الخميس، 1 سبتمبر، 2005

دعوة للحفاظ على لغات ظفار

دعوة للحفاظ على لغات ظفار

عبدالله الحراصي

في إحدى قمم الجبال في ظفار استضافتني قبل أشهر أسرة كريمة تعيش في خيمة متواضعة. كنت وما أزال معجباً بنمط المعيشة في تلك البيئة البِكر، غير انه كان يقودني في زيارتي الأخيرة اهتمام شخصي بأثر الحياة الحديثة في هذا المجتمع المرتحل القديم. سألت فتاة في المرحلة الأخيرة من مراحل المدرسة عن بعض المسميات الجبالية (الشحرية) لبعض النباتات وكانت في الأغلب تقول أنها لا تعرفها فتحيلني لأمها التي كانت تذكرها جميعاً. سألت نفس الفتاة، التي كانت تتباهى بإصرارها على التحدث معي باللغة الانجليزية الخالية من الأخطاء (بعد أن أخبرتها أني ادرس في قسم اللغة الانجليزية بالجامعة)، إن كانت تسمع أشرطة محاد الفهد، وهو منشد قصائد دبرارت المعروفة في ظفار، فما كان منها إلا أن هبت غاضبة وأخرجت من تحت أكوام من الجلد شريطاً لفيروز وقالت ما أنقله بالحرف "نحن خلاص تحضرنا".

هذه الحادثة هي التي أثارت في نفسي الكتابة حول خطورة الوضع اللغوي في ظفار، وهو وضع تتعرض فيه لغات ذات أهمية عريقة تشمل الجبالية (الشحرية) والمهرية والحرسوسية والبطحرية وغيرها، لخطر الأنقراض (أو حالة "موت اللغة" كما يسميه فقهاء اللغة). سأتحدث في البداية عن أوجه أهمية هذه اللغات ثم أعرج على ذكر بعض المقترحات التي يمكن من خلالها أن نحافظ ما أمكن على هذه اللغات وثقافاتها.

تتميز لغات ظفار بأهمية تاريخية لا تخفى عند فقهاء اللغة، فهذه اللغات هي لغات قديمة، بمعنى أنها لم تتعرض لتغيير أساسي في تراكيبها النحوية ولا في ألفاظها منذ قديم الزمان، وسبب هذا الثبات هو أن متحدثي هذه اللغات يعيشون في بيئات يصعب فيها التواصل مع العالم الخارجي، كالجبال في حالة اللغتين الجبالية (الشحرية) والمهرية، والصحراء في حالة الحرسوسية على سبيل المثال. وتشكل هذه اللغات كنزاً لا يقدر بثمن لدى دارسي اللغات لأنها حفظت كذلك الثقافات القديمة، فمفردات هذه اللغات هي سجل أمين لكثير من الظواهر الثقافية التي كانت تسود في الثقافات العربية القديمة، ولم تعد توجد حالياً بعد انتشار الاسلام ومعه اللغة العربية التي نعرفها. ويمكن التدليل على ذلك بعودة كثير من الآثاريين وعلماء الاناسة الى هذه اللغات لفهم تاريخ المنطقة أو لفهم بعض النقوش التي عثر عليها في المنطقة. كما يستدل من هذه اللغات على الوشائج التي تربط بين اللغات السامية ومن بينها لغات نائية في التاريخ عن منطقة عمان والجنوب العربي مثل لغات العراق القديم على سبيل المثال، بل ولغات نائية جغرافياً مثل لغات البربر في شمال أفريقيا.

كما تتميز هذه اللغات بأهمية ثقافية عظيمة، فهذه اللغات هي كنز لم يكتشفه الباحثون حتى الآن فيما يتعلق بدراسة الظواهر الثقافية والحضارية. لنأخذ الأدب على سبيل المثال: فقد أنتج متحدثو لغات ظفار ابداعات أدبية أثرتها الخبرة التاريخية التي لم تنفتح على الثقافات الأخرى، حيث تتميز هذه اللغات بقصائد وقصص وأمثال شعبية بديعة، بل وتوجد فيها كذلك أنماط فنية أدبية لا توجد في لغات أخرى، ويمكن التدليل هنا على فنون شعبية تلقى بهذه اللغات مثل الدبرارت والنانا على سبيل المثال. كما أن هذه الأهمية الثقافية ترتبط كذلك بالثقافة العمانية (والعربية) المعاصرة التي لا يمكنها أن تقضي على عناصر اغترابها سوى بالتقرب من الذات من خلال إدخال عناصر من آداب وفنون هذه اللغات المحلية.

ما الخطر الحالي؟ يكمن الخطر تحديداً في التخلي التدريجي للأجيال الجديدة عن هذه اللغات، وهو تخلٍ يتبعه تلقائياً فقدان نهائي لكل الأوجه اللغوية والحضارية التي تحملها. وما يثبت واقعية هذه الخطورة أن هناك لغات كانت موجودة في ظفار قد اختفت فعلاً مثل لغة الهوبيوت التي لم يعد يتحدث بها أحد الآن، وكذلك الأمر بالنسبة للغة الحكليوت (يرى البعض أنهما لغتان متقاربتان، غير أن هذا ليس محور حديثنا هنا). ان الموت شبه التام لهاتين اللغتين هو مبعث حزن من الناحية العلمية ومن الناحية الحضارية، فقد فقد علماء اللغة وغيرها من الحقول ميداناً للدراسة له أهمية جوهرية في فهم المجتمع العماني في ظفار وتاريخه، كما فقدنا بفقدان هذه اللغات آداباً وفنوناً وأوجه حضارة عريقة عميقة الجذور والتجربة والتاريخ.

يكمن الخطر إذا في أن اللغة العربية (بل واللغة الانجليزية كذلك) تتقدم على حساب اللغات المحلية، وهو ما يستوجب من النخبة الفكرية في عمان، ومن العلماء المهتمين بهذا الشأن عموماً، ومن الدولة العمانية التدخل السريع للقيام بما يجب من إجراءات لإيقاف هذه الخسارة الوطنية والعلمية والحضارية، وسأقدم فيما يلي بعض المقترحات المبدئية الواجبة لحماية هذا التراث العماني والعربي والإنساني الذي يتعرض للخطر الداهم.

ينبغي أولاً تعزيز الاهتمام العلمي بهذه اللغات وثقافاتها. فيمكن أن تقوم الدولة بحفظ هذا التراث عبر إجراءات مثل إنشاء مركز لدراسات اللغات والثقافات في ظفار والمنطقة الوسطى يقوم على الحفاظ على هذه اللغات من خلال تسجيلها وتحليلها بالمناهج العلمية المتبعة في حالات اللغات المعرضة للخطر. كما يمكن للدولة من خلال المؤسسات العلمية والثقافية في عمان (مثل جامعة السلطان قابوس ووزارة التراث والثقافة) أن تقوم بندوات ومؤتمرات لدراسة مختلف أوجه هذه اللغات والثقافات المرتبطة بها. يمكن للعلماء بطبيعة الحال أن يقوموا ببعض الإجراءات الأساسية لحفظ هذه اللغات مثل تطوير نظام كتابة لها، فهذه اللغات لم تزل لغات شفهية منطوقة غير مكتوبة (بالرغم من وجود بعض النقوش القديمة التي لم يتم فك أسرارها حتى الآن في بعض جبال ظفار) إضافة الى تسجيل ألفاظها معجمياً، ويمكن أن تقوم مؤسسات التعليم العالي بتقديم بعض المقررات الدراسية لتدريس هذه اللغات وثقافاتها. إن مؤسسات التعليم العالي في عمان تدرس الانجليزية والفرنسية ولغات اوربية أخرى، وتنسى أن لدينا لغات على شفى الموت دون أن تقوم بأدنى جهد منظم لدراستها وتدريسها (على الرغم من وجود بعض الجهود الفردية المهمة ككتاب الدكتور محمد المعشني المعنون بـ "لسان ظفار الحميري المعاصر").

أما ثقافياً فلا يمكننا أن نفتخر بترجمتنا من الغرب (أو أن نحزن لضعف هذه الترجمة كمياً ونوعياً) دون أن نلتف إلى ترجمة أنفسنا لأنفسِنا. أعني أنه ينبغي أن ندخل في منظومة الثقافة العمانية فنون الحياة والأدب في ظفار والمنطقة الوسطى. وهنا فإنني أود الإشارة إلى أمر مهم، وهو أن هذا الإهتمام لا ينبغي أن يكون فلكورياً تقليدياً، أي أن نستخدم بعض ألحان النانا في مهرجاتنا الموسيقية مثلاً، بل بالقيام بحركة تعريف بهذه الثقافات وآدابها لكي تكون رافداً أساسياً في الثقافة العمانية العامة. ينبغي على سبيل المثال أن نقوم بأنشطة عاجلة تتضمن ترجمة لنصوص شفهية من هذه اللغات.

لا نرغب هنا في تكرار الحديث (الممجوج والدعائي في الأغلب) عن هجمة العولمة والغزو الثقافي، وإنما ننطلق من رؤى واقعية بسيطة. اننا نُدرِّس اللغة الانجليزية في كل مراحل التدريس، وهو بطبيعة الحال أمر لازم في عالم متداخل يقوم عموده الفقري اللغوي على اللغة الانجليزية، غير أن من الواجب بالتوازي مع ذلك القيام بتخطيط لغوي حكيم للمجتمع العماني، يأخذ بعين الإعتبار ضرورات الواقع المعاصر وكذلك المخاطر التي تواجه لغات مجتمعاتنا المحلية، وهي مخاطر ستؤدي إلى موت هذه اللغات إن لم نحسن إدارة هذا التخطيط اللغوي ولا نترك هذا الأمر خبط عشواء لا يقود إلا إلى خسارتنا لثروة قومية حضارية لا يمكن تعويضها بعد فوات الأوان.

هناك 3 تعليقات:

  1. m7aad al fahad is a grandfather of mine :) thanks for the excellent article

    ردحذف
  2. مقال يحمل الكثير من الدلالة المعنوية والوطنية الممزوجة بالحس الوطني الكبير تجاه وطننا الغالي ..

    ردحذف
  3. مقال يحمل الكثير من الدلالة المعنوية والوطنية الممزوجة بالحس الوطني الكبير تجاه وطننا الغالي ..

    ردحذف