
الأربعاء، 19 نوفمبر 2003
السبت، 15 نوفمبر 2003
عن الغرب والعرب
عن الغرب والعرب
عبدالله الحراصي
قلبت أحداث 11 سبتمبر 2001 العالم الغربي رأسا على عقب، فحدث تحول كبير في الرؤى والتوجهات ونظم الحياة في مجالات الفكر والسياسة في الغرب، وهي تحولات تفسر على انها ردود فعل طبيعية لهول ما جرى ذلك اليوم، وهي صحوة يرى كثير من الغربيين انه لا بد منها ومن تحمل مراراتها الجديدة حتى لا تتكرر مأساة أخرى تشبهها، ولأن الانسان الغربي لا تشغله في العادة سوى شؤون حياته في حدودها المحلية الضيقة، وهو غير مهتم بما يحدث في الخارج ولا يفهمه (لا يعرف كثير من الامريكان مثلا ان ثمة عالم خارج أمريكا، ومن يعرفون عن العالم الخارجي يعتبرون "متخصصين")، فأنه قد وثق، بسبب وجود تراث من الثقة في الحكومات، في حكوماته في ما اتخذته من خطوات لم تكن مألوفة من قبل. وجد الغرب نفسه إذا بين نارين، نار فقدان الامن باستمرار الحرية والحياة الرغدة المنفتحة المعهودة بما قد يصاحبها من تكرار 11 سبتمبر أخرى ونار الانتقال الى وضع مكارثي تتحول فيه الدولة الى رقيب وحسيب، وتنعدم فيه خصوصيات الافراد وحريتهم، وهي محور الحياة في الغرب، ولم يكن أمام الغرب الا الخيار الثاني بأعتباره أقل الامرّين مرارة.
اهتزت القناعات في الغرب، وكان لا بد من ان يوازي هذا اهتزازا في الاجراءات التي انقلبت لترجح كفة الأمن ومتطلباته على كفة الحرية ومتطلباتها. أول هذه التغيرات في المفاهيم وفي الفعل السياسي الموازي لها تتمثل في غض النظر عن كثير من الافعال التي كانت تعد قبل 11 سبتمبر أفعالا تضاد قيم حقوق الانسان وما يتبعها من ديمقراطية وحرية كلمة وشفافية إعلامية وسواها كان يتباهى بها الغرب ويقدمها للناس على انها قيم مطلقة تعلو على الزمان والمكان. رأينا أثناء حرب الخليج (الأخيرة، حتى الان) وبعد سقوط بغداد والعراق وحتى اليوم ان حرية الاعلاميين قد قيدت الى حد كبير، وان كثيرا منهم قد تعرضوا للمضايقات، وقتل البعض منهم، كما رأينا ان الغرب أخذ يمارس السجن بلا محاكمة واعتقال من تحوم أدنى درجات الشك في انه عدو دون ثبات جرمه بالضرورة. رأينا أيضا ان الغرب أخذ يمارس التعذيب، وهو كسر لقيمة كان الغرب يعلي شأنها وهي ان الانسان بريء حتى يثبت جرمه وان أي اعتراف انتزع بطريق التعذيب لا يعد مقبولا من الناحية القانونية. أما أخطر الاجراءات التي اتخذها الغرب في أعقاب 11 سبتمبر فهي التمييز العنصري المؤسسي، أي ان تقوم مؤسسات الدول نفسها بإجراءات على أساس التفرقة العنصرية بين الاعراق المختلفة، حيث تم التعامل مع كل من تبدو عليه ملامح "شرق أوسطية" على انه (ربما يكون) عميل نائم، وهو ما استدعى قيام كثير من مؤسسات الغرب بالتحقيق مع الالاف المؤلفة من العرب والمسلمين، بل ان هذا التمييز أخذ يظهر في مؤسسات غربية كانت تعد قلاعاً للقيم وللحرية والمساواة كالجامعات على سبيل المثال. كل الاجراءات السابقة شكلت انقلاباً على طروحات الغرب التي كانت تتلى صباح مساء على مسامع العالم غير الغربي بأكمله على انها قيم إنسانية مطلقة، وهو انقلاب خطير لأنه أعاد قضية علاقة القيم بالسياسة الى نقطة حرجة جداً، فتغلبت السياسة على القيم تغلباً تاماً في العالم بأكمله، بعد ان كانت هذه الغلبة حصرا على العالم الثالث.
وتوازيا مع ما يحدث في الغرب أخذت تبرز ظاهرة جديدة في العالم العربي هي ظاهرة الاستشهاد بالوضع الجديد في الغرب لتبرير ما يحدث عربياً من ممارسات تضاد قيم العدالة والمساواة وحرية الكلمة. بمعنى آخر، كان الغرب يُقَدَّم عربياً (في أسوأ الطروحات) على انه مورد الفساد الاخلاقي والسياسي، و(في أحسنها) على انه ثقافة أخرى لها تطورها التاريخي المختلف عنها ولهذا لا ينبغي ان نقلدها. يُقَدَّم الغرب في وضعه الجديد عربيا على انه مرآة للوضع العربي، فإن تحدث أحد عن حرية الكلمة مثلا سرعان ما يأتي الرد مؤسسيا على ان الغرب نفسه يخنق الصحافة والاعلام (وهذا صحيح)، وإن تحدث أحد عن ضرورة التخلص من اضطهاد الانسان يأتي الرد بأن الغرب نفسه يضطهد الانسان ويميز بين انسان وآخر على أساس بشرته وعرقه (وهذا صحيح كذلك)، غير ان خطاب مؤسسات الحكم العربية الجديد هذا يثير بعض القضايا التي ينبغي تمحيصها وتحليلها.
أول ما ينبغي ان نتوقف أمامه هو الداعي لمحورية طرح الغرب أصلا معياراً في كل حركاتنا وسكناتنا. أعني انه لا ينبغي ان نضع الغرب وأحواله فاصلا بيننا وبين رؤيتنا لأنفسنا، فلماذا يتوجب علينا ان أردنا ان نصلح أمرا رؤية انفسنا في خارطة يكون الغرب مركزها ومعيارها؟ ولماذا لا نقارن انفسنا بالغرب الا في أسوأ لحظاته وفي أسوأ ممارساته؟ ولماذا نختزل الغرب في لحظة متوترة في تاريخه؟ ولماذا "نغرب" الغرب أصلا؟ الغرب هو مجتمع انساني مر بمرحلة فكرية أدت الى ما ادت اليه من تفجير لطاقات الانسان الفرد ولطاقات المجتمع بأكمله ليصل الى وضع تقدم علمي ورفاهية مجتمعية لم يصل اليه مجتمع في السابق، وبطبيعة الحال ان تقدم الوضع الغربي ورفاهيته لا بد ان يوجد على ظلالهما ظواهر مرفوضة كالمبالغة في الفردية الى درجة شعور الانسان بالوحدة الوجودية ونمو الجريمة وتفكك الاسر، وهي ظواهر يشكو كثير من الغربيين منها أصلا. أما بالنسبة لما بعد 11 سبتمبر فلا ينبغي ان ننسى ان تلك الاحداث ليست أحداثاً سياسية بسيطة، بل هي من الاحداث التاريخية العظام، وتأثيراتها وتجاوز تأثيراتها أمور تتطلب زمناً ليس بالقصير ومخاضات فكرية وسياسية تنقلب فيها أمور كثيرة مما كان مألوفاً قبل تلك الاحداث. ما أود قوله ان علينا في هذه اللحظة ان نراعي ان التطور الحضاري العربي ينبغي ان لا يفسر بوضع القيم والسياسة في الغرب حالياً، كما ان علينا ان نعي "الغرب" وألا نجعل هذه اللحظة بما فيها من انقلاب قيمه وتوتر اجراءاته معيارا لتستمر أوضاعنا المألوفة التي لم يعد استمرارها أمرا مقبولا من ناحية القيمة ولا صالحا من ناحية المنفعة.
أمر آخر ينبغي ان يلحظه كل من يشبه الحال العربي بحال الغرب هذه الايام هو ان في الغرب أرضية لتدافعات فكرية وسياسية تضمن عدم استمرار توترات اللحظة إلى أبد الابدين، وهذا ينطلق من أمرين أولهما ان في الفكر الغربي حركية دائمة تضمن ولادة رؤى جديدة تجبُّ الرؤى المتوترة الحالية، والامر الثاني يتعلق بتدافعات السياسة، حيث ان إمكانية التحول السلمي للسلطة في الغرب تضمن كذلك إمكانية ظهور تيارات سياسية، تساندها الرؤى الفكرية الجديدة، تسعى لتغيير الواقع الذي حل بالغرب بعد 11 سبتمبر. معنى هذا اننا مختلفين عن الغرب في لحظة توتره هذه، وان التشابه بين واقع الامور العربية وواقع الامور الغربية هو مجرد "تشابه" ظاهري، فالغرب لم يقض في لحظة توتره هذه على إمكانيات الحراك والتجاوز الفكري والاجتماعي والسياسي، وهو بطبيعة الحال أمر مختلف عن الوضع في العالم العربي حيث قضي إلى حد كبير على هذه الامكانيات قضاء مؤسسيا ممنهجاً. ولهذا فإن الامور وإن بدت تشبه بعضها بعضاً الا انها في واقع الحال مختلفة تمام الاختلاف من ناحية سوابقها ولواحقها.
كان كثير من العرب يعلقون فشلهم على التآمر الغربي من جانب وعلى ضرورات السياسة من جانب آخر، وها هم الان يتسابقون في تبرير وضعهم بحال الغرب، وهذا التبرير ما هو الا استراتيجية جديدة في الخطاب السياسي العربي لتبقى الاوضاع على حالها السابق، وهو حال لم يعد يوجد من يستطيع توفير غطاء فكري له بعد ان انكشف الوضع العربي بكل منظوماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية وغيرها. وصل الوضع العربي الى مرحلة لا بد فيها من تغيير في فلسفة حياة الفرد والمجتمع وفي نمط العلاقات الداخلية بين المؤسسة والمجتمع، ونمط العلاقات الخارجية مع العالم بجميع قواه، وفي ممارسات الدول تبعاً لأنماط العلاقات الداخلية والخارجية هذه، أما تبرير الواقع بحال الغرب وممارساته الان فهو آخر ما يحتاج اليه الانسان العربي والمجتمع العربي في وضعه الحضاري المعاصر.
الأربعاء، 12 نوفمبر 2003
عمان في الأدب الغربي
عمان في الأدب الغربي
عبدالله الحراصي
تعددت الدراسات العلمية التي تناولت العلاقات التاريخية العمانية مع الدول الغربية، الا ان التركيز على الدراسات السياسية والتاريخية عموماً يكشف عن نقص كبير في دراسة جوانب أخرى في غاية الاهمية من بين أهمها حضور عمان في الأدب الغربي، ويشمل هذا صورة عمان في الشعر والقصة والرواية وأدب الرحلات وغيرها من فنون الأدب في الغرب. وقد أصبحت دراسة هذه المواضيع أمراً ملحاً وضرورياً لأسباب عدة منها ان مثل هذه الدراسة ستساهم في فتح نوافذ جديدة للثقافة العمانية خصوصاً والعربية عموماً تكشف عن رؤية الآخر الغربي لعمان وصورتها في أدبه، كما انها ستعين كذلك في فهم الآخر ذاته ومنطلقات رؤيته للعالم العربي ولعمان ومحددات تلك الرؤية. وتجدر الاشارة هنا الى هذا ان الحصول على النصوص الأدبية المتعلقة بعمان قد أصبح أمراً يسيراً الآن بسبب استغلال القائمين على الأدب الغربي للتقنيات الحاسوبية الحديثة في حفظ أغلب النصوص الأدبية، وخصوصاً تلك المكتوبة باللغة الانجليزية. ومن أهم المواقع الانترنتية التي تقدم هذه خدمة تصفح الأعمال الأدبية والبحث فيها موقع اسمه "الأدب على الشبكة" Literature Online (وعنوانه http://lion.chadwyck.co.uk) ويحتوي على 350 ألف عمل أدبي كتبت باللغة الانجليزية من مختلف العصور.
وقد ظهرت في الاونة الأخيرة بعض المؤشرات على اهتمام الاكاديميا العمانية بإستكشاف هذه المناطق البحثية لعل أبرزها حتى الان الدراسة التي نشرها هلال الحجري في العدد الخامس والثلاثين من مجلة "نزوى" بعنوان "مدخل إلى أدب الرحلات في عمان: دراسة وصفية للرحالة البريطانيين 1626-1970"، وهي دراسة لا تكمن أهميتها فحسب فيما تقدمه من بيانات جديدة للقاريء العربي والعماني حول عمان في الزمن الذي قام فيه هؤلاء الرحالة برحلاتهم من خلال الاتصال المباشر بالطبيعة العمانية وبالعمانيين، بل لأن هذه الدراسة تفتح باباً جديداً في الدراسات العمانية لم يُتَطرَّق اليه من قبل رغم أهميته المفصلية في فهم ذات الوطن العماني وعلاقته بالآخر ورؤية هذا الاخر له.
غير ان أدب الرحلات هو جانب واحد فقط من جوانب دراسة صورة عمان في الأدب الغربي، وهو ما يعني ان ثمة حاجة ماسة الى دراسة صورة عمان في انواع الفنون الادبية الأخرى كالشعر والرواية وغيرها. وفيما يتعلق بالرواية فهناك عدد من الروايات الانجليزية على سبيل المثال التي اتخذت أحداثها في عمان او تناولت مواضيع ذات علاقة بها، ومن آخر هذه الروايات رواية "الرياح الموسمية" ومؤلفها الروائي الجنوب أفريقي (الكاتب باللغة الانجليزية) ولبر سميث، وقد صدرت عام 2001 وتعد من أكثر الروايات رواجاً في الدول التي تتحدث اللغة الانجليزية. وتتحدث الرواية عن شخص يبعثه الملك وليم الثالث ملك انجلترا اسمه السير هال كورتني للقضاء على قرصان عربي كان يمارس نشاطه في المحيط الهندي يسمى "العوف"، كما تتحدث كذلك عن أنشطة تجارة الهند الشرقية وعن دور العرب، كما تقول الرواية، في تجارة الرقيق والصراع الناشيء عن محاولة إبقاء عمان خارج إطار الامبراطورية العثمانية. مثل هذه الروايات تكشف عن جوانب كثيرة حول علاقة الشرق بالغرب والرؤى المتبادلة بينهما، كما تكشف هذه الروايات، خصوصاً تلك التي تتخذ من بعض أحداث التاريخ منطلقاً لها، عن رؤى تاريخية وحضارية ينبغي دراستها وتقصيها.
أما بالنسبة للشعر فهناك قصائد عديدة تذكر عمان، وقد قمت، على سبيل التجربة، بكتابة Oman في موضع البحث في الموقع الادبي الآنف الذكر ففوجئت بعدد كبير من القصائد الانجليزية والامريكية التي ذكرت فيها عمان، وهو ما يستدعي دراسة معمقة تستغل الامكانات الالكترونية الحديثة في بحث صورة عمان في الشعر المكتوب باللغة الانجليزية (والغربي على وجه العموم) وتتبع تطور تلك الصورة. فنظرة سريعة على القصائد الانجليزية التي تأتي على ذكر عمان تكشف عن ظاهرة مهمة هي ارتباط عمان بصورة متكررة في هذه القصائد هي لئاليء بحر عمان، وهي صورة غير مألوفة كثيرا في الادب العماني او العربي ذاته، وهذا يثير بعض التساؤلات حول سبب هذا الاختلاف بين تصورنا الذات لنفسها وصورة الآخر لهذه الذات، وربما يكون هذا المجال ميداناً يمكن فيه تطبيق نظرية ادوارد سعيد حول "الخطاب الاستعماري" حيث يشكل الغرب صورة عن الشرق ليست بالضرورة مرتبطة بالواقع الشرقي في حقيقته او برؤية الشرق لذاته، بل وفقاً لتصورات مسبقة تشكل شرقاً او عالماً عربياً متوهماً يتوافق في خطوطه الرئيسية مع المصالح الاستعمارية الغربية.
أقدم فيما يلي ترجمة لإحدى القصائد التي تظهر فيها صورة لئاليء بحر عمان كنموذج على حضور عمان في الشعر المكتوب بالانجليزية، والقصيدة تحمل عنوان "أرصفة السُبات" للشاعر الامريكي ماديسون يوليوس كاوين (1865-1914) يذكر فيها لئاليء بحر عمان بإعتبارها من أنفس النفائس التي تأتي بها "سفن الأحلام" كما يذكر كذلك ذهب أوفير القديمة التي يعتقد كثير من الباحثين انها ظفار.
* * * * * * * * *
قصيدة "أرصفة السُبات"
على أرصفة السبات
شاهدت سفن الاحلام
تشق بحار الضباب وضوء القمر
وأنوار سراج الليل وومضه.
كانت عنابرها تفيض بالغنائم
التي نهبت من كل أرض وكل زمان
ففيها ذهب أوفير، وآلهة الأغريق
وأبيات من قصائد قديمة،
وأقراص البنج من كريت،
وحزم الحرير من اليمن،
وبراعم القرنفل والصندل،
ولئاليء عمان البيضاء كالحليب.
والرقيق، من الرجال والنساء،
الذين يكسو الحسن محياهم
بأناشيدهم التي هب لوقعها النسيم
فتهادت أمامه سفن الأحلام.
انتقيت أفضل البضائع وأجودها
من كل شحنة حملتها سفن الأحلام،
من توابل وذهب ولئاليء ورقيق
ومرّ وجواهر وفراء.
وفيما استغرقت في تأملي
فيما سأحمل وما سأنتقي،
سمعت هاتفاً يصيح بي "انظر!
هي ذي سفينة الفجر قد أتَتَ تخترق الندى"،
عندها اختفت كل سفن الأحلام
وخلَّفَتني في يقظة حزينة،
أتذكر تلك الأشياء البديعة
التي كانت قبل لحيظات ملك يدي.
الأربعاء، 5 نوفمبر 2003
الأربعاء، 29 أكتوبر 2003
المرأة والكتابة
المرأة والكتابة
عبدالله الحراصي
[يمكنك الحصول على النسخة الأصلية هنا]يعد اختراع الكتابة نقطة تحول كبير في تاريخ البشرية بإتجاه توثيق الفعل البشري في وسيلة توصيل للأفكار أكثر بقاء وتأثيرا من وسائل التوصيل الاخرى. كانت هناك أشكال متعددة للكتابة كاستخدام التصوير والحروف غير انها كلها ارتبطت دائماً بالسلطات بأشكالها، فأقدم الكتابات والنقوش توجد في الصروح التي ترتبط بالسلطة الدنيوية والدينية كالمعابد والقلاع والقصور وسواها. وارتباط الكتابة بالقوة الاجتماعية بهذا الشكل يعني أن الكتابة كانت تُهمِّش ايضا الغالبية التي لم تكن تستطيع ولم يسمح لها بتوثيق التعبير عن ذاتها. غير ان على المرء ان يتذكر كذلك ان هامشية المرأة كانت هامشية مضاعفة، ففيما ارتبطت الكتابة بالسلطة والقداسة والعقل وتجاوز المحسوس المباشر الى التجريد تمحورت النظرة الى المرأة على انها تمثل النقيض المباشر لكل ما تمثله الكتابة، فالمرأة تمثل العاطفة والمادة والمحسوس، وهكذا كان ابتعادها عن الكتابة هو الامر الطبيعي في زمن سيادة هذه الرؤى الاجتماعية التي لم تسع المرأة الى إثارة التساؤل حولها والتشكيك في مشروعيتها.
غير ان ما شهدته عملية الكتابة نفسها في العصور المتأخرة من تطورات تقنية جعلت النشر في متناول الجميع فتحت أبواباً كانت موصدة أمام المرأة للتعبير عن نفسها وإثبات حضورها في التاريخ، ولعل في ظهور المطبعة والثورة الالكترونية المعاصرة أبرز الامثلة على تلك التطورات التي مكنت المستضعفين من البشر (كالطبقات الاجتماعية الدنيا والفقراء والنساء والأقليات العرقية على سبيل المثال) من رفع أصواتهم ونشر آرائهم في المجتمع مما أدى، من بين تأثيرات عوامل أخرى، الى حراك اجتماعي وثقافي ضخم شهدته المجتمعات البشرية، وهي تغييرات بدأت في الغرب غير انها سرعان ما انتشرت الى شتى بقاع الأرض ومنها العالم العربي.
غير ان قرار المرأة العربية الكتابة لم يكن قرارا يسير الممارسة ولم يكن يسير العواقب كذلك. يشير محمد برادة (استاذ جامعي مغربي) في مقال له عن المرأة والابداع الى ظهور صوت "الأنا العميق" للمرأة التي عقدت العزم على استغلال الكتابة لمساءلة الاوضاع الاجتماعية التي تهمشها أو تلغيها، ويشير برادة الى نموذجين لكاتبتين عربيتين تمكنتا من تأكيد حضورهما الكتابي وسط المجتمع الكتابي الرجالي، هما مي زيادة وليلى بعلبكي. لم تدعُ مي زيادة الى "كتابة نسائية" غير ان لغتها وحساسيتها وتعاملها مع من عاصرها من الكتَّاب والشعراء بحرية غير مألوفة جعلت مجتمع الرجال يلفظها مما أدى بها الى ان تنزوي عن الحياة "وهي تشارف الجنون"، أما ليلى بعلبكي فقد حوكمت بعد ان أصدرت مجموعة قصصية عنوانها "سفينة حنان الى القمر" عام 1964 بتهمة انتهاك قيم المجتمع وأعرافه وخصوصاً فيما يتعلق بالجنس، غير ان المحاكمة، كما يشير برادة، تعبر عن ضيق المجتمع الذكوري التقليدي بالمرأة التي تثير الاسئلة عن وجودها الفردي والاجتماعي.
وفي هذا السياق تنبغي الاشارة الى مفهوم ملتبس يتعلق بممارسة المرأة للكتابة هو مفهوم "الكتابة النسائية" او "الكتابة النسوية" وهو مفهوم تتبناه كثير من الكاتبات والنقاد للإشارة الى ما تنتجه المرأة من كتابة، وهو مفهوم أرى ان على المرأة نفسها ان ترفضه، فالكتابة هي الكتابة، وأحرف كتابة المرأة هي نفسها أحرف كتابة الرجل برغم ما يمكن ان يوجد من اختلاف اهتمامات ومواضيع كل منهما، هذا من جانب، اما من الجانب الآخر وهو الأخطر فإن هذا المفهوم يثبت الوضع التقليدي الذي يضع المرأة على هامش الحياة الانسانية، بإعتبارها كائنا مختلفا ينبغي ان نضع لكتابته أطرا مختلفة عن السائد في الكتابة، أي الكتابة الذكورية، وإلا لم لا يشار الى كتابة الرجل بإعتبارها "كتابة رجالية"؟!! أَضف الى ذلك ان هذا المفهوم يجعل من كتابة المرأة ظاهرة اجتماعية منزوعة الابداع، فكل نص كتبته انثى يمكن ان يوضع في إطار "الكتابة النسائية" دون تمييز تفضيلي بين كتابة امرأة وكتابة أخرى. ما تحتاجه المرأة الكاتبة هو تأكيد حضورها الابداعي في التاريخ لا تأكيد أنوثتها إزاء الرجل فحسب.
هنا تنبغي الاشارة الى ذلك الستار الفولاذي الذي يفصل بين ممارسة المرأة المبدعة للكتابة ذاتها والنشر، فهناك كثير من النساء المبدعات اللاتي يكتبن ولكن يمتنعن عن نشر ما يكتبن بسبب انهن لا يردن ان يعرف المجتمع عن كتابتهن، وهي ظاهرة ينبغي التوقف أمامها ملياً، حيث ان المانع في كثير من الاحوال هو المجتمع الذي ما زال يرى في المرأة امتدادا ينبغي ان يظل خفيا للرجل وان قيامها بنشر عمل ادبي ما في جريدة او مجلة سيكشف هذا الامتداد الخفي أمام المجتمع. كما ينبغي الالتفات الى ظاهرة اخرى تتمثل في رد فعل المجتمع نفسه في حالة ان اقدمت امرأة على نشر قصة او قصيدة ما، وهي ردود فعل قد تكون خطيرة أحياناً مثل الضغوط النفسية والاجتماعية التي تتعرض لها المرأة من قبل اسرتها أو مجتمعها، بما يتبعه من تدخل في طرق معالجتها لبعض القضايا التي لم يألف المجتمع إثارة التساؤل حولها والدعوة الى رفضها، وقد تكون ردود الفعل تلك أقرب للفكاهة أحياناً، كأن يغار زوج قاصّة او روائية من الشخصيات الرجالية التي تظهر في قصتها او روايتها، وهو ما يعني فرض قيم المجتمع السلبية التقليدية حتى على العمل الكتابي الذي هو في الأصل رفض لتلك القيم.
وإذا خصصنا الحديث عن عمان لوجدنا ان عام 1970 كان نقطة تحول محورية في علاقة المرأة العمانية بالكتابة، حيث فُتِحَت المدارس على أوسع نطاق ودعت الدولة المجتمع الى تعليم الانثى، وهي دعوة مثلت هزة كبرى لمجتمع لم يتعلم الكتابة فيه من الذكور الا ذوي النفوذ وعلماء الدين، كقاعدة عامة، رغم وجود استثناءات هنا وهناك. تردد المجتمع في تعليم المرأة قليلا لكنه حسم أمره لاحقاً فدخلت الانثى المدرسة وتعلمت الكتابة. غير ان المرأة بالرغم من هذا غابت عن الكتابة الابداعية، او لنقل ان غيابها كان اكثر بروزا من غياب الرجل، ولعل مما ساهم في هذا ما قُدِمَ على انه "تشجيع" لكتابة المرأة لكي "تشارك أخيها الرجل" في "النشاط الأدبي والثقافي"، وهذه الممارسة هي نوع من "الاستطفال" (التعامل مع شخص ما بإعتباره طفلا تعوزه التجربة) للمرأة، فلا ينبغي تشجيع أحد على الكتابة، ذلك ان الكتابة قرار وجودي في تاريخ المرأة وعلى المرأة القادرة ان تتخذه بنفسها دون تشجيع من أحد، وما حدث ان هذا التشجيع قد أدى الى ظهور نصوص أدبية نسائية غاية في الركاكة والتهلهل اللغوي والابداعي عموماً تم تقديمها للمجتمع على انها نصوص تحمل شعلات إبداعية حقيقية.
لا أرى ان مثل هذه الكتابات هي التمثيل الحقيقي لحضور المرأة في التاريخ وليست التعبير الملائم عن رفض المرأة لقيم التغييب والاقصاء التي ترسخت في بنى المجتمع لقرون عديدة. على المرأة ان تكتب، ولكن المرأة التي تكتب ينبغي ان تكون تلك المرأة التي تشعر ان كتابتها تغيير ودعوة للتغيير في آن واحد.
الأربعاء، 8 أكتوبر 2003
الأربعاء، 1 أكتوبر 2003
الأربعاء، 24 سبتمبر 2003
الأربعاء، 17 سبتمبر 2003
الأربعاء، 6 أغسطس 2003
رحيل رجل "ينظر بنور الله"
رحيل رجل "ينظر بنور الله"
عبدالله الحراصي
غيب الموت علماً كبيرا من أعلام الثقافة والأدب العربي هو الناقد احسان عباس، وكلمة "ناقد" حينما تطلق على احسان عباس انما تستخدم استخداما مجازياً فقد كان الرجل موسوعة شملت كل صنوف المعرفة، وكان فريق عمل انتج بنفسه ما تعجز مؤسسات ثقافية عربية مجتمعة عن انجاز النزر اليسير منه. كان هذا الرجل العظيم "ينظر بنور الله" كما وصفه المستشرق مانفريد اولمان، فما ان يُذكَر فرع من فروع الأدب او الثقافة على وجه العموم الا كان لهذا الرجل فيه انتاج أصيل يدل على عبقرية في الرؤية وعلى جهد عظيم صبور.
ولد إحسان عباس في قرية عين غزال في فلسطين عام 1920، ودرس في كل من حيفا وعكا ثم انتقل الى القدس ليدرس في الكلية العربية بين عامي 1937- 1941 ثم اتجه الى القاهرة ليتم دراسته الجامعية في جامعة القاهرة عام 1946 ثم الماجستير عام 1952 والدكتوراة عام 1954، ودَرَّسَ في جامعات السودان والاردن ولبنان وغيرها.
ربما لا يعرف الكثيرون ان احسان عباس بدأ شاعراً فقد كتب الشعر وهو في الخامسة عشرة غير انه تركه لا لإخفاق ولكن لسبب آخر حيث يقول "لم أتوجه الى النقد والترجمة والتحقيق بسبب اخفاقي في الشعر، ولا اعتقد انني اخفقت شعريا. لقد كتبت قصائد كانت في حينها ذات قيمة كبيرة ومتميزة، لكنني قتلت الموهبة. رأيت انني لن اخدم قضيتي وقضايا امتي بالشعر". هذه الرؤية قادت احسان عباس الى فنون اخرى من بين اهمها النقد والتحقيق والترجمة. فقد عرف عن احسان عباس موقفه النقدي المدافع عن القصيدة العربية الجديدة فأصدر عام 1955 كتابه "عبدالوهاب البياتي والشعر العراقي الحديث"، ثم أصدر عام 1969 كتاباً آخر حمل عنوان "بدر شاكر السياب"، وكانت كتابه "اتجاهات الشعر العربي المعاصر" الذي أصدرته عام 1978 سلسلة عالم المعرفة في الكويت تتويجا لرؤيته حول كنه القصيدة الحديثة والتطور الذي شهدته القصيدة العربية على وجه العموم في القرن العشرين حيث درس فيه تناول الشعر الحديث لظواهر مهمة كالزمن والتراث والحب وغيرها.
وإضافة الى ما قدمه احسان عباس في ميدان النقد فإنه وهب جانبا كبيرا من جهده لتحقيق الكتب التراثية العربية، حيث حقق أكثر من خمسين كتابا تراثيا، منها على سبيل المثال كتاب "خريدة القصر وجريدة العصر" (قسم مصر) للعماد الأصفهاني (مع احمد امين وشوقي ضيف)، وكتاب "فضل المقال في شرح كتاب الأمثال" لأبي عبيد البكري (مع عبدالمجيد عابدين)، وكتاب "وفيات الأعيان" لإبن خلكان. كما حقق عددا من الدواوين الشعرية مثل ديوان ابن حمديس الصقلي وديوان الرصافي البلنسي وديوان القتال الكلابي وديوان لبيدة بن ربيعة العامري وشعر الخوارج. والتحقيق عند احسان عباس لا يهدف الى مجرد اخراج الكتب التراثية وتوضيح مجاهلها بل انه يقوم بدور حضاري مهم يرتبط بمبدأ "المعرفة قبل الحكم"، اي اننا لا يمكننا ان نحكم على اي فترة من فترات تاريخنا الا بدراسة وفهم ما دونه كتاب تلك الفترة، ويقول في حوار مع مجلة "نزوى" حول هذا الموضوع "درست ما أسداه العرب في النقد الأدبي من خلال الرؤية العصرية، فوجدت أنهم قاموا بدور كبير جدا لا يقل عن دور اية أمة أخرى، ولولا هذه الرؤية للتراث ظل النظر إلى دورهم في الفكر النقدي إما اتهامات جائرة أو تفريطات مرتجلة، كل دراسة - في رأيي- لا بد أن تكون كشفا جديدا، وما دام الأمر كذلك، فلا كشف يتحقق على أصول علمية دون إحياء التراث، عند من يؤمنون بجدوى تلك الدراسات، أما رفض التراث - انقيادا لنزوة قلقة أو نزعة منحرفة - فانه لا يخطر ببالي، ولا أستطيع تصوره لأنه ينم عن تنكر للانسان وجهوده على هذه الأرض". هذه الرؤية للدور الحاسم للتحقيق في فهم تاريخ الحضارة العربية هي نفسها التي كانت وراء أعماله الأندلسية، فإحسان عباس عالم ضليع بتاريخ الأندلس وآدابها، حيث كتب عنها مؤلفا يتكون من جزئين هو "تاريخ الأدب الأندلسي" وهو كتاب يعد من أهم الكتب المرجعية في هذا الموضوع.
وتتجلى موسوعية احسان عباس كذلك في ترجماته، حيث نقل الى العربية "فن الشعر" لأرسطو، وكتاب ستانلي هايمن "النقد الادبي ومدارسه الحديثة"، وكتاب "يقظة العرب" لجورج انطونيوس، وكتاب "دراسات في الأدب العربي" لفون جرنباوم، و"دراسات في حضارة الاسلام" لهاملتون جب، الا ان ترجمته لرواية هرمان ملفل "موبي ديك" تظل الدرة النفيسة بين منجزات احسان عباس فحسب، بل انها درة من درر الترجمة التي انجزها العرب على الاطلاق طوال تاريخهم. ويشرح احسان عباس رؤيته للترجمة فيفرق بين ترجماته النقدية وترجماته الأدبية، فالترجمات النقدية كان هدفها تعريف القاريء العربي بشتى المذاهب النقدية دون ان يكون لعباس اي حضور يدعم به منهجا نقديا معينا وأن مال الى هذه المدرسة النقدية او تلك في بعض الأحيان. أما فيما يتعلق بالترجمة الأدبية فهو مع الالتزام بالنص الأصلي ولكن هذا الالتزام ينبغي ان يوازيه ابداع في صياغة لغة النص المترجم بتعدد مستوياتها، إضافة الى ضرورة الابداع في انتاج مصطلحات ربما لا تعرفها الثقافة التي يترجم اليها النص، وهو ما قام به احسان عباس حينما ترجم رواية "موبي ديك" الى العربية حيث وجد اللغة العربية فقيرة في ميدان صيد الحيتان فما كان منه الا أبدع بنحت كثير من الكلمات التي لم تعرفها العربية من قبل.
أنهي هذا المقال بمقطع من ترجمة احسان عباس لـ"موبي ديك" عن الموت نفسه: "طوبى لمن لم يسمع في الحق لومة لائم وانما يقتل الآثام ويحرقها ويهدمها، وإن كان يستلها من تحت ثياب القضاة والحكام -. طوبى – شاهقة نبيلة – لمن لا يقر بشرع سوى شريعة الله وبرب سوى ربه ومن أخذته الحمية للسماء وحدها -. طوبى لمن اذا احتشدت كل امواج بحار الرعاع الهائجة المائجة لم تزحزحه عن قاعدة سفينة الأجيال -. طوبى خالدة لذيذة لمن يقول حين يضجعونه في لحده: رباه – انت يا من عرفتك بصولجان سطوتك – ها هنا أرقد، خالداً كتب لي ان أكون أو فانياً. لقد سعيت لأكون من حزبك لا لأكون من حزب الدنيا أو من حزب نفسي. غير ان هذا ليس أمراً ذا بال فإني لا حق لي بالخلود، إذ الخلود لوجهك، وما هو الانسان حتى يطلب البقاء، والبقاء صفة خالصة لربه".




