الثلاثاء، 22 مارس، 2011

رسالة إلى الشباب



دُعيت يوم الخميس الماضي للمشاركة في برنامج أعدّه تلفزيون سلطنة عُمان عنوانه (حوار الشباب)، وكان هدف البرنامج هو التواصل مع الشباب ومنحهم الفرصة لطرح أفكارهم ورؤاهم حول ما يرونه من أوضاع وطنية إشكاليّة وسبل حلّها للعبور إلى مستقبل أفضل. ما لفت نظري ونظر الكثير ممن شاهد ذلك البرنامج هو المستوى العالي من الوعي السياسي والثقافي الذي ظهر به هؤلاء الشباب، وهو ما يطمئننا أن المستقبل الذي سيعتمد على عقول هؤلاء الشباب وإرادتهم سيكون مستقبل خير لعُمان الحديثة.

أسوق هذه المقدمة إقراراً بأن علينا جميعاً التواصل مع جيل لم يعد هناك شك بأنه كان مغيّباً ليس من الإعلام فحسب بل من فهم المجتمع نفسه، فقد كانت الأجيال الأكبر سنًّا تنحو إلى استبعاد الأمل والخير من جيل لم يُعرف عنه إلا أنه تربى على الفضائيات وعلى الإنترنت وعلى ثقافة ليست هي الثقافة التقليدية الراسخة. علّمتنا أحداث الأيام الماضية أن المجتمع العماني أخطأ كثيراً في فهم هؤلاء الشباب، وأقول (المجتمع) لأعني به الأجيال الأكبر سنًّا الذين اعتقدوا، بحسن نيّة أو بالتباساتها، بأنهم هم المجتمع. هؤلاء الشباب بحركتهم الاحتجاجية وبطروحاتهم حول أنفسهم وحول الوطن العماني جاءوا ليقولوا إنهم جزء لا يتجزأ من المجتمع، بل إنهم هم المجتمع الفاعل الحيّ الذي حينما شعر بانسداد الآفاق هبّ لفتح ما انسدّ وإصلاح ما فَسد في حيوية وطنية لا نملك إلا أن نشعر بالفخر والإعجاب بها.

ما فعله الشباب هو أنهم بثوا روحاً جديدة في الجسد الاجتماعي، وهي روح تقول لنا إن الوطن ملك لجميع أفراده، في الحقوق وفي المسؤوليات، كما أن هذه الروح الجديدة التي سرت مُنعِشَةً جسد المجتمع تدعونا أيضاً إلى أن لا نستمر في غيّ تنصيب أنفسنا أوصياء عليهم بأبوية ضررها أكبر من نفعها، أي أن علينا ألا نظن أننا نحن فقط الذين نعرف ما يسرّ المجتمع وما يضرّه، فالشباب أثبتوا أنهم بوعيهم قادرون على التمييز بين الصواب والخطأ، وقادرون على نقل وعيهم إلى الواقع بالتدخل حين يسود الخطأ وتترسخ جذوره في تربة الوطن. علينا كذلك ألا نهوّل الأمور وألا نُثقِل على كاهل جيل الشباب بالتركيز الإعلامي على شطط بعضهم وعلى مساوئ وأضرار ما فعله بعضهم الآخر، فهم يعيشون تجربة وطنية جديدة يتعلمون منها، ويستفيد منها المجتمع كما أسلفت، وما يبدو من اختلاط الحابل بالنابل ليس إلا مرحلة ستمر سريعاً وستهدأ الأمور بعد فورانها. علينا أن نحتضن الشباب، وأن نحتضن رؤاهم ومطالبهم بل وحتى أخطاءهم، وأن نأخذهم (باللَّسْتَا) و(بالتي هي أحسن) بحسب القول العماني.

أما حديثي إلى الشباب فهو أن واجبنا يفرض علينا أن نشكركم شكراً خالصاً على تحرككم الاحتجاجي، فهو احتجاج وطني مبارك، وهو منبع خير عميم على وطننا العماني. إنكم أيها الشباب هديةُ القدر لعُمان، وقد ساهمتم بفعالية في إنهاء مرحلة كان ضررها أكبر من نفعها، وشيّدتم الأساس الذي سوف تقوم عليه عمان المستقبل، عُمان الحديثة، وما تجاوب جلالة السلطان المعظم من خلال الإصلاحات المختلفة إلا تعبير عن رغبة قيادة البلاد في بناء عمان المستقبل على أعمدة جديدة أهمها آراء الشباب ورغباتهم ومطامحهم.

وأقول للشباب إن الإصلاحات التي تمت، والتي ستستمر بأشكال مختلفة، سترسخ دولة المؤسسات التي هي مطلب الجميع. ودولة المؤسسات هي دولة الحق والمسؤولية، إذ يأخذ كل فرد حقّه ويؤدي مسؤوليته، ولا يمكن أن نشيّد هذه الدولة إلا بمبادئ أرى أن الالتزام بها سوف يأخذ احتجاج الشباب إلى نهايته السعيدة التي يرغبون فيها والتي هي مطلب المجتمع بأكمله. أول هذه المبادئ هو وضوح الأهداف وتنظيمها، وفرز المطالب والإبقاء على المطالب الوطنية التي تفيد الجميع. على الشباب أن يحددوا بطريقة واضحة ما يريدونه من أهداف كي يسهل على الدولة دراستها وتحقيق ما يمكن تحقيقه منها، فالمطالب المتضاربة غير المنظمة ستشتت أهداف الإصلاح الأساسية، كما أنها تجعل من تحقيق أهداف الإصلاح تلك أمراً عسيراً مع وجود أهداف غير واضحة ومطالب فئوية غير مقنعة.

وثاني المبادئ هو أن تكون المطالب منطقية واقعية معقولة، وهذا يعني أن علينا أن لا نطالب بما هو مستحيل، وبمطالب لا يمكن إنجازها دون تخطيط ودراسة متأنية، وبما لا يتناسب مع موارد البلاد، وأن لا نطالب بما يبدو لامعاً اليوم وسيؤدي إلى الضرر على البلاد بأكملها في الغد. أقول للشباب كذلك إن كثيراً من الأخطاء قد وقعت في الماضي ولكن ليس في يدنا إعادة الماضي لإصلاحه، وما في يدنا هو المستقبل الذي نحن جميعاً مسؤولون عنه، وعلينا أن نصوغه بالتخطيط المتأني وبالمطالب الواقعية.

أما المبدأ الثالث فإن من شروط دولة المؤسسات ألا يتعدى أحد على حقوق آخر، سواء كانت تلك الحقوق حقوقاً عامةً يملكها المجتمع أو حقوق أفراد فيه، فكيف يمكن أن نصلح المجتمع بإفساد حقوق الآخرين؟ وكيف نعالج الخطأ بالخطأ؟ ولا شك أن الشباب واعون تمام الوعي بأن التخريب والإضرار بالمال العام والخاص هي أمور يرفضها العقل وتعافها الفطرة ويعاقب عليها القانون. هذا المبدأ يتطلب منكم أيها الشباب أن تقفوا صخرة صلداء أمام من يسعى إلى مثل هذا التخريب حتى لا يشوّه تحرككم الاحتجاجي المبارك.

الخلاصة هي أننا جميعاً نشعر بفخر بهذا الجيل الواعي من الشباب، هذا الجيل الشجاع الذي بادر إلى إنقاذ البلاد في نهضة جديدة، ناصعة من أي فساد وتخريب، وشعورنا بالفخر بهم تصاحبه رسالة بسيطة مفادها أن عليكم إكمال هذا النهوض بتحديد الأهداف وتنظيمها، وبطلب الممكن والواقعي والمعقول، وبرفض أي عمل تخريبي، لأن هذا التخريب، وإن كان قليلاً، سيكون تخريباً لكل ما فعلتموه من حركة احتجاجية مباركة لم تكن تسعى إلا إلى نشر الخير ومحاربة الفساد وبناء عمان الجديدة، دولة المؤسسات والقانون والتخطيط المستقبلي.


------------------------------------------------------------
* نشرت هذه المداخلة ضمن تحقيق عنوانه "أفسحوا للإصلاح" في ملحق "شرفات" بجريدة "عمان"، الثلاثاء 22 مارس 2011.

هناك تعليق واحد: