السبت، 15 نوفمبر 2003

عن الغرب والعرب





عن الغرب والعرب

عبدالله الحراصي

قلبت أحداث 11 سبتمبر 2001 العالم الغربي رأسا على عقب، فحدث تحول كبير في الرؤى والتوجهات ونظم الحياة في مجالات الفكر والسياسة في الغرب، وهي تحولات تفسر على انها ردود فعل طبيعية لهول ما جرى ذلك اليوم، وهي صحوة يرى كثير من الغربيين انه لا بد منها ومن تحمل مراراتها الجديدة حتى لا تتكرر مأساة أخرى تشبهها، ولأن الانسان الغربي لا تشغله في العادة سوى شؤون حياته في حدودها المحلية الضيقة، وهو غير مهتم بما يحدث في الخارج ولا يفهمه (لا يعرف كثير من الامريكان مثلا ان ثمة عالم خارج أمريكا، ومن يعرفون عن العالم الخارجي يعتبرون "متخصصين")، فأنه قد وثق، بسبب وجود تراث من الثقة في الحكومات، في حكوماته في ما اتخذته من خطوات لم تكن مألوفة من قبل. وجد الغرب نفسه إذا بين نارين، نار فقدان الامن باستمرار الحرية والحياة الرغدة المنفتحة المعهودة بما قد يصاحبها من تكرار 11 سبتمبر أخرى ونار الانتقال الى وضع مكارثي تتحول فيه الدولة الى رقيب وحسيب، وتنعدم فيه خصوصيات الافراد وحريتهم، وهي محور الحياة في الغرب، ولم يكن أمام الغرب الا الخيار الثاني بأعتباره أقل الامرّين مرارة.

اهتزت القناعات في الغرب، وكان لا بد من ان يوازي هذا اهتزازا في الاجراءات التي انقلبت لترجح كفة الأمن ومتطلباته على كفة الحرية ومتطلباتها. أول هذه التغيرات في المفاهيم وفي الفعل السياسي الموازي لها تتمثل في غض النظر عن كثير من الافعال التي كانت تعد قبل 11 سبتمبر أفعالا تضاد قيم حقوق الانسان وما يتبعها من ديمقراطية وحرية كلمة وشفافية إعلامية وسواها كان يتباهى بها الغرب ويقدمها للناس على انها قيم مطلقة تعلو على الزمان والمكان. رأينا أثناء حرب الخليج (الأخيرة، حتى الان) وبعد سقوط بغداد والعراق وحتى اليوم ان حرية الاعلاميين قد قيدت الى حد كبير، وان كثيرا منهم قد تعرضوا للمضايقات، وقتل البعض منهم، كما رأينا ان الغرب أخذ يمارس السجن بلا محاكمة واعتقال من تحوم أدنى درجات الشك في انه عدو دون ثبات جرمه بالضرورة. رأينا أيضا ان الغرب أخذ يمارس التعذيب، وهو كسر لقيمة كان الغرب يعلي شأنها وهي ان الانسان بريء حتى يثبت جرمه وان أي اعتراف انتزع بطريق التعذيب لا يعد مقبولا من الناحية القانونية. أما أخطر الاجراءات التي اتخذها الغرب في أعقاب 11 سبتمبر فهي التمييز العنصري المؤسسي، أي ان تقوم مؤسسات الدول نفسها بإجراءات على أساس التفرقة العنصرية بين الاعراق المختلفة، حيث تم التعامل مع كل من تبدو عليه ملامح "شرق أوسطية" على انه (ربما يكون) عميل نائم، وهو ما استدعى قيام كثير من مؤسسات الغرب بالتحقيق مع الالاف المؤلفة من العرب والمسلمين، بل ان هذا التمييز أخذ يظهر في مؤسسات غربية كانت تعد قلاعاً للقيم وللحرية والمساواة كالجامعات على سبيل المثال. كل الاجراءات السابقة شكلت انقلاباً على طروحات الغرب التي كانت تتلى صباح مساء على مسامع العالم غير الغربي بأكمله على انها قيم إنسانية مطلقة، وهو انقلاب خطير لأنه أعاد قضية علاقة القيم بالسياسة الى نقطة حرجة جداً، فتغلبت السياسة على القيم تغلباً تاماً في العالم بأكمله، بعد ان كانت هذه الغلبة حصرا على العالم الثالث.

وتوازيا مع ما يحدث في الغرب أخذت تبرز ظاهرة جديدة في العالم العربي هي ظاهرة الاستشهاد بالوضع الجديد في الغرب لتبرير ما يحدث عربياً من ممارسات تضاد قيم العدالة والمساواة وحرية الكلمة. بمعنى آخر، كان الغرب يُقَدَّم عربياً (في أسوأ الطروحات) على انه مورد الفساد الاخلاقي والسياسي، و(في أحسنها) على انه ثقافة أخرى لها تطورها التاريخي المختلف عنها ولهذا لا ينبغي ان نقلدها. يُقَدَّم الغرب في وضعه الجديد عربيا على انه مرآة للوضع العربي، فإن تحدث أحد عن حرية الكلمة مثلا سرعان ما يأتي الرد مؤسسيا على ان الغرب نفسه يخنق الصحافة والاعلام (وهذا صحيح)، وإن تحدث أحد عن ضرورة التخلص من اضطهاد الانسان يأتي الرد بأن الغرب نفسه يضطهد الانسان ويميز بين انسان وآخر على أساس بشرته وعرقه (وهذا صحيح كذلك)، غير ان خطاب مؤسسات الحكم العربية الجديد هذا يثير بعض القضايا التي ينبغي تمحيصها وتحليلها.

أول ما ينبغي ان نتوقف أمامه هو الداعي لمحورية طرح الغرب أصلا معياراً في كل حركاتنا وسكناتنا. أعني انه لا ينبغي ان نضع الغرب وأحواله فاصلا بيننا وبين رؤيتنا لأنفسنا، فلماذا يتوجب علينا ان أردنا ان نصلح أمرا رؤية انفسنا في خارطة يكون الغرب مركزها ومعيارها؟ ولماذا لا نقارن انفسنا بالغرب الا في أسوأ لحظاته وفي أسوأ ممارساته؟ ولماذا نختزل الغرب في لحظة متوترة في تاريخه؟ ولماذا "نغرب" الغرب أصلا؟ الغرب هو مجتمع انساني مر بمرحلة فكرية أدت الى ما ادت اليه من تفجير لطاقات الانسان الفرد ولطاقات المجتمع بأكمله ليصل الى وضع تقدم علمي ورفاهية مجتمعية لم يصل اليه مجتمع في السابق، وبطبيعة الحال ان تقدم الوضع الغربي ورفاهيته لا بد ان يوجد على ظلالهما ظواهر مرفوضة كالمبالغة في الفردية الى درجة شعور الانسان بالوحدة الوجودية ونمو الجريمة وتفكك الاسر، وهي ظواهر يشكو كثير من الغربيين منها أصلا. أما بالنسبة لما بعد 11 سبتمبر فلا ينبغي ان ننسى ان تلك الاحداث ليست أحداثاً سياسية بسيطة، بل هي من الاحداث التاريخية العظام، وتأثيراتها وتجاوز تأثيراتها أمور تتطلب زمناً ليس بالقصير ومخاضات فكرية وسياسية تنقلب فيها أمور كثيرة مما كان مألوفاً قبل تلك الاحداث. ما أود قوله ان علينا في هذه اللحظة ان نراعي ان التطور الحضاري العربي ينبغي ان لا يفسر بوضع القيم والسياسة في الغرب حالياً، كما ان علينا ان نعي "الغرب" وألا نجعل هذه اللحظة بما فيها من انقلاب قيمه وتوتر اجراءاته معيارا لتستمر أوضاعنا المألوفة التي لم يعد استمرارها أمرا مقبولا من ناحية القيمة ولا صالحا من ناحية المنفعة.

أمر آخر ينبغي ان يلحظه كل من يشبه الحال العربي بحال الغرب هذه الايام هو ان في الغرب أرضية لتدافعات فكرية وسياسية تضمن عدم استمرار توترات اللحظة إلى أبد الابدين، وهذا ينطلق من أمرين أولهما ان في الفكر الغربي حركية دائمة تضمن ولادة رؤى جديدة تجبُّ الرؤى المتوترة الحالية، والامر الثاني يتعلق بتدافعات السياسة، حيث ان إمكانية التحول السلمي للسلطة في الغرب تضمن كذلك إمكانية ظهور تيارات سياسية، تساندها الرؤى الفكرية الجديدة، تسعى لتغيير الواقع الذي حل بالغرب بعد 11 سبتمبر. معنى هذا اننا مختلفين عن الغرب في لحظة توتره هذه، وان التشابه بين واقع الامور العربية وواقع الامور الغربية هو مجرد "تشابه" ظاهري، فالغرب لم يقض في لحظة توتره هذه على إمكانيات الحراك والتجاوز الفكري والاجتماعي والسياسي، وهو بطبيعة الحال أمر مختلف عن الوضع في العالم العربي حيث قضي إلى حد كبير على هذه الامكانيات قضاء مؤسسيا ممنهجاً. ولهذا فإن الامور وإن بدت تشبه بعضها بعضاً الا انها في واقع الحال مختلفة تمام الاختلاف من ناحية سوابقها ولواحقها.

كان كثير من العرب يعلقون فشلهم على التآمر الغربي من جانب وعلى ضرورات السياسة من جانب آخر، وها هم الان يتسابقون في تبرير وضعهم بحال الغرب، وهذا التبرير ما هو الا استراتيجية جديدة في الخطاب السياسي العربي لتبقى الاوضاع على حالها السابق، وهو حال لم يعد يوجد من يستطيع توفير غطاء فكري له بعد ان انكشف الوضع العربي بكل منظوماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية وغيرها. وصل الوضع العربي الى مرحلة لا بد فيها من تغيير في فلسفة حياة الفرد والمجتمع وفي نمط العلاقات الداخلية بين المؤسسة والمجتمع، ونمط العلاقات الخارجية مع العالم بجميع قواه، وفي ممارسات الدول تبعاً لأنماط العلاقات الداخلية والخارجية هذه، أما تبرير الواقع بحال الغرب وممارساته الان فهو آخر ما يحتاج اليه الانسان العربي والمجتمع العربي في وضعه الحضاري المعاصر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق