة التي نالها الكتاب عند المسلمين لا يمكن ان يتيقن منها الباحث الا عن طريق ليس هو الطريق التقليدي المباشر كما يعكسه المثالان السابقان، بل من خلال البحث في الاستخدام المجازي لصور الكتاب، أي استخدام الكتاب مجازا للحديث عن أشياء أخرى كالكون والنفس والحب. تضرب شيمل على ذلك أمثلة رائعة من الأدب الفارسي والهندي والتركي (من المؤسف اننا نحن العرب لا نعرف عنها الا القليل الذي أتى في معظمه عن طريق الغرب). نجد مثلا شاعرا هنديا هو آزاد بلكرامي (المتوفي 1784) يستخدم صورة الكتاب وكذلك صورة المعلقات السبع في وصفه لضفائر حبيبته:

"ترى أهما خصلتان من الشعر تتدليان على وجنتيها

أم نهران من نص مكتوب على هامش كتاب الجمال

أم ليلتا العيدين أجتمعتا معا

أم قصيدتان من المعلقات السبع التي علقت على الكعبة؟"

كما ان الادب الاسلامي يحفل بأمثلة كثيرة يظهر فيها الكتاب مجازا لوصف أمور اخرى كحياة الانسان التي تتحول الى كتاب على المرء نفسه ان يختار ما يود أن يكتبه فيه بأعماله صالحها وفاسدها. كما ان هناك صورة كتاب الكون، حيث يُنظَر الى الكون بأكمله بإعتبارها كتابا يتأمله الانسان ويقرأ أسراره العجيبة. غير ان أطرف الامثلة هي تلك التي يستخدم فيها الشاعر مجازا بعض الامور المتعلقة بالكتب كالخط الذي تكتب به مخطوطة الكتاب مثلا، فيتحدث الشاعر الهندي إسماعيل بخشي عن وجه حبيبته مشبها اياه بنسخة من القران الكريم:

"وجهك أشبه بنسخة من القران ليس فيها أي خطأ أو عيب

عيناك وثغرك هي علامات الوقف فيه

وحواجبك هي المدَّة

وأهدابك هي علامات التصريف وحروفه المنقطة"

وهناك بعض الشعراء الذي استثمروا مجازا صورا مدهشة مثل فكرة فهرست الكتاب، فيقول نظيري:

"ان حبك تجميع لأجزائي

وشوقي اليك هو فهرست وجودي كله"

وهناك صورة تجليد الكتب التي يستخدما شاعر اوردي اسمه غالب (توفي 1869) في بيتين رائعين:

"يا إلهي! إن قصة الشوق لا يمكن تجليدها

فلندع مخطوطتها في أجزاء متفرقة"

****

الأمثلة الرائعة التي اقتبستها أعلاه من دراسة شيمل توضح ما وصل اليه الكتاب في العالم الاسلامي من منزلة عزيزة في نفس الانسان المسلم، وهي أمثلة لا تغني بطبيعة الحال عن قراءة الدراسة بأكملها. والدراسة تثير في النفس أمورا كثيرة حول دراسة التراث وثراءه، وحول ضرورة وجود قراءات غير تقليدية لهذا التراث تقاربه من مناظير مبدعة (مثل رؤية شيمل التي لم تبحث في دراستها عن الكتاب نفسه بل استغلاله كمجاز للحديث عن ظواهر نفسية ووجودية)، كما تثير هذه الدراسة قضية علاقة الثقافة العربية بالثقافات الاسلامية المجاورة لها والتي ترتبط ارتباطا وجوديا معها، غير انها لم تمنح بالرغم من هذا حقها من الدراسة من قبل الباحثين العرب الذين يفترض انهم أقرب الى هذا التراث العظيم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق