الخميس، 1 سبتمبر، 2005

الحاضر والخوف من التاريخ وعليه

الحاضر والخوف من التاريخ وعليه

عبدالله الحراصي

يخشى البعض منا التطرق للتاريخ، وهو خوف له أكثر من وجه وسبب. والتاريخ هو أحداث الماضي، وبطبيعة الحال فإن هذا تعريف عام جداً لا يُخفِي قصوره، فكل الأحداث حدثت في الماضي أو أنها تحدث الآن وسرعان ما تصبح ماضياً بمرور الوهلة التي حدثت فيها، ويشمل هذا أحداث تشكل الكون، بتعدد نظرياتها وفرضياتها، وكل أحداث نشوء الأرض والحيوانات والنباتات والإنسان.

لنغض النظر عن تاريخ غير الإنسان، من طبيعة أو حيوان أو نبات، لا لأنه غير مهم في ذاته أو في دلالاته الإنسانية، بل لأن ما ذكرته أعلاه حول الخوف وعلاقته بالتاريخ يتمحور على تاريخ الإنسان، فالقليل من البشر يظهر خوفاً ورهبة من التاريخ الطبيعي. هل سمعت أن إنساناً، عادياً كان أم من الملأ السياسي أو الثقافي، يمتعض حين تحدثه عن تاريخ نشوء الصخور الرسوبية أو عن أحد أنواع الديناصورات ويسعى جاهداً لمنعك من الحديث؟ الحقيقة إنني لا أعرف الكثير ممن يمكن أن نضعهم في هذه الخانة، ولا أعتقد بكثرتهم إن وجدوا، ولكن هناك الكثيرون من بيننا نحن بني الإنسان من يخشى من ذكر أحوال البشر وأحداث ماضيهم. ومن نافل القول إننا حين نتحدث عن التاريخ الإنساني هنا فإننا لا نتحدث عن كل أحداث الإنسان الماضية، فذلك أمر غير ذي فائدة. لنضرب مثلاً: قبل ثلاثمائة عام وجد شخصٌ عمانيٌ عاش في أحد الجبال، وكان يرعى غنمه صباحاً ويأوي إلى ما ومن يأوي إليه ليلاً. هل أحداث حياة هذا الشخص تاريخ (يمكن أن يخاف منه أي إنسان)؟ لا، وإن وجد البعض ممن يخاف منه فلن يكونوا كثيرين أيضاً، وأسباب خوفهم لن تكون موضع اهتمام جدي من قبل أحد، اللهم إلا علماء الأمراض النفسية ومعالجيها.

ينبغي هنا أن نتذكر أن التاريخ يكتبه المنتصر دائماً، أما المهزوم فليس له تاريخ باستثناء هزيمته. يعمد المنتصر دائماً إلى فرض قراءة يتم تقديمها على أنها القراءة الحقيقية لما حدث في الماضي، ويوازي فرض القراءة هذا إجراءات أخرى كإخفاء وطمس أية معالم مادية أو معنوية يمكن أن تقود إلى قراءة مغايرة تهدد المنتصر وجماعة المصالح التي ستنتج عن وجوده. من هذا المنظور فإن "الخوف" يستدعي معه حرفين من حروف الجر هما "على" و"من"، فالخوف يكون "على" القراءة المهيمنة التي يطرحها الطرف المنتصر، و"من" القراءات الأخرى التي تهز شرعية انتصار المنتصر وشرعية قراءته لأحداث الماضي التي يطرحها.

قانون علاقة التاريخ بالخوف يتمثل إذاً في ثلاث كلمات "ابحث عن المصلحة": إن المصالح والخوف عليها وحثيث السعي لتعظيمها هي التي تجعل البعض يخشى التاريخ المغاير وأحداثه. هؤلاء البعض من أصحاب المصالح هذه يبررون خوفهم من هذا التاريخ بعبارات إيجابية شكلاً كالقول "لا نود أن ننكأ الجراح" أو "ليس من مصلحة الجماعة (بشتى مستوياتها) أن تُثار هذه المواضيع" أو "تلك مرحلة ومرت" وأحياناً يتم الاستعانة بنصوص ذات وقع تأثيري على المستمعين كالحديث النبوي الشريف حول الفتنة "الفتنة نائمة، لعن الله من أيقظها" (الفتنة نائمة؟! القضية إذاً ليست تاريخاً وإنما نحن إزاء أمر حاضر لا يُراد للإنسان أن يتحدث عنه أو يثير أسئلة حوله).

وإذا كانت هذه الفئة جالبة أو محافظة على مصلحة فإن هناك فئة الصامتين الذين يتبنّون القراءة المخالفة للقراءة المهيمنة للتاريخ، لكنهم يخافون من القوى المهيمنة فيلجئون للصمت على قاعدة "ابعد عن الشر وغني له"، ولا خوف بالنسبة للقوى المهيمنة من هذه الفئة الصامتة ما دامت لم تتحرك فعلياً لإعلان قراءتها الأخرى للماضي، لأن إعلان القراءة المغايرة هذا هو أمر من أمور الحاضر وليس من شأن التاريخ كما سنرى بعد أسطر.

إن صراعات الماضي صراعات بين جماعات تبين لها في لحظة من لحظات الماضي أن مصالحها لا يمكن أن تستمر دون حالة الصراع تلك، وأن حالة الصراع لا راد لها حتى تعود الأمور إلى نصابها أو إلى نصاب جديد رأت جماعة من هذه الجماعات المتصارعة أنه لا بد من إحلاله فقامت بالصراع. ولكن ما شأن هذا بالحاضر؟ له شأن كبير، بل أن القضية برمتها صراع حول الحاضر (الفتنة "النائمة"، وليست "الميتة") ليس له علاقة مباشرة بأحداث الماضي التي مضت ولن تعود. ما يحدث في هذه الحالة هو أن أصحاب المصالح، بشتى أنواعها، يرغبون في حفظ مصالحهم والذود عنها، ويرون أن التطرق للماضي أو لبعض أوجهه سيؤثر بالسلب على مصالحهم الحالية ولهذا فإنهم يبادرون إلى درء هذا الشر بقطع دابره ورفضه التام. أصحاب استمرار قراءة المنتصر للتاريخ هم إذاً أصحاب مصالح لا يمكن المحافظة عليها إلا بتبني رؤية المنتصر في حدث وقع قبل عشرات أو مئات السنين، وقد يتبرقع رفضهم للقراءات الأخرى بـ"الموضوعية" وبغياب المشروعية التاريخية لهذه القراءات المغايرة غير أنك إن حككت جلد رفضهم هذا لوجدت رعباً من أن تُهَزّ مصالحهم التي ارتبطت بمنظومة الجماعة التي تبنت خطاب المنتصر ورؤيته الكونية.

إن الماضي قد مضى، أما الحديث عنه فهو قضية الحاضر، وقضية تقصيه هي قضية الحاضر كذلك. الداعون لتجنب التاريخ وأحداثه والخائفين من إثارته هم ممن يسعون للحفاظ على مصالحهم كما ذكرت أعلاه، أما دعاة التطرق إليه وإعادة النظر فيه فهم أحد فريقين، إما أن يكونوا من سدنة العلم "الموضوعيين" المنبتين عن المصالح المباشرة باستثناء ولاءهم لما يعتقدون أنه حقيقة تاريخية يرغبون في معرفتها والذين يفنون عمرهم لمعرفة أسباب وقوع الأحداث ومحركات أشخاصها وأبطالها ومهزوميها ومآلاتهم (وهؤلاء تجدهم في الجامعات ومراكز البحوث ينكبون على الماضي يدرسونه باعتبار أن تلك الدراسة هي نشاط عقلي محض لا صلة له بمصلحة يستلجبونها أو يحافظون عليها أو بدرء مفسدة أو مهلكة تضرهم)، أو أن يكونوا من فريق آخر يتمثل في الجماعات التي ترفض القراءة المهيمنة لأحداث التاريخ، وهو في حقيقته رفض للمنتصر (ألم نقل أن التاريخ يكتبه المنتصر وأن تاريخ المهزوم هو الهزيمة؟) ولقراءته للماضي وأحداثه، وهذا الفريق هو منبع الخطر بالنسبة للقراءة المهيمنة للتاريخ وللجماعات التي تعمل على المحافظة عليها لارتباطها بمصالحها.

بمصطلحات سياسية فإن دعوة الفريق الثاني لقراءة التاريخ أو لإعادة قراءته في هذه الحالة هي خطاب تغييري يسعى إلى تغيير الحاضر بالحيلة، فبدلاً من الصراع المباشر على المصالح بأشكاله السياسية أو العنفية المعهودة تتخذ الجماعات التغييرية سبيلاً آخر هو محاولة التطرق لما قد يبدو بعيداً عن صراع المصالح هذا وهو الماضي. غير أن مجسات السلطات المهيمنة عادة ما تكون قوية في هذا الشأن فترفض طرح التاريخ للنقاش أصلاً أو أنها ترفض محاولة طرح قراءات أخرى لأحداثه وشخوصه ومآلاتهم، وهو ما يقود، إن أصرت الجماعات التغييرية على رغبتها في "نبش" التاريخ، إلى حالة صراع قد تخلق حاضراً جديداً وتاريخاً مغايراً ربما تتغير فيه وبسببه مواقع الخوف من التاريخ وعليه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق