الأربعاء، 9 ديسمبر 2009

اللغو الرائج


وصلني بالأمس كتاب يحمل العنوان التالي باللغة الانجليزية Fashionable Nonsense: Postmodern Intellectuals' Abuse of Science وهو عنوان أترجمه كما يلي "اللغو الرائج: عبث المفكرين ما بعد الحداثيين بالعلم".

وهذا الكتاب ليس كتاباً جديداً بل صدر باللغة الانجليزية قبل أكثر من عشرة أعوام، وبالتحديد في عام 1998، بعد أن صدر قبل عام واحد في أصله الفرنسي الذي حمل عنوان Impostures Intellectuelles. رغم مرور ما يزيد على عقد من الأعوام على صدور الكتاب غير أنه من الكتب التي لا تفقد أهميتها بمرور الأيام. مؤلفا الكتاب هما ألان سوكال Alan Sokal (وهو أستاذ الفيزياء في جامعة نيويورك) وجين بريكمونت Jean Bricmont (وهو أستاذ الفيزياء النظرية في جامعة لاوفين في بلجيكا).

يتناول الكتاب قضية في غاية الأهمية في الفكر الغربي، وهي سوء استخدام العلم في الفكر الغربي الحديث، وتحديداً فكر ما اصطلح عليه بما بعد الحداثة، والمقصود بسوء استخدام العلم أن يعتمد المفكر على معلومات يأخذها من مجالات العلوم المختلفة على نحو تحف به كثير من المشكلات مثل ما يلي:

1- أن لا يكون المفكر فاهماً تماماً للنظريات العلمية التي يستخدمها في قضاياه الفكرية، ويشمل هذا استخدام مصطلحات علمية دون تقديم شرح لها.

2- استخدام مفاهيم من العلوم الطبيعية في العلوم الانسانية والاجتماعية دون أي تبرير لهذا الاستخدام العابر للحقول المعرفية (أي من العلم الطبيعي نحو المجالات الانسانية).

3- إدعاء المعرفة من خلال نثر المصطلحات العلمية في ثنايا المقالات الفكرية "دون حياء" مع عدم ارتباط تلك المصطلحات بالقضايا موضع النقاش.

4- التفذلك في استخدام كلمات وعبارات وجمل لا تحمل معنى حقيقياً حين يتم فحصها وامتحان دلالتها.



يهدف الكتاب إذاً إلى فحص ما يمكن أن نسميه "الدجل الفكري" حين يقوم المفكرون بتقديم طروحات لا معنى حقيقي لها والاستناد على العلم الطبيعي بطريقة خاطئة وغير دقيقة، والتباهي بعبارات منمقة ولكنها تخلو من المعنى.

والكتاب هو في حد ذاته ينطلق من ورقة شهيرة كتبها أحد مؤلفي الكتاب وهو ألان سوكال، قام فيها بتقليد المفكرين الكبار في كتاباتهم الفكرية وتنميقاتهم الاصطلاحية واستدلالاتهم بمفكرين آخرين، على طريقة عدد من المفكرين الفرنسيين وبعض علماء الاجتماع في الولايات المتحدة. تلك الورقة التي كتبها سوكال لم تكن تحمل أي معنى أو فكرة حقيقية باستثناء ذلك التقليد الساخر من أولئك المفكرين والعلماء. أرسل سوكال تلك الورقة إلى إحدى أهم الدوريات الأمريكية وهي دورية "النص الاجتماعي" Social Text لامتحان محرريها، وصدق حدس سوكال بأن عالم الفكر في أحيان كثيرة لا يقدم فكراً حقيقياً بل ضرباً من الموضات الفكرية، ولم يكذب المحررون خبراً فقد نشروا تلك الورقة في عدد خاص من المجلة مخصص في الرد على من يهاجم ما بعد الحداثة!!!

يناقش الكتاب عدداً من المفكرين ويفضح الأخطاء العلمية الخطيرة التي وقعوا فيها، ومن بين هؤلاء الفيلسوف الفرنسي جاك لاكان والناقدة الشهيرة جوليا كرستيفا وجين بودريلارد وبول فيريليو وغيرهم.

أهمية الكتاب تنطلق من أنه يدعو إلى تنقية الفكر من الشوائب غير العلمية، وضرورة اعتماد الفكر على البيانات العلمية الدقيقة في بناء النظريات الفكرية، كما أن أهميته تنطلق من أنه يدعو إلى الفكر الحقيقي الذي يساهم المفكر من خلاله في البناء الانساني العام، ويدعو إلى فضح "الموضات الفكرية" التي يصبح فيها الكتّاب والمفكرون مثل الببغاوات يرددون كلاماً غير مفهوم، أو غير قائم على أساس سليم من المعلومات العلمية.

أكتب هذا العرض السريع للكتاب وأنا أفكر في اللغو الرائج في ثقافتنا العربية وفي الموضات الفكرية التي تكاد تخنق الفكر والنقد العربيين، والتي يدعي كتّابها بأنهم يقدمون بها فكراً جديداً أو قديماً ثابت الأصول فيما هو في حقيقته واهٍ وهشّ أمام التأمل الفكري الحقيقي وأمام التدقيق العلمي الرصين.

هناك 5 تعليقات:

  1. علي سليمان الرواحي9 ديسمبر 2009 في 2:29 م

    شكرا ً لك أستاذي...لفته مهمه جدا ً ، غير أن الأهم في رأيي ، هو الخروج من النقطه(3) أي كيف نستخدم المكتسبات العلمية والمنهجية في ظل التبعية الشاملة والمعرفية خصوصا ً ؟
    أتفق معك ان الموضات الفكرية أصبحت رائجة ، ولكن ما هو المخرج ؟

    " أهمية الكتاب تنطلق من أنه يدعو إلى تنقية الفكر من الشوائب غير العلمية، وضرورة اعتماد الفكر على البيانات العلمية الدقيقة في بناء النظريات الفكرية "....تحتاج هذه الفقرة للشرح والتوضيح استاذي.

    مثير جدا ً ان يتطرق الكاتب للأخطاء العلمية التي وقع فيها "لاكان" و "كريستفا".

    ردحذف
  2. جميل جداً.
    كثير من الجدل الرائج والمزوق يُقرأ عندنا.
    لابد من نفضه كثيراً.
    شكراً لك.

    ردحذف
  3. صراحة لم يسبق لي أن قرأت الكتاب، وأشكرك على هذا الإيجاز المتميز. وحسب معرفتي فأن هذا الكتاب جاء في إطار ما سمي "حروب العلم" Science Wars التي حمى وطيسها بعد خدعة Hoax الفيزيائي آلان سوكال ونشره مقال في مجلة النص الاجتماعي حسب ما ذكرت في الايجاز، وقد رد ناشري المجلة في ذلك الحين بأن المجلة ذات معايير سياسية وليست علمية وبالتالي لا تنطبق عليها معايير نشر النصوص العلمية البحتة. صحيح أن (بعض) فرضيات ما بعد الحداثيين تعتبر ردكالية خاصة في ظل سيطرة العقلانيين Rationalists على العلوم الطبيعية والاجتماعية طويلة الامد ولعل رد الفعل القوي على تلك الفرضيات يؤكد أنهم لامسوا جوانب هامة للنظريات الأخرى كالواقعية مثلا مثل رؤيتهم العلم والمعرفةودور اللغةوغيرها من الرؤى.
    من وجهة نظري المتواضعة، يمثل فكر ما بعد الحداثيين رد فعل إجتماعي للوضع السائد "التفسير العلمي لكل تقدم بشري" وهو تفسير قصير النظر لعدم شموليته للبيئة الاجتماعية المحيطة بذلك التقدم، كما أنهم أوصلوا رسالة بأهمية وجهة النظر البشرية في بناء النظريات العلمية. وفي الختام يعتبر البعض أن فكر ما بعد الحداثيين ما هو إلا ثورة على الفكر الغربي المسيطر والذي لا يعترف بأي دور للحضارات الأخرى في ما وصل إليه العالم من تقدم.
    أعتذر عن الإطالة ... متمنيا دوام التواصل
    سيف الجهوري - ألمانيا

    ردحذف
  4. دكتور عبدالله

    شكرا لك على هذه الإلتفاته..

    وربما ما سأقوله هنا هو تكرار لكلمات قد قلتها من قبل في مدونات أخرى باتت تدخل في صلب موضوع أنوي التطرق إليه بعد إتمام المرحلة البحثية..

    هذا الكتاب يفضح - إن صح التعبير- الطريقة الفاتيكانية القابعة تحت سطوة الماسونية في استخدام العلم لتحرير العقول من الأديان وبث عدم الأيمان بوجود إله خالق..

    وقد أصبح مفكرونا بل حتى العامة منا يطالبون في كل نقاش بتفسير علمي له رغم أن الإيمان بأي دين كان يحتم على المرء أن يؤمن أحيانا بأشياء أو جوانب في دينه دون الحاجة لتتفاسير أو أسباب لها.

    لأم أقرا الكتاب بعد، ولكن شرحك الموجز يؤدي بنا غلى نتفس النتيجة. وبالرجوع غلى تاريخ وأهداف الدين المسمى الماسونية - والذي يسعى لتكوين حكومة عالمية جديدة أو ما يسمى بالنظام العالمي الجديد - نجد أننا قد قبعنا تحت سطوتهم وسلطتهم بأموالنا وثرواتنا وبلداننا فأصبحوا يطوروننا كما يريدون لانهم أصحاب المال، ويوهموننا بأننا عالم ثالث متخلف ييحتم علنا اللحاق بالركب.

    خطة وضعت في عام 43 م وتبلورت عام 1717.. ولي في ذلك عودة..

    ما كني قمت أخربط.. أبوي صعلوك مو جاب الصين في الطين وفلسطين؟ تو انته مو جالس تهربت صعلوك؟؟


    تحايا صعلوكية لك يا دكتور..

    So long

    ردحذف
  5. السلام عليكم ارجو المساعدة فى الحصول على كتب الان سوكال

    ردحذف