الأربعاء، 29 أكتوبر 2003

المرأة والكتابة



المرأة والكتابة

عبدالله الحراصي

[يمكنك الحصول على النسخة الأصلية هنا]



يعد اختراع الكتابة نقطة تحول كبير في تاريخ البشرية بإتجاه توثيق الفعل البشري في وسيلة توصيل للأفكار أكثر بقاء وتأثيرا من وسائل التوصيل الاخرى. كانت هناك أشكال متعددة للكتابة كاستخدام التصوير والحروف غير انها كلها ارتبطت دائماً بالسلطات بأشكالها، فأقدم الكتابات والنقوش توجد في الصروح التي ترتبط بالسلطة الدنيوية والدينية كالمعابد والقلاع والقصور وسواها. وارتباط الكتابة بالقوة الاجتماعية بهذا الشكل يعني أن الكتابة كانت تُهمِّش ايضا الغالبية التي لم تكن تستطيع ولم يسمح لها بتوثيق التعبير عن ذاتها. غير ان على المرء ان يتذكر كذلك ان هامشية المرأة كانت هامشية مضاعفة، ففيما ارتبطت الكتابة بالسلطة والقداسة والعقل وتجاوز المحسوس المباشر الى التجريد تمحورت النظرة الى المرأة على انها تمثل النقيض المباشر لكل ما تمثله الكتابة، فالمرأة تمثل العاطفة والمادة والمحسوس، وهكذا كان ابتعادها عن الكتابة هو الامر الطبيعي في زمن سيادة هذه الرؤى الاجتماعية التي لم تسع المرأة الى إثارة التساؤل حولها والتشكيك في مشروعيتها.

غير ان ما شهدته عملية الكتابة نفسها في العصور المتأخرة من تطورات تقنية جعلت النشر في متناول الجميع فتحت أبواباً كانت موصدة أمام المرأة للتعبير عن نفسها وإثبات حضورها في التاريخ، ولعل في ظهور المطبعة والثورة الالكترونية المعاصرة أبرز الامثلة على تلك التطورات التي مكنت المستضعفين من البشر (كالطبقات الاجتماعية الدنيا والفقراء والنساء والأقليات العرقية على سبيل المثال) من رفع أصواتهم ونشر آرائهم في المجتمع مما أدى، من بين تأثيرات عوامل أخرى، الى حراك اجتماعي وثقافي ضخم شهدته المجتمعات البشرية، وهي تغييرات بدأت في الغرب غير انها سرعان ما انتشرت الى شتى بقاع الأرض ومنها العالم العربي.

غير ان قرار المرأة العربية الكتابة لم يكن قرارا يسير الممارسة ولم يكن يسير العواقب كذلك. يشير محمد برادة (استاذ جامعي مغربي) في مقال له عن المرأة والابداع الى ظهور صوت "الأنا العميق" للمرأة التي عقدت العزم على استغلال الكتابة لمساءلة الاوضاع الاجتماعية التي تهمشها أو تلغيها، ويشير برادة الى نموذجين لكاتبتين عربيتين تمكنتا من تأكيد حضورهما الكتابي وسط المجتمع الكتابي الرجالي، هما مي زيادة وليلى بعلبكي. لم تدعُ مي زيادة الى "كتابة نسائية" غير ان لغتها وحساسيتها وتعاملها مع من عاصرها من الكتَّاب والشعراء بحرية غير مألوفة جعلت مجتمع الرجال يلفظها مما أدى بها الى ان تنزوي عن الحياة "وهي تشارف الجنون"، أما ليلى بعلبكي فقد حوكمت بعد ان أصدرت مجموعة قصصية عنوانها "سفينة حنان الى القمر" عام 1964 بتهمة انتهاك قيم المجتمع وأعرافه وخصوصاً فيما يتعلق بالجنس، غير ان المحاكمة، كما يشير برادة، تعبر عن ضيق المجتمع الذكوري التقليدي بالمرأة التي تثير الاسئلة عن وجودها الفردي والاجتماعي.

وفي هذا السياق تنبغي الاشارة الى مفهوم ملتبس يتعلق بممارسة المرأة للكتابة هو مفهوم "الكتابة النسائية" او "الكتابة النسوية" وهو مفهوم تتبناه كثير من الكاتبات والنقاد للإشارة الى ما تنتجه المرأة من كتابة، وهو مفهوم أرى ان على المرأة نفسها ان ترفضه، فالكتابة هي الكتابة، وأحرف كتابة المرأة هي نفسها أحرف كتابة الرجل برغم ما يمكن ان يوجد من اختلاف اهتمامات ومواضيع كل منهما، هذا من جانب، اما من الجانب الآخر وهو الأخطر فإن هذا المفهوم يثبت الوضع التقليدي الذي يضع المرأة على هامش الحياة الانسانية، بإعتبارها كائنا مختلفا ينبغي ان نضع لكتابته أطرا مختلفة عن السائد في الكتابة، أي الكتابة الذكورية، وإلا لم لا يشار الى كتابة الرجل بإعتبارها "كتابة رجالية"؟!! أَضف الى ذلك ان هذا المفهوم يجعل من كتابة المرأة ظاهرة اجتماعية منزوعة الابداع، فكل نص كتبته انثى يمكن ان يوضع في إطار "الكتابة النسائية" دون تمييز تفضيلي بين كتابة امرأة وكتابة أخرى. ما تحتاجه المرأة الكاتبة هو تأكيد حضورها الابداعي في التاريخ لا تأكيد أنوثتها إزاء الرجل فحسب.

هنا تنبغي الاشارة الى ذلك الستار الفولاذي الذي يفصل بين ممارسة المرأة المبدعة للكتابة ذاتها والنشر، فهناك كثير من النساء المبدعات اللاتي يكتبن ولكن يمتنعن عن نشر ما يكتبن بسبب انهن لا يردن ان يعرف المجتمع عن كتابتهن، وهي ظاهرة ينبغي التوقف أمامها ملياً، حيث ان المانع في كثير من الاحوال هو المجتمع الذي ما زال يرى في المرأة امتدادا ينبغي ان يظل خفيا للرجل وان قيامها بنشر عمل ادبي ما في جريدة او مجلة سيكشف هذا الامتداد الخفي أمام المجتمع. كما ينبغي الالتفات الى ظاهرة اخرى تتمثل في رد فعل المجتمع نفسه في حالة ان اقدمت امرأة على نشر قصة او قصيدة ما، وهي ردود فعل قد تكون خطيرة أحياناً مثل الضغوط النفسية والاجتماعية التي تتعرض لها المرأة من قبل اسرتها أو مجتمعها، بما يتبعه من تدخل في طرق معالجتها لبعض القضايا التي لم يألف المجتمع إثارة التساؤل حولها والدعوة الى رفضها، وقد تكون ردود الفعل تلك أقرب للفكاهة أحياناً، كأن يغار زوج قاصّة او روائية من الشخصيات الرجالية التي تظهر في قصتها او روايتها، وهو ما يعني فرض قيم المجتمع السلبية التقليدية حتى على العمل الكتابي الذي هو في الأصل رفض لتلك القيم.

وإذا خصصنا الحديث عن عمان لوجدنا ان عام 1970 كان نقطة تحول محورية في علاقة المرأة العمانية بالكتابة، حيث فُتِحَت المدارس على أوسع نطاق ودعت الدولة المجتمع الى تعليم الانثى، وهي دعوة مثلت هزة كبرى لمجتمع لم يتعلم الكتابة فيه من الذكور الا ذوي النفوذ وعلماء الدين، كقاعدة عامة، رغم وجود استثناءات هنا وهناك. تردد المجتمع في تعليم المرأة قليلا لكنه حسم أمره لاحقاً فدخلت الانثى المدرسة وتعلمت الكتابة. غير ان المرأة بالرغم من هذا غابت عن الكتابة الابداعية، او لنقل ان غيابها كان اكثر بروزا من غياب الرجل، ولعل مما ساهم في هذا ما قُدِمَ على انه "تشجيع" لكتابة المرأة لكي "تشارك أخيها الرجل" في "النشاط الأدبي والثقافي"، وهذه الممارسة هي نوع من "الاستطفال" (التعامل مع شخص ما بإعتباره طفلا تعوزه التجربة) للمرأة، فلا ينبغي تشجيع أحد على الكتابة، ذلك ان الكتابة قرار وجودي في تاريخ المرأة وعلى المرأة القادرة ان تتخذه بنفسها دون تشجيع من أحد، وما حدث ان هذا التشجيع قد أدى الى ظهور نصوص أدبية نسائية غاية في الركاكة والتهلهل اللغوي والابداعي عموماً تم تقديمها للمجتمع على انها نصوص تحمل شعلات إبداعية حقيقية.

لا أرى ان مثل هذه الكتابات هي التمثيل الحقيقي لحضور المرأة في التاريخ وليست التعبير الملائم عن رفض المرأة لقيم التغييب والاقصاء التي ترسخت في بنى المجتمع لقرون عديدة. على المرأة ان تكتب، ولكن المرأة التي تكتب ينبغي ان تكون تلك المرأة التي تشعر ان كتابتها تغيير ودعوة للتغيير في آن واحد.



الأربعاء، 8 أكتوبر 2003

الأربعاء، 1 أكتوبر 2003

ادوارد سعيد: المناضل على كل الجبهات



الأربعاء، 24 سبتمبر 2003

مشكلة التناص في الترجمة الأدبية



الأربعاء، 17 سبتمبر 2003

أبراج عاجية على الرمال



الأربعاء، 6 أغسطس 2003

رحيل رجل "ينظر بنور الله"

رحيل رجل "ينظر بنور الله"

عبدالله الحراصي

غيب الموت علماً كبيرا من أعلام الثقافة والأدب العربي هو الناقد احسان عباس، وكلمة "ناقد" حينما تطلق على احسان عباس انما تستخدم استخداما مجازياً فقد كان الرجل موسوعة شملت كل صنوف المعرفة، وكان فريق عمل انتج بنفسه ما تعجز مؤسسات ثقافية عربية مجتمعة عن انجاز النزر اليسير منه. كان هذا الرجل العظيم "ينظر بنور الله" كما وصفه المستشرق مانفريد اولمان، فما ان يُذكَر فرع من فروع الأدب او الثقافة على وجه العموم الا كان لهذا الرجل فيه انتاج أصيل يدل على عبقرية في الرؤية وعلى جهد عظيم صبور.

ولد إحسان عباس في قرية عين غزال في فلسطين عام 1920، ودرس في كل من حيفا وعكا ثم انتقل الى القدس ليدرس في الكلية العربية بين عامي 1937- 1941 ثم اتجه الى القاهرة ليتم دراسته الجامعية في جامعة القاهرة عام 1946 ثم الماجستير عام 1952 والدكتوراة عام 1954، ودَرَّسَ في جامعات السودان والاردن ولبنان وغيرها.

ربما لا يعرف الكثيرون ان احسان عباس بدأ شاعراً فقد كتب الشعر وهو في الخامسة عشرة غير انه تركه لا لإخفاق ولكن لسبب آخر حيث يقول "لم أتوجه الى النقد والترجمة والتحقيق بسبب اخفاقي في الشعر، ولا اعتقد انني اخفقت شعريا. لقد كتبت قصائد كانت في حينها ذات قيمة كبيرة ومتميزة، لكنني قتلت الموهبة. رأيت انني لن اخدم قضيتي وقضايا امتي بالشعر". هذه الرؤية قادت احسان عباس الى فنون اخرى من بين اهمها النقد والتحقيق والترجمة. فقد عرف عن احسان عباس موقفه النقدي المدافع عن القصيدة العربية الجديدة فأصدر عام 1955 كتابه "عبدالوهاب البياتي والشعر العراقي الحديث"، ثم أصدر عام 1969 كتاباً آخر حمل عنوان "بدر شاكر السياب"، وكانت كتابه "اتجاهات الشعر العربي المعاصر" الذي أصدرته عام 1978 سلسلة عالم المعرفة في الكويت تتويجا لرؤيته حول كنه القصيدة الحديثة والتطور الذي شهدته القصيدة العربية على وجه العموم في القرن العشرين حيث درس فيه تناول الشعر الحديث لظواهر مهمة كالزمن والتراث والحب وغيرها.

وإضافة الى ما قدمه احسان عباس في ميدان النقد فإنه وهب جانبا كبيرا من جهده لتحقيق الكتب التراثية العربية، حيث حقق أكثر من خمسين كتابا تراثيا، منها على سبيل المثال كتاب "خريدة القصر وجريدة العصر" (قسم مصر) للعماد الأصفهاني (مع احمد امين وشوقي ضيف)، وكتاب "فضل المقال في شرح كتاب الأمثال" لأبي عبيد البكري (مع عبدالمجيد عابدين)، وكتاب "وفيات الأعيان" لإبن خلكان. كما حقق عددا من الدواوين الشعرية مثل ديوان ابن حمديس الصقلي وديوان الرصافي البلنسي وديوان القتال الكلابي وديوان لبيدة بن ربيعة العامري وشعر الخوارج. والتحقيق عند احسان عباس لا يهدف الى مجرد اخراج الكتب التراثية وتوضيح مجاهلها بل انه يقوم بدور حضاري مهم يرتبط بمبدأ "المعرفة قبل الحكم"، اي اننا لا يمكننا ان نحكم على اي فترة من فترات تاريخنا الا بدراسة وفهم ما دونه كتاب تلك الفترة، ويقول في حوار مع مجلة "نزوى" حول هذا الموضوع "درست ما أسداه العرب في النقد الأدبي من خلال الرؤية العصرية، فوجدت أنهم قاموا بدور كبير جدا لا يقل عن دور اية أمة أخرى، ولولا هذه الرؤية للتراث ظل النظر إلى دورهم في الفكر النقدي إما اتهامات جائرة أو تفريطات مرتجلة، كل دراسة - في رأيي- لا بد أن تكون كشفا جديدا، وما دام الأمر كذلك، فلا كشف يتحقق على أصول علمية دون إحياء التراث، عند من يؤمنون بجدوى تلك الدراسات، أما رفض التراث - انقيادا لنزوة قلقة أو نزعة منحرفة - فانه لا يخطر ببالي، ولا أستطيع تصوره لأنه ينم عن تنكر للانسان وجهوده على هذه الأرض". هذه الرؤية للدور الحاسم للتحقيق في فهم تاريخ الحضارة العربية هي نفسها التي كانت وراء أعماله الأندلسية، فإحسان عباس عالم ضليع بتاريخ الأندلس وآدابها، حيث كتب عنها مؤلفا يتكون من جزئين هو "تاريخ الأدب الأندلسي" وهو كتاب يعد من أهم الكتب المرجعية في هذا الموضوع.

وتتجلى موسوعية احسان عباس كذلك في ترجماته، حيث نقل الى العربية "فن الشعر" لأرسطو، وكتاب ستانلي هايمن "النقد الادبي ومدارسه الحديثة"، وكتاب "يقظة العرب" لجورج انطونيوس، وكتاب "دراسات في الأدب العربي" لفون جرنباوم، و"دراسات في حضارة الاسلام" لهاملتون جب، الا ان ترجمته لرواية هرمان ملفل "موبي ديك" تظل الدرة النفيسة بين منجزات احسان عباس فحسب، بل انها درة من درر الترجمة التي انجزها العرب على الاطلاق طوال تاريخهم. ويشرح احسان عباس رؤيته للترجمة فيفرق بين ترجماته النقدية وترجماته الأدبية، فالترجمات النقدية كان هدفها تعريف القاريء العربي بشتى المذاهب النقدية دون ان يكون لعباس اي حضور يدعم به منهجا نقديا معينا وأن مال الى هذه المدرسة النقدية او تلك في بعض الأحيان. أما فيما يتعلق بالترجمة الأدبية فهو مع الالتزام بالنص الأصلي ولكن هذا الالتزام ينبغي ان يوازيه ابداع في صياغة لغة النص المترجم بتعدد مستوياتها، إضافة الى ضرورة الابداع في انتاج مصطلحات ربما لا تعرفها الثقافة التي يترجم اليها النص، وهو ما قام به احسان عباس حينما ترجم رواية "موبي ديك" الى العربية حيث وجد اللغة العربية فقيرة في ميدان صيد الحيتان فما كان منه الا أبدع بنحت كثير من الكلمات التي لم تعرفها العربية من قبل.

أنهي هذا المقال بمقطع من ترجمة احسان عباس لـ"موبي ديك" عن الموت نفسه: "طوبى لمن لم يسمع في الحق لومة لائم وانما يقتل الآثام ويحرقها ويهدمها، وإن كان يستلها من تحت ثياب القضاة والحكام -. طوبى – شاهقة نبيلة – لمن لا يقر بشرع سوى شريعة الله وبرب سوى ربه ومن أخذته الحمية للسماء وحدها -. طوبى لمن اذا احتشدت كل امواج بحار الرعاع الهائجة المائجة لم تزحزحه عن قاعدة سفينة الأجيال -. طوبى خالدة لذيذة لمن يقول حين يضجعونه في لحده: رباه – انت يا من عرفتك بصولجان سطوتك – ها هنا أرقد، خالداً كتب لي ان أكون أو فانياً. لقد سعيت لأكون من حزبك لا لأكون من حزب الدنيا أو من حزب نفسي. غير ان هذا ليس أمراً ذا بال فإني لا حق لي بالخلود، إذ الخلود لوجهك، وما هو الانسان حتى يطلب البقاء، والبقاء صفة خالصة لربه".

الثلاثاء، 17 يونيو 2003

عن ما بعد الحداثة

عن ما بعد الحداثة

عبدالله الحراصي

سأبتديء هذا المقال بحديث عن صديق لي نهم القراءة لكنه انتقائي، وانتقاءه هذا قاده الى قراءة ما انتجه الفكر المعاصر وخصوصا في وجهه ما بعد الحداثي. رأيت هذا الصديق منذ اسبوع، وكان مكتئبا يائسا سائرا في طريق الحياة على غير هدى، يميل الى هذه الفكرة تارة، ثم يتساءل ويميل الى الاخرى، ثم يرفض هذه وتلك، وهكذا. وهذا المآل الذي انتهى اليه نتاج لأفكار توغلت في أعماق أعماقه حتى وصلت الى نخاع ما كان يتقبله من رؤى حول الذات والمجتمع والكون وسواها من بُنَى. وصل هذا الصديق الى حالة وصل اليها الكثيرون في كثير من بقاع البسيطة، وهي حالة فقدان الأمل والمعنى في الكون بأكمله، بما يصاحبه من كآبة لا تحتمل، حيث قضت ما بعد الحداثة، في ثورتها على الحداثة، على كل ما يمكن للإنسان ان يتمسك به من "الحقائق".

طرحت الحداثة التي سادت منذ القرن السابع عشر في اوروبا أفكارا غيَّرت مجرى التاريخ في شتى أوجهه، والفكرة المحورية في الحداثة هي ان الانسان يستطيع من خلال العقل والعلم ان يسيطر على الطبيعة بما يعزز التقدم الانساني. وقد نشرت الحداثة أحلاما عظاما منها ان كل المشاكل التي يعاني منها الانسان الى زوال، لكن هذه الحداثة اصطدمت بوقائع نتجت عن بعض أفكارها وتطبيقاتها فارتدت طائفة من المفكرين عن الحداثة وبدأت تثير بعض الشكوك حول "جوهر" الحداثة وآثاره المدمرة، الا ان ما بعد الحداثة، وإن لاقت نجاحات كبيرة في مسعاها التشكيكي، فشلت فشلا ذريعا في ان تقدم للإنسان الحائر الذي فقد الفهم والامل، بعد ان كسرت ما بعد الحداثة كل مجاديفهما، أي شيء آخر، فخلفته هكذا في حالة يأس كبير.

سارت حركة الحداثة مع أفكار التنوير في الغرب، تلك الافكار التي حملت معها الى الشعوب الغربية الخارجة من قرون مظلمة أحلاما بأن العلم والتكنولوجيا سيجلبا السعادة للإنسان من خلال استغلال قدرات الانسان العقلية بإخضاع الطبيعة للإنسان. وكما لاحظ الكثيرون فإن فلسفة التنوير وإن ثارت على الثقافة الكنسية التي حاصرت العقل وقمعته الا انها حملت في ثناياها بعض اصداء المسيحية والرؤى الدينية عموما، كالفصل بين الانسان والطبيعة، وبين العقل والجسد وما يتبعه من تفضيل للإنسان وللعقل على الطبيعة والجسد، وتمثل هذا في ايمان الحداثة بالوضع المركزي للإنسان في الكون.

وقد وصل فلاسفة الحداثة حداً جعل من التفكير في حد ذاته الدليل على الوجود كما هو عند ديكارت ("أنا أفكر إذا أنا موجود")، وهي عقلانية تفترض ان العقل البشري له طبيعة منفصلة عن الكون نفسه، أي طبيعة متعالية تستطيع وضع الكون تحت مجهر العقل فتفهمه، كما افترضت هذه العقلانية ان الكون، وإن بدت فيه معالم اضطراب، الا انه منظم في العمق، وهذا النظام لا يمكن الوصول اليه الا بأن يعمل الانسان عقله في الوصول الى حقائق الكون بتجاوز الحواس وكل ما يمكن ان يقف بين عقل الانسان والكون.

وقد حققت الحداثة منجزات عملاقة وخصوصا في ميدان العلم والتكنولوجيا، فقد تطور العلم تطورا عظيما استطاع من خلاله استكشاف مجاهل ما كانت معروفة في جسم الانسان ذاته وفي الارض والأفلاك، وانعكس هذا في تجليات تكنولوجية كالادوية التي استطاع العلم من خلالها علاج كثير من الامراض التي كانت مستعصية، كما طور الانسان الآت استطاعت تسهيل كثيرا من مصاعب الحياة، كالهاتف ووسائل النقل وغيرها.

الا ان الانسان هو الانسان، فبعد كل هذه النجاحات الباهرة حين خلد الانسان الى نفسه وجد ان ما اعطته الحداثة بسخاء بيدها اليمني، سرقته منه بيدها اليسرى، فالعالم أصبح في أوج نجاح الحداثة أكثر خطراً، وتمنى الناس ان يعودوا الى "طبيعتهم" قبل الحداثية. تمثل هذا في الاضطرابات الاجتماعية التي شهدتها كثير من المجتمعات، اضافة الى ما جلبته الرأسمالية من استغلال الانسان لأخيه الانسان، حيث يشقى الأفقر والأضعف ليرتاح، في برج منعزل عن المجتمع، الأغنى والاقوى، كما أتت الحربان العالميتان (وخصوصا الحرب العالمية الثانية) وإلقاء القنبلتين النوويتين على اليابان لتمثلا صدمة لحلم الانسان الغربي في عالم جميل يخلو من المشاكل. في مثل هذه الاوضاع اكتشف الانسان ان الحلم لم يكن أملا بل كان مجرد وهم واسطورة، وان رؤوس البشر المليئة بالمعرفة ليست الا رؤوسا جوفاء مملوءة بالقش، وان العالم ليس الا صخر لا ماء فيه كما يقول إليوت. بعد الحرب الثانية أتت الحرب الباردة بين العالم الغربي (الذي فضل ان يسمي نفسه بـ"العالم الحر") والمعسكر الشرقي، وكان الرعب من وصول الامور الى نقطة اللاعودة بمجرد ضغط الزر النووي هو الشعور السائد بين الناس. كل هذه الامور، اضافة الى تأثيرات أحداث أصغر مجالا كحرب فيتنام مثلا، أدت الى بداية امتعاض من "حقيقة" الحداثة، فبدأت الاسئلة.

تلك الاسئلة التي بدأت وجودية حول الانسان وآلامه في العصر الحديث ما لبثت ان تحولت الى تيار فكري قوي سمي بتيار ما بعد الحداثة. الخطوط الرئيسة في تيار ما بعد الحداثة ترى ان الايمان بأن بمقدور عقل الانسان الوصول الى حقائق الكون ليس الا وهما، ذلك ان ما يعتقد انه "حقيقة" ليس الا نتاجا لأفكار ومعتقدات مجتمع من المجتمعات والمؤثرات التي تركت بصمة في تطوره. كما جلبت ما بعد الحداثة اليأس الى الناس، حيث شككت في حلم الحداثة الذي رأت فيه نتاجاً لأفكار بعض المفكرين ومصالح أصحاب المصالح، وخصوصاً الرأسمالية العالمية. أما أخطر السهام التي وجهتها ما بعد الحداثة الى امها الحداثة فهي الضربة القاصمة التي لحقت بفكرة "التقدم" التي كانت محور الفكر الحداثي، فما بعد الحداثة شككت الى حد كبير في فكرة "التقدم" ورأت فيه فكرة غربية صرفة، كما رأت ان العالم ينقسم الى مجتمعات مختلفة غاية الاختلاف فيما بينها، ولا يوجد ما يبرر مركزية الغرب وطرق حياته فيها، كما شككت كذلك في بعض الظواهر التي كان كثير من الناس يعتقدون انها تحمل صدقا حقيقيا في ذاتها كالأخلاق التي غدت مجرد نتاج تفاعلات اجتماعية ومفهومية، وهذا ما يفسر اختلاف الاخلاق من مجتمع الى آخر. بعبارة بسيطة شككت ما بعد الحداثة في قدرة الانسان على اكتشاف المعنى في الحياة، وفي وجود المعنى ذاته.

الا ان ما بعد الحداثة، وإن قضت تقريبا على كثير من الدرر (المزيفة) التي كانت ترصع تاج الحداثة، الا انه يؤخذ عليها انها تضع الانسان في حالة قلق دائم، فلا يقين ولا أمل، وإن ظهر ما يمكن للفرد ان يعده أملا ظهرت تساؤلات تقضي عليه بتساؤلات مثل "هل هذا هو ما أريد؟" "هل هو أمل حقا؟" "ترى كيف سينظر شخص آخر من ثقافة اخرى الى الامر لو كان في موقعي؟"، وهكذا اسئلة تتناسل بلا إجابة من نوع.

ما أصاب صديقي القادم من قرية عمانية وديعة مثال على مدى تأثير أفكار ما بعد الحداثة على الفرد البسيط القابع في بقعة نائية عن تصادمات الفكر الكبرى، كما شهده الفكر العالمي (الغربي خصوصا)، هذا الفرد الذي أخذ ينزع الألفة عن أمور كانت هي الذات واللب في نفسه، وأخذ يسأل نفسه عن نفسه وعن هوية ذاته وعن مستقبله وعن المعنى واللا معنى، أسئلة تلد الألم والضياع وتفتقد، بطبيعتها، الجواب.