الأربعاء، 12 نوفمبر، 2003

عمان في الأدب الغربي

عمان في الأدب الغربي

عبدالله الحراصي

تعددت الدراسات العلمية التي تناولت العلاقات التاريخية العمانية مع الدول الغربية، الا ان التركيز على الدراسات السياسية والتاريخية عموماً يكشف عن نقص كبير في دراسة جوانب أخرى في غاية الاهمية من بين أهمها حضور عمان في الأدب الغربي، ويشمل هذا صورة عمان في الشعر والقصة والرواية وأدب الرحلات وغيرها من فنون الأدب في الغرب. وقد أصبحت دراسة هذه المواضيع أمراً ملحاً وضرورياً لأسباب عدة منها ان مثل هذه الدراسة ستساهم في فتح نوافذ جديدة للثقافة العمانية خصوصاً والعربية عموماً تكشف عن رؤية الآخر الغربي لعمان وصورتها في أدبه، كما انها ستعين كذلك في فهم الآخر ذاته ومنطلقات رؤيته للعالم العربي ولعمان ومحددات تلك الرؤية. وتجدر الاشارة هنا الى هذا ان الحصول على النصوص الأدبية المتعلقة بعمان قد أصبح أمراً يسيراً الآن بسبب استغلال القائمين على الأدب الغربي للتقنيات الحاسوبية الحديثة في حفظ أغلب النصوص الأدبية، وخصوصاً تلك المكتوبة باللغة الانجليزية. ومن أهم المواقع الانترنتية التي تقدم هذه خدمة تصفح الأعمال الأدبية والبحث فيها موقع اسمه "الأدب على الشبكة" Literature Online (وعنوانه http://lion.chadwyck.co.uk) ويحتوي على 350 ألف عمل أدبي كتبت باللغة الانجليزية من مختلف العصور.

وقد ظهرت في الاونة الأخيرة بعض المؤشرات على اهتمام الاكاديميا العمانية بإستكشاف هذه المناطق البحثية لعل أبرزها حتى الان الدراسة التي نشرها هلال الحجري في العدد الخامس والثلاثين من مجلة "نزوى" بعنوان "مدخل إلى أدب الرحلات في عمان: دراسة وصفية للرحالة البريطانيين 1626-1970"، وهي دراسة لا تكمن أهميتها فحسب فيما تقدمه من بيانات جديدة للقاريء العربي والعماني حول عمان في الزمن الذي قام فيه هؤلاء الرحالة برحلاتهم من خلال الاتصال المباشر بالطبيعة العمانية وبالعمانيين، بل لأن هذه الدراسة تفتح باباً جديداً في الدراسات العمانية لم يُتَطرَّق اليه من قبل رغم أهميته المفصلية في فهم ذات الوطن العماني وعلاقته بالآخر ورؤية هذا الاخر له.

غير ان أدب الرحلات هو جانب واحد فقط من جوانب دراسة صورة عمان في الأدب الغربي، وهو ما يعني ان ثمة حاجة ماسة الى دراسة صورة عمان في انواع الفنون الادبية الأخرى كالشعر والرواية وغيرها. وفيما يتعلق بالرواية فهناك عدد من الروايات الانجليزية على سبيل المثال التي اتخذت أحداثها في عمان او تناولت مواضيع ذات علاقة بها، ومن آخر هذه الروايات رواية "الرياح الموسمية" ومؤلفها الروائي الجنوب أفريقي (الكاتب باللغة الانجليزية) ولبر سميث، وقد صدرت عام 2001 وتعد من أكثر الروايات رواجاً في الدول التي تتحدث اللغة الانجليزية. وتتحدث الرواية عن شخص يبعثه الملك وليم الثالث ملك انجلترا اسمه السير هال كورتني للقضاء على قرصان عربي كان يمارس نشاطه في المحيط الهندي يسمى "العوف"، كما تتحدث كذلك عن أنشطة تجارة الهند الشرقية وعن دور العرب، كما تقول الرواية، في تجارة الرقيق والصراع الناشيء عن محاولة إبقاء عمان خارج إطار الامبراطورية العثمانية. مثل هذه الروايات تكشف عن جوانب كثيرة حول علاقة الشرق بالغرب والرؤى المتبادلة بينهما، كما تكشف هذه الروايات، خصوصاً تلك التي تتخذ من بعض أحداث التاريخ منطلقاً لها، عن رؤى تاريخية وحضارية ينبغي دراستها وتقصيها.

أما بالنسبة للشعر فهناك قصائد عديدة تذكر عمان، وقد قمت، على سبيل التجربة، بكتابة Oman في موضع البحث في الموقع الادبي الآنف الذكر ففوجئت بعدد كبير من القصائد الانجليزية والامريكية التي ذكرت فيها عمان، وهو ما يستدعي دراسة معمقة تستغل الامكانات الالكترونية الحديثة في بحث صورة عمان في الشعر المكتوب باللغة الانجليزية (والغربي على وجه العموم) وتتبع تطور تلك الصورة. فنظرة سريعة على القصائد الانجليزية التي تأتي على ذكر عمان تكشف عن ظاهرة مهمة هي ارتباط عمان بصورة متكررة في هذه القصائد هي لئاليء بحر عمان، وهي صورة غير مألوفة كثيرا في الادب العماني او العربي ذاته، وهذا يثير بعض التساؤلات حول سبب هذا الاختلاف بين تصورنا الذات لنفسها وصورة الآخر لهذه الذات، وربما يكون هذا المجال ميداناً يمكن فيه تطبيق نظرية ادوارد سعيد حول "الخطاب الاستعماري" حيث يشكل الغرب صورة عن الشرق ليست بالضرورة مرتبطة بالواقع الشرقي في حقيقته او برؤية الشرق لذاته، بل وفقاً لتصورات مسبقة تشكل شرقاً او عالماً عربياً متوهماً يتوافق في خطوطه الرئيسية مع المصالح الاستعمارية الغربية.

أقدم فيما يلي ترجمة لإحدى القصائد التي تظهر فيها صورة لئاليء بحر عمان كنموذج على حضور عمان في الشعر المكتوب بالانجليزية، والقصيدة تحمل عنوان "أرصفة السُبات" للشاعر الامريكي ماديسون يوليوس كاوين (1865-1914) يذكر فيها لئاليء بحر عمان بإعتبارها من أنفس النفائس التي تأتي بها "سفن الأحلام" كما يذكر كذلك ذهب أوفير القديمة التي يعتقد كثير من الباحثين انها ظفار.

* * * * * * * * *

قصيدة "أرصفة السُبات"

على أرصفة السبات

شاهدت سفن الاحلام

تشق بحار الضباب وضوء القمر

وأنوار سراج الليل وومضه.

كانت عنابرها تفيض بالغنائم

التي نهبت من كل أرض وكل زمان

ففيها ذهب أوفير، وآلهة الأغريق

وأبيات من قصائد قديمة،

وأقراص البنج من كريت،

وحزم الحرير من اليمن،

وبراعم القرنفل والصندل،

ولئاليء عمان البيضاء كالحليب.

والرقيق، من الرجال والنساء،

الذين يكسو الحسن محياهم

بأناشيدهم التي هب لوقعها النسيم

فتهادت أمامه سفن الأحلام.

انتقيت أفضل البضائع وأجودها

من كل شحنة حملتها سفن الأحلام،

من توابل وذهب ولئاليء ورقيق

ومرّ وجواهر وفراء.

وفيما استغرقت في تأملي

فيما سأحمل وما سأنتقي،

سمعت هاتفاً يصيح بي "انظر!

هي ذي سفينة الفجر قد أتَتَ تخترق الندى"،

عندها اختفت كل سفن الأحلام

وخلَّفَتني في يقظة حزينة،

أتذكر تلك الأشياء البديعة

التي كانت قبل لحيظات ملك يدي.

هناك تعليق واحد:

  1. الحجري سبق أن ترجم هذه القصيدة في مجلة نزوى! فما الجديد؟

    ردحذف