الأربعاء، 19 يوليو 2006

قصة قصيدة أمريكية في الثناء على السيد سعيد بن سلطان

صفحة من تاريخ العلاقات العمانية الأمريكية:

قصة قصيدة أمريكية في الثناء على السيد سعيد بن سلطان

"أنبل ملوك بلاد العرب"

تقديم وترجمة عبدالله الحراصي

مقدمة

وصلت إلى مسقط بتاريخ 18 سبتمبر 1833 سفينة أمريكية اسمها "البيكوك" (الطاووس) تحمل وفداً أمريكياً على رأسه إدمند روبرتس، المبعوث من قبل الحكومة الأمريكية إلى السيد سعيد بن سلطان لعقد اتفاقية صداقة وتجارة تؤطر العلاقات التجارية المتنامية بين الجانبين العماني والأمريكي، وقد حمل هذا المبعوث رسالة من الرئيس الأمريكي جاكسون رداً على رسالة كان السيد سعيد بن سلطان قد بعثها له تتعلق بتعزيز العلاقات العمانية الأمريكية. وقد وافق السيد سعيد على بنود الاتفاقية التي اقترحها روبرتس، ووقعها الطرفان العماني الذي يمثله السيد سعيد بن سلطان والأمريكي الذي يمثله روبرتس بتاريخ 3 أكتوبر 1833.

وعندما عاد روبرتس إلى الولايات المتحدة الأمريكية وافق مجلس الشيوخ الأمريكي على المعاهدة وصدق عليها الرئيس الأميركي في 30 يونيو 1834. وقررت الحكومة الأمريكية أن تبعث روبرتس مرة أخرى على متن السفينة "البيكوك" إلى مسقط لتبادل وثائق التصديق على المعاهدة، وهكذا غادر في 25 مارس 1835 إلى مسقط، غير أنه قبل أن يصل اليها، وبالتحديد في يوم 25 سبتمبر اصطدمت السفينة بحيد مرجاني بالقرب من جزيرة مصيرة مما أدى إلى توقفها تماماً، فحاول بحارة السفينة جهدهم تحريك السفينة بطرق مختلفة من بينها رمي كميات كبيرة من حمولتها ومن مدافعها غير أن كل جهودهم باءت بالفشل. وعندما فقد البحارة الأمل في تحريك السفينة قرر روبرتس أن يركب أحد المراكب الصغيرة التي تحملها السفينة لمثل هذه الحالات ومعه سبعة من البحارة وأن يذهب إلى مسقط طلباً للنجدة، وما أن وصل مسقط وعرف السيد سعيد بن سلطان بحال السفينة حتى بعث في الحال سفينته المعروفة "سلطانة" (التي ذهبت بعد عدة سنوات في رحلة دبلوماسية-تجارية إلى نيويورك) وبعث برسالة إلى والي صور بأن يعمل كل ما يمكن عمله لانقاذ السفينة وحماية طاقمها وحمولتها. وعندما وصلت السفينة "سلطانة" إلى المنطقة انفرجت أسارير بحارتها عندما علموا بأن قبطان السفينة "البيكوك" استطاع بعد جهد جهيد تحريكها واعادتها إلى مسارها البحري إلى مسقط.

وقد كان لعون السيد سعيد بن سلطان السريع للسفينة "البيكوك" وقع عظيم في أمريكا، حيث غمرت الشعب الأمريكي والحكومة الأمريكية مشاعرُ الامتنان والشكر للسيد سعيد، فنجد مثالاً على هذا رسالة من الرئيس الأمريكي فان بورين إلى مجلسي الشيوخ والنواب يشير فيها إلى الاتفاقية الموقعة مع السيد سعيد ويثني على نتائجها ويقول "ولدينا الآن من الأسباب التي تجعلنا نهنئ أنفسنا على بوادر منافع تجارية كبيرة، كما تلقينا من سلطان مسقط برهاناً سريعاً على رغبته في تنمية المشاعر الأكثر مودة معنا بأفعاله الكريمة التي تلقتها منه إحدى سفننا، وهي مساعدة تمت على نحو مذهل يستوجب منا الاقرار بالشكر والثناء الجزيل له." (نشرت هذه الرسالة في "مجلة مجلس الشيوخ" يوم الثلاثاء 5 ديسمبر 1837)

وفي عام 1838 زارت مسقط السفينة "كولومبيا" التي بعثتها الحكومة الأمريكية لتعزيز العلاقات مع مسقط ودول أخرى مثل سيام (تايلند) التي وقع معها روبرتس اتفاقية صداقة وتجارة شبيهة بتلك التي وقعها مع السيد سعيد بن سلطان، وقد دون قسيس السفينة فتش دبليو تايلور Fitch W. Taylor قصة هذه الرحلة في كتابه "سفينة العَلَم: أو رحلة حول العالم على متن سفينة الولايات المتحدة كولومبيا" الذي نشره عام 1840. وفيما يخص مسقط يذكر تايلور بأن الوفد عَلِمَ حينما وصل مسقط أن السيد سعيد بن سلطان غادر مسقط إلى زنجبار بعد مغادرة "البيكوك" لمسقط في عام 1835 وأن ابنه (السيد ثويني) ينوب عنه في مسقط. وقد التقى الوفد مع السيد ثويني وأبدى له المشاعر الطيبة التي يكنها الشعب الأمريكي والحكومة الأمريكية للسيد سعيد بن سلطان وخصوصاً لما قدمه من مساعدة سريعة للسفينة "البيكوك"، وقد ذكر رئيس الوفد القومودور ريد Commodore Read للسيد ثويني أن القسيس تايلور قد كتب رسالة وعدة أبيات من الشعر ليقدمها بنفسه للسيد سعيد بن سلطان ولكن لأن السيد سعيد غير موجود في مسقط فإنه سيقدمها له ليسلمها لوالده. وقد كتب تايلور رسالة للسيد ثويني يقول فيها "كنا نأمل في أن نحظى بلقيا صاحب السمو والدكم المجيد، ولكن لغيابه فانا نشعر بالسعادة لأن نتشرف بأن نبعث له، عن طريق سموكم، آيات الشكر والثناء التي يستمر في الشعور بها كل مواطن أمريكي وكذلك حكومة الولايات المتحدة نحو والدكم المجيد، وأسرته المنقطعة النظير، لفعله الحميد تجاه ضباط السفينة الأمريكية بيكوك وبحارتها حينما كادت أن تُفقَد عند مصيرة".

ولأهمية هذه القصة في التاريخ العماني المعاصر وفي العلاقات العربية - الأمريكية على وجه العموم والعمانية - الأمريكية على وجه الخصوص أقدم فيما يلي ترجمة لرسالة تايلور للسيد سعيد بن سلطان وللقصيدة التي كتبها تعبيراً عن مشاعر الأمة الأمريكية وثناءها على السيد سعيد.


رسالة فتش دبليو تايلور إلى السيد سعيد بن سلطان

"صاحب السمو سلطان مسقط

ليغفر سموكم جرأة من يجل شخصكم العظيم العالي المقام فأبعث لسموكم بالأبيات الشعرية المرفقة هذه الأبيات برهاناً على مشاعر الإعجاب والثناء الصادق التي لا يشعر بها من أعماق الفؤاد كاتب الأبيات فحسب بل كل من تنامى إلى مسامعه كريم الفعل وشريف الفضل الذي أسديتموه لضباط وطاقم إحدى سفن الولايات المتحدة الأمريكية التي كادت أن تجنح على ساحل الجزيرة العربية.

فلتتقبل سموكم أصدق الأمنيات من الكاتب بأن يمد الله في عمركم وأن يكلأ سني عمركم بالسعادة، فقد كانت سني كرم جزيل ومجد أثيل.

فتش دبليو تايلور

قسيس الفرقاطة الأمريكية كولومبيا

ميناء مسقط 18 أكتوبر 1838"


قصيدة ثناء على السيد سعيد بن سلطان، سلطان مسقط

كتبها فتش دبليو تايلور

ترجمة عبدالله الحراصي

سلطان مسقط! إن قصتك المجيدة

تحيا حيث يسقط على الأرض آخرُ أشعة النهار،

واسمك الذي سار ذكره في آفاق المجد المشرقية

تشيد بمكارمه الألسن في المجالس الغربية.

ها قد ركبنا البحار من أقاصي الأرض إلى مياه عُمان

لنزجي لكَ من أمتنا أجزل الثناء،

ولك يدوم دعاء الألوف من أبنائنا وبناتنا

إلى أبد الدهر، يا أمير بلاد العرب.

لا أصفى لآليء مغاوص البحرين ودررها،

ولا أنفس ألماس المناجم المشرقية،

ولا الذهب المنضود عند أمجد الملوك،

عساها أن تشغف قلوبَ أهل البقاع الغربية،

غير أن سَلِس معشرك ومحمود فعالِكَ

التي فرجت بها كربة أبناء أمتنا الجانحين

قد لامست نفس أمتنا المدينة لك بالفضل،

فهي لذا تلهج بالثناء على أمير بلاد العرب.

فلتصدح بمثلك نغمات الأبواق

في الألحان العسكرية،

ولتشدو بذكر محامدك في أبيات رفيعة المجد

قيثاراتُ المنشدين ونبوءات المتنبئين،

ولتتلألأ بنور أسمك ومروءتك

لفائفُ قصص التاريخ والصفحات التي لا تبهت

كي تؤرخ للأزمنة السرمدية

سيرة سخي المكارم أمير بلاد العرب.

واسمك المنير المتدفق بالمجد،

سينير صفحة قصة المستقبل،

وسيشد سطوع أسمك أنظار الشيب والشبان

عن وميض جميع نظرائك،

ولكن بريق بقية الأسماء لربما خفت،

مثلما تذوي أشعةُ الشهب،

أما مناقبك الجميلة فستنير للأبد

يا أيها الجليل، أمير بلاد العرب.

يا بلاد العرب التي ذكرتها القصص القديمة،

لقد تعلمنا في صبانا شهرتك

وأن سحر الجان يحيا في اسمك

وصحاريك وخضرتك وزعمائك،

حيث المجد يكلل الجميع،

غير أن ياقوت الجبال والمرّ والطِيِب

وسِيَر الأقدمين المجيدة

سرعان ما تتلاشى جميعها

حين يبوح الشعر بذكر المجيد، أمير بلاد العرب.

فلتصحبك السكينة في علياء المجد

الذي يتوج بقاعك المشرقية وكنوزك الذهبية،

ولتشرق سنينُ الحياةِ طويلةً أمامك

لتملأ كأس متعتك،

وحيث تأوي الشمسُ أخيراً إلى مستقرٍ به تستريح

هناك بعيداً فوق البحار العميقة الزرقاء الواسعة،

هناك سَيُبارَك ذكرُ سعيد بن سلطان،

أنبل ملوك بلاد العرب.

Your browser may not support display of this image.

[تعليق أسفل الصورة الملحقة]

"صورة لمسقط رسمت عام 1838، من كتاب تايلور الصادر 1840"]

Your browser may not support display of this image.

السيد سعيد بن سلطان

الاثنين، 27 فبراير 2006

عن الترجمة في عمان

عن الترجمة في عمان

عبدالله الحراصي

رغم أنه لا توجد لدينا وثائق حول الترجمة بين العربية وغيرها قبل الإسلام إلا أن موقع الجزيرة العربية بين حضارات مختلفة، وما يفرضه هذا الموقع من تفاعل ذي أشكال مختلفة مع هذه الحضارات يدلنا على أن الترجمة، الشفوية والتحريرية على السواء، وجدت في الجزيرة العربية ومارسها العرب (في جوانب الوثائق السياسية على أقل تقدير)، كما نفترض كذلك بأن العرب قد مارسوا الترجمة الشفوية، وربما التحريرية كذلك، أثناء احتكاكهم بالأمم الأخرى خارج الجزيرة العربية، وخصوصاً أثناء رحلاتهم التجارية إلى بلدان فارس والهند والمناطق الاخرى في آسيا وأفريقيا واوروبا.

غير أن مجيء الإسلام وانتشاره جعل من أرض الإسلام إمبراطورية شاسعة الأراضي تضم بين حدودها أمماً عديدة ذات لغات مختلفة وتراث حضاري ثري، فكان أن استدعى هذا الثراء الحضاري لهذه الأمم، إضافة إلى شعور العرب أنفسهم بالنقص الثقافي والفكري من جانب وطبيعة متطلبات نمط الحياة الحضرية الجديدة من جانب آخر، بروز نشاط الترجمة عن الأمم الأخرى. وقد تضافرت عوامل عدة لتجعل من نشاط الترجمة فعلاً حضارياً هائلاً لم يشهد له العالم مثيلاً، فالحكام والأمراء (الدولة بالمفهوم الحديث) وقفوا وراء هذا النشاط ووظفوا جميع الموارد لخدمتها، فأرسلوا البعثات لجلب الكتب من الأمم الأخرى، وأسسوا المعاهد المختصة بالعلم والترجمة مثل "بيت الحكمة"، كما أنهم لم يبخلوا على المترجمين بالمال والمكافآت الأخرى نظير فعلهم الحضاري العملاق (فكان حنين بن اسحق، على سبيل المثال، يتقاضى وزن ما يترجمه من كتب ذهباً)، كما أن العوائل الميسورة (مثل بني موسى بن شاكر) مولت كثيراً من مشاريع الترجمة والأنشطة العلمية الأخرى.

وقد تميز هذا العهد الذهبي للترجمة خلال العصر العباسي بسعة الأفق الحضاري فلم يحكر العرب أنفسهم بلغة واحدة يترجمون منها بل ترجم العرب من كل لغات العالم القديم كالاغريقية والفارسية والهندية وغيرها. كما تجلت سعة الأفق الحضاري كذلك في أفق المجالات المعرفية للكتب التي ترجموها، فقد تنوعت فشملت الأدب والفلسفة والطب والرياضيات والهندسة وغيرها من وجوه المعرفة. أما المترجمون أنفسهم فقد غذوا هذا الثراء الحضاري، حيث اشترك في الترجمة مترجمون من مختلف الخلفيات الحضارية من عرب وسريان وصابئة وفرس وغيرهم.

أما إن جئنا إلى تاريخ الترجمة في عمان قبل العصر الحديث فسنجد غياباً شبه تام لأي وثيقة مكتوبة تشير الى الترجمة، غير ان تفاعل العمانيين مع الأمم القريبة منهم والأمم التي تاجروا معها كالهنود والفرس وسكان شرق أفريقيا يشير بطبيعة الحال إلى ضرورة وجود مترجمين بينهم ومتحدثي اللغات الأخرى، ولا يتسلل شك إلى أن بعض هؤلاء المترجمين كانوا من العمانيين أنفسهم. تذكر كتب التاريخ على سبيل المثال أن بعض القبائل الأزدية العربية المهاجرة من اليمن الى عمان دخلت في مفاوضات سياسية وعسكرية مع الفرس الذين كانوا يحتلون بعض مناطق الساحل العماني، وهو ما يعني وجود الترجمة الشفوية والمكتوبة بوجه من الوجوه. وفي العصور الأحدث يظهر المترجمون في بلاطات الأئمة والسلاطين، ويمكن تبين دورهم حين نعلم أن حكام عمان على سبيل المثال وقعوا اتفاقيات سياسية وتجارية مع دول غير عربية كما كانوا يبعثون ويتلقون الرسائل الى حكام الدول الأخرى، وهو ما يفترض وجود مترجمين يقومون بترجمة هذه الاتفاقيات والمراسلات بين اللغة العربية ولغات هذه الدول.

وفي العصر الحديث يظهر أحد أهم المترجمين العمانيين، وهو الأستاذ محمد أمين عبدالله الذي ترجم الى العربية العديد من الكتب التي دونها مؤرخون ورحالة وأطباء غربيين إلى اللغة العربية، وقد نشرت كثير من ترجماته ضمن منشورات وزارة التراث والثقافة ويمكن الاشارة إلى بعضها مثل "رحلة طبيب في الجزيرة العربية" لهاريسون، و"الخليج: بلدانه وقبائله" لمايلز، و"عمان وشرقي أفريقيا" لأحمد المعمري، و"عمان: مسيراً ومصيراً" لروبرت لاندن.

أما في وقتنا الحالي فان المرء يلاحظ تحسن وضع الترجمة كثيراً، و لا يمكن بطبيعة الحال الإحاطة بكل جوانب حاضر الترجمة في عمان في هذه العجالة، ولكن يمكن الاشارة الى النقاط التالية التي تجمل هذا الواقع:

1. ان الترجمة المعاصرة في عمان متعددة الاهتمامات، ويمكن تبين هذا في عناوين الأعمال التي ترجمها المترجمون العمانيون، فقد ترجمت زوينة خلفان كتاباً عن مشاهدة الطيور في عمان، وترجم الدكتور عبدالله الكندي كتاباً عن الاعلام حمل عنوان "إعلام جديد، سياسة جديدة" لجون آلترمان، فيما ترجم هلال الحجري وكاتب هذه السطور بعض الأعمال التي تنتمي إلى أدب الرحلات، وترجم عبدالله حبيب كتاباً عن السينما هو كتاب "ملاحظات في السينماتوغرافيا" لروبير بريسون"، وترجم الدكتور محمد المحروقي السيرة الذاتية لحمد المرجبي المعروف بتيبو تيب، كما أن هناك كثيراً من النصوص التي تنتمي إلى الدراسات المعمارية والأثرية يقوم بترجمتها مترجمون عمانيون لبعض المؤسسات الحكومية العمانية.

2. نمو الاهتمام من قبل مؤسسات التعليم العالي في عمان بالترجمة، فالترجمة جزء أساسي من برامج تعليم اللغة الانجليزية وآدابها في جامعة السلطان قابوس، كما أن الجامعة تطرح برنامج بكالريوس في الترجمة، وقد أعلنت مؤخراً عن برنامج دبلوم عالي/ماجستير في الترجمة كذلك. كما أعلنت جامعات عمانية أخرى مثل جامعة ظفار وجامعة نزوى عن طرح برامج ترجمة بين اللغة العربية وعدد من اللغات الاوروبية.

3. يلاحظ حضور المرأة العمانية المميز في الاهتمام النظري بالترجمة في عمان وفي ممارستها، ويمكن الاستدلال على هذا الحضور بعدد المترجمات اللاتي ينشرن ترجمات في الصحف المحلية (انظر الأسماء النسائية في هذا الملف). وهذه الملاحظة ذات قيمة رئيسة، فحضور المرأة في الترجمة هو من جانب حضور لإبداع وانتاج الجزء المهمش من الانسانية في العادة، كما أن هذا الحضور يكتسب أهمية كبيرة في الحالة العمانية، لأن الترجمة هي نشاط إبداعي في طور النشوء، وهذا الحضور المبكر سيؤثر مستقبلاً بلا شك ليس في عدد الترجمات النسائية فحسب، بل سيكون له تأثير نوعي عميق الأثر على نوع النصوص التي ستترجمها المرأة وكيفية الترجمة ذاتها، وهو ما حدث في تجارب الأمم الأخرى، حيث أثر وجود المرأة المترجمة في طبيعة النصوص التي تختارها للترجمة وكذلك في طبيعة ممارسة الترجمة ذاتها حيث تركز المرأة على حضور الأنثى في النصوص المترجمة وإبراز هذا الحضور أثناء الترجمة، بعكس المترجم الرجل الذي لاحظت بعض الدراسات سعيه من خلال الترجمة إلى التقليل من الحضور الانساني للمرأة. بمعنى آخر يشكل حضور المرأة في الترجمة في عمان، تنظيراً وممارسة، مستوى آخر من مستويات التفاعل الاجتماعي وخصوصاً فيما يخص مواقع القوى والسلطات الاجتماعية.

4. ظهور "مجموعة الترجمة" في جامعة السلطان قابوس، وهي مجموعة، كما تشير سيرتها الذاتية المنشورة في هذا الملف من "شرفات"، تهتم بمختلف أوجه الترجمة، فهي تقوم بدورات لطلبة الجامعة في ميدان الترجمة، ونشر العديد من الترجمات في المجلات والصحف العمانية والعربية، إضافة الى إقامة الندوات السنوية حول الترجمة ضمن فعالية "اسبوع الترجمة". غير أني أود هنا أن أشير الى ميدان تفاعل مهم في حقل الترجمة وهو منتدى مجموعة الترجمة - وهو بحسب علمي من أوائل المنتديات الالكترونية في العالم العربي التتي تتخصص في الترجمة، حيث يناقش الطلبة في هذا المنتدى (الذي يبلغ عدد أعضاءه حتى الآن أكثر من 160 عضواً، وهو منتدى مفتوح للمهتمين بالترجمة بشرط الاشتراك بالأسم الحقيقي) قضايا عديدة ذات علاقة بالترجمة، والنقاش في أغلبه نقاش جاد ورصين، ويمكن للقاريء الاطلاع على هذا المنتدى والمشاركة فيه بفتح الرابط الالكتروني التالي http://www.tarjamahsqu.net/arabic.htm واختيار "المنتديات". ويمكن للمرء أن يستدل على اهتمامات "مجموعة الترجمة" وشمولية النظرة التي تتبناها هذه المجموعة الى الترجمة من خلال النظر الى عنواين أقسام منتدى الترجمة، وهي كما يلي: "المنتدى العام" ويشمل "قسم الاعلانات" و"القسم العام" وقسم "فضاءات الكتابة" أما "منتدى أدوات المترجم" فيحتوي على "قسم الإعداد اللغوي ومصادر المترجم"، ومنتدى دراسات الترجمة يحتوي على "قسم نظريات الترجمة"، ومنتدى "هكذا ترجمت" يشتمل على "قسم الترجمة الأدبية" و"قسم الترجمات الأخرى"، والجزء الخاص بالاقتراحات والمساعدة" يشتمل على "قسم الاقتراحات والاستفسارات".

أخيراً فإن المراقب لوضع الترجمة في عمان لا يمكنه إلا أن يلاحظ ما تشهده هذه الممارسة الابداعية من حركة حقيقية، وهو ما أنتج وضعاً ثقافياً تأكد فيه حضور الترجمة في الوضع الثقافي العماني، مشكلةً عنصراً أساسياً لا يمكن إغفاله وغض النظر عنه وعن قيمته الثقافية العميقة والبعيدة المدى.

الأربعاء، 19 أكتوبر 2005

هشام بن عبدالله الحراصي



السبت، 1 أكتوبر 2005

ترجمة لقصيدة "صريع النجمة: تلميذ الفلكي ثابت بن قرة"

صريع النجمة
تلميذ الفلكي ثابت بن قرة
قصيدة للشاعر الأمريكي ناثانيل باركر ويليس
ترجمة عبدالله الحراصي






الشاعر
ولد ناثانيل باركر ويليس في بورتلاند في مين بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1806، وقد كان كل من أبيه وجده صحفيين ومحررين في صحف تصدر في بوسطن. درس الشاعر في إحدى أشهر مدارس بوسطن هي مدرسة بوسطن اللاتينية، ثم قضى شطراً من حياته في أندوفر تحضيراً للدراسة الجامعية. كتب في سنوات مراهقته الشعر، وأثناء دراسته في جامعة ييل نشرت بعض قصائده في دورية "بوسطن ريكوردر" التي أنشأها أبوه، ونشرت هذه القصائد في مجموعة شعرية عند تخرجه من جامعة ييل عام 1828.
عقب تخرجه عاد ويليس إلى بوسطن حيث ساعدته علاقات عائلته في بواكير محاولاته الأدبية، فعمل محرراً لدى أحد أشهر الكتاب والناشرين الأمريكان آنذاك وهو صمويل ج. غودريتش، وتمكن في عام 1829 من نشر دوريته "ذي أمريكان مونثلي ماجازين" (المجلة الشهرية الأمريكية)، وهي مجلة استمرت لعامين ونصف تمكن ويليس خلالها من ترسيخ نفسه باعتباره شخصية معتبرة في المجتمع البوسطني المحافظ، فعرف عن ويليس في تلك الفترة اهتمامه الشديد بالأزياء والتأنق، وهو ما جعل هذا المجتمع يطلق عليه اسم "داندي" (الذي يعني بالعربية "الغندور" أو الشخص المتأنق).
انتقل ويليس عام 1831 إلى مدينة نيويورك حيث عمل محرراً مشاركاً في جريدة "نيويورك ميرور"، وكان دوره في الجريدة يتمثل في كتابة مقالات عن رحلات يقوم بها إلى أماكن مختلفة في العالم، وقد أحرز في مهمته نجاحاً كبيراً فبعثته الجريدة إلى انجلترا وغيرها من دول أوروبا لكتابة سلسة من المقالات حملت عنوان "أمريكي في الخارج". استمرت إقامة ويليس خارج أمريكا ما يربو على خمس سنوات عاد بعدها إلى الولايات المتحدة وبرفقته زوجته الانجليزية ماري ستيس.
بدأ ويليس أثناء إقامته في انجلترا في كتابة بعض القصص القصيرة قام بنشرها عام 1836 تحت عنوان "إيماءات المغامرة" وهي قصص سارت أسلوبياً على خطى الروايات الرومانسية من ناحية قلة تطوير الشخصيات وعدم الاهتمام بالواقعية واعتماد القصص على بيئات غريبة. كما قام ويليس أثناء عمله محرراً لعديد من المجلات بنشر مجموعته الثانية من القصص القصيرة تحت عنوان "غرام السفر" عام 1840، ثم نشر في عام 1845 مجموعته الأخيرة من القصص القصيرة التي حملت عنوان "الحياة مع قلم رصاص حرّ"، وقد شهد هذا العام وفاة زوجته الانجليزية. وقد حاول ويليس كتابة المسرحيات فاشتهرت مسرحيتين من مسرحياته هما "فيانسا فيسكونتي" و"تورتيسا".
في عام 1845 اشترك ويليس مع جورج بوب موريس في تحرير مجلة "هوم جورنال" وهي مجلة كانت تنشر آخر الكتابات الأدبية من شعر وقصص قصيرة إضافة إلى كتابات ويليس نفسه عن المشهد الاجتماعي، وقد قضى ويليس وموريس بقية عمرهما في تحرير هذه المجلة كما اشتركا في مشاريع أخرى من بينها أنطولوجيا أدبية هي "نثر وشعر أوروبا وأمريكا" التي نشرت عام 1857. في عام 1853 تقاعد ويليس من عمله وعاد إلى بيته الريفي على نهر هدسون وهناك استمر في الكتابة للصحف والمجلات، وكان اهتمامه يتركز آنذاك على تعريف القراء بالشباب الواعدين في الكتابات القصصية والروائية. وقد توفي هذا الشاعر في يوم عيد ميلاده الحادي والستين في عام 1867.
بلغت شهرة ويليس مبلغاً عظيماً في حياته فقد كان يظهر في كثير من الجرائد والمجلات، وقد انتقد من قبل الكثيرين لكونه يراعي الذوق العام في اختيار مواضيعه، ولمحافظته الشديدة في أسلوبه، إلا أن كتاباته، على الرغم من كل سهام النقد، ساعدت في ذيوع أدب الرحلات والقصص القصيرة في الولايات المتحدة الأمريكية، كما أنها شرعت الأبواب أمام كثير من المواهب القصصية الشابة. (ملاحظة: اعتمد المترجم في المعلومات أعلاه حول الشاعر على سيرته الذاتية المنشورة في موقع ليون تشادويك على شبكة الانترنتwww.lion.chadwyck.co.uk) )).

صريع النجمة
تلميذ الفلكي ثابت بن قرة
الجزيرة العربية ليلاً: منذ ساعة
أفُلَت "ديان" (1) الشاحبة من السماء،
طارحة حزامها على البحر،
والنجوم العَليَّة، إذ أزُفَت نوبة حراستها،
تقف متيقظة وحيدة، أما الأرض المتنفسة،
الغارقة في نومها والراقدة في نداها الفضي،
فلا ظل يتحرك على صدرها،
فيما يتضوع العبير الحبيس ويغادر زهوره صوب الأحلام،
مرتعشاً في أجنحته الخفية التي لا عدّّ لها،
ويتسلل مع النسيم العليل.
هو ذا برج ثابت بن قرة الشامخ تدثره الظلمة،
في أشد دروب مكة وحشة.
وحينما يدلهم الليل يشعل قنديله
بثبات كأنه "الدب الأصغر"،
ومن نافذته ينصب أنابيبه النحاسية.
كانت بغيته دائماً النجمة الوسطى
في تلك الغيمة السديمية الخافتة،
التي تعلو الآن فوق جبل عرفات. لم يكن ظلام السماء
أكثر حلكة من هذه الليلة قط،
وفي قلب أعماقها تومض النجوم الملونة كأنها اللئالئ (2)،
فـ"قلب العقرب" المتلون (3)،
يتوهج ثم يخفت في القوس الجنوبي
ونجمة "النسر الواقع" اللازوردية
تتقد، كعين امرأة، في تَلألُؤ أزرق خافت،
و بعيداً فوق الصحراء يومض نجم القطب الساطع،
أبيضَ كدلاة جليدية مومضة، وها هنا،
يتدلى المريخ ببريقه الداكن
كأنه قنديل معلق فوق بحر العرب، أما أجملها طُرَّاً
فهي "الشعرى اليمانية" الوديعة (4) بلونها البنفسجي الندي،
كأنها زهرة على نهد حواء،
وفي سمت الرأس تتدلى "الثريا" الفاتنة (5)
(يا حسرتا! حتى النجوم قد تشق طريقها مغادرة السماء،
دون أن نفتقدها)، وكوكبة "الثريا" المترافقة معاً،
تتجلى هناك، رغم أن أبهى الأخوات قد أفُلَت.
وبعيداً إلى الجنوب
تقف كوكبة السنونو (6) قليلة الرفاق،
والفيستاء، بيضاء الحواجب، تشع في دربها،
وحيدة مطمئنة وبعرض السماء.
تحتشد الليلة حتى تكاد أن تنطق
كأنها ملائكة طاهرة تلقي على نبي وحياً.
جثا ابن قرة امام تلسكوبه (7
محدقاً، بخشوع وصمت، في النجوم
خصلات شعره الأشيب، التي شقت طريقها من تحت طيات عمامته،
تتلاعب بها نسائم الهواء على خده،
أما لحيته المهيبة فتنحدر فضفاضة
ببياضها السحري على صدره،
وقد تورم جلده الأسود عند أشرطة حذائه،
الذي شدته وقفته المؤلمة وميلان جسمه.
وأصابعه الذاوية على ركبته،
والأهداب الرقيقة فوق عينه المحملقة،
تلتصق جامدةً بعدساته،
وقد تصلبت عيناه من شدة النظر للأعلى. وساعة إثر أخرى،
إلى أن تذوب النجوم في حضن النهار،
يجثو الفلكي العجوز بلا حراك،
وقد أنسته النجوم المذهلة آلامه.
وساعة إثر أخرى، وبذات التأمل الصبور،
استغرق تلميذه الشاحب الوجه في حروف
مخطوطة كلدانية، وإذ أرهقه التحديق،
وضع العربي أسود العينين
رأسه على النافذة، ونظر هنيهة إلى السماء،
حتى رطب جفني عينيه الندى
وحُسنُ تلك الليلة المتدثرة بالصمت،
ثم عاد إلى شغله الشاغل،
بجَلَدٍ وصَبرٍ.
وميض الزهرة المتألق
يخترق سعف نخلة شامخة،
على حافة جبل عرفات،
وما أن وقعت عليها عينا التلميذ المنتشي حتى هبَّ،
وعلى عجل ولهفة أغلق السِّفرَ،
وإذ علت النجمة البهية،
وشقت طريقها إلى السماء العليا،
حدق فيها، حابساً أنفاسه، وقال: ـ ـ ـ
"يا نجمة الشعاع الفضي!
ساطعة أنتِ مثل الله، وعند ميقاتك كأنك عبد،
أي روح توجهك في صراطك المستقيم
وهبك ناموس الأزل ؟
أي روح، تمتطي سهام نورك،
تلك التي تجوب السماوات والأرض هذه الليلة ؟
"نعلم متى سترتفعين
فوق الجبل – ونعلم تغيرك، وموضعك، وميقاتك –
كله مُسَطَّرٌ في هذه الأسجوعة الصوفية الكلدانية،
وهو علم نفيس لا يقدر بثمن!
لقد عرفت عنك الكثير في عباءتي البدوية،
حين كنت أطوي الفيافي فوق صهوة جوادي الطائر!
"كم ذرعت رمال الصحراء وحيداً
بين الخيام طوال الليل
في انتظارك أيتها المتألقة!
بأي جلال انبجس حسنك المتقد في السماء
على عيني الظامئتين،
في فترات المراقبة الأخيرة!
"رباه! ان روحي لتطير
الى جلالِكِ – تسمو عُلُوَّاً في شعاعِكِ-
تخفقين، وأنت تسبحين في فلكك،
وكأن جبروتك،
تلك الروح المستغلقة التي ليس إليها من سبيل،
قد نصّبَ شِرْعَته المشعةَ حاكمةً على عقلي!
"من بين كل نجوم السماء
أشعر بك في قلبي! وغدا عشقك جنوناً،
وأفناني لهيبهُ.
أجل، حتى في الصحراء،
حين يعدو حصاني "عبرة" الداكن العينين على جانبي-
فإنت من سلب لبي، لا حصاني، ولا المجد الأثيل!
"لم يعد لعبرة وجود!
"طائر الصحراء" أمسى في مربط شخص غريب،
وقبيلتي وخيمتي: لقد ضحيت بهم جميعاً
من أجل علم يفني القلب!
أجل، إن طعم الحكمة يظل هو الأحلى في الوجود.
كنت الطالع عند ميلادي، أيها النجمة البهية!
"الكلدانيون يقولون انني لَكِ
وفي هذا اللحظة، عليَّ أن أنفلت،
وأستحيل روحاً على أجنحة من النور مثلك.
إنني أشعر الآن بأنك لي!
رباه! أما آن لهذه الأصفاد الثقيلة ان تبلى
وتعتقني لأقتفي شعاعك الفضي!"
[...] قام بن قرة
وصوب، صامتاً، بصره شرقاً.
كان الفجر ينسل بقدميه الرماديتين
خلسة إلى السماء، وسرعان ما خبت النجوم،
وأفلت، ولم تبق إلا الزهرة وحيدة،
خافتةَ، كأنها وهج ماس مذاب
وقد اشتعل في السماء. غدا الصبح أعذب،
وقد طلى الذهب حواف السحب العَليَّة،
وسعف النخيل يهسهس مع نسائم الصباح.
وانتشر نور الصباح طرياً في التلال،
وما زالت النجمة هناك متجلية،
وما زال البدوي الصغير، بعين محملقة،
يحتسي في روحه نورها الراحل.
ها قد توارت، ذابت،
وبزغت الحافة المتقدة في الشمس الجلية،
وضغط التلميذ العاشق، بألم، على عينيه
بأصابعه القاتمة وبأطراف واهنة،
كأنها أطراف طفل هدَّهُ المرض، وسقط على أريكته،
ونام. [...]
II
[...] أنها نوبة المراقبة الصباحية مرة أخرى:
كانت السحب تنساق سريعة في الأعالي،
تخترقها النجوم المتلألئة باهتة سريعة
وفيما حفت الريح المتقطعة باكية حزينة
اهتز مصراعا النافذة، وعلى السقف المائل
انهمرت قطرات مطر كبيرة متباعدة،
ثم هبط السكون مرة أخرى. جلس ابن قرة
بقرب القنديل الخافت، فيما رقد تلميذه عند قدميه،
ممعناً فكره في الحكمة الكلدانية.
استلقى الصبي العربي على حصير من القش،
مغمغماً بسرعة في نومه المضطرب،
محركاً، بتشنج، أصابعه الداكنة في راحتي يديه.
وشفتاه الشاحبتان كانتا واهنتين،
وفيما تحركت شفتاه، برزت أعماق فمه من بين أسنانه،
تلك الأسنان البيضاء كعظام المقابر.
وفيما كان جفناه ملتصقين بعينيه الغائصتين،
كأنما يضغطان على صورة مرعبة في مقلتين محتقنتين بالدم،
سرت رعشة، لوهلة، على جفنيه،
ثم استرخيا، نصف مفتوحين، في رقدة أهدأ.
حدق بن قرة في الرمال التي نزلت
من الساعة الفائتة. نزلت آخر حبات الرمل الأبيض
وبيد مرتعشة أكل الدهر عليها وشرب
قلب الفلكي العجوز الساعة الرملية.
وفيما استمرت المراقبة الصامتة،
ومع تناقص لحظات الساعة الثمينة،
نظر إليها بشفة مضطربة
ثم قلب نظره إلى السماء
صاباً جام لعناته القانطة على السحب.
"انه أوانها"
غمغم التلميذ المحتضر، ثم أزاح
الشعر الكث من أمام عينيه السوداوين
ثم استند على ثنايا ثوب بن قرة
وغالب نفسه ليقوم على قدميه، ثم جثم
على إفريز النافذة، وحدق، بثبات جأش،
الى الشرق: --
"ثمة سحابة تغطيها
انها تجلس هذه اللحظة على حافة الجبل،
وهذا الخمار المظلم يواري بهاؤها الآن،
إلا أنها تسبح بجلال
صوب السماوات. رباه، كم بودي لو أطير
في سحابة روحي، وأمضي!
"ها قد أخذت السحابة تنفسح!
آه، تباعدي أيتها السحب، إنها النجمة، إنها السماء!
المسيني أيتها الأم الخالدة، وسأطير!
انفسح، أيها الصدع بين السحب!
انفسح، فهذا المجد لابد أن يجد متسعاً لنوره!
انفسح، فالنجمة-الطفلة تؤوب على أجنحة النور إلى موطنها!
"حدثنني! أيتها الأخوات الساطعات!
انتن يا من تسبحن في هذه الأنوار الحية!
انت يا من تزرنني في أحلامي النجمية!
انت يا من تطرن على أجنحة أمنا المنيرة
بأفكارها التي نقشت من الألق--
"أخبرنني، أي جبروت لديكن؟
إلى أي سمو تصلن بأجنحتكن؟
ما الذي تعرفنه من عجائب الكون الهائلة،
التي أفنى كي أراها؟
هل أنتن سريعات كلمح الخواطر؟ هل تطرن مثلها بعيداً،
بسرعة الخواطر، من نجمة إلى نجمة؟
"اين ذهبت الثريا؟"
أين وجدت النجوم المفقودة (8) نوراً ووطناً؟
من الذي يأمر نجمة "الاعجوبة" (9) ان تأتي وتذهب؟
من الذي علَّقَ نجمة القطب وحيدة؟
ولماذا تمضي النجوم الرائعة خلال الهواء
في جحافل منيرة، كأنها أخوات متعانقات؟
"هل لحظت هذا يا ابن قرة؟
النجمة! النجمة؟ رباه! لقد أخفتها السحب ثانية!
لقد مضت-- وأنا حي! كلا، هل سيزداد خفقان فؤادي؟
انظر أيها المعلم! لقد حلت ظلمة مدلهمة!
لقد حلت الظلمة الحالكة! إن مقلتي عيني تضيقان!
هيا اخترقي السحب ثانية! يا أمي النجمة!
"سأضطجع ولكن لن أنام!
إن المطر يطلق العبير من الصمغ
وتأتي الليلة رياح الطيب عليلة كما لم تأتِ من قبل!
إنني دائما أغدو طفلاً
حينما تكون هي قبالة جبهتي! أواه يا "عبرة" العزيز!
كم أود لو كنت أجوب فيافي الصحراء فوق صهوتك!
"يا حصاني، أيها الجواد الرائع!
يخيل إلي أن روحي سترتقي في إثره
بمزيد من السرعة، كم أود لو أموت على صهوتك!
كيف لسرعتك المجيدة
أن تثير نبضي وتسرعه! -- يا الله! – ها قد هاج فؤادي!
آه، لو أعود طفلا في صحرائي ثانية!
"كلا، كلا، لقد نسيت
أمي! أمي النجمة! آه، نفسي يتقطع،
أريد هواءً، مزيداً من الهواء، انه -- انه الموت يا ابن قرة!
المسني! -- إنني لا اشعر بك!
إنني أموت! وداعاً، أيها المعلم العظيم! -- الأرض تضيق، أريد فسحة
"عبرة"، كم عشقتك! وأنت أيتها النجمة، أيتها النجمة المنيرة! إنني ... قادم!
ما أكثر ما نتحدث عبثاً عن قلب الإنسان!
ما أسوأ وأتفه العظة
التي تُعلِّمنا أن ثمار جنات عدن
لا يمكن قطفها بحرية من "شجرة الخير والشر".
إن الحكمة تظل وحيدة
في السماء في أعلى عليين، إنها نور الحكمة، إلهتها!
وفي قلب الإنسان تسمو،
برغم أن العيون المتذللة طالما نسيتها،
ولا ترى إلا أوثان هذه الدنيا.
أما البصيرة الصافية فتراها للأبد.
وفي شبابنا نأتي مملوءين بجذلها القدسي،
ونركع، نعبد الله من خلال نيران مذبحها العذبة،
حينها تكون الحكمة هي "الخير". لطالما جئنا --
ويزداد مجد الفؤاد المنتشي،
وسرعان ما ننظر بحرية طليقة إلى العذراء
الجالسة على العرش في البهاء السماوي. هناك تجلس
مرتدية ثوب فتنتها الملائكية البديعة
تأمر وتغفر، ونحن نحدق
حتى تجيش فينا الرغبة، وأيدينا
ممسكة بأرديتها، فتهلكنا نار تهوي علينا من السماء،
ولكن، آه، إن نغمات الحكمة الهادئة
لتتنفس الموسيقى من شفتيها! إن إطراء البشر
عذب، حتى يشينه الحسد، ولمعان الذهب
يزعزع خفقان الفؤاد،
وعشق النساء، لو كان في قنديل متسول،
لأضاء، وربما أنا لنا سبيلنا في دروب العالم،
غير إن للحكمة لساناً إغواءه أعظم وأشد.
ستهبط الحكمة وستقودك إلى النجوم
وستفتنك بألغازها، حتى يغدو الذهب
خبثاً منسياً، وتصبح السلطة والشهرة
متعة ساعةـ وعشق النساء
واهياً كنفخة الهواء التي تبعثره.
أما من عقد روحه بالمعرفة فإنه قد سرق مفتاح الجنان،
ولكن ما أمرها من خديعة: أن تتدلى الثمرة
في متناول يد المرء، وحينما يستبد به الظمأ
ويدفعه إلى الجنون ويحاول أن يتذوق طعمها،
فإنها تحرق شفتيه وتحيلهما رماداً!
----------------------------
حواشي
(1) Dian (ديان) او Diana (ديانا) هي الإلهة-القمر عند الرومان، وتعادل أرتميس Artemis الاغريقية، وتستخدم الكلمة في الشعر للإشارة إلى القمر حينما يشخص باعتباره إلهة. [المترجم]
(2) "تبدو النجوم حتى للعين المجردة متباينة الألوان على نحو جلي، إلا انه حينما يراها الإنسان عبر قطعة زجاج منشورية فإن الألوان تتضح ويمكن تقسيمها الى الأحمر والأصفر والأبيض اللامع والأبيض الخافت وألوان متداخلة. ويصدق هذا كذلك على الكواكب التي تصدر شعاعها بعكسها للضوء، ولا ريب أن اختلاف الألوان يعتقد أن مرده اختلاف قواها في تلقي وعكس أشعة الشمس. إن تكوين النجوم الأصلي والقوى المشتتة في أغلفتها الجوية المختلفة يمكن أن يعد سبباً لهذه الظاهرة." [المؤلف]
(3) لهذه النجمة سمة تميزها عن سواها من النجوم وهي التغير الجميل والسريع في ألوان ضوءها، حيث يحدث تناوب في ألوان ضوءها من اللون القرمزي المحمر الكثيف الى اللون الأبيض الساطع [المؤلف]
(4) تشع الشعرى اليمانية حينما ترى عبر قطعة زجاج منشورية حزمة كبيرة من الأشعة الجميلة البديعة. [المؤلف]
(5) تقع "الثريا" في موقع عمودي في الجزيرة العربية. [المؤلف]
(6) كوكبة عربية تعد بديلاً عن كوكبة Piscis Australis، لأن طائر السنونو يصل إلى شبه الجزيرة العربية في وقت الارتفاع الشمسي لبرج الحوت. [المؤلف]
(7) الكاتب على وعي بأن التلسكوب لم يتم اختراعه الا بعد قرن او قرنين بعد زمن ثابت بن قرة. [المؤلف]
(8) يكثر الحديث عن "النجوم المفقودة" في كتب الفلك القديمة، فيذكر هيبارقوس Hipparchus نجمة ظهرت ثم سرعان ما اختفت، وفي مطلع القرن السادس عشر اكتشف كبلر Kepler نجماً جديداً قرب القدم الأيمن للمجموعة النجمية Serpentarius، وهو نجم "في غاية السطوع والتألق على نحو يفوق كل ما رآه من قبل". ولاحظ "أن لونه يتغير في كل لحظة إلى لون من ألوان قوس قزح، إلا حينما يكون قرب الأفق، حينما يكون أبيض اللون في الأغلب." ثم اختفى في العام الذي تلاه، ولم يراه أحد بعد ذلك.
(9) نجم مدهش في رقبة الحوت، اكتشفه فابريقيوس Fabricius في القرن الخامس عشر. وقد يظهر ويختفي سبع مرات خلال ست سنوات، ويستمر في لمعان وبريق عظيمين لمدة خمسة عشر يوماً معاً.

الخميس، 1 سبتمبر 2005

الحاضر والخوف من التاريخ وعليه

الحاضر والخوف من التاريخ وعليه

عبدالله الحراصي

يخشى البعض منا التطرق للتاريخ، وهو خوف له أكثر من وجه وسبب. والتاريخ هو أحداث الماضي، وبطبيعة الحال فإن هذا تعريف عام جداً لا يُخفِي قصوره، فكل الأحداث حدثت في الماضي أو أنها تحدث الآن وسرعان ما تصبح ماضياً بمرور الوهلة التي حدثت فيها، ويشمل هذا أحداث تشكل الكون، بتعدد نظرياتها وفرضياتها، وكل أحداث نشوء الأرض والحيوانات والنباتات والإنسان.

لنغض النظر عن تاريخ غير الإنسان، من طبيعة أو حيوان أو نبات، لا لأنه غير مهم في ذاته أو في دلالاته الإنسانية، بل لأن ما ذكرته أعلاه حول الخوف وعلاقته بالتاريخ يتمحور على تاريخ الإنسان، فالقليل من البشر يظهر خوفاً ورهبة من التاريخ الطبيعي. هل سمعت أن إنساناً، عادياً كان أم من الملأ السياسي أو الثقافي، يمتعض حين تحدثه عن تاريخ نشوء الصخور الرسوبية أو عن أحد أنواع الديناصورات ويسعى جاهداً لمنعك من الحديث؟ الحقيقة إنني لا أعرف الكثير ممن يمكن أن نضعهم في هذه الخانة، ولا أعتقد بكثرتهم إن وجدوا، ولكن هناك الكثيرون من بيننا نحن بني الإنسان من يخشى من ذكر أحوال البشر وأحداث ماضيهم. ومن نافل القول إننا حين نتحدث عن التاريخ الإنساني هنا فإننا لا نتحدث عن كل أحداث الإنسان الماضية، فذلك أمر غير ذي فائدة. لنضرب مثلاً: قبل ثلاثمائة عام وجد شخصٌ عمانيٌ عاش في أحد الجبال، وكان يرعى غنمه صباحاً ويأوي إلى ما ومن يأوي إليه ليلاً. هل أحداث حياة هذا الشخص تاريخ (يمكن أن يخاف منه أي إنسان)؟ لا، وإن وجد البعض ممن يخاف منه فلن يكونوا كثيرين أيضاً، وأسباب خوفهم لن تكون موضع اهتمام جدي من قبل أحد، اللهم إلا علماء الأمراض النفسية ومعالجيها.

ينبغي هنا أن نتذكر أن التاريخ يكتبه المنتصر دائماً، أما المهزوم فليس له تاريخ باستثناء هزيمته. يعمد المنتصر دائماً إلى فرض قراءة يتم تقديمها على أنها القراءة الحقيقية لما حدث في الماضي، ويوازي فرض القراءة هذا إجراءات أخرى كإخفاء وطمس أية معالم مادية أو معنوية يمكن أن تقود إلى قراءة مغايرة تهدد المنتصر وجماعة المصالح التي ستنتج عن وجوده. من هذا المنظور فإن "الخوف" يستدعي معه حرفين من حروف الجر هما "على" و"من"، فالخوف يكون "على" القراءة المهيمنة التي يطرحها الطرف المنتصر، و"من" القراءات الأخرى التي تهز شرعية انتصار المنتصر وشرعية قراءته لأحداث الماضي التي يطرحها.

قانون علاقة التاريخ بالخوف يتمثل إذاً في ثلاث كلمات "ابحث عن المصلحة": إن المصالح والخوف عليها وحثيث السعي لتعظيمها هي التي تجعل البعض يخشى التاريخ المغاير وأحداثه. هؤلاء البعض من أصحاب المصالح هذه يبررون خوفهم من هذا التاريخ بعبارات إيجابية شكلاً كالقول "لا نود أن ننكأ الجراح" أو "ليس من مصلحة الجماعة (بشتى مستوياتها) أن تُثار هذه المواضيع" أو "تلك مرحلة ومرت" وأحياناً يتم الاستعانة بنصوص ذات وقع تأثيري على المستمعين كالحديث النبوي الشريف حول الفتنة "الفتنة نائمة، لعن الله من أيقظها" (الفتنة نائمة؟! القضية إذاً ليست تاريخاً وإنما نحن إزاء أمر حاضر لا يُراد للإنسان أن يتحدث عنه أو يثير أسئلة حوله).

وإذا كانت هذه الفئة جالبة أو محافظة على مصلحة فإن هناك فئة الصامتين الذين يتبنّون القراءة المخالفة للقراءة المهيمنة للتاريخ، لكنهم يخافون من القوى المهيمنة فيلجئون للصمت على قاعدة "ابعد عن الشر وغني له"، ولا خوف بالنسبة للقوى المهيمنة من هذه الفئة الصامتة ما دامت لم تتحرك فعلياً لإعلان قراءتها الأخرى للماضي، لأن إعلان القراءة المغايرة هذا هو أمر من أمور الحاضر وليس من شأن التاريخ كما سنرى بعد أسطر.

إن صراعات الماضي صراعات بين جماعات تبين لها في لحظة من لحظات الماضي أن مصالحها لا يمكن أن تستمر دون حالة الصراع تلك، وأن حالة الصراع لا راد لها حتى تعود الأمور إلى نصابها أو إلى نصاب جديد رأت جماعة من هذه الجماعات المتصارعة أنه لا بد من إحلاله فقامت بالصراع. ولكن ما شأن هذا بالحاضر؟ له شأن كبير، بل أن القضية برمتها صراع حول الحاضر (الفتنة "النائمة"، وليست "الميتة") ليس له علاقة مباشرة بأحداث الماضي التي مضت ولن تعود. ما يحدث في هذه الحالة هو أن أصحاب المصالح، بشتى أنواعها، يرغبون في حفظ مصالحهم والذود عنها، ويرون أن التطرق للماضي أو لبعض أوجهه سيؤثر بالسلب على مصالحهم الحالية ولهذا فإنهم يبادرون إلى درء هذا الشر بقطع دابره ورفضه التام. أصحاب استمرار قراءة المنتصر للتاريخ هم إذاً أصحاب مصالح لا يمكن المحافظة عليها إلا بتبني رؤية المنتصر في حدث وقع قبل عشرات أو مئات السنين، وقد يتبرقع رفضهم للقراءات الأخرى بـ"الموضوعية" وبغياب المشروعية التاريخية لهذه القراءات المغايرة غير أنك إن حككت جلد رفضهم هذا لوجدت رعباً من أن تُهَزّ مصالحهم التي ارتبطت بمنظومة الجماعة التي تبنت خطاب المنتصر ورؤيته الكونية.

إن الماضي قد مضى، أما الحديث عنه فهو قضية الحاضر، وقضية تقصيه هي قضية الحاضر كذلك. الداعون لتجنب التاريخ وأحداثه والخائفين من إثارته هم ممن يسعون للحفاظ على مصالحهم كما ذكرت أعلاه، أما دعاة التطرق إليه وإعادة النظر فيه فهم أحد فريقين، إما أن يكونوا من سدنة العلم "الموضوعيين" المنبتين عن المصالح المباشرة باستثناء ولاءهم لما يعتقدون أنه حقيقة تاريخية يرغبون في معرفتها والذين يفنون عمرهم لمعرفة أسباب وقوع الأحداث ومحركات أشخاصها وأبطالها ومهزوميها ومآلاتهم (وهؤلاء تجدهم في الجامعات ومراكز البحوث ينكبون على الماضي يدرسونه باعتبار أن تلك الدراسة هي نشاط عقلي محض لا صلة له بمصلحة يستلجبونها أو يحافظون عليها أو بدرء مفسدة أو مهلكة تضرهم)، أو أن يكونوا من فريق آخر يتمثل في الجماعات التي ترفض القراءة المهيمنة لأحداث التاريخ، وهو في حقيقته رفض للمنتصر (ألم نقل أن التاريخ يكتبه المنتصر وأن تاريخ المهزوم هو الهزيمة؟) ولقراءته للماضي وأحداثه، وهذا الفريق هو منبع الخطر بالنسبة للقراءة المهيمنة للتاريخ وللجماعات التي تعمل على المحافظة عليها لارتباطها بمصالحها.

بمصطلحات سياسية فإن دعوة الفريق الثاني لقراءة التاريخ أو لإعادة قراءته في هذه الحالة هي خطاب تغييري يسعى إلى تغيير الحاضر بالحيلة، فبدلاً من الصراع المباشر على المصالح بأشكاله السياسية أو العنفية المعهودة تتخذ الجماعات التغييرية سبيلاً آخر هو محاولة التطرق لما قد يبدو بعيداً عن صراع المصالح هذا وهو الماضي. غير أن مجسات السلطات المهيمنة عادة ما تكون قوية في هذا الشأن فترفض طرح التاريخ للنقاش أصلاً أو أنها ترفض محاولة طرح قراءات أخرى لأحداثه وشخوصه ومآلاتهم، وهو ما يقود، إن أصرت الجماعات التغييرية على رغبتها في "نبش" التاريخ، إلى حالة صراع قد تخلق حاضراً جديداً وتاريخاً مغايراً ربما تتغير فيه وبسببه مواقع الخوف من التاريخ وعليه.

دعوة للحفاظ على لغات ظفار

دعوة للحفاظ على لغات ظفار

عبدالله الحراصي

في إحدى قمم الجبال في ظفار استضافتني قبل أشهر أسرة كريمة تعيش في خيمة متواضعة. كنت وما أزال معجباً بنمط المعيشة في تلك البيئة البِكر، غير انه كان يقودني في زيارتي الأخيرة اهتمام شخصي بأثر الحياة الحديثة في هذا المجتمع المرتحل القديم. سألت فتاة في المرحلة الأخيرة من مراحل المدرسة عن بعض المسميات الجبالية (الشحرية) لبعض النباتات وكانت في الأغلب تقول أنها لا تعرفها فتحيلني لأمها التي كانت تذكرها جميعاً. سألت نفس الفتاة، التي كانت تتباهى بإصرارها على التحدث معي باللغة الانجليزية الخالية من الأخطاء (بعد أن أخبرتها أني ادرس في قسم اللغة الانجليزية بالجامعة)، إن كانت تسمع أشرطة محاد الفهد، وهو منشد قصائد دبرارت المعروفة في ظفار، فما كان منها إلا أن هبت غاضبة وأخرجت من تحت أكوام من الجلد شريطاً لفيروز وقالت ما أنقله بالحرف "نحن خلاص تحضرنا".

هذه الحادثة هي التي أثارت في نفسي الكتابة حول خطورة الوضع اللغوي في ظفار، وهو وضع تتعرض فيه لغات ذات أهمية عريقة تشمل الجبالية (الشحرية) والمهرية والحرسوسية والبطحرية وغيرها، لخطر الأنقراض (أو حالة "موت اللغة" كما يسميه فقهاء اللغة). سأتحدث في البداية عن أوجه أهمية هذه اللغات ثم أعرج على ذكر بعض المقترحات التي يمكن من خلالها أن نحافظ ما أمكن على هذه اللغات وثقافاتها.

تتميز لغات ظفار بأهمية تاريخية لا تخفى عند فقهاء اللغة، فهذه اللغات هي لغات قديمة، بمعنى أنها لم تتعرض لتغيير أساسي في تراكيبها النحوية ولا في ألفاظها منذ قديم الزمان، وسبب هذا الثبات هو أن متحدثي هذه اللغات يعيشون في بيئات يصعب فيها التواصل مع العالم الخارجي، كالجبال في حالة اللغتين الجبالية (الشحرية) والمهرية، والصحراء في حالة الحرسوسية على سبيل المثال. وتشكل هذه اللغات كنزاً لا يقدر بثمن لدى دارسي اللغات لأنها حفظت كذلك الثقافات القديمة، فمفردات هذه اللغات هي سجل أمين لكثير من الظواهر الثقافية التي كانت تسود في الثقافات العربية القديمة، ولم تعد توجد حالياً بعد انتشار الاسلام ومعه اللغة العربية التي نعرفها. ويمكن التدليل على ذلك بعودة كثير من الآثاريين وعلماء الاناسة الى هذه اللغات لفهم تاريخ المنطقة أو لفهم بعض النقوش التي عثر عليها في المنطقة. كما يستدل من هذه اللغات على الوشائج التي تربط بين اللغات السامية ومن بينها لغات نائية في التاريخ عن منطقة عمان والجنوب العربي مثل لغات العراق القديم على سبيل المثال، بل ولغات نائية جغرافياً مثل لغات البربر في شمال أفريقيا.

كما تتميز هذه اللغات بأهمية ثقافية عظيمة، فهذه اللغات هي كنز لم يكتشفه الباحثون حتى الآن فيما يتعلق بدراسة الظواهر الثقافية والحضارية. لنأخذ الأدب على سبيل المثال: فقد أنتج متحدثو لغات ظفار ابداعات أدبية أثرتها الخبرة التاريخية التي لم تنفتح على الثقافات الأخرى، حيث تتميز هذه اللغات بقصائد وقصص وأمثال شعبية بديعة، بل وتوجد فيها كذلك أنماط فنية أدبية لا توجد في لغات أخرى، ويمكن التدليل هنا على فنون شعبية تلقى بهذه اللغات مثل الدبرارت والنانا على سبيل المثال. كما أن هذه الأهمية الثقافية ترتبط كذلك بالثقافة العمانية (والعربية) المعاصرة التي لا يمكنها أن تقضي على عناصر اغترابها سوى بالتقرب من الذات من خلال إدخال عناصر من آداب وفنون هذه اللغات المحلية.

ما الخطر الحالي؟ يكمن الخطر تحديداً في التخلي التدريجي للأجيال الجديدة عن هذه اللغات، وهو تخلٍ يتبعه تلقائياً فقدان نهائي لكل الأوجه اللغوية والحضارية التي تحملها. وما يثبت واقعية هذه الخطورة أن هناك لغات كانت موجودة في ظفار قد اختفت فعلاً مثل لغة الهوبيوت التي لم يعد يتحدث بها أحد الآن، وكذلك الأمر بالنسبة للغة الحكليوت (يرى البعض أنهما لغتان متقاربتان، غير أن هذا ليس محور حديثنا هنا). ان الموت شبه التام لهاتين اللغتين هو مبعث حزن من الناحية العلمية ومن الناحية الحضارية، فقد فقد علماء اللغة وغيرها من الحقول ميداناً للدراسة له أهمية جوهرية في فهم المجتمع العماني في ظفار وتاريخه، كما فقدنا بفقدان هذه اللغات آداباً وفنوناً وأوجه حضارة عريقة عميقة الجذور والتجربة والتاريخ.

يكمن الخطر إذا في أن اللغة العربية (بل واللغة الانجليزية كذلك) تتقدم على حساب اللغات المحلية، وهو ما يستوجب من النخبة الفكرية في عمان، ومن العلماء المهتمين بهذا الشأن عموماً، ومن الدولة العمانية التدخل السريع للقيام بما يجب من إجراءات لإيقاف هذه الخسارة الوطنية والعلمية والحضارية، وسأقدم فيما يلي بعض المقترحات المبدئية الواجبة لحماية هذا التراث العماني والعربي والإنساني الذي يتعرض للخطر الداهم.

ينبغي أولاً تعزيز الاهتمام العلمي بهذه اللغات وثقافاتها. فيمكن أن تقوم الدولة بحفظ هذا التراث عبر إجراءات مثل إنشاء مركز لدراسات اللغات والثقافات في ظفار والمنطقة الوسطى يقوم على الحفاظ على هذه اللغات من خلال تسجيلها وتحليلها بالمناهج العلمية المتبعة في حالات اللغات المعرضة للخطر. كما يمكن للدولة من خلال المؤسسات العلمية والثقافية في عمان (مثل جامعة السلطان قابوس ووزارة التراث والثقافة) أن تقوم بندوات ومؤتمرات لدراسة مختلف أوجه هذه اللغات والثقافات المرتبطة بها. يمكن للعلماء بطبيعة الحال أن يقوموا ببعض الإجراءات الأساسية لحفظ هذه اللغات مثل تطوير نظام كتابة لها، فهذه اللغات لم تزل لغات شفهية منطوقة غير مكتوبة (بالرغم من وجود بعض النقوش القديمة التي لم يتم فك أسرارها حتى الآن في بعض جبال ظفار) إضافة الى تسجيل ألفاظها معجمياً، ويمكن أن تقوم مؤسسات التعليم العالي بتقديم بعض المقررات الدراسية لتدريس هذه اللغات وثقافاتها. إن مؤسسات التعليم العالي في عمان تدرس الانجليزية والفرنسية ولغات اوربية أخرى، وتنسى أن لدينا لغات على شفى الموت دون أن تقوم بأدنى جهد منظم لدراستها وتدريسها (على الرغم من وجود بعض الجهود الفردية المهمة ككتاب الدكتور محمد المعشني المعنون بـ "لسان ظفار الحميري المعاصر").

أما ثقافياً فلا يمكننا أن نفتخر بترجمتنا من الغرب (أو أن نحزن لضعف هذه الترجمة كمياً ونوعياً) دون أن نلتف إلى ترجمة أنفسنا لأنفسِنا. أعني أنه ينبغي أن ندخل في منظومة الثقافة العمانية فنون الحياة والأدب في ظفار والمنطقة الوسطى. وهنا فإنني أود الإشارة إلى أمر مهم، وهو أن هذا الإهتمام لا ينبغي أن يكون فلكورياً تقليدياً، أي أن نستخدم بعض ألحان النانا في مهرجاتنا الموسيقية مثلاً، بل بالقيام بحركة تعريف بهذه الثقافات وآدابها لكي تكون رافداً أساسياً في الثقافة العمانية العامة. ينبغي على سبيل المثال أن نقوم بأنشطة عاجلة تتضمن ترجمة لنصوص شفهية من هذه اللغات.

لا نرغب هنا في تكرار الحديث (الممجوج والدعائي في الأغلب) عن هجمة العولمة والغزو الثقافي، وإنما ننطلق من رؤى واقعية بسيطة. اننا نُدرِّس اللغة الانجليزية في كل مراحل التدريس، وهو بطبيعة الحال أمر لازم في عالم متداخل يقوم عموده الفقري اللغوي على اللغة الانجليزية، غير أن من الواجب بالتوازي مع ذلك القيام بتخطيط لغوي حكيم للمجتمع العماني، يأخذ بعين الإعتبار ضرورات الواقع المعاصر وكذلك المخاطر التي تواجه لغات مجتمعاتنا المحلية، وهي مخاطر ستؤدي إلى موت هذه اللغات إن لم نحسن إدارة هذا التخطيط اللغوي ولا نترك هذا الأمر خبط عشواء لا يقود إلا إلى خسارتنا لثروة قومية حضارية لا يمكن تعويضها بعد فوات الأوان.