الأحد، 31 يوليو 2011

بعيدًا عن "التهجّيلة الفكرية": حول التزام المفكّر وفتح أبواب الاحتمالات (مسودة لمقال لم يكتمل)



 
(مسودة لمقال لم يكتمل)

بعيدًا عن "التهجّيلة الفكرية": حول التزام المفكّر وفتح أبواب الاحتمالات
عبدالله الحرّاصي

كُتِبَ الكثير عن أدوار المفكّر (أو "المثقف" بحسب العبارة الأكثر شيوعًا عربيًا) والتزامه، غير أن هذه الكتابة برغم شيوعها وكثرتها لم تستطع أن تنغرس في عمق الروح الفكرية العربية لتؤسس فكرًا ملتزمًا ومفكرين ملتزمين. لا أعني بالالتزام هنا محض تبني الرأي والرأي المخالف أو المغاير، بل التشبث به تشبثًا مبنيًا على القناعة المبدئية التامة وينطلق من رفض واقع والسعي لتقويضه وبناء آخر أو السعي لبنائه. ذلك أن تبني الآراء الموافقة لما يسود في المجتمع من آراء أو تلك المخالفة لذلك السائد هو ظاهرة طبيعية توجد في كل المجتمعات البشرية، بل أنه من طبيعة الإنسان الفرد عمومًا، إذ يفضّل الإنسان أشياء ويستقبح أو يرفض أشياء أخرى يفضّلها آخرون.
الالتزام الذي أتحدث عنه هو التزام الموقف الواعي الذي ينطلق من فكرة ما حول الحالة الإنسانية المثلى، أي ما ينبغي أن يكون عليه واقع الإنسان، وهو موقف ينطلق أيضًا من إدراكٍ لما يعرقل الوصول إلى تلك الحالة المثلى، واقتراح الطرق التي يمكن بها تحقيق المثال على الواقع. لا شك أن الدعوة لالتزام المفكر متكررة ولا تضيف شيئًا إن نظرنا إلى الأمر باعتباره محض موضوع للكتابة، غير أن الدعوة إلى التزام المفكر، وليس الحديث عنها، هي ضرورة واجبة حينما تنغلق الآفاق وتنسد إمكانات الإنسان لصنع واقعه ومستقبله. المقال بهذا المعنى هو دعوة لإعادة الاعتبار لالتزام المفكر.
إن التزام المفكر لا يكون فقط تجاه الآفاق المنغلقة والإمكانات المسدودة التي يشعر بها الإنسان الفرد، أو "رجل الشارع" إن شئت، بل بما يراه هو ذاته من آفاق منغلقة وإمكانات مسدودة. معنى هذا إن ما يحرك الإنسان الفرد هو الأمور المباشرة في حياته، مثل وظيفته ودخله وتعليم أبناءه وإطعامهم، أما ما يحرك المفكر فيكمن في ما يراه من أشكال الخلل في جوهر الواقع وليس في تجلياته المنفردة المتفرقة، أي ليس المشكلة المحددة في هذا الجانب أو ذاك، ولا المشكلة التي تواجه زيدًا أو عمروا. وما أن تنحل إشكالات الإنسان الفرد حتى يرى العالم ورديًّا لا إشكال فيه، وتنتهي قضيته حينما يجد الحلول لما يواجهه من مشاكل حياتية صرفة، أما المفكر فيرى الأمر من منظور أوسع ويرى أن حلّ المشاكل المنفردة ليس حلّا للمشكلة الرئيسة التي تمس جوهر الحياة الاجتماعية التي يعيشها، وهنا فإن مشكلته ليس مع الإشكالات المنفردة بل مع الجوهر، وليس مع الأشخاص المنفردين، بل مع المنظومة التي تخلق أشكال الخلل، وتعينه على الاستمرار والبقاء.
كما أنه ربما يحدث حينًا أن المفكر يرى الخلل الجوهري حينما لا يشعر الناس المفردون أو المجتمعون بعدم وجود معضلة أصلًا، وهنا فإن رضا الإنسان الفرد بل حتى المجتمع عمومًا عن حياته يكون هو نفسه بالنسبة للمفكر تمثيلٌ للخلل في الجوهر، إذ أن المفكر يرى أن الإنسان والمجتمع يكونان في موقع من تم تضليله من قبل قوة أكبر منه تعمل عملها بصمت وبتخطيط وبنشر جمال الواقع ومقبوليته، مغطية قبحه وظلمه. ولكن من هي تلك القوة؟ تختلف تسمياتها، ولكن مصطلح "السلطة" هو الذي يسود غالبًا في الحديث عنها. المفكر إذًا هو نقيض السلطة بالضرورة. انه الواقف في الطرف الآخر تمامًا، أي انه يقف في المجتمع عند نقطة 180 درجة بالضبط والدقة في الدائرة الاجتماعية.
بهذا المعنى يكون المفكر واقفًا في خارج مجال عمل السلطة، ووقوفه هذا حتمي، ظاهرًا كان أم باطنًا.
ولكن لماذا يكون المفكر الملتزم هكذا؟ أو كما نقول بلهجة الداخل العماني "مو شاقنه؟" (أي "ما الذي يدعوه لاتخاذ هذا الموقف الحدّي الذي يجلب له الشقاء؟"). الذي يدفع المفكر لمثل هذا الموقف الذي ربما جلب الشقاء هو التزامه، هو مبدئه، هو إصراره الداخلي على أن يعيش ما يفكر فيه ويتبناه، هو عدم رغبته أن يحمل إلى قبره وقد عاش كأنه لم يعش: مجرد جسد آخر نفخت فيه روح الحياة ولكن لم تنفخ فيه روح الموقف الحرّ.
الخوف من الأقوى هو الذي يدفع الإنسان إلى أن يؤثر السلامة، وكما يقولون "شرّ زايل عنك زول عنه"، إذ ما الذي يدفع إنسانًا عاقلًا إلى ركوب الخطر؟ الإجابة هي أن ما يدفع المفكر الملتزم إلى الوقوف أمام منظومة الهيمنة، بل حتى بالتحرش بالشر المبتعد عنك، يكمن في الشعور بالمسؤولية التي يحتمها على المرء التزامه الفكري تجاه مجتمعه. وابرز إمارات خنوع المفكر وذلّه هو خوفه وذعره لا من فعل ما هو مختلف عن السائد، بل من التفكير ذاته. هذا هو الخوف الذي على المفكر الذي يتحمل قيمة الالتزام الاجتماعي أن يقضي عليه. التفكير ضرورة. والتفكير في هذه الحالة هو أمران. الأمر الأول أن التفكير المختلف هو تحقيق لاحتمال جديد في الحياة الاجتماعية التي تخلو من المختلف. والأمر الثاني هو أن التفكير المختلف هو فتح لإمكانات واقعية أخرى.
لربما قالت طائفة من الناس بأن المجتمعات ليست بحاجة إلى المفكر الملتزم، خاصّة أيام الاستقرار، غير أن علينا أن نثير السؤال والتشكيك حول حقيقة وجود الاستقرار الذي يتحدثون عنه، وعن طبيعته، ونسأل: استقرار ماذا؟ ولو تزعزع هذا الاستقرار فما الذي سيهتز ويضطرب؟ والحقيقة أن الاستقرار التام ليس إلا ثبات نمط حياة المجتمع الذي يقوده شكل من أشكال السلطة المجتمعية، وغياب أية فعالية أخرى من فعاليات الحياة الاجتماعية سوى فعالية السلطة المهيمنة على المجتمع. من هنا فحين يتم الحديث عن ضرورة تثبيت دعائم الاستقرار من قبل أحدهم، فإن هذا الأحد واحد من اثنين: إما أنه تمثيل للسلطة المهيمنة على المجتمع، فدفاعه عن الاستقرار هو دفاع صاحب المصلحة الذي يحاول بقاءها واستمرارها، أو أنه شخص واقع في الوهم الذي تنشره السلطة القائمة بأن "الاستقرار" خير الأمور، فهو يدافع عن الاستقرار لأنه أحد الأفراد التي تبقي السلطة على قوتها ونفوذها من خلال استغفالهم بحيث يتولى هو ومن مثله الدفاع عنها بالوكالة (المجانية). إن الاستقرار الذي يدعو إليه الشخص الأول هو في حقيقة الأمر ليس إلا مرادفًا لبقاء الجبروت الخفي كما هو، وهو أمر استلزم أو يستلزم القضاء على كل بذرة لتغيير ليس في الرتوش والوجوه والمسائل الصغيرة الفردية والمؤسسية، وإنما القضاء على كل بذرة تغيير يظهر من خلاله شكل آخر مختلف تمام الاختلاف من أشكال بناء المجتمع.
هنا تجدر الإشارة إلى أمر آخر، وهو أن حدوث الاختلافات بين العناصر الاجتماعية والإشكالات، بل والصراعات، داخل بنية السلطة القائمة لا يعني أبدًا غياب الاستقرار، ذلك أن هذه الصراعات ليست إلا تفاعلات سطحية وتصفية للأضعف في البناء الاجتماعي القائم، أي أنها تقع بين ممثلي السلطة القائمة ذاتها، لا بين ممثليها وممثلي الدعاة إلى بناء اجتماعي مختلف. لذا فان مثل هذه الصراعات، بل وحتى ما يبدو في السطح من سعي لتقويض بعض أشكال السلطة، وتغيير الأنظمة، لا ينبغي أن تُفهم على أنها خلخلة لجوهر بناء السلطة القائمة، بل أن هذه الصراعات سرعان ما تختفي لو شعر هؤلاء الممثلون بأن هناك من ينافسهم منافسة حقيقية، أي لا على مستوى الشكل والسطح بل على مستوى قلب الطاولة بأكملها، وإعادة بناء المجتمع من جديد.
أضيف هنا إلى أن الصراعات التي ربما ظهرت بين ممثلي السلطة الاجتماعية القائمة تقوم في حقيقة الأمر ليس بإضعاف منظومة السلطة أو تقويضها، بل بمنحها حقنة قوة من خلال تفحص منظومة السلطة لمواضع قوتها وضعفها، بحيث تنتهي الصراعات بالقضاء على الأضعف داخل المنظومة، وترسيخ الجوهر. كما أن هذه الصراعات السطحية تمنح الشرعية لمنظومة السلطة، إذ تعكس رسوخها التام، ومقبوليتها الاجتماعية، إلى درجة أن الصراعات لا تتم إلا فيما بين عناصرها ذاتها، وليس بينها وبين رؤية تختلف عنها في الجوهر، أي مع رؤية تطالب بتقويض ما هو قائم وإعادة البناء.
فلنعد الآن إلى أمر المفكر الملتزم: على هذا المفكر ألا يقع في ما يمكن أن أسميه هنا بـ"تدليس الفكر"، بحيث أنه يتخذ من المواقف الفكرية ما يظن أنه يحفظ الاستقرار من خلال مسايرة الوضع القائم المستقر، ذلك أنه في هذه الحالة يفقد صفة الالتزام، ويتحول إلى محض فاعل لتثبيت منظومة الهيمنة الاجتماعية القائمة. ولو نظر المرء حوله لرأى الكثير ممن يبدو فيهم الالتزام الفكري، وهم مع هذا يسلكون مسالك الهيمنة القائمة ذاتها، صامتين عن الخلل في الجوهر، بل مدافعين عنه، وهذا الدفاع لا يتخذ بالضرورة صورة الثناء على المنظومة القائمة وإطراءها والتغني برموزها، بل الصمت على أوجه خللها ومظالمها في الوقت الذي يمكنهم فيه الكلام. لا أرغب في إطالة الحديث هنا عن هذا الضرب من المفكرين المدلسين غير أن الواجب يقتضي أيضًا التنبيه إلى الفجوة الكبرى بين كتاباتهم الفكرية المتباكية على المظالم التي يتعرض لها الإنسان هنا وهناك، وبين أفعالهم التي تمارس بنفسها ذات أشكال الظلم التي تنتقدها. وبطبيعة الحال فإن مثل هؤلاء المفكرين المدلسين يخلقون لأنفسهم شكلًا فكاهيًّا من أشكال الحياة الاجتماعية.
وعلى المفكر أن يميّز بين أمرين مختلفين رغم ما يبدو من شبه ظاهري، وهما الفهم والتفهم، وكلاهما يعنيان بادراك ظاهرة الهيمنة، وتفاصيل عملها. مثلًا: لماذا لا تنشر الصحف أحداثًا في غاية المحورية في الحراك المجتمعي؟ الجواب: لأن القانون يمنعها من نشر أخبار مثل تلك الأحداث. هذا هو الفهم. أما التفهم فهو أن يرى الشخص بأن الوضع ينبغي أن يبقى كما هو عليه، ولا يدعو لتغيير القانون ولا لتحديه. معنى هذا أن الفهم والتفهم أمران مرتبطان فكلاهما مبني على إدراك أسباب الظواهر، غير أن الافتراق بينهما هو أن التفهم يحمل معه التسليم بالوضع وبقاءه، وكأن شعور الإنسان بالخلل في ذلك الواقع، وإرادته لتغييره، أمران غير موجودان البتة.
العظة: المفكر الملتزم عليه أن يفهم، ولكن عليه ألا يقع في دائرة التفهم.



في أن الصلابة الفكرية ضرورة من ضرورات الالتزام
أرغب هنا أن أشرح فكرة أن "الصلابة الفكرية" ضرورة من ضرورات الالتزام الفكري. الصلابة شرط أساسي من شروط وجود المفكر الملتزم، وهي شرط أساسي لبقائه، ولازم لا محيص عنه من لوازم بقاء الأمل في التغيير، وحدوث هذا التغيير. أول أشكال الصلابة الفكرية التي أرى وجوب وجودها لمقاومة المظالم يكمن في صلابة المنطلقات الفكرية. الملاحظ أن بعض مفكرينا يمارسون العملية الفكرية وكأنها نزهة في مواضيع فكرية، وليس باعتبارها موقفًا خطيرًا يرتبط بحياة المجتمع بأكمله. وقد نبهت في مقال سابق إلى خطورة ما لم أجد في وصفه أفضل من الكلمة العمانية "التهجّيلة"، والتي تعني تزجية الوقت، وهنا أضيف صفة "الفكرية" إليها، ليصبح ما أحذر منه هو "التهجّيلة الفكرية"، وأعني بها انغماس المفكر في قضايا فكرية دون أن ينطلق في بناءه الفكري من أساس صلب واضح المعالم، وصلابة المنطلقات تبدو في عمقها ومفارقتها للمباشَرَة التي تسم تفكير عموم الناس. المفكر الصلب هو ذلك الذي ينطلق من رؤى عميقة ليرى ما لا يراه غيره الذين لا يشاركونه تلك المنطلقات العميقة. كما أن صلابة المفكر تستوجب منه أن يرى أوجه الخلل في جوهر المنظومة القائمة لا في بعض إشكالاتها هنا وهناك، ولا يمكن أن يرى الخلل في الجوهر إلا بصلابة منطلقاته الفكرية التي تجعله يبصر بما لا يبصر به الآخرون، لأن منطلقاته الفكرية الصلبة ستجعله قادرًا على أن يرى صورة كبرى للواقع وأن يشخّصها بمقدار ابتعادها عن الوضع المثالي الذي تحمله منطلقاته الفكرية.
وإذا عدنا إلى "التهجّيلة الفكرية" فإن لدينا الكثير منها ومن أخواتها مثل "التهجّيلة الثقافية"، والتي فيها توجد لديك ثقافة ويوجد لديك مثقفون ولكن بلا فعالية حقيقية، بل بما أقرب إلى التهويم وغياب الجدّية والصلابة. ولربما كان مردّ هذا هو وجود الصحافة اليومية التي تتطلب ملء صفحات وملاحق بأكملها بأي كان من "الثقافة"، وهنا تفقد الثقافة فاعليتها، فلا نتاج لأي حركة ثقافية حقيقية، ولا هي محققة لأي تغيير ثقافي واقعي. كما أن هناك "التهجّيلة الأدبية" والتي يوجد فيها العديد من "الأدباء" مع غياب الأدب الحقيقي. انظر إلى العدد الهائل من "الإصدارات"، وما ينشر من "نصوص" أدبية في صفحات الجرائد، وسترى انه مجرد تزجيه تلتحف بمسمى الأدب لتزجية وقت كتّابها ووقت المجتمع. أما أخطر التهجّيلات فهي "تهجّيلة المواقف"، والتي يوجد فيها البعض من الذين يتخذون "المواقف" في قضايا مختلفة، ليس انطلاقا من مبدأ ولا لتحقيق مبدأ ولكن بما هو أشبه بارتداء زيّ مزركش كي يراه الآخرون، وهي مواقف مرحليّة كثيرًا ما تنطلق من ضرر أو خسارة تعرض لها هذا الشخص فقام "باتخاذ موقف" إلى أن يسترد ما خسره، أو لربما هو شكل من أشكال الابتزاز المصلحي، كأنه يقول "سأتحدث إن لم تمنحوني ما أريد أو ما أظن أنني أستحقه."
ومن موجبات الصلابة الفكرية عدم التسليم للواقع بدعوى عدم الرغبة في المزيد من الخسائر الشخصية، ذلك أن المفكر ليس تاجرًا يحسب موجبات وجوده بمقدار ما يربحه وما يخسره. كما أن على المفكر الملتزم ألا يخضع لمغريات ذلك الواقع، فما تلك المغريات إلا طعمٌ لاصطياده ليكون غذاء يتقوى به جسد منظومة الهيمنة، بدلًا من أن يكون سُمًّا يودي بجسد تلك المنظومة إلى حتفه.
النقطة الأخيرة التي أرغب ذكرها هنا هي أن صلابة المفكر لازمة ليس لذاته الفردية فحسب بل لأنه يحمل رسالة للمجتمع، وهو خلاصة هذا المجتمع لأنه عقله الفاهم وضميره الشعوري، لذا فإن وجود المفكر الملتزم وصلابته سوف تنتقل تلقائيًا إلى صلابة المجتمع في مواجهة المظالم التي يتعرض لها. من هنا فإن على المفكر الملتزم أن ينتبه إلى أن وجوده ليس وجودًا فرديًا بل انه وجودٌ اجتماعي، وهذا الوجود الاجتماعي لا يعني بالضرورة أن المجتمع الحالي يقبله، فكما ذكرت أن المجتمع كثيرًا ما يكون مسلوب الإرادة، ضحيةً للرؤية والمنظومة القائمة، ومن الطبيعي أن ينحو المجتمع إلى رفض ما يدعو إلى تقويض تلك المنظومة، حتى وإن كانت هذه الرؤية القائمة ظالمة له ومدمرة لحاضره ومستقبله، فقبول المجتمع للمفكر الملتزم غير متوقع في البدء، ولنا في كل الرسالات درسٌ، إذ قبل أن ترفض أصحاب تلك الرسالات السلطات رفضهم الأقربون منهم ومن ثم مجتمعهم. على المفكر الملتزم أن يعرف أن التزامه الفكري هو الذي سيقود إلى تغيير المجتمع، كما أن صلابته في التزامه الفكري ستؤدي إلى خلق مجتمع جديد ذي بناء جديد كليًّا، تتقوض فيه الهيمنة وما يستلزمه وجودها من مظالم.


الثلاثاء، 28 يونيو 2011

دعوة لنقاش عام حول التعليم في عمان






دعوة لنقاش عام حول التعليم في عمان
عبدالله الحراصي


(نشر في جريدة "عمان" يوم الثلاثاء 28 يونيو 2011م)


كتبت قبل نحو العامين مقالًا عنوانه "حول ضرورة إنشاء جامعات حكومية جديدة"، وكانت الفكرة المحورية فيه هي ضرورة تحرك الدولة العمانية نحو فتح جامعات حكومية جديدة، وأن يكون هذا التحرك في أسرع وقتٍ تحت إلحاح ضرورات موجِبة له، أهمها عدم كفاية الجامعة الحكومية الوحيدة (جامعة السلطان قابوس) لتغطية عدد كبير من خريجي المدارس، كما طرح المقال فكرة أن التعليم العالي في عُمان هو "قضية أمن وطني"، ومما ذكرته في هذا الشأن أن التعليم العالي الحكومي "سوف يحمي أمن هذا المجتمع ويحمي أمن الدولة، ويقي المجتمع والدولة عوادي الزمان وتقلب الأحوال التي تنجم عن الجهل وعن غياب الفرص وانغلاق أفق المستقبل الفردي والمجتمعي. هذا الخيار سيحمينا على المستوى الوطني، وعلى المستويين الإقليمي والدولي، وسوف يمنحنا فائدة مضاعفة تتمثل في مجتمع واعٍ وقادرٍ على الإنجاز داخل الوطن وخارجه."
أعود لهذا المقال بعد عامين من نشره ليس للتأكيد على ذات أفكاره بل للنظر في تلكم الأفكار في ضوء التغيرات التي حدثت في عُمان في الفترة الأخيرة. ما حدث أن عُمان شهدت حركة احتجاج قام بها في الغالب شباب يدعون إلى إصلاح الأحوال في عديد من مناحي الحياة العُمانية، وفي الأداء الحكومي خاصّة، ويأتي التعليم في صلب ما طرحه هؤلاء الشباب من إشكالات، كما أتت طروحاتهم لإصلاح الشأن التعليمي في صلب ما يرونه من سبل لحلّ الإشكالات العامة التي تواجه الحياة في عُمان.
ومن الجليّ أن قيادة الدولة أدركت البعد التعليمي في صياغة الواقع العماني من خلال التطورات الأخيرة، فقدمت مبادرات مهمّة في هذا الاتجاه من بينها الأمر السامي بدراسة إنشاء جامعة حكومية جديدة، وهو مطلب وطني حمله الشباب، كما أنه ضرورة وطنية أيضًا، كما أعلنت وزارة التعليم العالي كذلك عن توجيهات سامية بتوفير 8500 بعثة تعليم عالٍ داخلية وخارجية، ما يرفع المقاعد التي تمولها الدولة إلى 28 ألفًا و400 مقعد، مشكلة زيادة قدرها 43% مقارنة بالمخطط له في العام الجامعي 2011-2012م، كما سترتفع الطاقة الاستيعابية في التعليم التقني إلى عشرة آلاف و500 مقعد بزيادة 2000 طالب وطالبة. كل هذه الخطوات وغيرها هي بلا شك خطوات ملموسة تبعث على السعادة والارتياح في المجتمع ونخبه المختلفة، فهي تعكس وعيًا قياديًا بضرورة التعليم، من أجل التطور الاجتماعي العام، ومن أجل درء الإشكالات التي ربما تسبب فيها غياب التعليم وانسداد الآفاق أمام الشباب خصوصًا، والمجتمع على وجه العموم.
ما ينبغي أن يسند هذه الخطوات الطيبة من قبل الدولة هو الدعوة لنقاش عامّ حول قضية التعليم في عُمان. والنقاش العام المطلوب ليس مجرد الكتابة والحديث العام عن التعليم، إنما إيلاء التعليم حقه من التمحيص والدراسة الممنهجة من قبل أخصائيين يمتلكون الخبرة في دراسة الواقع التعليمي وربطه بصور الواقع السياسي والاجتماعي في عُمان، واقتراح آفاق مستقبله ضمن خطة وطنية شاملة. كما أن حضور التعليم العام والتعليم العالي في صلب الاحتجاج وفي صلب الرؤى المقترحة للحلول يعني أن على النخب الاجتماعية والفكرية والثقافية، وعلى مؤسسات الدولة المختلفة أيضًا، التحديد الدقيق للإشكالات التي تعوق التعليم في عُمان، وتمييز تلك الأسباب المرتبطة بالمؤسسة التعليمية في ذاتها، والأسباب الأخرى ذات الطبيعة المنظومية، أي الأسباب المرتبطة بآلية عمل الدولة ككل، إضافة إلى العقبات الثقافية والاجتماعية المختلفة التي تنحو بالتعليم إلى مقاصد واتجاهات ليست هي التي يرغب في الوصول إليها مخططو التعليم ومخططو الاستراتيجيات الوطنية الشاملة، إضافة إلى الاتجاهات الجديدة التي يستحسن أن يسلكها التعليم في ظل فترة تغيير تشهدها عُمان، والمنطقة العربية بأكملها.

الثلاثاء، 22 مارس 2011

رسالة إلى الشباب



دُعيت يوم الخميس الماضي للمشاركة في برنامج أعدّه تلفزيون سلطنة عُمان عنوانه (حوار الشباب)، وكان هدف البرنامج هو التواصل مع الشباب ومنحهم الفرصة لطرح أفكارهم ورؤاهم حول ما يرونه من أوضاع وطنية إشكاليّة وسبل حلّها للعبور إلى مستقبل أفضل. ما لفت نظري ونظر الكثير ممن شاهد ذلك البرنامج هو المستوى العالي من الوعي السياسي والثقافي الذي ظهر به هؤلاء الشباب، وهو ما يطمئننا أن المستقبل الذي سيعتمد على عقول هؤلاء الشباب وإرادتهم سيكون مستقبل خير لعُمان الحديثة.

أسوق هذه المقدمة إقراراً بأن علينا جميعاً التواصل مع جيل لم يعد هناك شك بأنه كان مغيّباً ليس من الإعلام فحسب بل من فهم المجتمع نفسه، فقد كانت الأجيال الأكبر سنًّا تنحو إلى استبعاد الأمل والخير من جيل لم يُعرف عنه إلا أنه تربى على الفضائيات وعلى الإنترنت وعلى ثقافة ليست هي الثقافة التقليدية الراسخة. علّمتنا أحداث الأيام الماضية أن المجتمع العماني أخطأ كثيراً في فهم هؤلاء الشباب، وأقول (المجتمع) لأعني به الأجيال الأكبر سنًّا الذين اعتقدوا، بحسن نيّة أو بالتباساتها، بأنهم هم المجتمع. هؤلاء الشباب بحركتهم الاحتجاجية وبطروحاتهم حول أنفسهم وحول الوطن العماني جاءوا ليقولوا إنهم جزء لا يتجزأ من المجتمع، بل إنهم هم المجتمع الفاعل الحيّ الذي حينما شعر بانسداد الآفاق هبّ لفتح ما انسدّ وإصلاح ما فَسد في حيوية وطنية لا نملك إلا أن نشعر بالفخر والإعجاب بها.

ما فعله الشباب هو أنهم بثوا روحاً جديدة في الجسد الاجتماعي، وهي روح تقول لنا إن الوطن ملك لجميع أفراده، في الحقوق وفي المسؤوليات، كما أن هذه الروح الجديدة التي سرت مُنعِشَةً جسد المجتمع تدعونا أيضاً إلى أن لا نستمر في غيّ تنصيب أنفسنا أوصياء عليهم بأبوية ضررها أكبر من نفعها، أي أن علينا ألا نظن أننا نحن فقط الذين نعرف ما يسرّ المجتمع وما يضرّه، فالشباب أثبتوا أنهم بوعيهم قادرون على التمييز بين الصواب والخطأ، وقادرون على نقل وعيهم إلى الواقع بالتدخل حين يسود الخطأ وتترسخ جذوره في تربة الوطن. علينا كذلك ألا نهوّل الأمور وألا نُثقِل على كاهل جيل الشباب بالتركيز الإعلامي على شطط بعضهم وعلى مساوئ وأضرار ما فعله بعضهم الآخر، فهم يعيشون تجربة وطنية جديدة يتعلمون منها، ويستفيد منها المجتمع كما أسلفت، وما يبدو من اختلاط الحابل بالنابل ليس إلا مرحلة ستمر سريعاً وستهدأ الأمور بعد فورانها. علينا أن نحتضن الشباب، وأن نحتضن رؤاهم ومطالبهم بل وحتى أخطاءهم، وأن نأخذهم (باللَّسْتَا) و(بالتي هي أحسن) بحسب القول العماني.

أما حديثي إلى الشباب فهو أن واجبنا يفرض علينا أن نشكركم شكراً خالصاً على تحرككم الاحتجاجي، فهو احتجاج وطني مبارك، وهو منبع خير عميم على وطننا العماني. إنكم أيها الشباب هديةُ القدر لعُمان، وقد ساهمتم بفعالية في إنهاء مرحلة كان ضررها أكبر من نفعها، وشيّدتم الأساس الذي سوف تقوم عليه عمان المستقبل، عُمان الحديثة، وما تجاوب جلالة السلطان المعظم من خلال الإصلاحات المختلفة إلا تعبير عن رغبة قيادة البلاد في بناء عمان المستقبل على أعمدة جديدة أهمها آراء الشباب ورغباتهم ومطامحهم.

وأقول للشباب إن الإصلاحات التي تمت، والتي ستستمر بأشكال مختلفة، سترسخ دولة المؤسسات التي هي مطلب الجميع. ودولة المؤسسات هي دولة الحق والمسؤولية، إذ يأخذ كل فرد حقّه ويؤدي مسؤوليته، ولا يمكن أن نشيّد هذه الدولة إلا بمبادئ أرى أن الالتزام بها سوف يأخذ احتجاج الشباب إلى نهايته السعيدة التي يرغبون فيها والتي هي مطلب المجتمع بأكمله. أول هذه المبادئ هو وضوح الأهداف وتنظيمها، وفرز المطالب والإبقاء على المطالب الوطنية التي تفيد الجميع. على الشباب أن يحددوا بطريقة واضحة ما يريدونه من أهداف كي يسهل على الدولة دراستها وتحقيق ما يمكن تحقيقه منها، فالمطالب المتضاربة غير المنظمة ستشتت أهداف الإصلاح الأساسية، كما أنها تجعل من تحقيق أهداف الإصلاح تلك أمراً عسيراً مع وجود أهداف غير واضحة ومطالب فئوية غير مقنعة.

وثاني المبادئ هو أن تكون المطالب منطقية واقعية معقولة، وهذا يعني أن علينا أن لا نطالب بما هو مستحيل، وبمطالب لا يمكن إنجازها دون تخطيط ودراسة متأنية، وبما لا يتناسب مع موارد البلاد، وأن لا نطالب بما يبدو لامعاً اليوم وسيؤدي إلى الضرر على البلاد بأكملها في الغد. أقول للشباب كذلك إن كثيراً من الأخطاء قد وقعت في الماضي ولكن ليس في يدنا إعادة الماضي لإصلاحه، وما في يدنا هو المستقبل الذي نحن جميعاً مسؤولون عنه، وعلينا أن نصوغه بالتخطيط المتأني وبالمطالب الواقعية.

أما المبدأ الثالث فإن من شروط دولة المؤسسات ألا يتعدى أحد على حقوق آخر، سواء كانت تلك الحقوق حقوقاً عامةً يملكها المجتمع أو حقوق أفراد فيه، فكيف يمكن أن نصلح المجتمع بإفساد حقوق الآخرين؟ وكيف نعالج الخطأ بالخطأ؟ ولا شك أن الشباب واعون تمام الوعي بأن التخريب والإضرار بالمال العام والخاص هي أمور يرفضها العقل وتعافها الفطرة ويعاقب عليها القانون. هذا المبدأ يتطلب منكم أيها الشباب أن تقفوا صخرة صلداء أمام من يسعى إلى مثل هذا التخريب حتى لا يشوّه تحرككم الاحتجاجي المبارك.

الخلاصة هي أننا جميعاً نشعر بفخر بهذا الجيل الواعي من الشباب، هذا الجيل الشجاع الذي بادر إلى إنقاذ البلاد في نهضة جديدة، ناصعة من أي فساد وتخريب، وشعورنا بالفخر بهم تصاحبه رسالة بسيطة مفادها أن عليكم إكمال هذا النهوض بتحديد الأهداف وتنظيمها، وبطلب الممكن والواقعي والمعقول، وبرفض أي عمل تخريبي، لأن هذا التخريب، وإن كان قليلاً، سيكون تخريباً لكل ما فعلتموه من حركة احتجاجية مباركة لم تكن تسعى إلا إلى نشر الخير ومحاربة الفساد وبناء عمان الجديدة، دولة المؤسسات والقانون والتخطيط المستقبلي.


------------------------------------------------------------
* نشرت هذه المداخلة ضمن تحقيق عنوانه "أفسحوا للإصلاح" في ملحق "شرفات" بجريدة "عمان"، الثلاثاء 22 مارس 2011.

السبت، 5 مارس 2011

نقاط تتعلق بالاحتجاج والإصلاح المطلوب في عُمان


نقاط تتعلق بالاحتجاج والإصلاح المطلوب في عُمان


د. عبدالله الحراصي



أكتب هذا المقال من التاريخ وللتاريخ. أكتبه من التاريخ الذي أراه يتشكل من جديد بفضل كل صور قول «لا» و«كفى» التي ما زلنا نراها في بقاع مختلفة من عُمان. التاريخ إذًا لم ينتهِ كما صوره لنا البعض، وكأن أمر الشعوب قد حسم إلى غير رجعة بحسب أهواء غير أهواء هذه الشعوب وتقديرها لمنافعها في حاضرها ومستقبلها. التاريخ لم ينتهِ ولن ينتهي ما دامت على وجه البسيطة، ومنها أرضنا العُمانية، نفوسٌ حرّة لا تقبل أن تمضي منقادة في غيّ التغييب المنظم والانقياد والقبول بما لا يمكن قبوله. التاريخ لم ينتهِ بل تتدخل الإرادة البشرية، ومنها إرادة العمانيين، لتصنع بيدها وعلى أعينها أحداثًا جديدة، بعد أن كاد الجميع أن يتصور بأن أمر التاريخ قد حُسِم، وأن ما عشناه دهرًا سنعيشه إلى نهاية عُمرنا، وسيعيشه أبناؤنا وأحفادنا إلى يوم يبعثون. التاريخ لم يمت، لأن الروح لم تمت.

وأكتب هذا المقال للتاريخ، ليس خوفًا ووَجَلا من حساب على صمتٍ نرفض قبوله، بل ليكون رسالة نرسلها من حاضرنا هذا للمستقبل، ليقرأها من يقرأها في لحظة مستقبلية، سواء أكانت تلك اللحظة هي الساعة القادمة أو بعد يومين، أو بعد قرن أو دهر من الزمان، وليستنتج ذلك القارئ مرّة أخرى أن التاريخ العماني لم يمت، لأن روح الإنسان العماني لم تمت، بل إنها تتشبث بإرادتها وبقدرتها على صنع هذا التاريخ. أشعر أننا بالكتابة للتاريخ كما أفعل الآن مثل من يبعث رسالة إلى المخلوقات المجهولة في الكون الفسيح عن أن هناك كائنًا اسمه الإنسان يشاركهم الوجود في الكون الفسيح: هنا نحن نبعث رسالة للمستقبل إننا شعب حيّ كريم، يَقبَل الخير ويُقبِل عليه ويرفض الشر والفساد ويعاقب عليه، وأننا بخير لأننا أحياء قادرون على حمل الأمانة التي تنوء عن حملها الجبال، وهي إرادة التغيير.

حديثي سيكون تفصيلًا لبعض النقاط الأساسية التي أرى وجوب تفصيلها عن الحالة الاحتجاجية العمانية. النقطة الأولى هي أن التحرك الاحتجاجي هو حالة إنسانية، منبعها الحفاظ على كرامة الإنسان، وعلى إبقاء جذوة إرادته حيّة، كما أنها تنطلق من الشرائع والقوانين، فالقرآن الكريم ينص في سورة الإسراء على كرامة الإنسان («ولقد كرّمنا بني آدم»)، كما تضمن القوانين المعاصرة كرامة الإنسان فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان يضمن للإنسان التعبير عن آرائه ورفضه لما يحد من حريّته وينتهك كرامته، كما ينص النظام الأساسي للدولة في السلطنة على هذا الحقّ في التعبير السلمي عن الرأي. وأضيف أن جلالة السلطان المعظّم قد عبّر عقب توليه الحكم في السلطنة عن تفهمه لمطالب المطالبين للتغيير آنذاك، وما كان التغيير المبارك الذي تم في يوليو 1970 إلا تعبير من قبل جلالة السلطان عن رفض الظلم، وعن قدرة الإنسان العماني على التغيير. الحالة الاحتجاجية الحالية تنبع من نفس منبع الكرامة والإرادة: رفض الظلم ووجوب تغييره.

النقطة الثانية مرتبطة بالنقطة الأولى، ومفادها أن التحرك الاحتجاجي هو حالة وطنية، فالعمانيون بشتى فئاتهم وفي مختلف مناطقهم يعبرون عن احتجاجهم على كثير من الأمور التي سادت قبل هذا الاحتجاج، فقد شارك العمانيون من مختلف الأعمار والآراء والمهن والمحاتد فيها، وهي ليست مجرد فورة شباب فقط كما يحلو للبعض القول، كما رأينا هذا الاحتجاج الحضاري السلمي في ظفار (وهي الأرض التي شهدت التغيير في يوليو 1970) وفي مسقط العاصمة، وفي صور، وجعلان بني بوعلي، وصحار، وشناص، وينقل، والبريمي، وغيرها من مدن عُمان الكريمة. الرسالة واضحة هنا إذًا: أن عمان كلها تشترك في الاحتجاجات. كما أن الحالة الاحتجاجية هي حالة وطنية لأن مطالبها تتسامى على المصالح الضيقة والمباشرة للمحتجين أو لمناطقهم، بل أن الجميع رفعوا مطالب وطنية عامّة، منطلقها رفض جادّ وصلب لممارسات سلبية وُجِدَت في كل الأرض العمانية، وهي مطالبٌ سينهمر غيثها المدرار، حين تتحقق، على كل الأرض العمانية الطيبة.

النقطة الثالثة التي ينبغي على الجميع، وخصوصًا الدولة، وضعها نصب الأعين هي أن الحالة الاحتجاجية ليست هي المشكلة بل هي البادرة اللازمة للحل والإصلاح، أي أن التحرك السريع والبعيد المدى لا ينبغي أن يركز على كيفية «الخروج من المأزق الحالي» (بحسب اللغة الصحفية المعتادة) وعدم تكرار ظهوره في المستقبل، بل علينا أن نفهم أن هذا «المأزق» سيكون هو نبع الخير العميم الآتي على عُمان، لأنه لو لم يحدث لسارت الأمور السلبية كما كانت، وربما قال قائل «ولكن هذا يدفع بخلخلة استقرار البلاد» والجواب هو أن البلدان الكريمة لا تعيش لكي تستقر، بل إنها تستقر لكي تعيش كما أنها تنتفض كي تعيش حرَّةً كريمةً، وحين يمتنع العيش الحرّ الكريم فلا ضير من خلخلة الاستقرار، ولا نقصد بطبيعة الحال خلخلة الاستقرار الأمني، فهذا خط أحمر كلنا ضده (ودرء الضرر الأعظم مقدم على جلب المصلحة الأصغر)، ولكن المقصود بالاستقرار الذي ينبغي علينا جميعًا خلخلته هو استقرار أحوال الفساد بكل أشكاله، فهو استقرار ينخر البلدان، ويصيب عظامها بالهشاشة الوطنية، ويتعداه إلى إصابة روحها بموت الكرامة والإرادة. هذا النوع من الاستقرار من الواجب المبادرة إلى نفضه وهزّه بل وزلزلته. الانتفاض الاحتجاجي في عُمان هو إذًا احتجاج مبارك لأنه يعبر عن رفض الفساد بكل أشكاله، ويعبر عن الأحلام والآمال الوطنية بشتى ألوانها، ولا ينبغي أن يتم التعامل معه على أنه هو المشكلة. الاحتجاج هو ضرورة لازمة من ضروات العلاج، وما الفساد والصمت عليه، واحتضار الأمل أو موته، إلا السم الزعاف والداء الذي يقتل الأوطان والشعوب.

النقطة الرابعة تتعلق بمستقبل عُمان، وحق الجميع في المساهمة في صنعه. شعر الكثير من العمانيين لوقت طويل أنهم مغيّبون عن صنع حاضرهم ومستقبلهم. شعروا بأنهم مجرد مشاهدين لمسلسل ممل لا يغطي حلقاته إلا ضباب الفساد بكل أشكاله، وهو مسلسل بدا لوهلة أن حلقاته لا تنتهي أبدًا. ما أود أن أقوله هنا هو أن الحالة الاحتجاجية التي تعم عمان تخبرنا بأن عمان ملك للجميع: لشعبها ولدولتها، وينبغي أن يشارك الجميع في صنع الحاضر والمستقبل مشاركة متكاملة تكون فيها الحكومة أمينة على مصالح الشعب، كما ينبغي أن توجد من الضمانات المؤسسية ما يكفل هذا، وأخص بالذكر ضرورة تحوّل مجلس الشورى إلى مجلس يقوم بالدورين الأساسيين التي تقوم بهما البرلمانات وهما التشريع ومراقبة أداء الحكومة ومحاسبتها.

النقطة الخامسة حول مفهوم «التخريب». ذكرت في الأعلى أن درء الضرر مقدم على جلب المصلحة، ومعنى هذا أن كل العمانيين يرفضون أي حالة من حالات تخريب الممتلكات العامة أو الخاصة، ولكن علينا أن ننتبه إلى أن التخريب، وخصوصًا الذي شهدناه في صحار، هو محض هامش للحالة الاحتجاجية وليس أساسها، وهو أمر ينبغي أن يتم التعامل معه ضمن القانون، وينبغي استخدام القوة مع من يحاول أن يفتعله لأي سبب، فلا يمكن القيام بالإصلاح من خلال القيام بالفساد، غير أن القاعدة الأساسية هي أن الاحتجاج العماني هو حالة سلمية حضارية عبّر ويعبّر بها العمانيون عن رفضهم للحالة السابقة.

كما أود أن أشير إلى قضية في غاية الأهمية في هذا السياق، وهي أنه ينبغي على الجميع ألا يحصروا التخريب في ما شهدناه في صحار من حرق وإتلاف للمتلكات، بل أن كل فساد هو تخريب، وكل استغلال لمنصب من أجل إثراء أو نفوذ أو مصلحة أيًا كانت هو تخريب. التخريب لا ينبغي أن ينحصر في ما حدث في صحار فقط، بل أن تخريب الوطن من خلال الفساد السياسي والاقتصادي والإداري والمالي هو تخريب أخطر بكثير من تخريب الممتلكات (المرفوض بقوة كما أشرت). وهذا يعني أن على الدولة أن تحاسب كل المخربين، صغيرهم وكبيرهم، وأن يتم أولًا البحث الحقيقي الصادق في تهم الفساد التي يتهمهم المجتمع بها بناء على قواعد واضحة معلنة مثل قاعدة «من أين لك هذا؟»، وإن ثبتت عليهم التهم فالقضاء العماني النزيه كفيل بالتعامل مع كل مخرّب لأي حق وطني وأن ينال من العقاب ما يستحقه، وكما فعلت في مقال سابق أعيد هنا قول جلالة السلطان المعظم في مجلس عمان عام 2008: «وتجدر الإشارة هنا إلى انه لمّا كان الأداء الحكومي يعتمد في إرساء وترسيخ قواعد التنمية المستدامة على القائمين به والمشرفين عليه فان في ذلك دلالة واضحة على مدى المسؤولية الجسيمة المنوطة بالموظفين الذين يديرون عجلة العمل في مختلف القطاعات الحكومية، فإن هم أدوا واجباتهم بأمانة وبروح من المسؤولية بعيدا عن المصالح الشخصية سعدوا وسعدت البلاد، أما إذا انحرفوا عن النهج القويم واعتبروا الوظيفة فرصة لتحقيق المكاسب الذاتية وسلما للنفوذ والسلطة وتقاعسوا عن أداء الخدمة كما يجب وبكل إخلاص وأمانة فانهم يكونون بذلك قد وقعوا في المحظور ولابد عندئذ من محاسبتهم واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة لردعهم وفقا لمبادئ العدل الذي أرسينا عليه دعائم الحكم والتي تقتضي منا عدم السماح لأي كان بالتطاول على النظام والقانون أو التأثير بشكل غير مشروع على منافع الناس التي كفلتها الدولة ومصالح المجتمع التي ضمنها الشرع وأيدتها الأنظمة والقوانين ومن ثم فإننا نؤكد على أن تطبيق العدالة أمر لا مناص منه ولا محيد عنه وان أجهزتنا الرقابية ساهرة على أداء مهامها والقيام بمسؤولياتها بما يحفظ مقدرات الوطن ويصون منجزاته». أقول منطلقًا من قول صاحب الجلالة المعظم هذا أن كل أشكال التخريب وأنواعه ينبغي محاسبتها وتقديمها للقضاء ومعاقبتها.

النقطة السادسة تتعلق بمسار عُمان المستقبلي عقب هذه الأحداث: لقد غيّرت هذه الأحداث عُمان تغييرًا كبيرًا، وهذا التغيير يقودنا إلى حقيقة أساسية علينا جميعًا أن نفهمها وهي أنه لا عودة للوضع الذي كان قبل هذه الأحداث، وأعني بطبيعة الحال ألا عودة للحالات السلبية التي كانت موجودة، بل أن عمان خطت خطوات للأمام وهي رحلة في طريق واحد هو طريق الإصلاح والتغيير، وهذا يعني أن علينا أن نقف جميعًا ضد أي محاولة من أي كان للعودة إلى التعايش مع السلبيات والأمور المرفوضة، والتي قامت الاحتجاجات لإنهائها.

النقطة الأخيرة هي غلاف لكل النقاط الواردة فيما تقدم، ومفادها أن إصلاحات التغيير المطلوبة ليست إصلاحات معيشية واقتصادية فقط، بل إنها إصلاحات شاملة، وعلى رأسها الإصلاحات السياسية. المطالب المعيشية والاقتصادية طفت على السطح لأنها تمس الناس مسًّا مباشرًا في حياتهم ومعيشتهم وحقوقهم المباشرة من وظيفة وزواج ومأوى، وفي تقديم المطالب الاقتصادية المعيشية فإن علينا أن نميّز بين المطالب التي تبدو منطقية قابلة للتحقق والمطالب غير المنطقية التي يصعب أو حتى يستحيل تحققها، فتحديد الحد الأدنى للأجور مثلًا تحكمه عوامل كثيرة من أهمها مستوى الدخل القومي للبلاد، والنشاط الاقتصادي وغيرها من العوامل، ومن غير المعقول أن نشترط حدًّا أدنى للأجور لا يعكس وضع البلاد الاقتصادي ودخلها القومي، كما أن من غير المعقول كذلك المطالبة بإسقاط الديون الشخصية والطلب من الدولة أن تتولى دفعها، ذلك أن هذه أموال استفاد منها صاحب القرض شخصيًّا، ومن غير المعقول أن تتحمل ميزانية الدولة ديونًا شخصيّة استفاد منها صاحبها، كما أن ذلك فيه ظلم كبير لمن لم يأخذ قرضًا شخصيًّا واحتمى بالصبر وبتنظيمٍ صارمٍ لدخله وأوضاعه المالية للتعايش مع صعوبات الحياة وللتغلب عليها.

أقول أن المطالب المعيشية هي مجرد جزء من المطالب الإصلاحية السياسية الكبرى، وتشمل هذه المطالب الكبرى مشاركة الناس في صياغة ومراجعة دستور بلادهم (والقضية ليست الاسم هنا، بمعنى أن الاسم يمكن أن يظل هو «النظام الأساسي»، وفي اللغة العربية سِعَة) بما يحقق رؤاهم الوطنية لنظام الحياة في عُمان، إضافة إلى تحرير الإعلام العماني من قيوده الكابحة للقول والتعبير عن الآراء المختلفة، ووضع النظم التي تحد من الفساد والتخريب بكل أشكاله، ووضع نظام صارم يتمتع بالمراقبة لصرف المال العام بما يضمن عدم التعدي عليه وعدم هدره فيما لا يجني منه الوطن العماني الخير، وإصلاح حال مؤسسات الدولة المختلفة التي لا يختلف اثنان على وجود ترهل وضعف في أداء كثير منها، ونشر التعليم ومؤسساته بما يضمن حصول كل عماني على التعليم الذي يرغب فيه وبما يضمن الصالح الكلّي للوطن العماني في استعداده للمستقبل، مع وضع التنظيمات التي تضمن المهنية العالية الحقّة في مؤسسات التعليم بكل مستوياته.

والخلاصة هي أن التغيّر الذي أحدثته الحالة الاحتجاجية هو تغيّر كبير، والمطالب التي رسختها هذه الحالة هي مطالب كبيرة، والاستجابة بالإصلاح ينبغي أن تكون كبيرة ومستمرة بما يحفظ لعمان روحها الحيّة وجذوة إرادتها الكريمة القادرة على صنع التاريخ العماني الذي لن يموت لأن روح عُمان ستظل تنبض دائمًا عزّة وكرامة، ولن تموت.

الأربعاء، 2 مارس 2011

لنضمن استقرار عُمان ...


لنضمن استقرار عُمان ...
الدكتور عبدالله الحراصي

يشهد العالم العربي من المغرب إلى سلطنة عُمان حالة انفجار واحتجاج لم يسبق لها مثيل في تاريخه منذ انتشار العرب من شبه الجزيرة العربية مع الفتوحات الإسلامية، إذ تتعرض كل البلدان العربية لدرجات متفاوتة من الاحتجاج والاعتراض والاعتصام، والحقيقة أن حالة الغليان الشعبي في الدول العربية ليست جديدة، بل أنها موجودة منذ عقود، وتتراوح أسبابها بين الانهزام الحضاري أمام الغرب وإسرائيل، والأسباب الداخلية التي تميز كل دولة بحسب التطور التاريخي لها وظروفها، أما الحالة التي نعيشها حاليًّا فهي حالة الانفجار الذي أعقب حالة احتباس الآراء والمشاعر حول كثير من القضايا التي تم كبت الشعوب العربية من التعبير عنها، والحقوق التي حرمت هذه الشعوب منها.
وما تشهده عُمان هذه الأيام هو النسخة العمانية لهذه الحالة العام التي تجتاح العالم العربي، ولهذه النسخة العمانية من الحراك الشعبي خصوصياتها كما أن لها مشتركاتها مع بقية النسخ العربية. المشتركات مع الحالة العربية العامّة جليّة للعيان، فهذه الاحتجاجات في مناطق مختلفة من عُمان (مثل مسقط وصلالة وصحار وشناص والبريمي) تحدث في خضم الحالة العربية العامة التي بدأت في تونس ثم مصر، وأدت في البلدين إلى سقوط رأسي البلدين، ثم انتقلت إلى اليمن التي ما زالت تعيش مخاضًا عسيرًا، وليبيا التي لا يمنع الإنسان من الوقوع في فخ السخرية من عبثية ما يحدث فيها وسرياليته إلا الكلفة البشرية المؤلمة التي يدفعها الشعب الليبي، وانتقلت الحالة بدرجات أقل إلى الجزائر والكويت والمغرب والعراق، مع تململ صامت غير أنه لا يخفي احتمالية انفجاره في بقية الدول العربية. والحالة العمانية تشترك كذلك مع بقية الدول العربية في بعض الإشكالات التي عبّرت عنها الاحتجاجات مثل غلاء المعيشة وغياب الوظائف وكبح حرية التعبير والقول واستشراء الفساد.
غير أن الحالة العُمانية لها أيضًا خصوصياتها الناجمة عن التطور التاريخي والوضع السياسي والاقتصادي والأداء المؤسسي الخاص بعُمان ذاتها، إذ إن التعبير الهامس عن كثير من الإشكالات وُجِدَ قبل انفجار الوضع العربي منذ نحو شهرين، فالحديث مثلًا عن الفساد ليس جديدًا بل أن جلالة السلطان المعظم أشار إليه بنفسه في مجلس عمان في عام 2008 حين قال "وتجدر الإشارة هنا إلى انه لمّا كان الأداء الحكومي يعتمد في إرساء وترسيخ قواعد التنمية المستدامة على القائمين به والمشرفين عليه فأن في ذلك دلالة واضحة على مدى المسؤولية الجسيمة المنوطة بالموظفين الذين يديرون عجلة العمل في مختلف القطاعات الحكومية، فإن هم أدوا واجباتهم بأمانة وبروح من المسؤولية بعيدا عن المصالح الشخصية سعدوا وسعدت البلاد، أما إذا انحرفوا عن النهج القويم واعتبروا الوظيفة فرصة لتحقيق المكاسب الذاتية وسلما للنفوذ والسلطة وتقاعسوا عن أداء الخدمة كما يجب وبكل إخلاص وأمانة فأنهم يكونون بذلك قد وقعوا في المحظور ولابد عندئذ من محاسبتهم واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة لردعهم وفقا لمبادئ العدل الذي أرسينا عليه دعائم الحكم والتي تقتضي منا عدم السماح لأي كان بالتطاول على النظام والقانون أو التأثير بشكل غير
مشروع على منافع الناس التي كفلتها الدولة ومصالح المجتمع التي ضمنها الشرع وأيدتها الأنظمة والقوانين ومن ثم فإننا نؤكد على أن تطبيق العدالة أمر لامناص منه ولا محيد عنه وان أجهزتنا الرقابية ساهرة على أداء مهامها والقيام بمسؤولياتها بما يحفظ مقدرات الوطن ويصون منجزاته." كما أن الوعي بأوجه الخلل في الأداء المؤسسي والحديث عنه موجودان منذ فترة وليسا بجديدين، وما أمر جلالة السلطان المعظم بدورات للصحفيين في عام 2008 مثلًا إلا تعبير من قيادة البلاد عن ضعف أداء المؤسسة الإعلامية العمانية.
اتخذت النسخة العمانية من حالة الاحتجاج السائدة حاليًّا في العالم العربي أشكالًا مختلفة من بينها التظاهر في مسيرات مثل المسيرة الخضراء (الأولى والثانية)، والمسيرة التي حدثت في البريمي، والاعتصام في صلالة، وإضراب بعض أعضاء الهيئة التدريسية بوزارة التربية والتعليم عن التدريس، وأخيرًا الاعتصام والتظاهر في صحار الذي تحول في جزء منه إلى حالة شغب وتدمير لممتلكات عامة وخاصة. هذا على مستوى التظاهر المباشر، غير أن حالة الاحتجاج العمانية اتخذت أيضًا أشكالًا أخرى مثل الاحتجاج بالقلم في المواقع والمنتديات والمدونات الالكترونية، وبالأسئلة التي يوجهها ممثلو الشعب العماني لبعض الوزراء في مجلس الشورى، إضافة إلى بعض المقالات والتحقيقات التي تظهر بين فينة وأخرى في الصحافة العمانية.
أتحدث عن أشكال مختلفة للاحتجاج في عُمان حتى لا يختزل الأمر في الاحتجاج المباشر المتمثل في المظاهرات والمسيرات والاعتصامات، وحتى أنطلق للحديث عن أهداف النسخة العمانية من الاحتجاجات. على مستوى المظاهرات المباشرة فإن الاحتجاجات رفعت وترفع شعارات تتعلق بالحاجات المباشرة لغالبية الناس، وهي مطالب اقتصادية حياتية في الغالب مثل التوظيف ورفع الأجور ورفع الراتب التقاعدي، إضافة إلى مطالب تعليمية مثل توفير فرص تعليم عالٍ للشباب العماني، إضافة إلى مطالب مرتبطة بهذا الظرف الاقتصادي العام مثل محاربة الفساد المالي لدى المسؤولين الذي يرى الكثير من الناس أنهم يزيدون ثراءً بطريق الفساد فيما يزيد الفقر والفاقة لدى الغالبية.
غير أن الأشكال الأخرى من الاحتجاج، وخصوصًا تلك التي تأخذ القلم وسيلة لها، تحمل ذات المطالبات العامة، إضافة إلى مطالب أخرى تتجاوز المطالب الاقتصادية، وحتى نسمي الأمور بأسمائها فإن الاحتجاجات العمانية حملت معها مطالب سياسية تتعلق مثلا بضرورة إعداد دستور متفق عليه من قبل الدولة والشعب العماني يكون قطب الرحى للحياة في عمان بمختلف أشكالها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، هذا إضافة إلى مطالب تختص بمحاربة الفساد الذي قدمت بعض المواقع الالكترونية الوثائق الدامغة عليه مثل الحصول على امتيازات من قبل بعض المؤسسات الحكومية دون حق يضمن مساواة جميع المواطنين، إضافة إلى ما اعتبره كثيرون فسادًا في إنفاق المال العام.
هذه إذًا أشكال الاحتجاج العمانية، وهذه كذلك المطالب، غير أن ما وقع في صحار قبل ثلاثة أيام من عنف وتخريب ومقتل أحد المتظاهرين دفع بالبلاد بأكملها في مرحلة جديدة تتجاوز مرحلة الاحتجاجات إلى مرحلة مواجهة الحقيقة من قبل الجميع، وهي مرحلة إن لم نعي بضروراتها وبما ينبغي علينا جميعًا أن نفعله لتجاوزها إلى وضع أفضل وأضمن استقرارًا للبلاد لشاركنا جميعًا في الذهاب إلى الهاوية لا قدر الله.
لنضمن استقرار البلاد لا بد أن يوجد دستور للبلاد يشترك في إعداده الشعب العماني مع الدولة العمانية، وربما سأل سائل "ولكن يوجد النظام الأساسي للدولة، أليس هذا كافيًا؟" والجواب كما يرى كثير من العمانيين هو "لا، غير كاف" لأسباب عديدة يأتي على رأسها أن المجتمع لم يشترك في إعداده، وإشراك المجتمع في إعداد دستور بلاده هو حق أصيل لأي شعب. والدساتير التي تضمن الأمان هي الدساتير التي يشترك الجميع في إعدادها حتى تكون المسؤولية مشتركة، وحتى لا يتهم طرفٌ طرفًا آخر بأنه سبب الإشكالات مستقبلًا لعدم إشراكه في إعداد وثيقة البلاد الرئيسية.
لنضمن استقرار البلاد لا بد من حريّة التفكير والقول والإعلام، وإذا عدنا لمرجعية الخطابات السامية لوجدنا أن جلالة السلطان تحدث عن رفضه لمصادرة الفكر، وتشجيع الناس، وخصوصًا الشباب، للتدبر والتفكير الحرّ، غير أن الممارسة الحقيقية في أداء الحكومة تكشف لنا عن أداء يضادّ توجه صاحب الجلالة المعظم، إذ لم يعد يمكننا، مثلًا، إنكار أن هناك مقالات يمنع نشرها في الصحافة العمانية، كما أن هناك كتبًا عمانية مهمة ممنوعة في عُمان منها "موسوعة عُمان: الوثائق السرّية" لمحمد بن عبدالله الحارثي، ورواية "الوخز" لحسين العبري الفائز بوسام جلالة السلطان قابوس للأدب والفنون.
لنضمن استقرار البلاد لا بد من تحديد واضح للمال العام، وسبل صرفه، وضرورة إيجاد نظام يكفل صرفه بطرق واضحة ولأهداف وطنية واضحة، وليس بالشكل الريعي التقليدي الذي نراه أمام أعيننا. لنضمن استقرار البلاد لا بد من محاربة الفساد، وكما قال جلالة السلطان المعظم في خطابه أمام مجلس عمان عام 2008 فإن هناك ضرورة لتقصي ثروات بعض المسؤولين الذين يتهمهم المجتمع بكل وضوح في قضايا فساد، والذين يتهمهم المجتمع بأنهم قاموا "بالتطاول على النظام والقانون أو التأثير بشكل غير مشروع على منافع الناس التي كفلتها الدولة ومصالح المجتمع التي ضمنها الشرع"، وكما قال جلالته فلابد من "ردعهم وفقا لمبادئ العدل"، وهنا فإن تقصي سبل إثراء بعض المسؤولين ومحاكمة من يثبت تورطه في الإثراء غير المشروع هو الترجمة الحقيقية الوحيدة للردع وفقا لمبادئ العدل الذي دعا إليه جلالة السلطان المعظم.
والخلاصة هي أنه كي نتحمل مسؤولية اللحظة، وهي مسؤولية خطيرة، فإن على عمان بأكملها، شعبًا ودولة، أن تتحاور مع نفسها وأن تطرح للعلن كل القضايا المختلف حولها والقضايا التي دثرها غبار الصمت والسكوت والإسكات، فالزمن قد تغيّر كثيرًا، ونحن قد تغيّرنا كثيرًا، وعلينا أن نقتنص هذه اللحظة ... قبل أن تفوت...

الثلاثاء، 1 مارس 2011

كلمة حول الشغب والاحتجاج

كلمة حول الشغب والاحتجاج
الدكتور عبدالله الحراصي
[نشر ضمن استطلاع في الصفحة 8 من جريدة "عُمان" العمانية، يوم  الثلاثاء 1 مارس 2011]

تتباين رؤية الناس للشغب، فمنهم من يراه بعين الرضا فيعده صوت أولئك الذين لا يستمع إليهم أحد في الأيام الطبيعية، ويدلل هؤلاء على صواب رأيهم ببعض الأقوال المأثورة مثل "عجبت لمن لا يجد قوت يومه أن لا يخرج على الناس شاهرا سيفه"، وهنا فإن الشغب عند هؤلاء هو طريقة مقبولة للاعتراض وقول "لا" حين لا تحقق الوسائل الأخرى المطالب، وهناك من يرى الشغب بعين السخط والرفض فيعده شكلًا من أشكال الفساد وفعلًا شائنًا تعافه فطرة الإنسان ومصالحه لأسباب عديدة، منها أنه لا ينطلق من أسلوب حضاري لقول "لا"، كما أنه ربما قاد إلى تلف الممتلكات بل وقد يتجاوزه إلى هلاك البشر، وهلاك النفس البشرية وتلف الممتلكات، بحسب الرافضين للشغب، هما أمران يناقضان تمامًا ما يدعيه من يقوم به من أنه ينطلق من أسباب تتعلق بالسعي لإحقاق العدالة ومحق المظالم، فكيف يكون الظلم وسيلة لتحقيق للعدل، وكيف يعالج الفساد بالفساد؟
وإذا نظرنا إلى ما وقع في صحار يوم الأحد (27 فبراير 2011) من أعمال شغب وتخريب لأمكن بناء على ما تقدم أن ننظر إليها بعيني الرضا والسخط معًا، غير أن الأمور ينبغي أن ينظر إليها في سياقاتها، فالشغب ربما يُقبَل أن يكون صوت من لا يستمع إليهم في حالة عدم السماح لمن قاموا به بالتعبير السلمي عن مطالبهم، وهو ما لم يحدث في صحار، إذ لم يكن هناك اعتراض من الدولة على التظاهر والتعبير السلميين في صحار، كما لم يعترض المسيرتين الخضراء الأولى والخضراء الثانية أحد، ولم يعترض الاحتجاج والاعتصام في صلالة وغيرها من مدن عمان أي مؤسسة من مؤسسات سلطة الدولة. هذا يقودنا إذًا إلى الرفض التام لأعمال التخريب والشغب التي وقعت في صحار، وإلى رفض وقوعها في أي بقعة في بلادنا العزيزة.
غير أن رفضنا لأعمال الشغب لا ينبغي أن ينسينا أمرًا مهمًّا وهو أن الشغب ليس إلا جزءًا من قصة الاحتجاجات في عُمان، وهو جزء حَادَ بلا ريب عن الطريق القويم للاعتراض السلمي والإفصاح عن المظالم والسعي للإصلاح، أما المتن والأساس فهو أن الأرض العمانية تشهد موجة احتجاج كبرى غير مسبوقة تعبّر عن نفسها من خلال المسيرات والاعتصامات والاعتراضات وغيرها من وسائل الاحتجاج، ولا ينبغي أن يقع أي طرف في وهم اختزال المطالب الإصلاحية في حادثة الشغب المأساوية في صحار بلا شك، بل ينبغي أن تعالج قضية الشغب والتخريب تلك ضمن إطار القانون، فمن ارتكب جريمة إهلاك النفس أو تخريب أو تدمير المال العام أو المال الخاص يُقدَّم للمحاكمة جزاءًا وفاقًا على ما جنته يداه، أما الأهم فهو العظة الكبرى التي لا سبيل أمام الجميع، وخصوصًا الدولة العمانية، لتجاهلها، وهي ضرورة التعامل الجادّ مع قضية الإصلاح ومتطلباته، وإشراك الجميع فيه، وقبل هذا فإنه يتوقع من الدولة العمانية أن تعي وَعيًا صادقًا أن الزمن قد تغيّر، وأن هناك معطيات جديدة على أرض الواقع لا يمكن إنكارها والعودة إلى الوضع المعتاد وكأن شيئًا لم يكن، فالمطالب كبيرة وتشمل إنجاز عقد اجتماعي على هيئة دستور حقيقي متفق عليه ينظم شؤون البلاد وخصوصًا علاقة الحاكم بالمحكوم، وتحديد المال العام وتنظيم صرفه، وسبر قضايا الفساد ومحاكمة مرتكبيه، وحريّة الرأي ونشره في وسائل الإعلام العمانية، ولأن المطالب كبرى فإن استجابة الدولة ينبغي أن تكون أيضًا استجابة كبرى لتَعْبُر عُمانُ هذه الفترة الحرجة في تاريخها، لا لتعبر فقط فالعبور ليس مهمًا إن لم يوصلك إلى شيء، بل لتبني أساسًا راسخًا لمستقبل يحكمه دستور متفق عليه، ويسوده الاستقرار والوئام، وتظلله الوحدة الوطنية التي عليها جميعًا أن نعتصم بحبلها المتين.

الأحد، 21 نوفمبر 2010

العلم هو قلعة الوطن الصامدة

العلم هو قلعة الوطن الصامدة

عبدالله الحرّاصي



أُعلِنَ بالأمس عن "مكرمة سامية بتخصيص مبلغ 100 مليون ريال عماني لبرنامج تنمية الموارد البشرية يتم من خلاله تخصيص ألف منحة خارجية للدراسات العليا والتخصصية في المجالات التي تحتاج إليها الدولة". في البدء يتوجب تقديم الشكر لصاحب الفضل الأول في هذا الأمر، وهو جلالة السلطان المعظم، صاحب الرؤية والرسالة، المنطلق في إدارته لأمور عُمان ليس من الحاضر وموجِباته وشروطه، بل من المنظور الأعلى، أعنى من قراءة التاريخ وصناعته.
وعمان ليست بطارئة على العِلم ولا العلم طارئ عليها، فمنها خرج العلماء الكبار الذين لم "يساهموا" فحسب في صناعة حضارة العرب في لحظات كانت فيها تلك الحضارة في أحوج ما تكون فيه إلى استغلال كل العقول والقدرات والمواهب، وإنما قاموا بدور جوهري في تشكيل الهوية العربية في صميمها وفي ثراءها، فالخليل بن أحمد بمعجمه "العين"، وابن دريد في "الجمهرة"، والأزدي في "الماء"، حفظوا بعلمهم تراث الأمة العربية اللغوي والثقافي وشكلّوا الهوية الموحدة للعرب بحفظهم لذلك التراث وتدوينه. والعلماء الأجلاء مثل الإمام جابر بن زيد و"حملة العلم" إلى عُمان أنتجوا جانبًا كبيرًا من التنوع الفقهي والاجتماعي الذي اتصفت به الحضارة العربية الإسلامية، فتعززت تلك الحضارة بما قدموه من عِلم مبني على موقف قيمي أصيل واجتهاد فكري عظيم. كما أن مراكز العلم في الرستاق ونزوى والرباط بصلالة كانت مواطن أنوار قاد بها الإنسان العماني تاريخه متبعًا حركة عقله، لا متطلبات الحياة اليومية ومستوجباتها. الإنعام السامي ينطلق إذًا من نظرة كامنة لذلك التاريخ العلمي لعمان، لا ليقف عنده، مُمَجِّدًا تاريخًا منيرًا مضى، ولكن لينطلق منه إلى المستقبل في رحلة نورانية جديدة، تبني الحاضر بما يقدمه العلم من معارف وقيم، وتصنع المستقبل بتعزيز قيم طلب العلم، وممارسة البحث العلمي في مقاربة المعضلات المختلفة وحلّها.
في خِضمّ الفرح بفضل صاحب الفضل نرى أن من واجبنا وضع بعض الإشارات لتفعيل هذه المنح في الإطار التاريخي الأعم المنطلق من التاريخ العماني، والسائر إلى المستقبل. الإشارة الأولى تتعلق بـ"حاجة الدولة"، إذ إن الإعلان يذكر بأن المنح ستكون "في المجالات التي تحتاجها الدولة"، فينصّ على أن برنامج تنمية الموارد البشرية سيركز على التخصصات الفنية في مجالات الطب والهندسة والاقتصاد والمحاسبة والتحليل المالي وتقنية المعلومات، وهي مجالات أساسية بلا شك في بناء الأمم المعاصرة. غير أنه ينبغي التفريق هنا بين أمرين: الحاجة الحاليّة والحاجة التخطيطية، الحاجة الحاليّة هي أوجه النقص الموجودة في الوقت الحالي في المؤسسات الوطنية المختلفة مثل المستشفيات والمؤسسات الماليّة وغيرها، وهي حاجة ينبغي سدّها من هذه المنح، غير أن الأمر الذي لا يقل أهمية، إن لم يكن الأهم، هو سد الحاجة التخطيطية، والمقصود هنا هو المتطلبات من الخبرات التخصصية في إطار خطّة وطنية مستقبلية، وبكلمات أخرى فإن على من يقوم على أمر هذه المنح أن يتعامل معها باعتبارها وسيلة لصناعة المستقبل، وليس لمحض سد حاجات حاليّة.
كما أن حاجة الدولة ينبغي النظر إليها من منظور أكثر شمولية من منظور "التخصصات الفنيّة"، وأعني هنا أن الإعلان لم يذكر على الإطلاق أن جزءًا من هذه المنح سيخصص لسد حاجة البلاد من التخصصات الإنسانية مثل دراسات الاجتماع والتاريخ واللغة والآداب والفنون، وكأن هذه المجالات ليست، أو لا ينبغي لها أن تكون، في قلب الحاجة الوطنية في بناء المستقبل العماني. والحقيقة أن قضية حاجة الدول من التخصصات الإنسانية هي قضية يساء تقديمها دائمًا على أساسين اثنين في الغالب، أولهما أن الحاجة غير موجودة لهذه التخصصات، والأساس الثاني هو أن هذه التخصصات لا تساهم مساهمة مباشرة في بناء الأمم وخصوصًا في الجوانب الاقتصادية ضمن الخطط الوطنية الموضوعة، فما المردود المالي من "صرف الآلاف الريالات" لباحث أو خبير في علم الاجتماع أو التاريخ مثلًا؟
وقد شهدت العديد من الدول الكثير من النقاش حول هذا الأمر، وكان المهتمون بالعلوم الإنسانية يظهرون دائمًا الأهمية الضمنية غير المنظورة مباشرةً لهذه التخصصات، فمجالات التاريخ والتراث ومجالات العقيدة والفقه ومجالات الفنون والآداب في غاية الأهمية لأنها معنية مباشرة بهوية البلاد ووحدتها، ولولا الشعور بهذه الهوية الموحدة لعمان وتعزيزها من خلال إنتاج الخبراء في هذه المجالات لكانت الحالة السياسية والاجتماعية على غير ما نرى اليوم، ولشهدنا احتمالات أخرى تخالف هذه الهوية الموحدة التي تحميها دولة موحدة لمستقبل موحّد، كما أن هذه المجالات جوهرية في حفظ السلم الاجتماعي والسياسي، وحصر احتياجات الدولة في التخصصات الفنية ينطوي بلا شك على ظلم لا يخفى على الوطن والإنسان. إضافة إلى ذلك فالأدوار الاقتصادية المختلفة للتراث والفنون والآداب لا تخفى على أحد، فهل يمكننا على سبيل المثال تجاهل الدور الاقتصادي للقلاع والحصون والفنون الموسيقية في تنشيط السياحة في عُمان، وهي قطاع اقتصادي تتجه الدولة إلى تعزيزه وترسيخه باعتباره مصدرًا رئيسيًّا ضمن مصادر الدخل الوطنية المختلفة؟ الخلاصة هنا هي أن على من يقوم على أمر هذه المنح تبني رؤية أوسع مدى لحاجة الدولة، بحيث تشمل الحاجات الحاليّة والمستقبلية، وفي مختلف التخصصات الفنيّة والإنسانية.
الإشارة الثانية تتعلق بطبيعة من يحصلون على هذه المنح ووجهتها، وهنا ينبغي أن نستدعي تجارب الدول الأخرى، فالدول تتعلم من بعضها البعض، واستدعي تحديدًا ما ذكره لي كوان يو الذي كان أول رئيس وزراء لسنغافورة بعد انفصالها عن ماليزيا، إذ يقول في كتابه "قصة سنغافورة 1965-2000" عن برنامج بناء الموارد البشرية أثناء تأسيس سنغافورة ما نصه: "توجب علينا أن نضع ثقتنا بمسؤولينا وموظفينا الشباب الذين تمتعوا بالاستقامة والأمانة، والذكاء والطاقة، والدافع والقدرة على التنفيذ، وإن افتقدوا الفطنة التجارية. وتم اختيار أبرز علمائنا من بين أفضل طلابنا ثم أرسلوا لمتابعة تحصيلهم العلمي في أشهر الجامعات في بريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان، وبعدها في أمريكا حين أصبحنا قادرين على ذلك". نتعلم من هذه التجربة أن من الواجب اختيار الأشخاص الأكفاء لنيل هذه المنح، ليس تحقيقًا لمبدأ العدالة فحسب، بل تحقيقًا للرؤية الكبرى التي ينبغي أن تضطلع بها هذه المنح في صياغة المستقبل العماني كما أشرنا فيما تقدم، فبناء الأمة لا يتم إلا باختيار الخبرات من بين من يتمتعوا "بالاستقامة والأمانة، والذكاء والطاقة، والدافع والقدرة على التنفيذ" كما يذكر لي كوان يو، وألا يتم اختيار من يحصل على المنح وفق معايير تضاد الهدف السامي الذي أراده جلالة السلطان المعظم لهذه المنح.
كما أن علينا أن ننتقي وجهة هذه المنح، وألا تنتهي إلى جامعات ومراكز بحوث معروفة بتواضع مستواها، بل ينبغي اشتراط أن تكون وجهة المنحة هي أهم الجامعات والمراكز البحثية في العالم، مثل جامعات أكسفورد وكامبردج في بريطانيا وهارفرد ييل في الولايات المتحدة، وغيرها من أهم الجامعات العالمية.
الإشارة الثالثة تتعلق باستمرارية هذه المنح، فالإعلان ينصّ على أن المائة مليون ريال عماني التي تفضل بها جلالة السلطان المعظم لبرنامج تنمية الموارد البشرية ستغطي فترة الخطة الخمسية الثامنة (2011-2015)، وهذا أمر بهيج ومُفرِحٌ حقًا، إذ أن البرنامج سيقدم ما معدله 200 منحة سنويًّا لمدة خمس سنوات، غير أنه يتوجب علينا التخطيط لاستمرارية بناء الموارد البشرية المتخصصة، تلك التي تحمل الجودة من ناحية قدراتها وكفاءاتها الذاتية ومن ناحية ما اكتسبته من خبرة علمية من خلال المنح، وأحد الاقتراحات التي يمكن التفكير الجدّي فيها فكرة تأسيس وقفية للموارد البشرية الإستراتيجية المتمثلة في إنشاء صندوق وقفي يتم ضخه في البدء بما يتطلبه من الأموال التي يتم تشغيلها تجاريًّا، وبأرباحها يتم تمويل منح في تخصصات إستراتيجية تحتاجها الدولة على المتوسط والبعيد. مثل هذه الوقفيّة سوف تضمن استمرار التمويل للمنح التي يحتاجها الوطن العماني في مختلف المجالات.
أخيرًا يحق لنا أن نشعر بفرح وطني حقيقي وعميق، وليس بفرح إعلامي زائل، بهذه المنح الخارجية في الدراسات العليا والتخصصية، فهي تعكس توجهًا صادقًا وصائبًا في بناء الوطن على أيدي كفاءات مؤسسةٍ تأسيسًا علميًّا صلبًا، وتعكس كذلك تقديرًا للعلم وللعلماء من قبل مقام جلالة السلطان المعظّم، ونقول أن تشجيع العلم والتعليم هو حصن يحمي هذه البلاد، من شرور الجهل ومن والاه ومن أطاعه، ومن شرور الهوى وضلالاته ومنزلقاته، ومن شرور التخبط في صناعة المستقبل والمخاوف حول كنهه، والعلم، لا غيره، هو قلعة الوطن الصامدة أًبدًا، التي ستمنح هذا الوطن الطمأنينة والأمان من شرور الجهل والهوى والتخبط.