السبت، 1 أبريل، 2000

التجسد في الفلسفة

التجسد في الفلسفة

استعارات العقل عند موسى بن ميمون نموذجا



عبدالله الحراصي


اوضحت في ورقة سابقة ( الحراصي 1999-أ) معنى التجسد كما تطرحة الفلسفة التجربية، حيث عرضت كتابي لاكوف وجونسون "ااستعارأت التي نحيا بها" (1980) و"الفلسفة في الجسد: العقل الممتجسد وتحدية للفلسفة الغربية " (1999) اللذين بينا فيهما أن العقل لا ينفصل عن تجربة الجسد بل أن التجرية العقلية في كثير من جوانبها تقع تحت سيطرة الجسد المجازية، حيث ينقل العقل، من خلال الإستعارة، بنى التجارب المادية، كالحركة والرؤية البصرية والاحتواء. ومنطقها وتفاعلاتها ليشكل منها المفاهيم المجردة كالمفاهيم السياسية والفلسفية و غيرها. كذلك رأينا كيف أن ديكارت قد اقام منظومة فكره الفلسفي على مجموعة من الاستعارات ذات الاساس المادي الصرف، فالأفكار كانت اشياء وعملية التفكير كانت القدرة على رؤية الافكار رؤية واضحة. كما رأينا أن المفاهيم البسيطة كالزمن ليست خلوا من الحادة ابدا، فمفهوم الزمن مرتبة الى حد كبير بتجارب وظواهر مادية كالحركة والمسافة وغيرها، ولا يمكن التعامل مع مفهوم الزمن بحال من الاحوال الا من خلالها.

كذلك رأينا في ورقة أخرى (الحراصي 1999- ب) كيف ان لمتجسد كان اساسيا في صدام الخطابات الاجتماعية، فقد رأينا ان الامام نور الدين السالمي قد ارتكز طي استعارة (الدين طريق 1) وان (الحياة سير في طريق الدين لم اضافة الى استعارات ( الاستقامة) و(الصحة) وغيرها في نقده للتغيرات الاجتماعية التي شهدتها زنجبار في اواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، فيما ارتكز "المحتج " على الامام السالمي ايضا على مفاهيم مادية كمفهوم " لتكيف " الذي رأى من خلاله ان السلوك الاجتماعي لعمانيي زنجبار كان عرضة للتغير لا محالة لمضغوط الظروف الجديدة وما تقطبه من لوازم التأقلم المعيشي.

أما هذه الورقة فهي استمرار للخط الفكري الذي عرض في الورقتين السابقتين، حيث سيكون لب مسعى هذا المبحث هو تطبيق ذات الرؤية التجسدية على التفكير الفلسفي. وهو مشروع قد بدأه في اللغة الانجليزية كل من لاكوف وجونسون في كتابهما الأخير " الفلسفة في الجسد" كما رأينا سابقا. وما تطرحه هذه الورقة ليس الا محاولة استكشافية بسيطة لتقصي أبعاد التجسد الفلسفي في السياق العربي. ونقول "استكشافية " لكون تتبع تجسد الفلسفة اتجاها بحثيا لم يتم، فيما أمم، تتبعه في مجال الفلسفة العربية من قبل، ولنقل من منظور الفلسفة التجريبية على أقل تقدير، وهو ما يستوجب التأني في الوصول الى ما يرتجى من نتائج، بمعنى ان أية نتائج قد نصل اليها من خلال التحليل انما هي نتائج قابلة للأخذ والرد ولا يمكن قبولها قبولا تاما دون دراسة أوسع للخطاب الفلسفي العربي بأكمله وعلى مر تاريخ تطوره، وهو ما لا يمكن لمبحث واحد مثل هذا ان يقوم به. أضف الى ذلك ان تقصي التجسد في الفلسفة، ليس من الامور التي ينبغي التسرع فيها، والتهجم في الوصول الى ما قد يبدو من ظاهر نتائجها ومستتبعاتها، لما فتي هذا المشروع من ابعاد قد لا تكون عواقبها في مدى البصر والبصيرة على كثير من المسلمات في سائر انماط التجربة العقلية. ان التجسد يقتضي على مسوى الفرضية ان الفلسفة، باعتبارها من أهم أشكال التجربة العقلية المجردة، لقيت في جوهرها مختلفة في استثمار التجربة الجسدية في الفكر عن أشكال التفكير الاخرى، بما فيه تفكير عامة الناس. وهو أمر قد يصب التفكير فيه، ناهيك عن قبوله، من قبل من يعتقد جازما، جريا وراء النظريات المألوفة الشائعة، بأن الفلسفة عقل محض وان الفلاسفة قمة في هرم التفكير العقلي في مجتمعاتهم، وان أنماط تفكيرهم تختلف نوعيا عن اشكال التفكير الموجودة عند بقية الناس.

كذلك اقول ان هذه الدراسة " استكشافية " لكوني أقر بإني لست فيلسوفا ولست متخصصا في الدراسات الفلسفية، وانما أسعي قدر جهدي ان اقدم اجتهادا يقوم على منهج اساسي في علوم اللسانيات هو تحليل اللغة، بحيث اني سأنطق من خلال تحليل اللغة الفلسفية لتقديم ما أراه حول تجسد التفكير الفلسفي، وهو، كما ذكر آنفا، منهج قد طبق فيما سبق على يد كل من لاكوف وجونسون في كتابهما " الفلسفة في الجسد" ولاقى، فيما أرى، نجاحا في تبيين تجسد الفلسفات الغربية منذ قدماء فلاسفة الاغرق حتى الفلسفات المعاصرة. وغاية أملي هو ان تكون هذه الورقة مدخلا لدراسات تلحقها من قبل من المتخصصين في الفلسفة العربية، ممن قد يرون في الفلسفة التجريبية فلسفة مغايرة يمكن ان تقدم للدراسات العربية في الفلسفة وغيرها من اوجه الفكر والابداع العربيين نظرات أكثر قربا للحقيقة الانسانية وارتباطا بتجاربها الحياتية الاساسية.

سنحاول فيما سيتبع إذن تقصي اثار التجربة البشرية المادية في كتاب فلسفي واحد هو "دلالة الحائرين " للفيلسوف موسى بن ميمون الاندلسي، وابن ميمون، رغم ديانته اليهودية، الا انه يعد من الفلاسفة الاسلاميين لإنتمائه للمجتمع الاسلامي من جانب ولكونه نشأ في المناخ الفكري الاسلامي وداساهم فيه وأضاف اليه بقدر ما اخذ منه " كما يقول الدكتور حسين آتاي الذي حقق الدلالة ونشره بالعربية.

ولكون هذه الورقة استكشافية فإنها ستقتصر على الاستعارات المستخدمة في التعامل مع مفهوم واحد وهو مفهوم العقل، حيث سنتتبع بعض استعارات العقل عند ابن ميمون ولن نتعدى هذا المفهوم لتقديم فلسفته أو آرائه في الشريعة كلها، ويمكن لمن أراد ان يستزيد حولها ان يطلع على كتبه ككتاب "دلالة الحائرين " او الكتب التي كتبت حوله مثل كتاب "موسى بن ميمون حياته ومصنفاته " لولفنسون والذي صدر بالعربية عام 1936، وبالانجليزية يمكر مطالعة كتب مثل "موسى بن ميمون " لأولفر ليمان ( 1990ففمجـ)،، وكتاب "تفسير ابن ميمون: دراسات في المنهج، والميتافيزيقا، والفلسفة الاخلاقية " لمارفين فوكس ( 1990د) وكتاب "وجهات نظر في ابن ميمون " الذي يتكون مز دراسات لعدد من الباحثين وحرره جويل كريمر ( 1991ممفثـ).

الفرق بين التجسيم وتجسيد العقل

غير انه قبل ان نطل استعارات ابن ميمون حول العقل نرى انه ينبغي ان نوضح أمرا غاية في الاهمية وهو الفرق بين مفهوم التجسيم الذي يهاجمه ابن ميمون هجوما عنيفا ويقرع بشدة القائلين به ومفهوم التجسد الذي تطرحه الفلسفة التجربية التي تجري على تراثها هذه الورقة.

ولنبدأ بمفهوم التجسد. لا يمكن ان ندرك معنى التجسد في الفكر الا من خلال تتبع الافتراضات الفلسفية التي تقوم عليها النظرية المفهومية للاستعارة. وهذه النظرية تختلف من الفلسفات الموضوعية في انها تعطي دورا اساسيا للذهن الانساني في ادراك الاشياء، فغيما ترى النظريات الموضوعية ان الوجود الخارجي(اي خارج العقل) لا يتطلب العقل الانساني اساسا، وان لا دور للعقل ابدا في ادراك الظواهر خارجه، بل انه لا يقوم الا بدور العاكس لظواهر الخارج المادي. أما في مجال اللغة فتوى الفلسفات الموضوعية ان اللغة تعكس ما في الخارج فالكلمات تشير اشارات مباشرة الى ظواهر الخارج المادي، فكلمة " جبل " تشير الي الظاهرة الجغرافية المعروفة، اما الاستعارة في هذا المنظور فهي ليست الا تشبيها مبطنا يتم فيه استخدام كلمة محل اخرى لتشابه بين ما تشير اليه كل من الكلمتين، وان لا دور للعقل في خلق هذا التشابه.

أما الفلسفة التجربية فلها منطقات فكرية مختلفة، تتبعها تفسيرات لظواهر مثل الاستعارة وغيرها تختلف عما هو سائد مما تطرحه الفلسفات الموضوعية. فهذه الفلسفة ترتكز على الدور الاساسي للذهن الانساني، وان الطبيعة الخارجية ليست منعتقة تماما من العقل الانساني، بل ان للعقل دورا اساسيا في طبيعة ادراك وجودها وفي فهمها. وترى هذه الفلسفة ان للوجود المادي المحسوس دورا اساسيا في تشكيل بنية الذهن، فالعقل هو جزء من جسد الانسان، وتفاعلاته العصبية هي تفاعلات مادية، كذلك فإن مفاهيمنا المجردة تقوم اساسا على تجربتنا المعيشية في مستوياتها الاساسية المادية (اساسا) والاجتماعية والاقتصادية وغيرها. اما الاستعارة فإن لها ألية مختلفة حسب هذه النظرية، ذلك انها تقوم ليس على اساس التشابه بين المستعار والمستعار له (اي بين القمر والوجه الجميل كما في قولنا "رأيت قمرا " او الرجل الشجاع والاسد في قولنا. " اقبل الاسد ") بل على اساس اننا، كبشر، نستغل المستويات الاساسية في حياتنا وفصوصا التجربة المادية في تشكيل المفاهيم غير المادية، فعبارات مثل قولنا أدان هذا خارج نطاق العقل "، وان "هذا امر لم يدخل عقلي "، و" لم يبق في عقلي شيء من ذكريات الطفولة " تفترض ان العقل شيء مادي مؤطر بحدود يمكن بعبورها الدخول اليه والخروج منه. وهذه التعبيرات تبرز الخلاف على الاستعارة بين النظريات التقليدية القائمة على التشابه والنظرية التجيربية، فالأولى سترى ان هذه ليست استعارات اصلا، فالكلمات "خارج نطاق " و" يدخل " "لم يبق في... سوى..." تدل حقيقة ان بالامكان للأفكار ان تدخل العقل وان العقل قد يقبل دخول أفكار معينة فيما يرفض أخرى، وان للعقل حدودا فعلية، تجل من مثل عمليات الدخول والخروج هذه امورا مقبولة. اما النظرية المفهومية فترى اننا لا نعرف عن طبيعة العقل وعن بنيته الشيء الكثير الا ان كل ما نعرفه هو ان العقل هو تلك الملكة التي تفكر وتشعر ويمكنها ان تقرر ما يفعله الانسان، اما التعبيرات الثلاثة السابقة فهي ليست سوى تجل لغويا لاستعارة مفهومية هي (الذهن حاو للأفكار)، اي ان فهمنا للعقل هو فهم مجازي، وان العقل ليس حاوية حقيقة، بل ان معرفتنا بالظواهر الحاوية هي التي تمكننا من تشكيل هذه المعرفة المحددة عن العقل، ومن هنا جاءت فكرة تجسد التفكير، ففهمنا للعقل كما يتجلى في العبارات السابقة هو فهم متجسد بمعنى انه قائم على ظاهرة الاحتواء المادي التي تفترض ان للحاوي حدودا تحدد خارجه من داخله.

وإذا كان الفكر متجسدا كما رأينا من الامثلة اعلاه حول فهمنا للعقل نفسه، فإن التجسيم يغدو امرا مختلفا غاية الاختلاف. ان موسى بن ميمون ينتقد من يعتقد بأن لله وجودا ماديا يشبه وجود مخلوقاته، كما اعتقد كثير من اليهود، مشيا وراء ظاهر التوراة، حيث أمنوا بأن لله جسدا ويدا وعينا وغيرها من الجوارح، وان الله منع العالم كما يصنع الصانع البشري مصنوعاته، وهو اعتقاد يثير ابن ميمون الذي يعتقد أن الله لا يجوز فيه التجسيم بحال، ويدفعه لينفي سائر الصفات المادية عن الله. ومفهوم التجسيم ليس قصرا على اليهود فقد وجد عند بعض فرق الاسلام التي اعتقدت بأن لله جسدا مثل الجسد المادي بما به من جوارح ولكونه جسدا فإنه يفعل ما تفعله سائر الاجساد كالاتصال المادي وغيره، وهو ما يتبين من الفقرة التالية من كتاب "الملل والنحل " للشهر ستاني وأما مشبهة الحشرية ؛ فحكى الأشعري من محمد بن عيسى أنه حكى عن مضر، وكهمس، وأحمد الهجيمي: أنهم أجازوا على ربهم الملامسة والمصافحة، وأن المسلمين المخلصين يعانقونه في الدنيا والأخرة إذا بلغوا في الرياضة والاجتهاد إلى حد الإخلاص والاتحاد المحض. وحكى الكعبي عن بيضهم أنه كان يجوز الرؤية في دار الدنيا، وأن يزوره ويزورهم. وحكى عن داود الخوارمي أنه قال. اعفوني من الفرج واللحية، واسألوني عما وراء ذلك. وقال. إن معبوده جسم، ولحم، ودم، وله جوارح وأعضاء من يد، ورجل، ورأس، ولسان، وعينين، وأذنين، ومع ذلك جسم لا كالأجسام، ولحم لا كاللحوم، ودم لا كالدعاء، وكذلك سائر الصفات، وهولا يشتبه شيئا من المخلوقات، ولا يشبها شيء. وحكي عنه أنه قال: هو أجوف من أعلاه إلى صدره، مصمت ما سوء ذلك، وأن له وفرة سوداء، وله شعر قطط. وأما ما ورد في التنزيل من الاستواء، والوجه، واليدين، والجنب، والمجيء، والإتيان، والفوقية، وغير ذلك فاجروها غلى ظاهرها ؛ أعني ما يفهم عند الإطلاق على الأجسام.

التجسيم اذن يعني اثبات الجسم لله تعالى، وان له جوارح كاليد وأقدم واللسان وغيرها، وانه يجوز له ان يتصل ماديا بالناس، وهذا ما يرفضه ابن ميمون رفضا مطلقا. بل ان هذا يساس د الكفر عنده، حيث "لا ينبغي ان يقر احد على اعتقاد تجسيم اوعلى اعتقاد لاحق من لواحق الاجسام، الا ما يقر على اعتقاد قدم الاله او الشرك به او عبادة من دونه " (83).

ان الفرق الاساس يكمن اذن في ان مفهوم التجسيم يقوم على حقيقة مفترضة للظواهر غير المحسوسة فيما ان مفهوم التجسد لا يعنى بالبشر من الطبيعة الحقيقية للموجودات غير المادية كالله والملائكة أصلا، ذلك انه مفهوم يصف فعل العتل وربطا لمجالات الحياة البشرية. فحين نقول ان مفهوم الزمن متجسد لأن الناس يعتقدون ان الزمن يتحرك من موقع لأخر، وان الامس "مضى" و" فات " وان الغد و" المستقبل " "قادم " فإننا لا نعني ابدا ان الناس يعتقدون حقيقة ان للزمن جسدا بشكل من الاشكال وان ثمة أرضا تحته يتحرك فيها من مكان لأخر، بل القصد هو انه حيث ان مفهوم الزمن مفهوم مجرد يختلف عن الظواهر المادية كالسيارة والناقة والسفينة مثلا، ولا يعرف له بنية واضحة، فإن العقل الانساني يفهمه مجازيا حيث يقوم بتشكيل هذا المفهوم الغامض زي البنية غير الواضحة من خلال ما نعرفه ئ الظواهر المادية كالتي اشرنا اليها فيما تقدم.

وهذا الفرق مهم وتوضيحه مهم جدا، حيث ان من لا يفرق بين الامرين سيعتقد ان الفلسفة التجريبية ليست الا تجسيد(و)ية محدثة مثلها مثل من يأخذ بظواهر النصوص الدينية كالتوراة والقرآن التي يشي ظاهره مثل الاية الكريمة "يد الله " فوق ايديهم " (سورة الفتح: 10) وغيرها بإن لله يدا وغيره من سائر الاعضاء. فالفلسفة التجربية التجسدية كل همها ليسر تقصي "حقيقة " و"جوهر" الموجودات المجردة غير المادية وانما السبل التي بها يشكل العقل مفاهيمه من خلال التجربة المادية حول الظواهر غير المادية.

وللحديث عن أثر التجسد في خلق التفكير والمعاني الفلسفية يلزم ان نوضح ونشدد على قضية تتعلق بطاهرة مخططات الصور التي ستكون جزءا من استدلالنا على تجسد فكر ابن ميمون الفلسفي. ومخططات الصور هي ظاهرة عقلية تمكننا من ادراك كثير من تجاربنا المحسوسة ومن ثم تجاربنا الفكرية من خلال الاستعارة كما في المثالين التاليين.

1. مخطط الاحتواء: مخطط تقوم بنيته على وجود حدود تميز الداخل والخارج كغرفة النوم، ملعب كرة القدم، علبة الكبريت، ونستخدمه مجازيا كما هو في استعارة (الزمن حاو) كقولنا "أحدث في عام 1999".

2. محظط التحرك: مخطط تقوم بنيته على وجود شيء يتحرك من نقطة الى نقطة أخرى كتحرك الريح من الشرق الى الفريد، وحركة الطفل مز أمه الى ابيه، وحركة السيارة من مدينة الى اخرى، ونستثمره مجازيا كما في استعارة (الزمن حركة) كقولنا " مضى القرن العشرون غير مأسوف عليه وجاءنا القرن الجديد والحال نفس الحال " مخططات الصورة اذن ليست صورا مدركة بالعين (وهي الصور التي تسمى في الذهن،بـ "الصور الثرية " اي الصور التي يمكن رؤيتها بصريا كالغرفة وعلبة الكبريت وحركة السحاب) بل إنها أنماط أكثر تجريدا يمكن ان تظهر في ادراكنا للصور الثرية فمخطط الحركة يشكل بنية رؤيتنا لحركة السحابة مثلا. وتتشكل منططات الصورة من خلال تجاربنا تفاعلنا مع الاشياء المادية وخصوصا في فترة الطفولة كما بينت كثير من الدراسات مثل جوفسرن (1987). ولمخططات الصور بنى بسيطة جدا، فمخطط الحركة لا يقطب سوى نقطة انطلاق وجسم متحرك وخط حركة ونقطة وصول، ومنطق بسيط ايضا (مثلا: اذا تحركت من نقطة أ، متجها الى نقطة ج، وكنت في نقطة ب في منتصف المسافة بين أ و ج فلا يمكن ان تكون في ذات الوقت في أ او ج). ينطبق هذا على السيارة وعلى الطفل وعلى تحرك المنخفضات الجوية من قارة الى قارة على سبيل التمثيل.

ابن ميمون ورفض فكر المتكلمين المتجسد

السبب الأساس الذي جعلني أختار موسى بن ميمون لا غيره في هذه الورقة هو انه يتحدى الفلسفة التجربية، بمعنى انه، حسبما يتبين من كثير من آرائه، يعي تماما كيفية تشكل الافكار وطبيعة العقل وارتباطه بتجارب المادة والحسر، لكنه في خضم هذا "نسي نفسه " وهو دافقا نحو اختيار تحليل نماذج من تجسد فكر. في تعامله الاستعاري مع مفهوم العقل. ويمكن الاستدلال على فهم ابن ميمون لخطورة التجسد في الفكر من خلال الفقرة التالية، التي توضح رأيه في سبب تجسد التفكير البشري، وخصوصا عند العامة من الناس.

"إذ لا يرى الجمهور شيئا متمكن الوجود صحيحا، لا ريب فيه، الا الجسم. وكل ما ليسر بجسم، لكنه في جسم، فهو موجود، لكنه انقص وجودا من الجسم، لافتقاره في وجوده الى جسم.اما ما ليس بجسم ولا في جسم، فليسر هو شيئا موجودا بوجه في باديء تصور الانسان، وبخاصة عند التخيل ". (101)

ويقول في موضع اخر ان "المادة حجاب عظيم عن ادراك المفارق على ما هو عليه " (490) وفي كل هذا دليل على وعي تام لدى موسى بن ميمون بضرورة تجسد التفكير العقلي واستحالة تخطي هذا التجسد. الا ان ابن ميمون رغم اقراره بالتجسد فإنه يختلف عن الفلسفة التجربية التي تطرح فكرة تجسد التفكير العقي في انه ينتقد العامة بقصور لديهم في إمكانية تجاوز هذا التجسد، ذلك التجاوز الذي يتميز به الفلاسفة وغيرهم من الكاملين. وموضع الخلاف هنا ان هذا التجاوز، كما سيتبين في هذه الدراسة، لا أصل حقيقة ان منظور نظرية تجسد الفكر المعاصرة، ففكر ابن ميمون نفسه يكاد ان يكون كامل التجسد، ولا يختلف ئ فكر العامة المتجسد كثيرا، من خلال الاستعارات التي يشكل بها مفهوم العقل كاستعارات ( التفكير العقلي تحرك من موضع الى اخر) واستعارة لم التفكير العقلي رؤية للأفكار) والتي سنشرحهما بالتفصيل مع الامثلة الدالة عليهما من خلال اقتباسات من ابن ميمون نفسه.

يمكن رؤية ادراك ابن ميمون للتجسد كذلك من خلال رأيه في المتكلمين وطريقه برهنتهم على حدوث الكون (أي خلقه) وليس قدمه (استمراريته بلا بداية محددة) حيث انه مع اقراره بنفس ارائهم في الحدوث الا انه يرفض "المقدمات " التي وصلوا بها الى تلك الأراء، مستندا على ان اراءهم انما تنطلق من المادة الحسية، اي، ان فكرهم متجسد ان اردنا استتندام تعبير الفلسفة التجربية، حيث يقول عنها ابن ميمون انهم " اتلفوا علينا براهين وجود الاله ووحدانيته، ونفي الجسمانية اذ البراهين التي يبين بها جميع ذلك انما تؤخذ من جملة طبيعة الوجود المستقرة المشاهدة المدركة بالحواس والعقل “(2280).

إن هذا الوعي بالتجسد في تفكير الآخرين ورفضه لكونه من منطق المادة يتجلى أيضا في تشديده على وجود ظاهرة " إشتراك الاسم " والذي يعني ان التجسد الذي قد يوجد عند الفلاسفة وعلماء الشريعة انما مرده تجسد " لفظي" ان جاز التعبير،بمعنى ان لغتنا البشرية محدودة وأن وصفنا لما وراء الطبيعة بصفات الطبيعة مرده هدم وجود لغة أخرى الا لغة البشر، ففي حديثه عن الوحدانية يقول:

فكما يستحيل عليه عرض الكثرة كذلك يستحيل عليه عرض الوحدة، أعني ليست الوحدة معنى زائدا على ذاته، بل هو واحد لا بوحدة، ولا تعتبر هذه المعاني الدقيقة التي يكاد تفوت الاذهان بالألفاظ المعتادة التي هي أكبر سبب في التخليط، لأن تضيق بنا العبارة جدا جدا في كل لغة حتىلا نتصور ذلك المعنى الا بتسامح في العبارة، فما رمنا الدلالة على كون الاله لا كثيرا، لم يقدر القائل يقول: الا واحدا، وان كان الواحد والكثير من فصول الكم ".(135)

الا انه ينبغي ان نشير هنا الى ان وعي ابن ميمون هذا بتجسد لغة الفكر، كما يتجلى في قضية الوحدة والكثرة النابعة من تجربتنا الحياتية بالاعداد، لا ينبغي ان نستنبط منه وجود وعي تام لديه بتجسد الفكر ذاته كما تقدمه لنا الفلسفة التجربية، فابن ميمون، مثله مثل غيره من الفلاسفة والمفكرين الموضوعيين، يرون ان الافكار والمفاهيم المجردة موجودة وجودا مستقلا ولا علاقة لها بالجسد على نحو معلق لكننا، ولكوننا بشرا، فإنه لا محيد من ان نستخدم اللغة البشرية في حديثنا عما هو مفارق للمادة من موجودات، أي ان ابن ميمون ماء ان للأفكار وللظواهر الفكرية وجودا فاما بها ليس له علاقة بالجسد وتقاعلاته، فيما ان الفلسفة التجربية ترى ان الافكار لا توجد من غير تجسد، اي من غير دور الجسد المجازي.

ان الفكرة الرئيسة التي تحاول هذه الورقة طرحها هي: انه فيما يقرع ابن ميمون عامة الناس او "الجمهور" متهما اياتم بتجسد التفكير وعدم القدرة على الانعتاق من الوجود المادي الذي يعيشونه، فإنه قد أعطى للكاملين من الفلاسفة وغيرهم إمكانيات للانعتاق بتجاوز التفكير القائم على الجسد. وهذا يطرد أمرين ينبغي التوقف أمامهما، اولهما ان ابن ميمون نفسه يقر ان التفكير العام متجسد وهو رأي غاية في الاهمية، وهو رأي يمثل لب الفلسفة التجربية المعاصرة، الا ان هذا الرأي، اي رأي ابن ميمون، يستثني الفلاسفة او غيرهم من الكاملين الذين يمكنهم أن يتجاوزوا اثر التجسد في التفكير من خلال تعاملهم مع المدركات العقلية علي نحو مباشر لا يمر من خلال أتي الجسد، وهو استثناء تحاول هذه الدراسة ان تبين عدم سلامته كما سيتبين.

ولمكن لسائل ان يسأل " وما ضرورة استخدام الاستعارة في فهم ظاهرة "العقل " وطبيعة عمله ؟". درس كل من لاكوف وجويسون (1999، صص 235-266) ظاهرة العقل وأوضحا جليا ان العقل متجسد، ليس بالمعنى البسيط لكلمة متجسد، بل "بالمعنى العميق حيث ان منظوماتنا المفهومية وقدرتنا على التفكير تشكلها طبيعة أدمغتنا واجسادنا وتفاعلاتنا الجسدية. ولا يوجد عقل منفصل ومستقل عن الجسد، ولا افكار ذات وجود مستقل عن اجسادنا وأدمغتنا" (266، ترجمتي). اما العقل غير الاستعاري فهو غير موجود الا ببنية هيكلية بسيطة لا يمكنها ان تعيش بدون الاستعارات وتفترض تلك البنية ان العقل هو " ما يفكر ويفهم ويعتقد ويستنبط ويتخيل ويشاء"، (المرجع السابق). وبهذا الفهم لتك البيية الهيكلية سننطلق لتحليل استعارات العقل عند ابن ميمون، وسيقتصر تحليلنا التالي على الاستعارات التالية (التفكير تحرك في حقل قوى) و(التفكير رؤية) واستعارة (العقل الفائض.)

[ التفكير تحرك في حقل قوى ]

هذه الاستعارة تفترض ان عملية التفكير العقلي هي تحرك للعقل نحو اتجاه معين تحركا تؤثر فيه قوى مختلفة. ولفرض تبسيط تحليل هذه الاستعارة فإننا سنقسمها الى قسمين اساسيين هما [التفكير تحرك ] و[العقل حقل قوى ] كما سيتبع.

[التفكير تحرك الى مواقع جديد]

المجال المصدر في هذه الاستعارة هو تجربتنا المادية في الحركة من موقع لأخر، وحسب هذه الاستعارة فإن التفكير تحرك من موقع لأخر، وان الافكار مواقع يتحرك اليها العقل. واذا كانت الافكار مواقع فإن منظومات الافكار هي أقاليم فكرية قد كون قريبة من او بعيدة عن بعضها البعض، وان بعضها قد يكون في الطريق الى

الوصول الى الاخرى، وهو ما نواه في الاقتباس التالي من ابن ميمون:

الا ترى ان الله تعالى ذكره لنا لما اراد تكميلنا واصلاح احوال اجتماعاتنا بشرئعه العملية التي لا يصح ذلك الا بعد اعتقادات عقلية اولها ادراكا تعالى حسب قدرتنا الذي لا يصح ذلك الا بالعلم الالهي. ولا يحصل ذلك العلم الالهي الا بد العم الطبيعي اذ العلم الطبيعي متاخم للطم الالهي، ومتقدم له بزمان التعليم كما تبين لمن نظر في ذلك.

ان البحث العقلي فيما هو تحرك من موقع الى اخر يستثمر ايضا مفهوم المواقع المتقدمة التي يعرفها الانسان في حركته المادية العادية، وهذا من مظاهر منطق مفهوم الحركة المادية، حيث انك ان كنت تنوي الحركة من موقع معين ولنقل مدينة، صحار في عمان متجها الى موقع اخر ولنقل مدينة مقسط فإنك ولا بد ان تقطع كل المسافة بين صحار ومسقط. ان الانسان الذي ينوى الوصول الى الافكار الكبيرة لا يمكنه ان يهب هكذا اليها دون ان يمر بكثير من الاراضي التي ينبغي عليه عبورها والا واجه كثيرا من المشاكل الفكرية، ولو قع في كثير من المطاب او كما يقول ابن ميمون:

إما اثبات الاقاويل وحل الشكوك فلا يصح الا بمقدمات كثيرة، تؤخذ من تلك التوطئات، فيكون الناظر دون توطئة كمن سعى برجليه ليصل موضع ما فوقع في طريقه في بئر عميقة لا حيلة عنده للخروج منها الى ان يموت، فلو عدم السعي وسكن في موضعه لكان احرى به. (77)

وتجدر الاشارة هنا الى ان فكرة المواقع الوسيطة هذه (اي تلك الواقعة بين نقطة التحرك والنقطة المراد الوصول اليها) هي ذاتها التي تتحكم بفكرة المقدمات المنطقية في عمليات الاستدلال المنطقي، ففكرة " المقدمة " تفترض ان ثمة ارضا يجب عيك لزاما ان تقطعها قبل ان تصل الى الارض المبتغاة،حيث انها تتقدم النتيجة،. حيث ان كل الاراضي الموصلة الى الفكرة المبتغاة والتي سار فيها الشخص المتحرك تسمى طريقا فإن أساليب الاستدلال تسمى ايضا طرقا، فنجد ابن ميمون يتحدث مثلا ئ طريقي التمانع والتغاير لدى المتكلمين في اثبات التوحيد (221) وطرقهم ايضا في نفي التجسيم (225) حيث تغدو افكارا من مثل التوحيد ونفي تجسيم الله أهدافا فكرية يصل اليها المتحرك عبر طرق لا يمكن الوصول اليها في رأي من يقول بها الا من خلالها.

الاراضي البعيدة

وحسب مقتضيات هذه الاستعارة المفهومية فإن العقل البشري، ذلك الشخص المتحرك الى مواقع مختلفة عن المواقع التي يتحرك منها، لا يملك "القوة" للوصول الى كل المواقع لأسباب مختلفة، ولو تتبعنا هذه الاسباب لوجدنا ثانية "اثر التجربة البشرية متجسدة فيها، فهنالك مواقع بعيدة (افقيا) او عميقة (عموديا) ولذلك لإ يمكن للعقل زي القدرة المحدودة ان يصل الى تلك النواحي. ومثل ذلك قول ابن ميمون ممن معاني بعض امثال التوراة.

ولا تطن ان تلك الاسرار العظيمة معلومة الى غديتها ونهايتها عند احد منا (7) فأسرار التوراة ليست في مقدور العقل البشري الوصول اليها كلها، وهو ما يثبته ابن ميمون بمقطع من التوراة يقول "وما هو بعيد وعميق جدا من يجده ؟"(10).

نجد ايضا نفس النظرة ايضا في الاقتباس التالي الذي يبين جليا تجسد رؤية ابن ميمون للعقل:

اعلم ان للعقل الانساني مدارك في قوته وطبيعته ان يدركها، وفي الو بجود موجودات وامور ليس في طبيعته ان يدركها بوجه ولأ بسبب، بل ابواب ادراكها مسدودة من دونه،وفي الوجود أمور يدرك منها حالة ويجهل حالات، وليس بكونه مدركا يلزم ان يدرك كل شيء، كما ان للحواس ادراكات وليس لها ان تدركها على اي بعد اتفق. وكذلك سائر القوى البدنية لأنه وان كان الانسان مثلا قويا على شيل قنطارين فليسر هبر قويا على شيل عشرة، وتفاضل اشخاص النور في هذه الادراكات الحسية وسائر القوى البدنية بين واضح لنجمين الناس، لكنه له حد وليس الامر مارا الى اي بعد اتفق واي تدر اتفق.

كذلك الحكم بينه في الادراكات العقلية الانسانية يتفاضل اشخاص النوع فيها تفاضلا عظيما. وهذا ايضا بين واضح جدا لأهل العلم، حتى ان معنى ما يستنبطا شخص من نظرة بنفسه وشخص اخر لا يقدر ان يفهم ذلك المعنى ابدا، ولو يفهم له بكل عبارة وبكل مثل وفي أطول مدة لا ينفذ ذهنه فيه بوجه، بل ينبو ذهنه عن فهمه. وهذا التفاضل ايضا ليس هو للانهاية بل للعقل الانساني حد، بلا شك، يقف عنده. فثم اشياء يتبن للانسان امتناع ادراكها ولا يجد نفسه متشوقة الى علمها لشعوره بامتناع ذلك، وان لا باب يخل منه للوصول الى هذا كجهلنا بعدد كواكب السماء، وهل هي زوج ام فرد، وكجهلنا بعدد انواع الحيوان والمعادن والنبات وما اشبه ذلك. (68)

واذا كان ائبعد الافقي والعمودي من مستلزمات:لتجربة البشرية الذي نقل الى فهم التجربة التفكيرية فإننا نجد ايضا استعارات اخرى ترتبط باستعارة الحركة ارتباطا اساسيا تعكس عدم قدرة العقل البشري في الوصول الى مواقع جديدة في حركة التفكير، هذه الاستعارات تقوم على اساس ان (منظومات الافكار هي مبان او بيوت) لا يمكن الدخول اليها الا بتملك مفاتيح ابوابها كما في الاقتباس التالي:

وعد هذه المقدمات أخذ في ذكر الاسماء التي ينبغي التنبيه على حقيقة سناها المقصود في كل موضع بحسبه فيكون ذلك مفتاحا لخول مواضع غلقت دونها الابواب (22) فهنا نجد ان الموضوع الفكري هو حاو يحتوي الافكار التي بداخله، وهذا الحاوي الذي يأخذ شكل الغرفة او البيت به لا يمكن الدخول اليه الا بعد مراحل منها تحديد ابوابه ومن ثم تحديد مفاتيح تلك الأبواب، ومن ثم الدخول. وابن ميمون في الاقتباس اعلاه يوظف استعارة [ العقل المتحرك ]، متتبعا لمنطق التحرك والدخول، ناقلا ليس فقط الجوانب المادية المرتبطة بدخول بيت او غرفة فكرية، بل ويتتبع ايضا المستتبعات الجسدية للتحرك الى مواقع بعيدة، ذلك انه ينقل معرفتنا البشرية المتجسدة بوجود مواقع يعسر الوصول اليها الى. مجال الافكار. لكنا، ومثلما هو حال الحركة المادية، ان وصلنا اليها فإننا سنجد ما يريحنا وينسينا التعب والارهاق الذي اقتضته رحلة التحرك الى ذلك المكان فيكمل العبارة السابقة بقوله:

فإذا فتحت تلك الابواب ودخلت تلك المواضع سكنت فيها الأنفس واستلذت الأعين واستراحت الاجسام من تعبها ونصبها (22)

ونشير هنا الى ان الانفس والاعين والاجسام المقصودة هي اعين وانفس اجسام العقول لا الاجسام الحقيقية تبعا لاستعارة (العقل شخص يتحرك.)

نشير هنا الى جانب اخر من استعارة الحركة وهو انه لعير كل متحرك يصل حقيقة الى الهدف الذي يريده، ذلك ان الانسان ان أخطأ في طريقه وضل سبيله فإنه سيخطي، لا محالة الوصول الى الهدف الذي يبتغيه، وتبعا لمعرفتنا البشرية ان الناس يختلفون في معرفتهم بالطرق والمواقع حيث ان من عبر الطريق الموصل الى الغاية ذاتها هو أعلم بلا ريب ممن لم يبر في ذلك الطريق ولم يصل الى ذلك الموقع مسبقا، نجد ابن ميمون تقول عن طريقته في إثبات افكاره.

وبعد ذلك اريك طريقنا نحن فيما هدانا اليه صحة النظر من تتميم البرهان... (228).

ومن الامور المرتبطة بالتحرك الجسدي ان الانسان يكون تكون سرعته في المشي متساوية مع طبيعة الارض التي يمشي عليها، فإن كانت الارض سلسلة واضحة المعالم مشى ووصل بيسر وسهولة وبلا كلفة او مشقة، أما ان كانت صعبة لا يسهل قطعها بيسر فإنه قد يقاسي فيها نصبا وشدة.

ينبغي الا يتهجم لهذا الامر العقيم الجليل مز أول وهلة دون ان يروض نفسه في العلوم والمعارف ويهذب اخلاقه حق:لتهذيب ويقتل شهواته وتشوقاته الخيالية. فإذا حصل مقدمات حقيقية يقينية وعلمها وعلم قوانين القياس والاستدلال وعلم وجوه التحفظ من أغاليط الذهن، حينئذ يقدم للبشر في هذا المعنى ولا يقطع بأول رأي يقع له ولا يمد أفكاره أولا ويسلطما نحو ادراك الاله بل يستحي ويكف ويقف حتى يستنهض اولا اولا ( 30) ومعنى هذا ان طريق العلوم الالهية صعبة ومعقدة وقالا تبدو صعوبتها منذ اول وهلة لذا فإن على السائر في هذا الطرق ان يمرن نفسه على صعوبة الطريق وعلى عدم التهجم بل السير رويدا رويدا ريثما يصل اما التهجم فإنه لا يفيد، بل انه وان وصل الى منطقة جديدة لم يصل اليها من قبل فإن عليه ان يتراجع عنها ويرجع الى حيث كان ثم يعود حتى يتيقن يقينا لا تعترضه شبهة انه في الطريق السليم وانه في طريقه الى الوصول الى غايته ومراده.

[ الذهن حقل قوى]

ينقل ابن ميمون ما نعرفه ئ القهر، المادية واندماجها وتضاربها فيرى ان هناك قوتين اساسيتين لكل من اراد العلم الالهي هما التشوق او العشق والادراك. ولو نظرنا الى هذين القوتين الذهنيتين نظرة متفحصة لرأينا انهما استعاريا يمثلان القوة الجاذبة والقوة الدافعة الماديتين. فالمعشق هو رغبة من الراغب في لقي المعرفة وهي تجل للقوة الجاذبة، اي تلك التي تجذب الاشياء اليها، اما قوة الادراك فهي القدرة التي تدفع عقل الانسان الى الحركة الى ان يصل الى الحقيقة الالهية. ولننظر الى ما قاله ابن ميمون من الشخص الذي كتب له الكتاب وهو تلميذه يوسف بن عقنين:

عظم شأنك عندي لشدة حرصك على الطب ولما رأيت في أشعارك ومقاماتك التي وصلتني-وانت مقيم في الإسكندرية - من شدة الاشتياق الامور النظرية وقبل ان امتحن تصورك قلت لعل شوقه أقوى من ادراكه، فلما قرأت علي ما قد قرأته من علم الهيئة وما تقدم لك مما لا بد منه توطئة لها من التعاليم، زدت بك غبطة لجودة ذهنك وسرعة تصورك ورأيت شوقك للتعاليم عظيما، فتركك للارتياض فيها لعلمي بمالك... فأخذت الوح لك تلويحات واشير لك اشارات فرأيك تطب مني الازدياد... ورأيك قد شدوت شيئا من ذلك على غيري وانت حائر قد بذمك الدهشة ونفسك الشريفة تطالبك في طب اقوال تقبب، فلم ازل ادفعك ئ ذلك وأمرك ان تأخذ الاشياء على ترتيب... (4)

ان ابن ميمون في حديثه عن خواطره هذه يبرز العقل المجازي لديه الذي يقوم على الادراك العام للقوى المادية من حوله، ولننظر الى صفات الشدة والقوة والعظمة [ شدة حرصك، شدة اشتياقك، شوقه القوى، شوق عظيم ] والادراك يوصف بـ(الجودة، والسرعة، والمال) اما ابن ميمون فيفترض ذاته استعاريا قوة تفوق قوة كميذه ابن عقنين، فيحكم فيه كما تتحكم القوى الأقوى بتلك الاضعف منها (تركتك - ادفعك). ان ابن ميمون يفترض ان العقل اذن مسرح لقوى مختلفة داخلية هي العشق والرغبة (الجذب) والادراك ( القوة على الحركة واستيعاب الافكار) كما يرضه الشكل التالي الذي يبين آلية الفهم الاستعاري للعمليات العقلية والقوى التي تتجاذب العقل كما تخيلها ابن ميمون.

ولنبق مع ما يصفه لنا عن ابن عقنين لنرى مطاهر اخرى من مظاهر صراع القوى في العقل فيصف ابن عقنين بأنه قد:

جذبه العقل الانساني وقاده ليحله محله، وعاقته ظواهر الشريعة... فبقى في حيرة ودهشة اما ان ينقاد مع عقله ويطرح ما علمه من تلك الاسماء... او يبقى مع ما فهمه منها ولا ينجذب مع عقله فيكون قد استدبر عقله ويعر مدر عنه... فلا يزال في ألم قلب وحيرة شديدة. (6)

وهذه كما نرى تعبيرات عن استعارة مفهومية (التفكير حركة من موقع لآخر) والتي بها نعرف، كما ذكرنا فيما سبق، ان الانسان المفكر يود ان يصل الى نقطة معينة، وأن ثمة قوى كثيرة تؤثر في قدرته على الحركة هذه، فهناك ما " يجذبه " و" يقوده " ومثلما نواجه في حركتنا المادية ان هناك ما يمنعنا من الحركة وهو ما يسمى بالعوائق فإن هناك ابن عقنين قد "عاقته " ظواهر الشريعة اليهودية المجسدة. ان العقل منا يدفع ابن عقنين نحو مناطق فكرية جديدة تطلب ظواهر الشريعة اليهودية منه الا يقترب منها بل ان "يبقى مع " هذه الظواهر والا "يجذبه " العقل. ان العقل بهذا الفهم اذن عقل مجازي يقوم على المجالات المغناطيسية، حيث

* العقل شخص والتفكير حركة من موقع لآخر.

* المنظومات التنكرية (العقل، والشريعة) وممثليها (ابن ميمون) قوى تؤثر في حركة الشخص.

*العقل قوة تجذب العقل القابل للحركة فيما ان الشريعة قوة تشد الانسان فلا يتحرك.

* عدم " القدرة " على تحديد " موقف " يعني الوقوع في منطقة يتساوى فيها تجاذب قوى العقل والشريعة.

يوضح الشكل التالي مخططا شبيها بالمخطط السابق يوضح كيفية الفهم الاستعاري لقوتي العقل والشريعة التي تجاذبت تفكير ابن عقنين في تصور ابن ميمون:

في مثل هذا الوضع الاستعاري يقدم ابن ميمون نفسه باعتبار ان منظومة فكره هي قوة جديدة تدفع ابن عقنين الى موقع جديد لا يوجد فيه تعاكس التجاذب بين قوتي العقل والشريعة، فيصف ابن ميمون مقالته (اي كتاب دلالة الحائرين) بأنها "دافعة " للإشكال، اي انها ستدفع ابن عقنين ممن منطقة تساوي التجاذب بين قوتي العقل والشريعة.

إضافة الى هذه القوى فإن ابن ميمون يشير الى قوى "خارج " العقل تؤثر في قدرته على ادراك العلوم الالهية مثل القوى الانفعالية النفسية، فيرى ان التفكير السليم المدرك يجب ان تسعفه قوة مزاجية (انفعالية) هادئة بحيث يكون هذا المفكر "مرتاض الاخلاق جدا، ذي عدوى وسكينة " (78) فكان حركة الادراك شخص يركب على اداة يجب ان تسير سيرا هادئا، أما ان سارت سيرا طائشا لما صارت عملية الادراك كما هو مبتغى من منظور ابن ميمون:

وكذلك تجد من الناس قوما ذوي طيش وتهور وحركاتهم قلقة جدا غير منتظمة تدل على فساد تركيب وسوء مزاج لا يمكن ان يعبر عنه فهؤلاء لا يرى فيهم كمالا ابدا والسعي معهم في هذا الفن جهل محض من الذي يسعى... ولذلك يكره تعليمه للشباب بل لا يمكنهم قبوله لغليان طبائعهم واشتغال اذهانهم بشعلة النشوء حتى تخمد تلك الشعلة المحيرة ويحصل لهم الهدوء والسكون. (79)

اضافة الى هذه القوة المزاجية فإن هناك قوى مادية تؤثر في الادراك كالاشتغال بضرورية الاجسام، فإنها ايضا اشداء يتشوق لها الانسان. وهذه القوى الجسمانية هي مجازيا عدوة للأفكار فكلما "اشتد شوقه لها، فسفت منه التشوقات النظرية "(81).

[ العقل البصير]

استعارة (التفكير العقلي رؤية للأفكار) هي أحدى الاستعارات الاساسية لعمن العقل عند موسى بن ميمون، كما رأينا في استخدام ديكارت لهذه الاستعارة (لاكوف وجونسون 1999) فإنها دليل على تجسد الذهن البشرى،حيث انها تنقل ما نعرفه من الرؤية المادية للأشياء كي تجعل من الذهن امرأ بسيطا يمكن فهم تفاعلاته المعقدة. ان استعارة الرؤية تقول اساسا ان العقل شخص وان الافكار ومنظوماتها هي اشياء يردها هذا الشخص - العقل. وكما. نعرف في تجربة الرؤية الحقيقية فإن رؤية الاشياء ليست ملكة متساوية لدى كل الاشخاص، ذلك ان بعض الاشخاص لديهم قدرة أقوى على الرؤية من غيرهم، كذلك فإن هناك من رأى الشيء قبل الا فرين ولذا فإنه يصفه للاخرين ويخبرهم عن مكانه، اضف الى ذلك ان الرؤية تعتمد على كمية النور المسلط على الشيء المراد ابصاره. واذا كانت طبيعة الافكار انها اشياء واذا كان العقل شخص يرى الافكار فإن رؤيته لها تتحدد حسب وضوحها. لننظر الى الاقتباس التالي الذي يتحدث فيه ابن ميمون عن صعوبة تعليم الافكار و" توضيحها " حتى يراها الاخرونواعلم ان متى اراد احد الكاملين بحسب درجة كماله ان يذكر مما فهم من تلك الاسرار اما بفمه او بقلمه فلا يستطيع ان يوضع ولو بالقدر الذي اد رثه ايضاحا كاملا بترتيب كما يفعل في سائر العلوم المشهور تعليمها، بل يدركا في تعليم.غيره ما اصابه في تعلمه نفسه، اعني من كون الامر يبدو ويلوح ثم يخفى كأن طبيعة هذا لامر عظيمة ونزوة، هكذا هي (9).

مشاكل رؤية الافكار

ان تتبعنا لمشاكل رؤية الافكار عند ابن ميمون قد ابرز ان كل ما نعرفه ئ تجاربنا البصرية وما يؤثر في الرؤية قد نقل كله الى مفهوم الفهم العقلي، فالأفكار قد لا ترى لعدة اسباب كما يلي.

كمية الضوء

هنا فإن الافكار مجازيا تكون اشياء لا يردها الانسان الا ان كان عليها هن الضوء ما يمكنه من رؤيتها حقيقة وتحديد حقيقتها، لئلا تكون اشياء زائفة يوهمه بها نظره الضعيف وعدم تمحيصا. وحسب ابن ميمون فإن الناس ليسوا ستساوين في قدرتهم على الرؤية،يكون الذي لم يعقل الله بوجه كمن هو في ظلام ولا رأى ضوءا قط... والذي أدرك وهو مقبل بكليته على معقوله كمن هو في ضوء الشمس الصافي، والذي قد ادرك وهو مشتغل فمثاله في حال اشتغاله، كمن موفي يوم غيم لا تشرق فيه الشمس من اجل السحاب الحاجب بينها وبينه.(733)

وكذلك يقول

تارة يلوح لنا الحق حتى نظنه نهارا، ثم تخفيه المواد والعادات والعوائق حتى نعود في ليل مبهم قريب مما كنا اولا< فنكون كمن يبرق عليه البرق مرة بعد مرة، وهو في ليلة شديدة الظلام، فمنا من يبرق له المرة بعد المرة حتى كأنه في ضوء دائم لا يبرح فيصير الليل عنده كا لنهار، وهذه درجة عظيم النبيين... ومنهم من برق له مرة واحدة في ليلته كلها وهي درجة من قيل فيهم " تنبأوا الا انهم لم يستمروا"، ومنهم من يكون بين البرق والبوق فترات كثيرة وقليلة، ومن ثم لا ينتهي لدرجة يضيء ظلامة ببرق بك بجسم مقيل او نحوه من الحجارة وغيرها التي تضيء في ظلمات الليل ولو ذلك الضوء اليسير ايضا الذي يشرق علينا ليس هو دائما، بل يلوح ويختفي كأنه "برق سيف متقلب " وبحسب هذه الاحوال تختلف درجات الكاملين.

ان التقسيم السائق يقسم الناس حسب كمية الضوء (البرق) الذي يساعدهم على رؤية حقائق الافكار فعظيم الانبياء في نهار دائم ومن الانبياء من يبرق له مرة في الليلة، اما الفلاسفة والعلماء فحسبهم ضوء متقطع بسيط وقد لا يكون برقا بل بجسم من اجسام الارض المضيئة يمكنهم من بسيط الرؤية. وإذا كأن هذا حال المحظوظين من انبياء عظام وغير عظام ومن فلاسفة وعلماء دين، فإن هنا.لك مجموعة اخرى لا تتساوى مع هؤلاء في قدرة الرؤية أما الذين لم يروا ضوءا يوما قط، بل هم في ليلهم يخبطون وهم الذين قيل فيهم "انهم لا يعلمون ولا يفهمون، سيكونون في الظلمة "، وخفي عنهم الحق مع شدة ظهوره كما قيل فيهم " انهم لا يرون النور الذي يلمع في السماء " وهم جمهور العامة فلا مدخل لذكرهم هنا في هذه المقالة.

انعدام حاسة الرؤية

رأينا في بعض الاقتباسات اعلاه المؤثرات التي تؤثر على التفكير العقي من خلال استعارة الرؤية ككمية الضوء الذي يمكن من الرؤية، غير ان هناك عوامل أخرى تجعل الرؤية محالة احيانا كانعدامها كحاسة اصلا، فالأعمى مثلا لا يستطيع ان يرى شيئا على الاطلاق، وهي حالة تنقل استعاريا ايضا لتكون احد الاسباب في عدم ادراك الحقائق العقلية:

وبحسب هذا السبب لم التربية غير الموجهة للعلوم لم ايضا يعمى الانسان عن ادراك الحقائق ويميل نحو معتاداته (69)

ويصف في موضع آخر البعض بالعميان البصائر ( 140، و 146). ويرضح ابن ميمون موانع الرؤية العقلية توضيحا أشمل في الفقرتين التاليتين اللتين نقتبسهما بأكمليهمااعلم ايها الناظر في مقالتي انه يعترى في الادراكات العقلية، من حيث لها تعلق بالمادة، شيء شبيه بما يعترى الادراكات الحسية. وذلك انك اذا نظرت بعينك ادركت ما في قوة بصرك ان تدرك، فإن استكرهت عينك وحدقت بالنظر وتكلفت !ن تنظر على بعد عظيم أطول مما في قوى ان تنظر ببعده او تأملت فعلا دقيقا جدا او نقشا دقيقا، ليسر في قوى ادراكه، فاستكرهت نظرك على تحقيقا، فليس يضعف بصرك عن ذلك الذي لا تقدر عليه فقط، بل ويضعف ايضا عما في قول ان تدركه، ويكل نظرك ولا تبصر ما كنت قادرا على ادراكه تبل التحديق والتكلف.

وكذلك يجد كل ناظر في علم ما حاله في حال التفكر، فإنه ان أنعم في التفكر وتكلف كل خاطرة يتبلا ولا يفهم حينئذ، ولو ما شأنه ان يفهمه، لأن حال القوى البدنية كلها في هذا المعنى حالة واحدة. وشبه هذا يجري لك في الادراكات العقلية. وذلك انك ان وقفت عند الشبهة، لا تخدع نفسك بأن تعقد البرهان فيما لم يتبرمن، ولا تبادر وتدفع وتقطع بالتكذيب لكل ما لم يتبرمن نقيضه، ولا تروع ادراك ما لا تقدر على ادراكه فتكون قد حصلت على الكمال الانساني، وان رمت ادراكا فوق ادراكك... تصير انقص كل ناقد ويحد- لك حينئذ تقليب الخيالات والميل نحو النقائص والرذائل والشرور لاشتغال العقل وانطفأء نوره كما يحدث في البصر من الخيالات الكاذبة أنوع عند ضعف الروح الباصر في المرضى والذي يلحون بالنظر للأمور النيرة او للأمور الدقيقة. ( 70-71)

إضافة الى ما هو معروف معوما من الرؤية فإن الفقرة الأخيرة تحديدا تشير الى أمر في غاية الاهمية، وهو ان التفكير الفلسفي لا يستغل فقط المعلومات العامة ئ الرؤية في كيفية تشكيله للعقل المنكر الذي يرى الافكار (كمفاهيم النظر والظلمة والغموض وغيرها مما هو معلوم عند عامة الناس) بل إنه يوظف مكتشفات العلوم في عصره حول أمراض البصر. وهذه الظاهرة مهمة من حث انها تعلي بعدا أخر لمعنى التجربة المتجسدة التي. تحكم الرؤى الفلسفية حول العقل، ذك ان المجال المصدر في هذه الاستعارة ليمر في التجربة الجسدية في بل تتعداها الى التفاعل مع التجربة الاجتماعية والعلمية وهو دليل أخر على أهمية التجربة الحياتية للناس في تشكيل المجرد. ان المعرفة الفسقية بهذا المعنى ليست أمرا مفارقا لتجربة الانسان الفرد وتجربة المجتمع التي يعيش فيه هذا الفرد، بل انها مرتبة بالتجارب الاجتماعية، كمعلومات العلم حول الابصار وأمراضه التي تنقل في فهم ابن ميمون للمشاكل التي تعترض القدرة التفكيرية لدى الانسان المفكر.

الرؤية الجانبية

ان من الامور البسيطة التي لا تخفي على كل انسان يقدر على الرؤية البصرية ان الرؤية مرتبطة باتجاه بمعنى ان الانسان يرى ما هو امام عينه فقط، وان الاجزاء الخلفية من الشيء المرئي لا ترى في ذات الأن، فالجزء المرئي يسمى الظاهر، والجزء غير المرئي يسمى الخفي او الباطن والذي يرتبط بداخل الاشياء ايضا ن هو ما يستعصي على الانسان رؤيته ان لم يكن له سبيل نحو التعمق في الشيء المرئي وتجاوز الظاهر نحو الباطن. هذه المعرفة البسيطة تستثمر ايضا في فهم العمليات العقلية فطاهر الافكار قد لا يكون هو حقيقة جوهر منظومات الافكار التي يعبر بها مجازيا بالشيء المرئي، فهناك من الافكار ما هو جوهري يمثل حقيقة الشيء وهناك ما هو ظاهر ولا يعبر من حقيقة منظومة الافكار تلك. نجد ابن ميمون يقول مثلا ان كتابه يسعى الى تجاوز ظاهر الافكار الى باطنها.

انما كان الفرض بهذه المقالة ما قد أعلمتك به في صدرها وهو تبيين مشكلات الشريعة وإظهار حقائق بواطنها التي هي أعلى من أفهام الجمهور.

فهنا نجد ان ابن ميمون يخبز يوسف ابن عقنين ان هدفه هو إظهار ما هو باطن من منظومات أفكار الشريعة اليهودية مستندا على استعارة (الافكار أشياء)، وأما تعبير "أعلى من أفهام الجمهور" فمرتبط باستعارة مرتبطة بهذه وهي ان (التفكير امساك بالافكار) والتي ترتبط بالاستعارة التي شرحناها سابقا لم التفكير تحرك الى مواقع جديدة لم، حيث ان معرفتنا البشرية تقول انك لكي تمسك على شيء تريده فإنه ينبغي عليك ان تتحرك نحوه وتراه ومن ثم، بعد ان تتيتن من حقيقة انا الشيء المراد، تمسك به. فهنا نرى:ن منظومة الافكار الشرعية ليست قريبة، واذا أخذنا المسافة العمودية فإنها تغدو "أعلى " من مستحق العامة.ويجدر بالذكر هنا ان عمودية مواقع الافكار لا تقتصر في الحديث عز صعوبة الفهم على بعدها الى الأعلى فقط، بل ان البعد للأسفل ايضا يشكل مسربة في الإمساك بالافكار، وهو ما يجعل بعض الافكار توصف " العمق " فنقول فكرة "عميقة " وأخرى "سطحية ".

حوائل الرؤية

ومن الامور التي نعرفها من تجربتنا الحياتية المحسوسة اننا لا نستطيع رؤية شيء ما اذا ما كان ثمة حاجز بين العين والشي، المراد ادراكه بالبصر، وهذه التجربة 0ايضا، أي تجربة وجود حواجز تمنع الرؤية، انتقلت ايضا الى فكر ابن ميمون فنواه يقدم نفسه الى يوسف بن عقنين على انه يزيل ما يمنع الرؤية، ويكفيك في بعض الاشياء ان تفهم من كلامي ان القصة الفلانية مثل، ويكفيك في بعض الاشياء ان تفهم من كلامي ان القصة الفلانية مثل، وان لم نبه ن شيئا زائدا، فانك اذا علمت انه مثل تبين لك لحينك لأي شيء هو مثل، ويكون قولي انه كمن ازال الشيء الحاجزيين البصر والمبصر. (16)

استعارة (العقل الفائض)

ينبغي في حديثنا عن نظرية الفيض ان نشير الى ان ابن ميمون استخدم صورة الفيض مجازيا فني الحديث عن امرين مختلفين هما: فيض الخلق وفيض العقل. وسنركز هنا على مفهوم فيض العقل لكونه مجال هذه الورقة. مما يجدر ذكره بادئ ذي بدء اننا لن ننافش ابن ميمون في مادية صورة الفيض ذاتها ذلك انه يقر انها مادية وانه يستخدمها، كما استخدمها غيره، لعدم وجود كلمة اخره في اللغة البشرية توفي فعل الله حقه من الوصف.

... على جهة لا تشبيه بعين الماء التي تفيض من كل جهة وليست لها جهة مخصومة تستمد منها او تمد لغيرها، بل من جميعها تنبع ولجميع الجهات تروى القريبة منها والبعيدة دائما.... وهذه الاسمية أعني الفيض قد اطقته العبرانية ايضا على الله تعالى من اجل التشبيه بعين الما، الفائضة كما ذكرنا، اذ لم يوجد لتشبيه فعل المفارق احسن من هذه العبارة اعني الفيض اذ لا نقدر على حقيقة اسم.تطابق حقيقة المعنى لان تصور فعل المفارق عسر جدا كما تصور وجود المفارق ( 303).

كذلك فهو يترو في موضع أخر من مفهوم الفيض هذا أنه "كفيض الحرارة عن النار" ( 138). الا اننا نرى انه على الرغم من ذلك الا ان طبيعة العلاقة المجردة، المكني عنها بالفيض، هي مفهوم متجسد.

ان من مميزات نظرية الفيض هذه هو اننا، وحتى ان غضضنا النظر عن صورة الفيض التي هي مادية بشكل جلي يسهل تحديده ولا ينازع فيه منازع، وهو ما يقره ابن ميمون نفسه، الا اننا نقول بان مادية هذه الصورة لا تتوقف فحسب عند صورة الماء الفائض من عين الماء الى ما حولها وهي صورة في نظر علماء الذهن من الصور الثرية، أي انها من الصور التي يمكن هين الانسان ان تجدعا فيما حول الانسان، بل ان المادية تكمن في مستوى آخر غاية في الاهمية في إثبات مادية الفكرة كلها وليس صورة الفيض فحسب، وهو مستوى مخطط الصورة. ومخطط الصورة هو كما ذكرنا سابقا هو فلامرة بسيطة الطابع تطرد في رؤيتنا لكثير مز. الظواهر التي تقابلنا في حياتنا المادية كمخطط الاحتواء او:لحاوي الذي يحكم رؤيتنا للمساحات المغلقة كالغرف او السيارات او خزانات الملابس او غيرها، وكمخطط الحركة الذي قد نجده في حركة الطفل من غرفة نومه الى غرفة الطعام او في حركة الريح او في نزول المطر، وكالمخططات الموقعية مثل مخطط العلو والانخفاض. ان مما يميز مخططات الصورة هذه هو انها بسيطة الطابع في تركيبها وليس بها التعقيد الموجود في الصور المرئية بالعين أي الصور الثرية، فمخطط الاحتواء لا يتطلب الا فضاء مغلقا وحدودا تحدد داخله من خارجه، ومخطط الحركة يتطلب نقطة ينطلق منها الجسم المتحرك ونقطة يصل اليها وخط سير. ورغم بساطة مخططات الصور هذه في بنيتها ومنطقها، الا انها تتحكم في تعاملنا مع كثير من الظواهر المادية.

فإذا علمنا هذا المستوى وأقررنا بماديته كونه ناتجا من مجموع تفاعلنا المادي مع ظواهر مختلفة، فإن بمقدورنا الان ان نرى ان رفض ابن ميمون لا يتعدى مستوى الصورة الثرية (صورة العين الفائضة) ولا يتعداه إلى بنى المخططات البسيطة التي توجد في صورة الفيض، والتي لا تقل مادية عنها رغم انها لا تنتمي الى مدركات البصر من الظواهر. ولتبيين هذا لننظر الى الشكل التالي الذي يوضع منططات الصور التي تفترضها صورة فيض العقل، الالهي الى العقل الانساني:

يشير الشكل البسيط الى صورة الفيض على اليمين والى مخططات الصور التي تفترضها هذه الصورة على اليسار، ونرى ان مخطط الاحتواء يشكل بنية كل من العقل الالهي والعقل الانساني فكون العقل الالهي يفيض يفترض انه حاوية ذات حدود محددة تميزها عن الاشياء المفاض اليها كالعقل الانساني الذي يفترض من خلال تقبله لما فافق اليه من العقل الالهي انه حاوية يدخل اليها الغيض العقلي الالهي. والى جانب هذين الحاويتين فهناك منطط التحرك المفترض في العملية التي يمر من خلالها ما يفيض " من " العقل الالهي الى ان "يصل الى" العقل الانساني. سنحاول فيما سيتبع تفسير كيفية عمل مخططات الصور هذه كضرورات لازمة لتجسد فكرة العقل الغائض الاستعارية.

تقوم نظرية الفيض عي اساس مادي بسيط وهو ان منظومات الافكار هي شي، موجود مثلها مثل الكتاب وجاز الحاسوب وكالحجارة وغيرها من المواد. واعتبار الافكار أشياء يمكن من تقبل اللواحق التي تربط عادة بالماديات كالاحتواء والحركة. فمن لواحقه ان العقل الانساني يحتوي الافكار (اي العقل الذي فاض من العقل الالهي)، بمعنى ان العتل يعمل على نحو يمكنه من استقبال واحتواء المقيتة التي يفيضها الله عليه. اضف الى فكرة الاتصال المادية الجسدية، فإن بنية الاحتواء تحدد طبية الفيض هذه، ذلك ان البنية البسيطة للحاويات المادية (داخل - خارج - حدود تفصل الخارج ئ الد لخل) تعمل بشكل ينظم مفهوم الفيض.

إضافة الى الاحتواء فإن تجسد نظرية الفيض يمكن رؤيته من خلال احد لوازم هذه الصورة وهو من خلال مخطط صورة التحرك. ان ابن ميمون يفترض في نظرية العقل مستويات للوجود، يكون فيها الله، مصدرا للعقل وحيث ان لكل شيء ينتقل الى شيء ما مصدرا ينتقل منه فإن الله يصبح هو المصدر الاستعاري للعقل.

وحسب فكرة الفيض وامتلاء حاويات بعض البشر منه، فإنه يفيض ويمضي هذا الفيض في رحلة اخرى (لها نفس الاتجاه، من الأكمل الى الاقل كمالا) يصفها ابن ميمون بقوله بل طبيعة هذا العقل هكذا، هي انها تفيض أبدا، وتمتد من قابل ذلك الفيض لقابل أخر بعده، حتى تنتهي الى شخص لا يمكن ان يتعداه ذلك الفيض، بل يكمله فقط (407).

ان التجسد الذي تطرحه هذه الورقة في رؤية ابن ميمون للفيض لا يفي اننا ندعي هنا ان ابن ميمون كان يعتقد بأن هناك حقيقة نقل مادي للعقل من الله للإنسان، ولكننا نعني ان هذا التفكير كله مجازي، بمعنى انه لو لم توجد ظاهرة الاحتواء والحركة - الاتصال الماديتين لما طرح ابن ميمون نظرية فيض العقل الالهي الى الانسان. ان التجسد يعني هنا ان بنية الاتصال (مرسل رسالة - مستقبل) وبنية الاتصال العقلي (داخل - خارج - حدود) وسماتهما الفعلية (فعل الانتقال ذاته ودخول ما هو خارج العقل الى داخله) واللذين هما امران لا نعرفهما الا في المواد الجسدية، كل هذا قد حدد فهم ابن ميمون للفيض العقلي.

تمرين العقل: التهيؤ والتوطئة

ليس أي عقل حسب ابن ميمون مهيأ ان يتلقى فيض العقل الالهي، فهناك من العقول ما هو مهيأ ان يتلقى كمية اكبر من العقل وغيرها كمية أقل وهكذا. ان فكرة "الاستعداد" هي ظاهرة طبيعية بعرنها بشكل بسيط في تجاربنا الحياتية، فلا يمكنك ان تدخل شيئا ما الى حاوية ما (ولنقل درج في دولاب مثلا) اذا كانت تلك !لحاوية مملؤءة بأشياء أخرى ولا تتسع للمزيد. وابن ميمون كما رأينا فيما تقدم يفترض ان العقل شخص لا بد له لكي يستطيع تلقي أكبر كمية من فيض العقل الالهي ان يتصف بصفتين من صفات الجسم: القدرة الفطرية والقدرة المدربة، حيث ان القدرة الفطرية هي قوة موجودة داخل بعض البشر تمكنهم من اتيان أفعال معينة، أما القدرة المدربة فتفترض ان الا نسران يجب الا يقتصر على ما لديه من قصائص فطرية بل ان عليه ان يدرب قواه ويهيئها شحذا وتمرينا لفعل ما يريد فعله. ويعتقد ابن ميمون ان القوى الكامنة يتساوى فيها جميع البشر، مثلنا مثل ان للأنسان جسما ويشترك جميع الناس بأن لهم اجساما، فلذا ان لكل عقل اجزاء ذاتية. ويمكن تمثيل ذلك بظاهرة لعب كرة القدم فلاعب كرة القدم الماهر لا بد دان تكون لديه خواص طبيعية مثن الأخوين ولكنه يختلف عنهم في انه قد درب نفسه بينما ان الأخوين لم يفعلوا مثله. ان ابن ميمون يفترض اذن ان تلقي الفيض الالهي هو في ذاته فعل لأبد للشخص -العقل ان يكون قد مرن قواه عليه، وليس كل شخص قادرا عليه.

ومن ادلة فهم ابن ميمون للادراكات العقلية على اساس مفهوم القوى والاستعدادات المادية حديثه عن التدرج في تعليم العلم الالهي، ذلك انه يرى ان على المعلم ان يراعي قدرات المتعلم والا يحمله ما لا يحتمل:

اعلم ان الابتداء بهذا العلم مضر جدا، اعني العلم الالهي،... بل ينبغي ان يربى الاصفار ويقر المقصرون على قدر ادراكهم فمن رئي كامل الذهن مهيأ لهذه الدرية العالية، درجة النظر البرهاني والاستدلالات العقلية الحقيقية، انهض اولا الى ان يصل كماله، اما من منبه ينبهه او من نفسه. اما متى ابتدأ بهذا العلم الالهي، فليس يحدث تشويش فقط في الاعتقادات، بل تعطيل محض، وما مثال ذلك عندي الا مثل من يغذي الصبي الرضيع بخبز الحنطة واللحم وشرب الخمر، فإنه يقتله بلا شك ليس لأن هذه أغذية سوء وغير طبيعية للانسان، بل لضعف المتناول لها عن هضمها حتى يحصل الاستنفاع بها. كذلك هذه الآراء الصحيحة ما اخفيت والغزت وتحيل كل عالم في تعليمها بغير تصريح بكل وجه من التحيل من اجل كونها فيها باطنة سوء [...] بل اخفيت لقصور العقول في الابتداء عن قبولها.(73)

لذا فينصح ابن ميمون ان يراعى كل انسان في الادراكات العقلية "بقدر احتماله " (74)، وان يمنع المبتديء عن التعرض لكثير من القضايا الفكرية "كما يمنع الصغير عن تناول الأغذية الغليظة ورفع الأثقال"(81) وفي حديث ابن ميمون عن النبوة، التي هي مظهر من مظاهر الفيض الالهي لديه، يقر برأي الفلاسفة كما يلي:

ان النبوة كمال ما في طبيعة الانسان. وان ذلك الكمال لا يحصل للشخص من الناس الا بد ارتياض يخرج ما في قوة النوع للفعل ان لم يعق عن ذلك عائق مزاجي، او سبب ما من خارج كحكم كل كمال يمكن وجوده في نوم ما. فانه لا يصح وجود ذلك الكمال على غايته ونهايته في كل شخص من أشخاص ذلك النوع، بل في شخص ما.... ان الشخص الفاضل الكافل في نطقياته (قواه العقلية) وخلقياته، اذا كانت قوته المتخيلة على اكمل ما تكون وتهيأ التهيؤ الذي ستسمعه، فإنه يتنبأ ضرورة، اذ هذا كمال هو لنا بالطبع ولا يصح بحسب هذا الرأي ان يكون شخص يصلح للنبوة، ويتهيأ لها ولا يتنبأ الا ما يصح ان يغتذي شخص صحيح المزاج بغذاء محمود، فلا يتولد من ت لك الغذاء دم جيد، وما اشبه ذلك. (389).

لكن هذا رأي الفلاسفة وحدهم، فإقرار ابن ميمون له مربوط بقدرة الله، فإن هذه القدرات الكامنة والتي وإن تهيأت واستعدت احسن استعداد الا ان ذك لا يضمن لها ان تتنبأ وليس كل قادر على شيء ما يفعله الا بمشيئة الله.

العقل الابديديولوجي: استعارة( الثراء العقلي)

أشرنا سابقا أثناء حديثنا عن توظيف ابن ميمون للمعرفة العلمية حول مصاعب الرؤية في تشكيله لمفهوم العقل المبصر، وقلنا ان ذلك التوظيف دليل على تحكم التجربة الحياتية في فهم الظاهر الحياتية غير المادية كظاهرة التفكير العقلي. وهنا فإن امرا شبيها يحدث، ذلك اننا ازاء حالة يتدخل فيها ايديولوجيا اجتماعية يتم استغلالها كمسلمة في استعارة الفيض وتفاضل الناس فيه. وخلاصة الفكرة المروحة منا هي ان ابن ميمون يفترض النظرية القائمة على التملك (او الرأسمالية ان شئت) والتي ترى ان الشخص يكون افضل من غير كان فيما يملك ما يزيد هل غيره شيئا.و امرا مما يعده الناس مقياسات للتفاضل. غير انه قبل ان استرسل في تحليل بعض نحاذر تدل على ميسرة الرؤية الرأسمالية في رؤية العقل عند موسى بن ميمون ينبغي ان اشير الي ان مجال الثراء يتحكم ني كثير من رؤانا الاخلاقية. فقد أوضح لاكوف وجونسون (1999) في فصل حول استعارات الاخلاق، ان المجتمعات الغربية تستخدم استعارة [ الاخلاق أشياء كبيرة القيمة ] واستعارة [الحاسبة الاخلاقية]، فحسب الاستعارة الثانية مثلا فإنك ان فعلت فعلا حسنا لشخص ما فإنك تعطيه مجازيا شيئا ذا قيمة (كالمال) اما ان فعلت شيئا فإنك تأخذ من ذلك الانسان شيئا قيما، وهنا فإن حسن الافعال "تحسب لك " فيما يكون قبيحها " دينا " عليك. ورغم ان هذا المجال لم يدرس حتى الان في المجال العربي، الا انه يمكننا ان نشير سريعا الى ان المجتمعات العربية تستخدم في لفتها كثيرا من تجليات هذا الاستعارة المفهومية. فمن المتجليات المستخدمة أقوال صارت أمثالا مثل " الغنى غنى النفس " و"القناعة كنزلا يفنى"، ومنه قول قيس بن الخطيم قديما:

غني النفس، ما اشتغنت، عني، وفقر النفس، ما عمرت، شقاء

كذلك يمكن للمتتبع ان يجد أثارها في لغة العامة من الناس، فوصف شخص ما في عمان بأنه "غني نفس " من الصفات الشائعة للدلالة على التأفف من طلب الماديات من الاخوين، ومثله حسب استعارة (المحاسبة الاخلاقية) كثير من التعابير مثل "لا يمكن ان يمر كل ما فعلت دون حساب " وقولنا "أنا مدين لفلان لانه درسني لثلاث سنوات ". ان المثير في هذا الفهم الاستعاري للأخلاق هو انها تعتمد على مجالات حيياتية كالثراء والمحاسبة المالية، وهي مجالات ينظر اليها عمن ما على انها مجالات غير " اخلاقية " كما اوضح لاكون وجونسون (1999، ص 333).

وإذا عدنا الى استعارات العقل عند ابن ميمون لوجدنا ان هذا المنطق التملكي الرأسمالي ينتقل بأكمله في فكر ابن ميمون لفهم التفاضل بين الناس، فقد رأينا في اقتباس تقدم ان ابن ميمون لاحظ ان تلميذه يوسف بن عقنين يطلب من "الازياد" (ص 3).

وكمثل على هذا نقرأ:

ينبغي ان تنتبه على طبيعة الوجود في هذا الفيض الأسمى الواصل الينا الذي نعقل وتتفاضل عقولنا. وذلك انه قد يصل منه شيء لشخص ما، فيكون مقدار ذلك الشيء الواصل له قدرا يكمله لا غيره وقد يكون الشيء الواصل الى الشخص قدرا يفيض عن تكميله لتكميل غيره، كما جري في الموجودات كلها التي منها ما حصل له من الكمال ما يدبر به غيره، ومنها ما لم يحصل له من الكمال الا قدر يكون مدبرا بغيره كما بينا. (405-406).

فالناس حسب هذه الرؤية يتفاضلون حسب ما يملكونه وما حصلوا عليه من عقل فائض من الله، وهو ما يقاس بالأقدار، فمن حصل على قدر اكبو من العقل كان أفضل ممن حصل على قدر أقل منه. ومثلما هو حال الثراء المادي، فإن من الناس من يكون في حالة "الكفاف" العقلي،حيث يكون ما لديه من عقل يكمله هو وحده فحسب، أما من يكون لديه مقدار يزيد على كنايته فإنه "يدبر به غيره".

ومما يثبت تسلل الايديولوجيات الاجتماعية الى الفكر الفلسفي والميتافيزيقي عموما هو ان الصور التي تقم رؤية الافكار من خلالها هي نفسها المستخدمة في تجلي الرأسماليات الاجتماعية،0كالجوهر واللؤلؤ وغير. من الماديات القي اتفقت المجتمعات على ارتفاع قيمتها المادية:

فتأمل تصريحهم عليهم السلام بان بواطن اقوال التوراة هي الجوهرة وظاهر كل مثل ليس بشيء، وتشبيههم خفي المعنى الممثول في ظاهر المثل بمن سقطت منه لؤلؤة في بيته وهو بيت عظم كثير الدش، فتك اللؤلؤة حاصلة لكنه لا يردها وف يعلم بها، فكأنها خارجة عن ملكه اذ امتنع وجه النفع بها حتى يسرج السراج كما ذكر !لذي نظيره فهم معنى المثل.(13).

إضافة الى الجوهر واللؤلؤ، نجد ان الافكار قد تكون ذهبا وفضة.

... وذلك انه يقول ان الكلام الذي هو وجهان يعني له ظاهر وباطن، ينبغي ان يكون ظاهره حسنا كالفضة وينبغي ان يكون باطنه احسن من ظاهره حتى يكون باطنه بالاضافة لظاهره كالذهب عند الفضة، وينبغي ان يكون في ظاهره ما يدل المتأمل على ما في باطنه مثل هذه (ال)تفاحة الذهب التي اكسيت شبكة دقيقة جدا من فضة، فإذا رئيت على بد او بغير تأمل بالغ، ظن انها تفاحة فضة، فاذا تأملها الحديد البصر تأملا جيدا، بان له من داخلها وعلم انها ذهب (13).

وإذا كان الجوهر والذهب ن خلافه من نفاس الاشياء ممتلكات الاغنياء فإن الفقراء يحاولون ان يظهروا في مظهر لائق فيحاولوا ان يثووا ولو بالأشياء المزيفة المبهرجة التي لا كبث ان تنكشف ان جاء من يستطيع ان يثبت ان ما لديهم ليسر من النفاس الحقيقية.

واما المحتلمون الذين قد اتسخت ادمغتهم بالاراء غير الصحيحة وبالطرق المموهة، ويظنون ان ذلك علوم صحيحة ويزعمون انهم اهل نظر ولا علم لهم اصلا بشيء يسمى علما بالتحقيق، فانهم سينفرون من فصول كثيرة منها وما اعظمها عليهم لكونهم لا يدركون لها معنى ولان يبين منها ايضا تزييف البهرج الذي بأيديهم الذي هو ذخيرتهم ومالهم المعد لشدائدهم. (17)

ان التعبيرات السابقة تدل في مجملها على تحكم استعارة [ العقل ثراء] في فهم موسى بن ميمون للفرق بين !لناس. فالصور المستخدمة في وصف الافكار ومنظوماتها (اي صور مثل الذهب والفضة والجوهر واللؤلؤ والبهرج) كلها قادمة من مجال الثراء المادي والتفاضل القائم على قيم الاشياء المادية. وهو استدلال مهم في تبيين تجربية فكر موسى بز ميمون نفسه. ان ابن ميمون يهاجم الماديين لقوله بأن فكرهم لا يتجاوز المحسوسات من حولهم غير انه هو نفسه حسب الاستعارات التي شرحت اعلاه ليس فقط محكوما بتجربته المادية والتي تجلت في استعارات مثل (التفكير تحرك من موقع الى اخر) و(التفكير رؤية الافكار) بل بالتجربة الاجتماعية التي يعد الثراء المادي أحدى ظواهرها.

عدم اتساق التجارب وتناقضات الفكر أود أن اطرح هنا رأيا حول أثر التجربة في الفكر الفلسفي ومفاده ان التجربة البشرية بأوجهها المادية والاجتماعية والنفسية وغيرها غير متسقة دائما، بل انها احيانا تتعارض تعارضا تاما. هذا التعارض وعدم الاتساق الدائم مع تجارب البشر الحياتية يتسلل من خلال الاستعارات الى الفكر المجرد، وهو ما لا يمكن ان تتم ملاحظته الا بتتبع ما تستتبعا الاستعارات نفسها.

ومثالنا على ذلك ان ابن ميمون قد وقع في تناقض غريب به ن رأيين أعتقدهما وصرح بهما في الدلالة فيما يخص مسألة !لكمال، ذلك انه رأى في موضع ان الكمال كامن في الانسان وانما على الانسان ان يتحرك (يرتاض) ليخرج هذا الكمال من القوة (أي الامكانية) الى الوجود بالفعل (أي الوجود الواقعي)، في حين انه رأى في موضع أخر ان الكمال قادم من الخارج بحيث ان الفيض قد يفيض في الانسان "عن تكميله لتكميل غيره " (406)، بمعنى انه قال حينا بأن الشمال أمر كامن وصفة جوهرية فيما قال في موضع أخر بأنها ليست كذلك بل ان الانسان غير كامن بالطبيعة بل ان هذا الفيض العقلي يجعله كاملا وقد يتسلل منه الى الآخرين فيكملهم ايضا، فما هو المرد المفهومي لهذا التناقض ؟

ان التناقض البين هذا مرده، فيما اعتقد، ان ابن ميمون قد استغل استعارتين مختلفتين في مجالهما المصدر، وحيث ان المجال المصدر ينتقل بنية ومنطقا في الاستعارة المفهومية الى المجال الهدف فإن الاختلاف في التجربة الاصلية في المجال المصدر سيؤدي الى اختلاف حتمي في العواقب الفكرية فيما لو كانت هاتان الاستعارتان مستخدمتين في تشكيل مفهوم مجرد واحد، وهو الامر في مفهوم الكمال. ففي الحالة الاولى نجد ان ابن ميمون قد استخدم الاستعارة التالية ( الانسان ناقص) و[ فيض العقل الالهي إضافة وتكميل:]

* الانسان شيء ناقص

* هناك فيض من خارج الانسان

* هذا الفيض "يكمل" الانسان أي يزيد اليه فيحيل نقصك كمالا وجلي بلا شك ان ابن ميمون يوظف جانبا آخر من جوانب تجربة " الاضافة " او " الزيادة " التي نعرفها في حياتنا المادية، فكأن ابن ميمون يعتقد بأن هناك حدا من الفيض يجعل من الانسان كاملا وهو حد واضح كحد امتلاء كوب الماء الذي لم يكن ممتلئا فامتلأ إذا اضفت اليه كمية من الماء تملأه. إذن ففي هذا الرأي يقر ابن ميمون بوجود النقص وانعدام الكمال الكامن، وهو عكس ما يرده في الرأي الثاني، والذي يفيد بان الكمال شيء كامن في الانسان، وإن بالارتياض والجهد يستطيع الانسان ان يبلغ درجات الكمال، بل ان النبوة نفسها، حسب رأيه، هي مجرد اخراج لكمال النبوة من الامكانية الكامنة (بالقوة) الى الفعل، وعر رأي يفترض استعارة مفهومية أخرى هي تحويل الامكانية الى حقيقة، والتي يقدمها ابن ميمون من خلال فهمنا البسيط للاحتواء حيث ان الانسان بقدرته وجهده يستطيع ان يخرج هذا الكمال الموجود في حاوية الامكانية وينقله الى حاوية الواقع والفعل.

ويمكن رؤية أثر الاختلاف في المجال المصدر في الاستعارة المفهومية في الوصول الى نتائج فكرية مختلفة في تحليل ما صرح به ابن ميمون من اختلافه مع ارسطو في مسألة خلق الكون. وعلى الرغم من الطرح الديني الذي قدم حلا مفهوميا لمسألة بداية الوجود، الا انها ما فتنت تشغل عقول المفكرين. وتعددت الآراء الفلسفية في هذا الشأن فمن يقول، كأرسطو، ان الكون أزلي وليس حادثا، بمعنى انه كان دائما هناك كون، فيما يقول آخرون بحدوث الكون، أي ان الكون كان عدما فوجد من بعد عدم. وابن ميمون، رغم ولاشه انطلق لأرسطو في كثير من طرقه في البرهنة على وجود الله تعالى وعلى عدم جسمانيته وعلى وحدانيته، الا انه يخالفه في هذه النقطة، حيث يمضي خلف رأي الشريعة اليهودية القائلة بحدوث الكون.

ولكن كيف اختلف ابن ميمون مفهوميا مع ارسطو حول قضية خلق الكون ؟ ان الاختلاف هذا قد تم تقديمه فيما نرى من خلال بعض الاستعارات البسيطة التي يستخدمها العامة من الناس ولا تتطلب عقلا مفارقا عن العقول البسيطة المتجسدة. فلننظر الى المقدمة الاساسية في قدم العالم حسب أرسطو والتي اثبتها ابن ميمون في دلالة الحائرين بإعتبارها المقدمة السادسة والعشرين "ان الزمان والحركة سرمديان دائمان موجودان بالفعل ". فإما كون الزمان سرمديا فإن مرده هو انه لا يمكن ان يقال بأن الزمان قد حدث بعد ان لم يكن، لأن هذا الحدوث نفسه لابد أن يقع في زمان ما، ولذا فإن الزمان مستديم. اما الحركة فيرى ارسطو انها مستمرة لان كل حركة تفترض لزاما حركة سبقتها ويمثل ابن ميمون على ذلك بحركة الحيوان ويرد على من يقول.

الذي يظن بالحيوان انه لم تتقدم حركة المكانية حركة أخرى اصلا ليس بصحيح، لان السبب في حركته بعد السكون ينتهي الى امور داعية لتلك الحركة المكانية، وهي اما تغير مزاج يوجب شهوة لطلب موالف، او هرب من مخالف، أو خيال او رأي يحدث له فيحركه احد هذه الثلاثة (268) فنرى هنا ان ارسطو يخلط بين الحركة المكانية والتي هي حركة حقيقية وظواهر أخرى ليست حركة حقيقية وانما تعتمد رؤية الأنسان في فهمها على استعارات تقوم على الحركة كمجال مصدر، فمثلا، فإن حركة انسان (ولنقل راشد) من بيته الى بيت صديق له (ولنقل زهران) هي حركة حقيقية اما شوق راشد لزهران فليس حركة وانما هو تجل لاستعارة يمكن تحديدها كما يلي [الافعال مواقع، والحدث، أي الفعل نفسه، هي حركة من موقع الى موقع اخر ] فحسب مثالنا نجد ما يلي:

* الذاكرة "تحرك " الشوق عند راشد: حركة مجازية

* الشوق "يحرك " راشد: حركة مجازية

* حركة راشد من بيته الى بيت زهران: حركة حقيقية

ان هذا الخلط في رؤية ارسطو كما يطرحها ابن ميمون بين الحركات الحقيقية وما يعتبر حركات مجازيا واعتبار الاخيرة حقيقية مثلها مثل الاولي هو الذي انتج لنا هذه المقدمة الفلسفية التي يثبت بها أرسطو سيرورة الزمان والحركة، اي تلك التي تقول ان الوجود حركة دائمة تتضمن الكون والفساد.

اما ابن ميمون فيؤمن بحدوث الكون وهو رأي يقوم ايضا نتيجة لتفاعل استعارات مادية بحتة، ففي رأيه يمتنع القول بإن الزمان والحركة امران سرمديان لأن تلك صفة الله وحده، ويرد ابن ميمون على من يرى رأي ارسطو في الزمان والحركة بإعتقاده انه لا يمكن قبول استعارة (الزمن تحرك) التي تفترض تناقض رأي من يقول بقدم الزمان ويسأل أسئلة مثل "ولكن متى خلق الله الزمان وماذا قبل ذلك ؟" بقوله ان الزمان "تأبع للحركة " (305) والتي هي تتبع ما يتحرك الذي هو مخلوق محدث فلذا يزم ان يكون الزمان والحركة مخلوقين محدثين وليسا قديمين سرمديين. الا ان ابن ميمون: وان ارجع ارسطو الى مادية مفهوم الزمان واعتماده على الحركة المادية، لم يلاحظ نفسه فالقول ان الزمان "من جملة المخلوقات " يفترض مجازيا ان الزمن شيء موجود ولكنه غير موجود وحده بل انه مرتبط بالحركة، وحيث ان كل الاشياء، ومن بينها الحركة، مخلوقة من قبل الله فإن الزمن نفسه مخلوق. ويرد عمن يسأل عن الله "قبل " خلق الزمان بقوله وان هذا الذي يقال كان الله قبل ان يخلق العالم الذي تدل لفظة "كان " على زمان، وكذلك كل ما ينجر في الذهن من امتداد وجوده قبل خلق العالم امتدادا لا نهاية له، كل ذلك تقدير زمان او تخيل زمان، لا حقيقة زمان، اذ الزمان عرض بلا شك، وهو عندنا من جملة الاعراض المخلوقة كالسواد والبياض.(305)

فرف ان ابن ميمون لا يرفض هذه الاسئلة الا انه يقول انها تصورات مخادعة فحقيقة الزمان (لاحظ ان "الحقيقة " نفسها فكرة استعارية تقوم على فكرة الجوهر الذي يميز الحقيقيات من المزيفات ومن غير الموجودات) انه تابع للحركة وحيث ان الحركة ليست موجودة فالزمان ليس موجودا، وان مثل هذه التخيلات تافل تحت اطار "تقدير زمان " او "تخيل زمان ". والعجيب ان ابن ميمون يعتقد ان الربط بين الحركة والزمان هو ربط حليقي وليس استعاريا لذا فإنه يرفض فك هذا الربط بالقول ان الزمن موجود قبل خلق الكون لأن مثل هذا القول يلزم بالقدم فيقول "لانه متى اثبت زمانا قبل العالم لزمك اعتقاد القدم، اذ الزمان عرض، ولابد له من حامل فيلزم وجود شيء قبل وجود هذا العالم الموجود الان. ومن هذا هو المهرب " (306). هذا هو اذن الاختلاف الاساس بين ارسطو وابن ميمون في قضية الزمان أهو قديم ام محدث، وهي كما رأينا تقوم على اساس مادي بحت، فرأي ارسطو يعتمد على استعارة ان (الزمن حاوي) لذا فإنه يحتوي كل وجود حتى وجود الله قبل خلق الكون (ولذا يمكن السؤال حول ما قبل خلق الكون، ووجود الله الدائم)، اما ابن ميمون فيقيم رأيه على استعارة أخرى بسيطة ايضا وتقوم على اساس ان (الزمن مخلوق لم وحيث ان كل مخلوق حادث فإن الزمان لأ يمكن ان يكون سرمديا بل حادثا خلقه الله من بعد عدم.

خاتمة:

سعت هذه الورقة نحو تتبع مظاهر التجسد فر التفكير الفلسفي من خلال دراسة تحليلية لبعض آراء الفيلسوف القرطبي ابن ميمون في كتابه "دلالة الحائرين "، وعلى وجه الخصوص في رؤيته لطبيعة العقل وعملية التفكير العقلي. انطلقت هذه الدراسة من منظور تجسد التفكير والمفاهيم الفلسفية، الذي يفترض ان معرفتنا ببنية الجسد والمادة تحكم التفكير الفلسفي وطبيعة المفاهيم والقضايا الفلسفية المجردة كالزمن والعقل وغيره. وقد بينت ان رفض ابن ميمون التجسد القائم على الصور المدركة كصورة الفيض وصور تجسيم الله كاليد والعين وغيرها لا يعني غياب هذا التجسد أبدا لديه، فالتجسد عنده يقوم على مستوى "مخططات الصور"، كاستعارة ( التفكير تحرك.)، التي يشكل مخطط الصورة " التحرك " المجال المصدر فيها.

تساءل لاكون وجونسون في كتابهما ( الفلسفة في الجسد) حول عدم قدرة ارسطو على رؤية مجازاته المفهومية قائلين ان نظرية ارسطو حول الاستعارة لم تمكنه من ان يرى مجازاته المفهومية التي يستخدميا، ولم تمكنه نظريته من ان يرنو ببصره في لاوعيه الذهني وان يدرك انه كان يستخدم استعارات مفاميمية. والتساؤل ذاته ينطبق على ابن ميمون الذي كان من أهم اهداف تدوين كتابه دفع الاستعارات التي يستخدمها عامة الناس وبعض مفكري اليهود وغيرهم في إدراك الله، الا انه بالرغم من ادراكا لهذه الاستعارات الا انه لم يستطع ان يرى الاستعارات الاخرى التي استخدمها هو نفسه كما تبين من خلال تحليل استعارات العقل عنده.

وقد يتساءل البعض "ولكن هل الاستعارات الا غطاء لحقائق حقيقية ؟" والجواب ببساطة هو ما يلي. لنتخيل للحظة واحدة اننا كبشر لا نتحر. على الاطلاق واننا نعيش في عالم لا يعرف الحركة أبدا. ترى هل سنتحدث عن " الانطلاق " من أفكار معينة، و"الوصول الى" نتائج، و" اتباع الطرق المستقيمة " في التفكير؟ ان كل صفات التفكير التي تقوم على مفهوم الحركة والتي نعتقد انها جزء حقيقي من فهم العقل ليست حقيقية في الواقع، فهي تابعة للتجربة الجسدية، وهذا جانب من معنى القول بتجسد فهم الانسان للعقل والعمليات العقلية. ان تجربة الجسد هي الذي تمسك بزمام تجربة العقل.

وإذن رغم أننا نتحدث على نحو أعم، فإن. العقل البشري حاول قدر استطاعته الفرار من أسر المادة بنية ومنطقا وفعلا الا انه رغم العداء الظاهري للتجسيم كما رأينا عند ابن ميمون فإنه لم يكن امامه الا التجربة المعيشية، المادية أساسا، كي يبني عليها رؤيته لكيفية عمل العقل. ان الامر الاساس الذي يتبدى من التحليل السابق ومن أي تحليل لاحق يتقصى التجسد في الفلسفة وغيرها من مظاهر التفكير هو في رأي ضرورة التواضع: التواضع تجاه واقعنا كبشر نعيش بأجسامنا وبحياة ذهنية واجتماعية واقتصادية وسياسية وغيرها من مستويات الحياة الاساسية، التواضع. الت ي يدفع باتجاه الاعتراف بأن المشروع الفلسفي (الميتافيزيقي على وجه الخصوص) انما هو محاولة ذهنية، رائعة أجل، لكنها ليست مجردة كما تعلمنا وكما تقبلنا هذا الامر باعتباره حقيقة صحيحة لا يأتيها الشك من جانب. التواضع والاعتراف بأن الحياة البشرية التي نعيشها قد انتجت الكثير من منظومات الافكار انتاجا تم من خلال الاستعارة. الجسد هو البطل في هذه المحاولة،فالأفكار هي اشياء صغيرة وكبيرة، قريبة وبعيدة، واضحة وغامضة، منيرة ومعتمة، قد يصل اليها المرء وقد يعينه من يعينه الى الطريق السليم، وقد يضل في طريقه ولا يصل ابدا. اضف الى ذلك ان المجتمع وقيمه وايديولوجياته قد تسللت ايضا، فالفلاسفة، مثلا، هم رأسماليو سوق الافكار، أثرياء بوجود نفائس الافكار لديهم، وهم، كابن ميمون، نخبة، يحافظون على ما يمتلكون ولا يفشون أسرارهم للجمهور الذي يعرض بضاعة مزيفة في كثير من الاحوال. هذه الخلفية الاجتماعية عي التي تبرر مثلا اعتبار ابن ميمون ان بعض الناس ليسوا بشرا أصلا، فيقول مثلا عن بعض سكان الشمال الاوروبي والجنوب الافريقي مشيا وراء ترتيب استعاري ايقوم على ان المستوى الاعلي افضل من المستوى الذي هو أسفل منه) ما هؤلاء عندي في مرتبة الانسان، وهم من مراتب الموجودات دون مرتبة الانسان، وأعلى من مرتبة القرد، اذ قد حصل لهم شكل الانسان وتخطيطه وتمييز فوق تمييز القرد(715).

أمام مثل هذه الآراء والتي هي ليست الا عواقب لتفاعل مجازات مختلفة يلزم التواضع فعلا، بمعنى التخفيف من غلواء اعتبار الاستعارات حقائق. ان الاستعارات خطيرة حيث تجعلنا نصدق ما ليس حقيقيا، وتجعلنا نرى اشياء ما كنا نواها لو لم تكن هذه الاستعارات موجودة. ان الانعتاق من المادة والجسد أمر محال، بل ان فكرة الانعتاق نفسها مجازية، ندركها من تحرر الماديات من القوى التي تحاول تحديد حركتها، ومهما سعينا نحو الانعتاق فإن كل ما نفعله لا يربو على تتبع منطق الانعتاق. الانعتاق المتجسد.

قائمة المراجع والمصادر العربية

ان ميمون، موسى (بدون تاريخ): دلالة الحائرين (تحقيق د. حسين أتاي)، مكتبة الثقافة الدينية (كان النشر غير نذكور).

الحراصي، عبدالله (1999-أ): لاستعارة: التحربة والعقد المتجسد (عرض لمسار الفلسفة التجريبية 1980-1999)، مجلة نزوى، العدد 20 (ص 25-35).

الحراصي، عبدالله (1999-ب): الحليل النقدي لصدام خطابين ودلالاته الاجتماعية، مجلة نزى، العدد 18 (ص 63-78) الشهرستانى، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم: الملل والنحل، بيروت: دار المعرفة. ولفنسون، أ.(1936): موسى بن ميمون حياته ومصنفاته، مصر: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر.

الاجنبية:

Chicago and London: The University of Chicago Press (1990) Fox, M. Maimonides: Studies in Methodology, Metaphysics, and Moral Philosophy, Interpreting

Chicago University Press: Chicago and London.:(1987) Johnson, M. Body in the Mind: The Bodily Basis of Meaning, Imagination, and Reason,

The 1991) Perspectives on Maimonides, Oxford: Oxford University Press.

Kraemer.J. L. (ed.,

Chicago: Chicago University Press.:(1980) Lakoff, G. and Johnson, M. Metaphors We Live by, in the Flesh, New York: Basic Books.:(1999) Lakoff, G. and Johnson, M. Philosophy

Maimonides, London and New York: Routledge. (1990) Leaman, 0. Moses

1. سأستخدم القوسين المعقرفين (...) للاشارة الى أن ما بينهما يمثل استعارة مفهومية وليست لغوية.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق