(كلمة للقارئ: ما ستقرأه فيما يلي ليس مقالاً بل هو تفكير في الموضوع بصوتٍ عالٍ، وربما سأعود إليه كتابةً على هيئة مقالٍ ذات يوم)
آلات النسخ: الورقي والبشري
الاستعارات ورطات، ولكنها ورطات ضرورية لا فكاك منها، وإلا انعدم الفهم وانعدم الكلام. من هذه الاستعارات استعارة الأصل والنسخة التي نستخدمها في فهم عدد من الأمور غير المادية (وسأضرب عليها بعض الأمثلة)، وقد أتت هذه الاستعارة من عالم التكنولوجيا، وتحديداً من فعل أجهزة نسخ الأوراق حيث هناك "أصل" تقوم هذه الأجهزة بانتاج "نسخ" منه.
سريعاً أقول بأن هذه الأستعارة تدلل على أمر مهم وهو أن التكنولوجيا لا تؤثر على حياتنا المادية فحسب، بل كذلك في الطريقة التي يعمل بها ذهننا في سعيه لتشكيل فهم للكون، وخصوصاً في ظواهره غير المادية.
نستخدم هذه الاستعارة لفهم كثير من أمور حياتنا، فنحن نقول مثلاً أن فكرة فلان هي الأصل وما فكرة علّان إلا نسخة من فكرة فلان، كما نقول أيضاً أن ما يطرحه عمرو ليس إلا نسخة مشوهة من ما قاله زيدٌ قبله، ونصف برنامجاً تلفازياً في قناة عربية بأنه نسخة متأخرة من برنامج تلفازي في قناة أجنبية شهيرة.
أتذكر هنا بيت لصديقنا المتنبي من قصيدة ألقاها أمام سيف الدولة:
انه شكل آخر من أشكال ذات الاستعارة: الأصل والنسخة، ولكن باستخدام تصوير آخر مستمد من عالم الأصوات: الصوت الأصلي والصدى.
إضافات قيمية
عموماً أياً كانت الصورة المستخدمة (الصوت/الصدى، الاصل/النسخة، أو صور أخرى شبيهة) فانها على اختلافها تعكس نفس الانقسام بين أمر أصلي وأمر غير أصلي يقلد الأصل.
ولكن إضافة إلى هذا الانقسام ثمة إضافة قيمية مفترضة في استخدام هذه الاستعارة، أعني أن الأصل دائماً هو الأفضلوالنسخة أسوأ (مهما اقتربت من الأصل). كما أن هناك بعداً آخر وهو عجز النسخة عن أن تكون أصلاً في ذاتها: أنها مجرد "نسخة" ليس لها في ذاتها قيمة، وقيمتها مستمدة من الأصل.
الأصل/القول والنسخة/الصوت
يشغلني أمر الأصول والنسخ حينما أتأمل في كثير من الناس وما يقولونه وما يفعلونه.
تجد الأغلبية نسخاً من آخرين، والأقلية أصول.
كتبتُ ذات مرّة عن الفرق في الكتابة بين الصوت والقول. أقف احتراماً لمن يقول شيئاً، أعني من ينتج أصلاً كتابياً (يعكس بالضرورة أصلاً إنسانياً)، فيما أستغرب كثيراً من الذين ينتجون أصواتاً، أعني أؤلئك الذين يقولون الكلام الذي قاله الكثيرون قبلهم.
الأمر ذاته يوجد في السلوك: تجد الكثيرين يستقتلون كي يفعلوا ما يفعله الآخرون، مقلدين، بل، وبما يشبه الوعي، مصرّين على أن يكون ما يفعلونه نسخةً مما يفعله الآخرون، وما يقولونه نسخة صوتية لأصوات سابقة.
ما الخطر في النُسَخ؟
أستغرب من النُسَخ! أشعر أنهم يضيعون حياتهم! الإنسان لا يستخدم إلا نسبة ضئيلة من قدراته الدماغية، أعني أن "الأصول" ليسوا، مع قلتهم، الا نتاج تشغيل شيء بسيط من القدرات الكامنة في دماغ الإنسان (القدرات التي قد تأتي على شكل حلّ معضلات واقعية أو في اتخاذ موقف معين)، ورغم هذا فان الغالبية ترفض حتى استخدام هذه النسبة الدماغية الضئيلة، بل وتمضي في اتجاه معاكس هو التناسخ الاجتماعي السلوكي والصوتي.
ولكن هذا أمر طبيعي رغم كل شيء. في تاريخ العالم النسخ كثيرة والأصول قليلة.
الصورة الكبرى
هذه استعارة تعجبني كثيراً: الحياة صورة كبرى والواحد منا عنصر بسيط غير مرئي في هذه الصورة الكبرى.... ولكن كلا، هذا خطأ فيما أرى. الإنسان سيكون ضئيلاً وغير مرئي فقط حينما يقرر أن يكون نسخة لا أصلاً وصوتاً لا قولاً.
هل يستطيع الإنسان إن يقرر إن كان نسخة أم أصلاً؟
ذكرت في الفقرة السابقة أن الإنسان سينكمش حجمه إن قرر أن يكون نسخة وليس أصلاً وصوتاً وليس قولاً، ولكن هل بمقدور الإنسان أن يعي حجمه الحقيقي (أعني الحجم الذي ينبغي أن يكون عليه) وأن يقارنه بحجمه الواقعي (الذي هو عليه)؟
ليس دائماً: النسخ "الحقيقية" صغيرة وغير منظورة وضئيلة الحجم، ليس باختيارها المباشر ولكن لأنها وجدت نفسها هكذا، وهي على هذا الوضع ليس بقبولها، لأنها لو ملكت زمام القبول والرفض لكانت أصولاً بشكل من الأشكال. وهذه لا تشغلني هنا.
ما يشغلني حقاً هو الأصول التي تقبل برضاها أن تكون نسخاً، أعني الأصول القادرة على أن تكون أصولاً وأن يكبر حجمها ودورها في الصورة الكلية فيما تقدم نفسها وفعلها وما تقول على أنها نسخٌ وأصوات مكررة مستهلكة.
اتخاذ قرار أن يكون المرء أصلاً
ربما تكمن الصعوبة في اتخاذ القرار الوجودي بأن يكون المرء أصلاً دائماً، وأن يتحدث بالقول دائماً، لا أن يكون نسخةً تصدر أصواتاً.
ولكن على المرء الذي يلتمس في نفسه أصليته وهو يعيش حالة النسخة أن يسأل نفسه أسئلة من قبيل:
(1) هل أنا نسخة أم أصل؟
(2) من أخدم بكوني نسخة؟ (إن كنت نسخة)
(3) هل أنا واعٍ بنسخيتي؟
(4) إن كنت واعياً انني أصل ولست نسخة (في سلوكي وقولي) فكيف أغيّر وضعي ليكون أصلاً دائماً؟ ماذا أفعل لأكون أصلاً دائماً؟ ماذا أفعل لأقول لا لأصدر صوتاً ("صدى" بحسب المتنبي)؟
عرضت في المدونة قبل فترة كتاب "التفكير المستقيم والتفكير الأعوج"، واليوم أقدم كتاب "التفكير العلمي" للدكتور فؤاد زكريا الذي صدر عن سلسلة "عالم المعرفة" الكويتية عام 1978. هذا الكتاب من قلة من الكتب العربية التي تسعى إلى نشر التفكير العلمي من خلال وصف سماته الرئيسة والعقبات التي تواجه التفكير العلمي، ثم وصف مسيرة العلم نفسه، وعلاقته بالتكنولوجيا، والعلم المعاصر، والأبعاد الاجتماعية للعلم المعاصر، ثم وصف شخصية العالم. التفكير العلمي ليس حصراً على العلماء بل هو التفكير المنظم الذي يمكن لأي إنسان أن يتبعه في حياته الشخصية والاجتماعية وفي مقاربته لمشاكل حياته وحلها. يشرح الدكتور زكريا هذا في المقدمة بقوله:
"ليس التفكير العلميهو تفكير العلماءبالضرورة. فالعالم يفكر في مشكلة متخصصة، هي في أغلب الأحيان منتمية إلى ميدان لا يستطيع غير المتخصص أن يخوضه، بل قد لا يعرف في بعض الحالات أنه موجود أصلا. وهو يستخدم في تفكيره وفي التعبير عنه لغة متخصصة يستطيع أن يتداولها مح غيره من العلماء، هي لغة اصطلاحات ورموز متعارف عليها بينهم، وان تكن مختلفة كل الاختلاف عن تلك اللغة التي يستخدمها الناس في حديثهم ومعاملاتهم المألوفة. وتفكير العالم يرتكز على حصيلة ضخمة من المعلومات، بل انه يفترض مقدما كل ما توصلت إليه البشريةطوال تاريخهاالماضي في ذلك الميدان المعين من ميادين العلم.
أما التفكير العلمي الذي نقصده فلا ينصب على مشكلة متخصصة بعينها ، أو حتى على مجموعة المشكلات المحددة التي يعالجها العلماء، ولا يفترض معرفة بلغة علمية أو وموز رياضية خاصة، ولا يقتضي أن يكون ذهن المرء محتشدا بالمعلومات العلمية أو مدربا على البحث المؤدي إلى حل مشكلات العالم الطبيعي أو الإنساني. بل إن ما نود أن نتحدث عنه إنما هو ذلك النوع من التفكير المنظم، الذي يمكن أن نستخدمه في شئون حياتنا اليومية، أو في النشاط الذي نبذله حين نمارس أعمالنا المهنية المعتادة، أو فى علاقاتنا مع الناس".
يمكن تنزيل الكتاب بالطريقتين التاليتين:
(1) الضغط على الزر الأيمن من الفأرة هنـــــــــــا ثم اختيار الحفظ
* كيف ترى حركة الترجمة في عمان في ظل عدم وجود قسم متخصص في الجامعة للترجمة؟ وكيف ترى مخرجات الكليات الخاصة كونك حاضنا للكثير من المواهب الشابة في مجال الترجمة؟
صحيح لا يوجد قسم للترجمة في الجامعة، ولكن يوجد أكثر من برنامج للترجمة على مستوى البكالريوس، وعلى مستوى الماجستير، وإن كانت تابعة لقسم اللغة الإنجليزية، ولكن حتى وإن تم إيجاد قسم سيوجد القسم من أجل البرامج، والبرامج قائمة ومتوفرة أصلا. أرى أن غياب القسم ليس بالقضية الأهم، ولكن ربما سيؤثر غياب قسم الترجمة وأقول هذا كأكاديمي في قسم اللغة الإنجليزية لكون التركيز قائما على اللغة الإنجليزية، وفي الترجمة هنالك حاجة للتركيز على اللغة العربية أيضا، وربما لو وجد قسم للترجمة لكان قد تكفل بأن يقدم البرامج بشكل آخر وأنا أقول ربما لأن هذا ما نفترضه.
أما عند الحديث عن حركة الترجمة في عمان فأنا في الحقيقة لا أرى وجود ما يمكن أن نسميه بـ حركة، ولكن يوجد اهتمام جيد بالترجمة من قبل بعض الأفراد، ومن قبل بعض من الشكل المؤسسي على مستوى جماعة الترجمة في الجامعة، وعلى مستوى أسرة الترجمة في النادي الثقافي وللأسف أن هذه الأسرة بدأت تحتضر..
لماذا تحتضر؟
تحتضر من قبل القائمين عليها، وليس من قبل النادي الثقافي ، ولا أدري ما السبب كوني لا أشرف على الأسرة.
أما على مستوى الكليات، والجامعات الخاصة فلديهم برنامج ترجمة، ولديهم أيضا مجموعة ترجمة.. مثل جامعة صحار وجامعة نزوى. وما يعزز مستوى الاهتمام بهذا النشاط هو وجود الجماعات التي تشكل حلقة ربط بين الأداء الأكاديمي في السلطنة، وبين حالة التلقي وتأثير هذه البرامج على المتلقي من خلال عملية النشر ومن خلال الندوات والحلقات النقاشية فيوجد اهتمام من قبل الطلبة، وهنا أشير إلى نقطة مهمة جدا وهي أن أفضل مشروع معاصر تم في عمان للترجمة هو "موسوعة عمان: الوثائق السرية" التي خرجت في ستة مجلدات والتي أعدها وترجمها محمد بن عبدالله الحارثي، وأنا الآن لا أتكلم عن تقييمي لها فهي ليست ترجمة أدبية تشتغل على الإبداع وإنما ترجمة حرفية لوثائق مهمة، ولكن للأسف لم يقدم هذا الكتاب باعتباره مشروع ترجمة فلم يحتف به بالشكل الجيد بالرغم من أنه من أهم المشاريع الثقافية في الترجمة وأهميته تاريخية لأنه وفر لأول مرة ترجمة للقارئ العربي والعماني خاصة لوثائق مهمة جدا تخص تاريخ عمان.
إذا أنت ترى أهمية وجود مؤسسة تحتضن مشروع الترجمة؟
بالضبط..لا يوجد لدينا في عمان مركز متخصص للترجمة تمارس فيه الترجمة بشكل منتظم ومنهجي وفق رؤية، و لابد من الاشارة إلى دور الملاحق الثقافية من مثل ملحق شرفات وملحق الجسر وملحق بيكونBeacon، ولكن بالمقابل لا يمكن أن نقول إلى الآن بأنه لدينا حركة ترجمة..
يجب أن نشير هنا أيضا إلى دور الجوائز كونها تعطى للاهتمام بالترجمة..جوائز على مستوى جامعة السلطان قابوس، وعلى مستوى النادي الثقافي والمنتدى الأدبي..
الحقيقة هنالك اهتمام ولكن لو تم مناغمته مع الرؤية الواضحة سيتحول هذا الاهتمام إلى حركة، علينا أن نشير أيضا إلى أن الوضع ليس سيئا فإنه يوجد اهتمام وهذا شيء رائع، ولكن أيضا ينبغي أن لا نخدع أنفسنا ونقول «هنالك حركة»، ولكن وضعنا مطمئن بالقياس على الكثافة السكانية في عمان، فمكمن الإجحاف أن نقارن بلدنا بدولة أخرى تعدادها السكاني يفوقنا بعدة مرات.
هنالك الكثير من الكتب الخاصة بعمان لم تترجم إلى الآن، وهنالك دراسات لو ترجمت إلى اللغة العربية لغيرت نظرتنا إلى أنفسنا كعمانيين ونظرتنا إلى الآخرين، وستعيد تشكيلنا من جديد، وهذا هو الدور الذي تقوم به الترجمة: "إعادة تشكيل الذات من خلال رؤية الذات للآخرين.. ماذا يقولون عنها"... لذا أعود وأقول ان وجود مركز للترجمة في عمان أمر مهم للغاية.
لغات في خطر
وماذا يمكنك أن تقول عن ملحق الجسر، وكيف تقيم تجربة الشباب فيه؟
أرى أن ملحق الجسر كان مهما في إعداد المترجمين الشباب لأن مزاولة النشر من شأنه أن يطور من أدواتهم وقدراتهم ويطور من إمكانياتهم
هنالك أكثر من مستوى لرؤية ملحق الجسر.. أولها: هنالك أصالة في العمل، فقد قاموا باستكمال الجهود التي قدمت في جامعة السلطان قابوس، وربما جامعات أخرى والتي توجت بإصدارات في الجامعة منها سلسلة اسمها "شذى ونوافذ" تصدر بشكل سنوي، وقد أصدروا مؤخرا أيضا كتابين عن مؤسسة الانتشار، وهذا يعد اهتماما كبيرا من قبل الطلبة، وهم على مقاعد الدراسة لذا لا ينبغي أن نحملهم أكثر مما يحتملون، ونحن نعلم أنهم يفعلون هذا خارج إطار دراستهم، وقد تشرفت أني تابعتهم في المرحلة الأولى لأنهم يقومون بعمل ضخم وجيد .. فقد نشروا الكتب كما ذكرت، واشتغلوا على ملحق الجسر ونشروا أيضا في مجلة نزوى، ونعلم أن هذه الأخيرة ما كانت لتنشر نصوص غير جيدة. ملحق الجسر جاء ليعكس هذا الاهتمام وكانت على مستوى عال في أمرين أولهما: في انتقاء النصوص الأصلية، وثانيهما: أن مستوى الترجمة كان على مستوى عال جدا ومبدع.
ربما أكثر ما لفتني وأراه مهما جدا هو ما نشره ملحق الجسر وكان يتعلق بالترجمة الداخلية بين اللغات العمانية. نعلم أن اللغة العربية هي اللغة الأساسية المتحدث بها ولكن هذا لا يلغي وجود اللغات الأخرى من مثل: السواحيلية البلوشية اللواتية ولغات الجنوب العربي المهرية الشحرية الحرسوسية وغيرها، حيث أنها تشكل منحنى أساسيا في الثقافة العمانية.
ما نشر جعلنا نرى أنفسنا في أنفسنا التي لا تتحدث اللغة العربية من جهة، وأيضا جعلنا من جهة أخرى نحافظ على هذه اللغات، وخصوصا لغات الجنوب العربي لأنها مرشحة للزوال.. اللغة البلوشية يتم التحدث بها في خارج عمان، والسواحيلية يتم التحدث بها في شرق أفريقيا بينما الشحرية والحرسوسية والمهرية هي لغات مرشحة لأن تختفي إلى الأبد لأنها لغات توجد فقط في عمان فقط، بالرغم من أن المهرية توجد أيضا في اليمن.
كيف يمكننا أن نترجم اللغات من مثل الشحرية والحرسوسية والمهرية ؟
كما نهتم بأي تراث، كما يحدث عندما نهتم بالتراث العماني التقليدي، كما يحدث أن نوثق الموسيقى العمانية غير المكتوبة..
لماذا هنالك خوف من اندثار اللهجات، ونحن مشروع قرية كونية واحدة؟
لدينا اتجاهان الاتجاه الأول: هو العولمة، وهو الذي يجعل من العالم قرية صغيرة، والاتجاه الثاني: هو حماية الذات والهوية.. علينا أن لا نقول أننا أشخاص عالميون فلا بد أن تبقى لنا أشياء ثابتة تشكل الهوية، ومن هذه الأشياء اللغة..الآن وإن كتب أحدهم بلغته يمكن لأي أحد ينتمي للغة أخرى وباستخدام نظام الترجمة المتوفر أن يعرف ما يكتب.. منذ فترة بسيطة بعثت رسالة عن مدونتي باللغة العربية لكل أصدقائي الموجودين على القائمة، ووصلت الرسالة إلى شخص أعرفه ولكن لا يتكلم العربية نسخ ما كتبته وترجمه، وهذا نظرا لتوفر آليات التواصل الآن...
علينا أن نضخم الاهتمام بلغات الجنوب العربي لأن عمرها يمتد إلى آلاف السنوات واختفاءها يعني الاختفاء إلى الأبد كما ذكرت سابقا، وسيؤدي إلى اختفاء ثقافة ضخمة، وكما كتب محمد الشحري منذ فترة في أحد مقالاته المهمة أن اختقاء هذه اللغات سيؤدي إلى الإضرار بالبيئة..اللغة تحتوي على مفردات خاصة بالأشياء كالنبات والحيوان... ستحدث أضرار ربما لا نراها الآن، والسؤال: هل نحن واعون جيدا لهذه التبعات؟ بالتأكيد لو اختفت هذه اللغات لن يختفي الكون..
ألا ترى أن الأمر طبيعي... ويحدث كما يحدث أي شيء آخر كأن تندثر بعض العادات والتقاليد مثلا؟
معلقة طرفة بن العبد من يفهمها الآن دون الرجوع إلى قاموس، ومعلقة امرؤ القيس من يفهمها الآن إلا المختص أو المهتم "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ"...تلك الثقافة واللغة اختفت وبالرغم من ذلك ما زلنا بخير، ولكن ينبغي أن نعي هذه التغيرات الاجتماعية المرتبطة باللغة، وما يحدث حولنا دون أن نسلم للأمر بسهولة، وأن نقول بأن النتائج ستكون حسنة في كل الأحوال..
ينبغي مناقشة هذا التغير في جدل تدافعي اجتماعي ضمن تفاعل الخطابات المختلفة من مثل الخطاب المحافظ، والخطاب المتغير وخطاب العولمة وخطاب الثقافات المختلفة، وهكذا...
البحث عن الذات
هنالك من يلاحظ أحيانا اهتمامك بترجمة أشياء تخص عمان كقصيدة الفرس العماني الأسود... فهل تعنيك صورتك كعماني عند الآخر.. بمعنى آخر هل هو غرور مترجم عماني؟
الترجمة الخاصة بالحصان العربي العماني الأسود التي انتقد فيها الشاعر "فرانسيس هيستنجز دويل" الشعب البريطاني لبيعه هذا الحصان الذي أهداه السيد سعيد بن سلطان لملك بريطانيا وليم الرابع في قصيدة هجاء بعد أن تم بيع الحصان بعد وفاة الملك بوقت قصير، وكانت هنالك قصيدة ثناء ومدح أخرى للسيد سعيد بن سلطان من قبل شاعر أمريكي، وهذه أتت في سياق بحثي الشخصي عن كل ما يخص مرحلة السيد سعيد بن سلطان، والأبعاد الثقافية لتلك الفترة حيث كنت أترجم أدب الرحلات في تلك الفترة، واهتممت أيضا بالدراسات التي تخص الترجمة في تلك الفترة، وهي فترة التفاعل بين عمان والحضارات الأخرى كالدول الأوروبية، والولايات المتحدة.. هذه القصائد تأتي في سياق الاهتمام بمرحلة مهمة.. فهل هذا غرور عماني؟ اعتقد أنه فضول عماني أكثر منه غرورا فعندما أجد قصيدة كتبت عام 1850، وأخرى كتبت عام 1837 عن عمان باللغة الإنجليزية في دورية أمريكية لولا الثورة الرقمية لما وصلت إليّ ..فهذا فضول، وأرى أن من المهم ترجمة هذه النصوص للقارئ العماني ليستكشف بعض جوانب تاريخه.. قصيدة الحصان العربي الأسود مهمة جدا وتكشف كيف دخل العنصر العماني في التفاعل السياسي داخل بريطانيا..اعتقد أننا لم نكن نعرف قبل ترجمة هذه القصيدة أن هدايا سعيد بن سلطان أدت إلى نقاشات حادة وإلى قصائد هجاء
ولكن أنا اتفق تماما "وقد كانت لدي فكرة كتابة مقال عن هذا الموضوع" من الخطر أن نأخذ هذا المنحى الثقافي في ترجماتنا بمعنى أننا نبحث عن كل ما هو عماني وفقط وعما يكتب عنا..
علينا أن لا نسطح هذه الأمور ونتعامل معها بصبيانية..كأن تكون هنالك قصيدة من ألف بيت لشاعر أجنبي يقول في أحدها الشاعر أنه مرّ على مسقط، ورأى أنوارها وهو متجه إلى الخليج العربي وأترجمها وأحتفي بها كمنجز من منجزات عمان..هذا بالطبع تسطيح كبير.. لأننا لسنا بتلك الضعة والهوان حتى نبحث عن أنفسنا عند الآخر، ولا ينبغي أن نتورط هذه الورطة، ولكن إن كانت القصيدة بأكملها عن عمان فلا بد أنها تحرك فينا فضولنا الشخصي، وعلينا أن نقيم عدلا في هذه المسألة.. فأنا لم أترجم فقط ماله علاقة بسلطنة عمان، بل ترجمت أشياء أخرى أيضا فعندما أجد قصة رائعة أو مقالا جيدا فأنا أشتغل على الترجمة.
ماذا عن ترجمة كل ما هو مثير، أو السرعة في ترجمة أي رواية تحدث ضجة في بلدها.. هل يمكن أن نسمي ذلك بالترجمة التجارية لكونها تفتقر للأصالة؟
من مزالق الترجمة المعاصرة، وهي تعبير آخر عن غياب الأصالة لدينا أن نترجم كل ما هو مثير ومفرقع.. بعض الروايات والكتب ظهرت لدينا قبل أن تترجم من قبل اللغات العالمية.. من مثل كتاب "عشت لأروي" لماركيز فقد ظهر بالعربية قبل أن يظهر بالإنجليزية، ولكي لا نظلم المترجم العربي سأقول الناشر العربي يعمد إلى عشرين مترجما على سبيل المثال، ويعطي كل واحد منهم خمس صفحات، وفي نهاية اليوم تكون الرواية قد ترجمت بالكامل وهذا حقيقة،إذ يتكسب الناشر أحيانا من وراء اسم الكاتب الكبير والمقروء وهذه هي الترجمة يمكن أن نسميها بالترجمة التجارية..
ألا تعتقد أن نترجم قبل اللغة الإنجليزية يعتبر شيئا إيجابيا، ونقطة تحسب لنا.. أو علينا دائما أن نأخذ مما يترجم للإنجليزية وفقط؟
ما قصدته الترجمة التي تكون لما قد أثار ضجة، أو فضيحة، أو لاسم كاتب معروف دون النظر إلى جودة العمل، ولنكن موضوعيين هذه الترجمة لا يعتد بها، وليس لها أثر ثقافي حقيقي.. وهي غير مخيفة بالنسبة لنا لأنها تظهر ثم ما تلبث أن تختفي وهي مظهر آخر من مظاهر غياب الأصالة..
كيف تختار ما تترجم؟ ولم تترجم شيئا دون غيره؟
أنا مشترك في العديد من المجلات والصحف الثقافية الأدبية الغربية، ومجلات استعراض الكتب التي تستعرض فيها الكتب، والقضايا الثقافية، والنصوص الأدبية..
لديك وقت كاف لتقرأ رغم مشاغلك الكثيرة بين عملك الأكاديمي والموسوعة والترجمة؟
لدي وقت لأقرأ، أو على الأقل أحرص على أن أتابع الكتب والمجلات التي تصلني، وأجد أحيانا نصوصا تنشر للمرة الأولى فأترجمها، ولكي لا تصفيني بالتسرع في النشر فأنا آخذ وقتي في الترجمة، وفي اتخاذ قرار نشرها لأنها في الأغلب نصوص قصيرة. ربما الواحد منا يجد نفسه في بعض الكتابات ويجد فيها العمق كالمقال الذي نشر لـ مارك توين عن فضيلة القبر ..أجد أن به رؤية ضخمة جدا، والبعض قال أن هذا المقال دخول على خط الندوة التي أقيمت عن حرية الكلمة وحدود المساءلة، والحقيقة أن الأمر لم يتعد المصادفة والتزامن لا أكثر.. ففي الندوة: هنالك من كان يقول يجب أن ننشر كل شيء، وهنالك من قال: لا يجب أولا أن نهندس المجتمع، ونتحكم بالنشر.. بينما المقال أتى برؤية أخرى تماما وقال لا توجد أصلا حرية كلمة لأن الحرية توجد في القبر فقط.
إذا تغريك الأبعاد الثقافية العميقة لما تترجم؟
لا بد أن تكون هنالك أبعاد وتأثير اجتماعي وثقافي لما نترجم ولا بد من وجود رسالة مثل أي كاتب أصيل وحقيقي له رسالة.. فأنا لا أبحث عن أي نص في الانترنت وأترجم.. وإنما أبحث عما يحمل فكرة ورؤية وعمقا أيضا..
إلى أي حد أنت موجود في نصك المترجم، وقد ذكرت في أحد حواراتك "تتعدد رؤى المترجمين للوجود والحياة" بمعنى أن الترجمة ليست واحدة؟
الرؤية التقليدية والسائدة للمترجم أن ليس له دور سوى في تغيير الكلمات من لغة لأخرى، وأنا اعتقد أن هذا خطأ ضخم ومن مسؤوليتي كمترجم أن أقول هنالك قدر كبير من التضليل الاجتماعي أن يقال أن المترجم ليس له دخل... فلماذا نشرت الآن أيها المترجم وليس في وقت آخر .. لماذا تدخلت الآن، وترجمت هذا دون ذاك..المترجم يقوم بفعل ثقافي أصيل من خلال ترجمته.. فإن يترجم عبدالله الحراصي غير أن تترجم هدى الجهوري مثلا وكلاهما فعل أصيل، وهنا لا أريد التورط بمقارنات أيهما أفضل في المستوى بالرغم من أننا بكل تأكيد نرفض الترجمات الساقطة والضعيفة..
لا قدسية للنص الأصلي
عدا تصرفك في اللغة .. رؤيتك وموقفك من الأشياء هل تحضر وأنت تترجم ؟
طبعا، وهذا مطلوب لأداء رسالة المترجم التي يريد.. دائما ما يقال: المترجم خائن بالضرورة، وهنا كلمة الخيانة أخذناها من الحياة الأخلاقية، وليس من حياة الكتابة.. من مثل: خيانة الزوجة لزوجها أو خيانته لها وخيانة الوطن.. فقد أخذت ضمن سياقات بعيدة عن الكتابة. إذا أخذ المجتمع هذا المعنى، وافترض أن المترجم هو شخص ثانوي على اعتبار أن الشخص الأصلي هو الكاتب الأصلي للنص، وهنالك من يخونه وهو المترجم، وأن القدسية هي للنص الأصلي وحسب..
أنا كمترجم الآن أعيش في زمن مختلف، وفي سياق اجتماعي وثقافي مختلف، وأنا لست ذلك الكاتب الأصلي للنص، وإنما أمارس أخذ النص، وإعادة بث حياة جديدة فيه، وفي نظريات الترجمة المعاصرة الترجمة ليست فعل نقل أو استعارة النقل فقد تم التخلي عن هذه النظرة.. فالنظرة إليها الآن على اعتبارها إعادة كتابة..
سكوبوس
تبدو المسألة أشبه بالناقد الذي يكتب نصا موازيا جرّاء دراسته لمادة أدبية ما؟
بالضبط .. هنالك نظرية تسمى نظرية "سكوبوس" وهي كلمة يونانية تعني الغرض أو الهدف تقول أن الترجمة هي: إنشاء نص جديد بناء على نص سابق وليست نقلا، وليست استعارة... هنالك نظريات عديدة ورؤى مختلفة للترجمة لذا ينبغي أن لا نتورط أبدا بمفهوم الخيانة المشحون بالبعد الأخلاقي.
أنا بصراحة أترجم بحرية، وإذا شعرت لهدف ما أنه ينبغي أن أغير فأنا أغير .. إذ لا توجد قدسية للنص الأصلي..
ولكن اسم الكاتب الأصلي يبقى موجودا عليه؟
صحيح أن النص الأصلي يبقى لكاتبه، ولكن الترجمة باسم المترجم فلان الفلاني..ومادمتُ قد وضعتُ اسمي أنا أيضا كمترجم على المادة فهذه ليست خيانة أبدا.. فأنا شخص جديد، وأقوم بفعل جديد، وأنتج نصا جديدا..
لأنك تنتمي إلى ثقافة أخرى، وعوالم أخرى، ورؤية أخرى تنتج نصا آخر.. ربما لا يشبه في بعض الأحيان النص الأصلي؟ ألا تبدو هذه الفكرة أكثر إخافة من فكرة خيانة النص التي كنت قبل القليل في موضع الدفاع عنها؟
أنا أنتج نصا مختلفا لأن الهدف مختلف والرؤى مختلفة، ولكنه يبقى نصا مرتبطا بالنص الأصلي، ولا أنقله أبدا كما هو.. أما بالنسبة للأفكار فهنالك دائما أفكار مخيفة ولكنها جميلة للغاية..
ماذا عن الترجمة من العربية إلى الإنجليزية .. هل ترجمت لغير الشاعر سيف الرحبي؟
هذه الترجمات قمت بها في بريطانيا قبل عشر سنوات تقريبا، ولم تكن ضمن أي مشروع أو رؤية ضخمة، وإنما كنتُ أجرب أن أترجم من العربية إلى الإنجليزية، وكنت وقتها أعرف الناشر صموئيل شمعون وهو الذي طلب مني أن أترجم من الأدب العماني أذكر أني ترجمت قصة قصيرة بعنوان "النقطة" للقاص محمد البلوشي، وبعض قصائد سيف الرحبي، وقصة "يوم صمت في مطرح" للقاص يونس الأخزمي، وقد ترجمت هذه الأعمال للعددين الثاني والثالث من مجلة بانيبال.
هنالك من يكتب لنوبل
المترجم العربي يترجم الكتب التي يراها مهمة من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية، لماذا ينبغي علينا أيضا أن نترجم للآخر ما نراه مهما لدينا.. لماذا لا يترجم بنفسه ما يريد؟
الثقافة العربية الأدبية هي في الموقع الأضعف، لذا نحن مضطرون، وكما قلت أنا لا اعتبر نفسي مترجما للإنجليزية، وما ذكرته لم يتجاوز التجريب.
تحدث الآن وفي بعض الدول الغربية بعض المشاريع الترجمية من العربية إلى اللغة الإيطالية وإلى اللغة الإنجليزية، وعلمت أيضا بمشروع لترجمة أعمال نجيب محفوظ إلى السويدية، وفي الحقيقة هم يقومون بأعمال مهمة للغاية، هذا جانب يجب أن نذكره، ونثني عليه.. فهم ينطلقون من محدودية في رؤاهم وفي اختياراتهم وانتهاء بطريقة ترجمتهم، وبالرغم من محاسن هذا العمل أو مثالبه إلا أنه وضع إيجابي لأنه عمل أصيل.
ولكن بالمقابل بعض المؤسسات في الغرب تذهب إلى الإعلام العربي وتنتقي أسوأ ما قد يكتب فيه أو ينشر من الأخبار أو الكتب لخلق صورة معينة تقع ضمن أهدافها،وهذا بالتأكيد عمل غير أصيل.
ولكن أسوأ ما قد أراه هو التسابق إلى نوبل وهذا أمر تندمج فيه الترجمة، والكتابة لدى الكاتب العربي ..يضع الكاتب العربي الآن نوبل أمام عينيه، ويداعب مشاعر الغرب، ورؤاهم حول الشرق وحول الثقافة العربية، ينتقي بعض القضايا الثقافية لتكون محور نتاجه على مستوى الموضوع، وعلى مستوى اللغة يختار اللغة المبسطة، السهلة من أجل أن يأتي المترجم إليه، ولا يجد صعوبة وعينه على نوبل، وهنالك الكثير من كتاب يذهبون إلى مواضيع مكررة، ومستهلكة في القصة والرواية، وحتى في عمان هنالك من يكتب لنوبل، وبالتأكيد لن أذكر الأسماء، ولكن هذه القضية مهمة وخطيرة وينبغي أن لا نضع ظاهرة ضخمة مثل ظاهرة الترجمة من العربية إلى الإنجليزية في إطار ضيق وموحد فهنالك أكثر من وجه لها... وجه ملتزم ثقافيا وإن اختلفنا أو اتفقنا معه، ووجه سياسي ينتقي أسوأ الأشياء، والوجه القادم منا نحن في الكتابة أو الترجمة.
لكوننا في الموقع الأضعف أدبيا، ولكي لا يشوهنا الآخر .. ينبغي أن نترجم لهم؟
اللغة مصيبة.. "آخر" .. أي "آخر" نقصد.. هذه الكلمة توحد بدلا من أن تعطي دلالة محددة... عندما نقول غرب هنالك أكثر من غرب، وعندما نقول شرق هنالك أكثر من شرق.. وعندما نقول عرب هنالك أكثر من عرب.. الثقافة العمانية هنالك أكثر من ثقافة عمانية..علينا أن لا نتورط... وأنا أقول في هذا السياق "الآخر" كما قلت قد يكون ملتزم في مشروع ترجمته، وقد يكون غير ملتزم ولديه أهداف وتوجهات أخرى، وهنالك محاولات أصيلة ولكن قد تصيب أو تخطىء..
لماذا يتوسع مشروع الحراصي بالعرض في مجالات متعددة بدلا من أن يتوسع بشكل رأسي في مجال محدد؟
"مشروع"، "يتوسع"، "بالعرض"، "بشكل رأسي": من أين تأتون بكل هذه الكلمات وما معانيها؟ الحقيقة أنني أخشى على النقد من استخدام الاستعارات القادمة من مجالات التجارة والأعمال: مشروع، إنتاج، استنزاف، بل حتى كلمة "القيمة" ... كل هذه الاستعارات ضررها أكبر من نفعها. تستخدم هذه الكلمات في سعي لفهم السلوك البشري في ما يتعلق بالكتابة، ولكن سحرها انقلب على السَحرة، و"تفلّت" (انطلق) الجنّ المسجونون فيها ليصبحوا سجّانين للكتابة. النقد برغم جماله وفعاليته الخاصة أحياناً يصبح مضرّاً حينما يضعه الكاتب نصب عينيه قبل التفكير، وقبل التخيّل، وقبل الكتابة. النقد يصبح ضارّا، وظالماً، حينما يتم قبوله وقبول مفاهيمه واصطلاحاته هكذا دون مساءلة من قبل الكتّاب، وحينما يُسَلِّم به الكاتب ويأخذه خارطة يتبعها في مجاهيل كتابته.
انها نفس القصة التي نجدها في السياسة والصراعات الاجتماعية: الهيمنة. هنا النقّاد يسعون للهيمنة على الكتّاب (ولا آخذ التقسيم بين الكتّاب والنقّاد ليكون تقسيماً حاسماً وقاطعاً وحدّياً) من خلال افتراض معرفتهم، أي النقّاد، بصراط الكتابة المستقيم (بل حتى بصراط الحياة المستقيم) الذي ينبغي إخضاع الكتّاب له. و"الكتاب المساكين" يتبعون استراتيجية الهيمنة هذه دون مساءلة. أشعر بالحسرة وبالشفقة على هؤلاء الكتّاب.
أنا لا أشعر بأن لديّ مشروعاً بأي فهم أعرفه لكلمة "مشروع". فقط أفعل ما أجد نفسي فيه، دون الاهتمام بأن أقلّم حياتي واهتماماتي لتناسب "مشروعاً" ما، متخيلاً في رأس إحداهن أو أحدهم. مشروعي الوحيد هو حياتي، وأريد أن أعيشها، مثلي مثل أي انسان، كما هي أو، بقدر ما يتيسر، كما أريدها أن تكون، بصدقٍ وبعدلٍ. لم أشعر أني "أتوسع" بأي أتجاه عرضياً، كان أم طولياً، أو بأي مقدار، ضحلاً أو عميقاً.
أما إن كان المعنى المقصود هو الكتابة أو "الانتاج" الفكري والأدبي، فليس بها وحدها يعيش الانسان. أعني بأني لا أضع هذا نصب عيني في مسيرة عيشي لحياتي. قلت أن مشروعي هو حياتي، فإن شعرت للحظة أن حياتي ستجد لها تجلياً جديداً في ترجمة أو في مقال أو شيء آخر فاني أفعله دون أن أشعر أنه منفصل عني، أي دون أشعر بأني أمارس "طقس الكتابة". كتابتي هي أنا الكاتب/المكتوب.
قلت في حوارك مع موقع الحارة: " حلمي أن اكتب تاريخا لحركة الفكر في عمان"؟
رغبتي أن اكتب تاريخ الفكر في عمان، من خلال تتبع مجموعة من الأفكار المنفردة في سياقاتها التاريخية التي تتحدث عن أنماط الفكر في التاريخ العماني..
الفكر ليس فقط في سياقه المثالي المجرد لأن الفكر يتموضع أيضا في بعض المكتشفات الأثرية، وأنماط الدفن في المواقع الأثرية.. الفترات التي مرت بها عمان فترة قبل الإسلام، وبعد الإسلام، وتطور عمان خصوصا في المجال الفقهي، وفكرة تطور الفكر السياسي العماني، وانفعال وتفاعل المفكر العماني مع الأوضاع السياسية من مثل قضية الإمام الصلت بن مالك.. فهنالك تراث ضخم وكتب ضخمة تتحدث عن هذه الفترة، وإن وجدت قضية فكرية ضخمة حقيقية فهي قضية الانقسام بين الرستاقية والنزوانية فلا أحد يستطيع تخيل حجم المناظرات والمحاورات التي تمت حول هذا الانقسام.
ولو تم هذا الحلم ولا أقول المشروع .. بالتأكيد سأرجع إلى الكتب العربية وغير العربية لأتتبع ما كتب عن عمان، وما ذكرته عن فترة السيد سعيد بن سلطان جاء ضمن هذا التتبع أيضا، وقد سبق أن تتبعت في دراسة أخرى ما كتب عن عمان في الصحف الأمريكية في القرن التاسع عشر، واعتقد أن هذا أمر مهم جدا..
نشرت مجلة نزوى في عددها الجديد (ابريل 2010) ترجمتي لقصة "جحيم فسيح" للكاتب الأرجنتيني جوليرو مارتينيز. يمكنكم تنزيل القصة بالضغط هنا أو بالضغط هنا.
ترجمة قصة "انتظار" للكاتب النيجيري أوسوندو
نشرت مجلة العربي الكويتية (عدد فبراير 2010) ترجمتي لقصة "انتظار" للكاتب النيجيري أوسوندو. يمكن تنزيل الترجمة بالضغط على الصورة في الأعلى أو هنا أو بالضغط على الزر الأيمن من الماوس واختيار أمر الحفظ عند الضغط هنا.