الأربعاء، 2 مارس، 2011

لنضمن استقرار عُمان ...


لنضمن استقرار عُمان ...
الدكتور عبدالله الحراصي

يشهد العالم العربي من المغرب إلى سلطنة عُمان حالة انفجار واحتجاج لم يسبق لها مثيل في تاريخه منذ انتشار العرب من شبه الجزيرة العربية مع الفتوحات الإسلامية، إذ تتعرض كل البلدان العربية لدرجات متفاوتة من الاحتجاج والاعتراض والاعتصام، والحقيقة أن حالة الغليان الشعبي في الدول العربية ليست جديدة، بل أنها موجودة منذ عقود، وتتراوح أسبابها بين الانهزام الحضاري أمام الغرب وإسرائيل، والأسباب الداخلية التي تميز كل دولة بحسب التطور التاريخي لها وظروفها، أما الحالة التي نعيشها حاليًّا فهي حالة الانفجار الذي أعقب حالة احتباس الآراء والمشاعر حول كثير من القضايا التي تم كبت الشعوب العربية من التعبير عنها، والحقوق التي حرمت هذه الشعوب منها.
وما تشهده عُمان هذه الأيام هو النسخة العمانية لهذه الحالة العام التي تجتاح العالم العربي، ولهذه النسخة العمانية من الحراك الشعبي خصوصياتها كما أن لها مشتركاتها مع بقية النسخ العربية. المشتركات مع الحالة العربية العامّة جليّة للعيان، فهذه الاحتجاجات في مناطق مختلفة من عُمان (مثل مسقط وصلالة وصحار وشناص والبريمي) تحدث في خضم الحالة العربية العامة التي بدأت في تونس ثم مصر، وأدت في البلدين إلى سقوط رأسي البلدين، ثم انتقلت إلى اليمن التي ما زالت تعيش مخاضًا عسيرًا، وليبيا التي لا يمنع الإنسان من الوقوع في فخ السخرية من عبثية ما يحدث فيها وسرياليته إلا الكلفة البشرية المؤلمة التي يدفعها الشعب الليبي، وانتقلت الحالة بدرجات أقل إلى الجزائر والكويت والمغرب والعراق، مع تململ صامت غير أنه لا يخفي احتمالية انفجاره في بقية الدول العربية. والحالة العمانية تشترك كذلك مع بقية الدول العربية في بعض الإشكالات التي عبّرت عنها الاحتجاجات مثل غلاء المعيشة وغياب الوظائف وكبح حرية التعبير والقول واستشراء الفساد.
غير أن الحالة العُمانية لها أيضًا خصوصياتها الناجمة عن التطور التاريخي والوضع السياسي والاقتصادي والأداء المؤسسي الخاص بعُمان ذاتها، إذ إن التعبير الهامس عن كثير من الإشكالات وُجِدَ قبل انفجار الوضع العربي منذ نحو شهرين، فالحديث مثلًا عن الفساد ليس جديدًا بل أن جلالة السلطان المعظم أشار إليه بنفسه في مجلس عمان في عام 2008 حين قال "وتجدر الإشارة هنا إلى انه لمّا كان الأداء الحكومي يعتمد في إرساء وترسيخ قواعد التنمية المستدامة على القائمين به والمشرفين عليه فأن في ذلك دلالة واضحة على مدى المسؤولية الجسيمة المنوطة بالموظفين الذين يديرون عجلة العمل في مختلف القطاعات الحكومية، فإن هم أدوا واجباتهم بأمانة وبروح من المسؤولية بعيدا عن المصالح الشخصية سعدوا وسعدت البلاد، أما إذا انحرفوا عن النهج القويم واعتبروا الوظيفة فرصة لتحقيق المكاسب الذاتية وسلما للنفوذ والسلطة وتقاعسوا عن أداء الخدمة كما يجب وبكل إخلاص وأمانة فأنهم يكونون بذلك قد وقعوا في المحظور ولابد عندئذ من محاسبتهم واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة لردعهم وفقا لمبادئ العدل الذي أرسينا عليه دعائم الحكم والتي تقتضي منا عدم السماح لأي كان بالتطاول على النظام والقانون أو التأثير بشكل غير
مشروع على منافع الناس التي كفلتها الدولة ومصالح المجتمع التي ضمنها الشرع وأيدتها الأنظمة والقوانين ومن ثم فإننا نؤكد على أن تطبيق العدالة أمر لامناص منه ولا محيد عنه وان أجهزتنا الرقابية ساهرة على أداء مهامها والقيام بمسؤولياتها بما يحفظ مقدرات الوطن ويصون منجزاته." كما أن الوعي بأوجه الخلل في الأداء المؤسسي والحديث عنه موجودان منذ فترة وليسا بجديدين، وما أمر جلالة السلطان المعظم بدورات للصحفيين في عام 2008 مثلًا إلا تعبير من قيادة البلاد عن ضعف أداء المؤسسة الإعلامية العمانية.
اتخذت النسخة العمانية من حالة الاحتجاج السائدة حاليًّا في العالم العربي أشكالًا مختلفة من بينها التظاهر في مسيرات مثل المسيرة الخضراء (الأولى والثانية)، والمسيرة التي حدثت في البريمي، والاعتصام في صلالة، وإضراب بعض أعضاء الهيئة التدريسية بوزارة التربية والتعليم عن التدريس، وأخيرًا الاعتصام والتظاهر في صحار الذي تحول في جزء منه إلى حالة شغب وتدمير لممتلكات عامة وخاصة. هذا على مستوى التظاهر المباشر، غير أن حالة الاحتجاج العمانية اتخذت أيضًا أشكالًا أخرى مثل الاحتجاج بالقلم في المواقع والمنتديات والمدونات الالكترونية، وبالأسئلة التي يوجهها ممثلو الشعب العماني لبعض الوزراء في مجلس الشورى، إضافة إلى بعض المقالات والتحقيقات التي تظهر بين فينة وأخرى في الصحافة العمانية.
أتحدث عن أشكال مختلفة للاحتجاج في عُمان حتى لا يختزل الأمر في الاحتجاج المباشر المتمثل في المظاهرات والمسيرات والاعتصامات، وحتى أنطلق للحديث عن أهداف النسخة العمانية من الاحتجاجات. على مستوى المظاهرات المباشرة فإن الاحتجاجات رفعت وترفع شعارات تتعلق بالحاجات المباشرة لغالبية الناس، وهي مطالب اقتصادية حياتية في الغالب مثل التوظيف ورفع الأجور ورفع الراتب التقاعدي، إضافة إلى مطالب تعليمية مثل توفير فرص تعليم عالٍ للشباب العماني، إضافة إلى مطالب مرتبطة بهذا الظرف الاقتصادي العام مثل محاربة الفساد المالي لدى المسؤولين الذي يرى الكثير من الناس أنهم يزيدون ثراءً بطريق الفساد فيما يزيد الفقر والفاقة لدى الغالبية.
غير أن الأشكال الأخرى من الاحتجاج، وخصوصًا تلك التي تأخذ القلم وسيلة لها، تحمل ذات المطالبات العامة، إضافة إلى مطالب أخرى تتجاوز المطالب الاقتصادية، وحتى نسمي الأمور بأسمائها فإن الاحتجاجات العمانية حملت معها مطالب سياسية تتعلق مثلا بضرورة إعداد دستور متفق عليه من قبل الدولة والشعب العماني يكون قطب الرحى للحياة في عمان بمختلف أشكالها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، هذا إضافة إلى مطالب تختص بمحاربة الفساد الذي قدمت بعض المواقع الالكترونية الوثائق الدامغة عليه مثل الحصول على امتيازات من قبل بعض المؤسسات الحكومية دون حق يضمن مساواة جميع المواطنين، إضافة إلى ما اعتبره كثيرون فسادًا في إنفاق المال العام.
هذه إذًا أشكال الاحتجاج العمانية، وهذه كذلك المطالب، غير أن ما وقع في صحار قبل ثلاثة أيام من عنف وتخريب ومقتل أحد المتظاهرين دفع بالبلاد بأكملها في مرحلة جديدة تتجاوز مرحلة الاحتجاجات إلى مرحلة مواجهة الحقيقة من قبل الجميع، وهي مرحلة إن لم نعي بضروراتها وبما ينبغي علينا جميعًا أن نفعله لتجاوزها إلى وضع أفضل وأضمن استقرارًا للبلاد لشاركنا جميعًا في الذهاب إلى الهاوية لا قدر الله.
لنضمن استقرار البلاد لا بد أن يوجد دستور للبلاد يشترك في إعداده الشعب العماني مع الدولة العمانية، وربما سأل سائل "ولكن يوجد النظام الأساسي للدولة، أليس هذا كافيًا؟" والجواب كما يرى كثير من العمانيين هو "لا، غير كاف" لأسباب عديدة يأتي على رأسها أن المجتمع لم يشترك في إعداده، وإشراك المجتمع في إعداد دستور بلاده هو حق أصيل لأي شعب. والدساتير التي تضمن الأمان هي الدساتير التي يشترك الجميع في إعدادها حتى تكون المسؤولية مشتركة، وحتى لا يتهم طرفٌ طرفًا آخر بأنه سبب الإشكالات مستقبلًا لعدم إشراكه في إعداد وثيقة البلاد الرئيسية.
لنضمن استقرار البلاد لا بد من حريّة التفكير والقول والإعلام، وإذا عدنا لمرجعية الخطابات السامية لوجدنا أن جلالة السلطان تحدث عن رفضه لمصادرة الفكر، وتشجيع الناس، وخصوصًا الشباب، للتدبر والتفكير الحرّ، غير أن الممارسة الحقيقية في أداء الحكومة تكشف لنا عن أداء يضادّ توجه صاحب الجلالة المعظم، إذ لم يعد يمكننا، مثلًا، إنكار أن هناك مقالات يمنع نشرها في الصحافة العمانية، كما أن هناك كتبًا عمانية مهمة ممنوعة في عُمان منها "موسوعة عُمان: الوثائق السرّية" لمحمد بن عبدالله الحارثي، ورواية "الوخز" لحسين العبري الفائز بوسام جلالة السلطان قابوس للأدب والفنون.
لنضمن استقرار البلاد لا بد من تحديد واضح للمال العام، وسبل صرفه، وضرورة إيجاد نظام يكفل صرفه بطرق واضحة ولأهداف وطنية واضحة، وليس بالشكل الريعي التقليدي الذي نراه أمام أعيننا. لنضمن استقرار البلاد لا بد من محاربة الفساد، وكما قال جلالة السلطان المعظم في خطابه أمام مجلس عمان عام 2008 فإن هناك ضرورة لتقصي ثروات بعض المسؤولين الذين يتهمهم المجتمع بكل وضوح في قضايا فساد، والذين يتهمهم المجتمع بأنهم قاموا "بالتطاول على النظام والقانون أو التأثير بشكل غير مشروع على منافع الناس التي كفلتها الدولة ومصالح المجتمع التي ضمنها الشرع"، وكما قال جلالته فلابد من "ردعهم وفقا لمبادئ العدل"، وهنا فإن تقصي سبل إثراء بعض المسؤولين ومحاكمة من يثبت تورطه في الإثراء غير المشروع هو الترجمة الحقيقية الوحيدة للردع وفقا لمبادئ العدل الذي دعا إليه جلالة السلطان المعظم.
والخلاصة هي أنه كي نتحمل مسؤولية اللحظة، وهي مسؤولية خطيرة، فإن على عمان بأكملها، شعبًا ودولة، أن تتحاور مع نفسها وأن تطرح للعلن كل القضايا المختلف حولها والقضايا التي دثرها غبار الصمت والسكوت والإسكات، فالزمن قد تغيّر كثيرًا، ونحن قد تغيّرنا كثيرًا، وعلينا أن نقتنص هذه اللحظة ... قبل أن تفوت...

هناك تعليقان (2):

  1. دكتور عبدالله : كتبت فأصبت ..
    لله درّك
    "الشباب قادمون" .. حفظ الله عمان وقائدها وشعبها

    ردحذف
  2. سعيدة سعيدة بطرح متزن محايد كهذا يصل للعقول والقلوب ويتقبله أي طرف

    شكراً لقلمك د.عبدالله
    حفظكم الله ورعاكم

    مروة
    رؤية الشباب للمؤتمرات

    ردحذف