
الأربعاء، 24 سبتمبر 2003
الأربعاء، 17 سبتمبر 2003
الأربعاء، 6 أغسطس 2003
رحيل رجل "ينظر بنور الله"
رحيل رجل "ينظر بنور الله"
عبدالله الحراصي
غيب الموت علماً كبيرا من أعلام الثقافة والأدب العربي هو الناقد احسان عباس، وكلمة "ناقد" حينما تطلق على احسان عباس انما تستخدم استخداما مجازياً فقد كان الرجل موسوعة شملت كل صنوف المعرفة، وكان فريق عمل انتج بنفسه ما تعجز مؤسسات ثقافية عربية مجتمعة عن انجاز النزر اليسير منه. كان هذا الرجل العظيم "ينظر بنور الله" كما وصفه المستشرق مانفريد اولمان، فما ان يُذكَر فرع من فروع الأدب او الثقافة على وجه العموم الا كان لهذا الرجل فيه انتاج أصيل يدل على عبقرية في الرؤية وعلى جهد عظيم صبور.
ولد إحسان عباس في قرية عين غزال في فلسطين عام 1920، ودرس في كل من حيفا وعكا ثم انتقل الى القدس ليدرس في الكلية العربية بين عامي 1937- 1941 ثم اتجه الى القاهرة ليتم دراسته الجامعية في جامعة القاهرة عام 1946 ثم الماجستير عام 1952 والدكتوراة عام 1954، ودَرَّسَ في جامعات السودان والاردن ولبنان وغيرها.
ربما لا يعرف الكثيرون ان احسان عباس بدأ شاعراً فقد كتب الشعر وهو في الخامسة عشرة غير انه تركه لا لإخفاق ولكن لسبب آخر حيث يقول "لم أتوجه الى النقد والترجمة والتحقيق بسبب اخفاقي في الشعر، ولا اعتقد انني اخفقت شعريا. لقد كتبت قصائد كانت في حينها ذات قيمة كبيرة ومتميزة، لكنني قتلت الموهبة. رأيت انني لن اخدم قضيتي وقضايا امتي بالشعر". هذه الرؤية قادت احسان عباس الى فنون اخرى من بين اهمها النقد والتحقيق والترجمة. فقد عرف عن احسان عباس موقفه النقدي المدافع عن القصيدة العربية الجديدة فأصدر عام 1955 كتابه "عبدالوهاب البياتي والشعر العراقي الحديث"، ثم أصدر عام 1969 كتاباً آخر حمل عنوان "بدر شاكر السياب"، وكانت كتابه "اتجاهات الشعر العربي المعاصر" الذي أصدرته عام 1978 سلسلة عالم المعرفة في الكويت تتويجا لرؤيته حول كنه القصيدة الحديثة والتطور الذي شهدته القصيدة العربية على وجه العموم في القرن العشرين حيث درس فيه تناول الشعر الحديث لظواهر مهمة كالزمن والتراث والحب وغيرها.
وإضافة الى ما قدمه احسان عباس في ميدان النقد فإنه وهب جانبا كبيرا من جهده لتحقيق الكتب التراثية العربية، حيث حقق أكثر من خمسين كتابا تراثيا، منها على سبيل المثال كتاب "خريدة القصر وجريدة العصر" (قسم مصر) للعماد الأصفهاني (مع احمد امين وشوقي ضيف)، وكتاب "فضل المقال في شرح كتاب الأمثال" لأبي عبيد البكري (مع عبدالمجيد عابدين)، وكتاب "وفيات الأعيان" لإبن خلكان. كما حقق عددا من الدواوين الشعرية مثل ديوان ابن حمديس الصقلي وديوان الرصافي البلنسي وديوان القتال الكلابي وديوان لبيدة بن ربيعة العامري وشعر الخوارج. والتحقيق عند احسان عباس لا يهدف الى مجرد اخراج الكتب التراثية وتوضيح مجاهلها بل انه يقوم بدور حضاري مهم يرتبط بمبدأ "المعرفة قبل الحكم"، اي اننا لا يمكننا ان نحكم على اي فترة من فترات تاريخنا الا بدراسة وفهم ما دونه كتاب تلك الفترة، ويقول في حوار مع مجلة "نزوى" حول هذا الموضوع "درست ما أسداه العرب في النقد الأدبي من خلال الرؤية العصرية، فوجدت أنهم قاموا بدور كبير جدا لا يقل عن دور اية أمة أخرى، ولولا هذه الرؤية للتراث ظل النظر إلى دورهم في الفكر النقدي إما اتهامات جائرة أو تفريطات مرتجلة، كل دراسة - في رأيي- لا بد أن تكون كشفا جديدا، وما دام الأمر كذلك، فلا كشف يتحقق على أصول علمية دون إحياء التراث، عند من يؤمنون بجدوى تلك الدراسات، أما رفض التراث - انقيادا لنزوة قلقة أو نزعة منحرفة - فانه لا يخطر ببالي، ولا أستطيع تصوره لأنه ينم عن تنكر للانسان وجهوده على هذه الأرض". هذه الرؤية للدور الحاسم للتحقيق في فهم تاريخ الحضارة العربية هي نفسها التي كانت وراء أعماله الأندلسية، فإحسان عباس عالم ضليع بتاريخ الأندلس وآدابها، حيث كتب عنها مؤلفا يتكون من جزئين هو "تاريخ الأدب الأندلسي" وهو كتاب يعد من أهم الكتب المرجعية في هذا الموضوع.
وتتجلى موسوعية احسان عباس كذلك في ترجماته، حيث نقل الى العربية "فن الشعر" لأرسطو، وكتاب ستانلي هايمن "النقد الادبي ومدارسه الحديثة"، وكتاب "يقظة العرب" لجورج انطونيوس، وكتاب "دراسات في الأدب العربي" لفون جرنباوم، و"دراسات في حضارة الاسلام" لهاملتون جب، الا ان ترجمته لرواية هرمان ملفل "موبي ديك" تظل الدرة النفيسة بين منجزات احسان عباس فحسب، بل انها درة من درر الترجمة التي انجزها العرب على الاطلاق طوال تاريخهم. ويشرح احسان عباس رؤيته للترجمة فيفرق بين ترجماته النقدية وترجماته الأدبية، فالترجمات النقدية كان هدفها تعريف القاريء العربي بشتى المذاهب النقدية دون ان يكون لعباس اي حضور يدعم به منهجا نقديا معينا وأن مال الى هذه المدرسة النقدية او تلك في بعض الأحيان. أما فيما يتعلق بالترجمة الأدبية فهو مع الالتزام بالنص الأصلي ولكن هذا الالتزام ينبغي ان يوازيه ابداع في صياغة لغة النص المترجم بتعدد مستوياتها، إضافة الى ضرورة الابداع في انتاج مصطلحات ربما لا تعرفها الثقافة التي يترجم اليها النص، وهو ما قام به احسان عباس حينما ترجم رواية "موبي ديك" الى العربية حيث وجد اللغة العربية فقيرة في ميدان صيد الحيتان فما كان منه الا أبدع بنحت كثير من الكلمات التي لم تعرفها العربية من قبل.
أنهي هذا المقال بمقطع من ترجمة احسان عباس لـ"موبي ديك" عن الموت نفسه: "طوبى لمن لم يسمع في الحق لومة لائم وانما يقتل الآثام ويحرقها ويهدمها، وإن كان يستلها من تحت ثياب القضاة والحكام -. طوبى – شاهقة نبيلة – لمن لا يقر بشرع سوى شريعة الله وبرب سوى ربه ومن أخذته الحمية للسماء وحدها -. طوبى لمن اذا احتشدت كل امواج بحار الرعاع الهائجة المائجة لم تزحزحه عن قاعدة سفينة الأجيال -. طوبى خالدة لذيذة لمن يقول حين يضجعونه في لحده: رباه – انت يا من عرفتك بصولجان سطوتك – ها هنا أرقد، خالداً كتب لي ان أكون أو فانياً. لقد سعيت لأكون من حزبك لا لأكون من حزب الدنيا أو من حزب نفسي. غير ان هذا ليس أمراً ذا بال فإني لا حق لي بالخلود، إذ الخلود لوجهك، وما هو الانسان حتى يطلب البقاء، والبقاء صفة خالصة لربه".
الثلاثاء، 17 يونيو 2003
عن ما بعد الحداثة
عن ما بعد الحداثة
عبدالله الحراصي
سأبتديء هذا المقال بحديث عن صديق لي نهم القراءة لكنه انتقائي، وانتقاءه هذا قاده الى قراءة ما انتجه الفكر المعاصر وخصوصا في وجهه ما بعد الحداثي. رأيت هذا الصديق منذ اسبوع، وكان مكتئبا يائسا سائرا في طريق الحياة على غير هدى، يميل الى هذه الفكرة تارة، ثم يتساءل ويميل الى الاخرى، ثم يرفض هذه وتلك، وهكذا. وهذا المآل الذي انتهى اليه نتاج لأفكار توغلت في أعماق أعماقه حتى وصلت الى نخاع ما كان يتقبله من رؤى حول الذات والمجتمع والكون وسواها من بُنَى. وصل هذا الصديق الى حالة وصل اليها الكثيرون في كثير من بقاع البسيطة، وهي حالة فقدان الأمل والمعنى في الكون بأكمله، بما يصاحبه من كآبة لا تحتمل، حيث قضت ما بعد الحداثة، في ثورتها على الحداثة، على كل ما يمكن للإنسان ان يتمسك به من "الحقائق".
طرحت الحداثة التي سادت منذ القرن السابع عشر في اوروبا أفكارا غيَّرت مجرى التاريخ في شتى أوجهه، والفكرة المحورية في الحداثة هي ان الانسان يستطيع من خلال العقل والعلم ان يسيطر على الطبيعة بما يعزز التقدم الانساني. وقد نشرت الحداثة أحلاما عظاما منها ان كل المشاكل التي يعاني منها الانسان الى زوال، لكن هذه الحداثة اصطدمت بوقائع نتجت عن بعض أفكارها وتطبيقاتها فارتدت طائفة من المفكرين عن الحداثة وبدأت تثير بعض الشكوك حول "جوهر" الحداثة وآثاره المدمرة، الا ان ما بعد الحداثة، وإن لاقت نجاحات كبيرة في مسعاها التشكيكي، فشلت فشلا ذريعا في ان تقدم للإنسان الحائر الذي فقد الفهم والامل، بعد ان كسرت ما بعد الحداثة كل مجاديفهما، أي شيء آخر، فخلفته هكذا في حالة يأس كبير.
سارت حركة الحداثة مع أفكار التنوير في الغرب، تلك الافكار التي حملت معها الى الشعوب الغربية الخارجة من قرون مظلمة أحلاما بأن العلم والتكنولوجيا سيجلبا السعادة للإنسان من خلال استغلال قدرات الانسان العقلية بإخضاع الطبيعة للإنسان. وكما لاحظ الكثيرون فإن فلسفة التنوير وإن ثارت على الثقافة الكنسية التي حاصرت العقل وقمعته الا انها حملت في ثناياها بعض اصداء المسيحية والرؤى الدينية عموما، كالفصل بين الانسان والطبيعة، وبين العقل والجسد وما يتبعه من تفضيل للإنسان وللعقل على الطبيعة والجسد، وتمثل هذا في ايمان الحداثة بالوضع المركزي للإنسان في الكون.
وقد وصل فلاسفة الحداثة حداً جعل من التفكير في حد ذاته الدليل على الوجود كما هو عند ديكارت ("أنا أفكر إذا أنا موجود")، وهي عقلانية تفترض ان العقل البشري له طبيعة منفصلة عن الكون نفسه، أي طبيعة متعالية تستطيع وضع الكون تحت مجهر العقل فتفهمه، كما افترضت هذه العقلانية ان الكون، وإن بدت فيه معالم اضطراب، الا انه منظم في العمق، وهذا النظام لا يمكن الوصول اليه الا بأن يعمل الانسان عقله في الوصول الى حقائق الكون بتجاوز الحواس وكل ما يمكن ان يقف بين عقل الانسان والكون.
وقد حققت الحداثة منجزات عملاقة وخصوصا في ميدان العلم والتكنولوجيا، فقد تطور العلم تطورا عظيما استطاع من خلاله استكشاف مجاهل ما كانت معروفة في جسم الانسان ذاته وفي الارض والأفلاك، وانعكس هذا في تجليات تكنولوجية كالادوية التي استطاع العلم من خلالها علاج كثير من الامراض التي كانت مستعصية، كما طور الانسان الآت استطاعت تسهيل كثيرا من مصاعب الحياة، كالهاتف ووسائل النقل وغيرها.
الا ان الانسان هو الانسان، فبعد كل هذه النجاحات الباهرة حين خلد الانسان الى نفسه وجد ان ما اعطته الحداثة بسخاء بيدها اليمني، سرقته منه بيدها اليسرى، فالعالم أصبح في أوج نجاح الحداثة أكثر خطراً، وتمنى الناس ان يعودوا الى "طبيعتهم" قبل الحداثية. تمثل هذا في الاضطرابات الاجتماعية التي شهدتها كثير من المجتمعات، اضافة الى ما جلبته الرأسمالية من استغلال الانسان لأخيه الانسان، حيث يشقى الأفقر والأضعف ليرتاح، في برج منعزل عن المجتمع، الأغنى والاقوى، كما أتت الحربان العالميتان (وخصوصا الحرب العالمية الثانية) وإلقاء القنبلتين النوويتين على اليابان لتمثلا صدمة لحلم الانسان الغربي في عالم جميل يخلو من المشاكل. في مثل هذه الاوضاع اكتشف الانسان ان الحلم لم يكن أملا بل كان مجرد وهم واسطورة، وان رؤوس البشر المليئة بالمعرفة ليست الا رؤوسا جوفاء مملوءة بالقش، وان العالم ليس الا صخر لا ماء فيه كما يقول إليوت. بعد الحرب الثانية أتت الحرب الباردة بين العالم الغربي (الذي فضل ان يسمي نفسه بـ"العالم الحر") والمعسكر الشرقي، وكان الرعب من وصول الامور الى نقطة اللاعودة بمجرد ضغط الزر النووي هو الشعور السائد بين الناس. كل هذه الامور، اضافة الى تأثيرات أحداث أصغر مجالا كحرب فيتنام مثلا، أدت الى بداية امتعاض من "حقيقة" الحداثة، فبدأت الاسئلة.
تلك الاسئلة التي بدأت وجودية حول الانسان وآلامه في العصر الحديث ما لبثت ان تحولت الى تيار فكري قوي سمي بتيار ما بعد الحداثة. الخطوط الرئيسة في تيار ما بعد الحداثة ترى ان الايمان بأن بمقدور عقل الانسان الوصول الى حقائق الكون ليس الا وهما، ذلك ان ما يعتقد انه "حقيقة" ليس الا نتاجا لأفكار ومعتقدات مجتمع من المجتمعات والمؤثرات التي تركت بصمة في تطوره. كما جلبت ما بعد الحداثة اليأس الى الناس، حيث شككت في حلم الحداثة الذي رأت فيه نتاجاً لأفكار بعض المفكرين ومصالح أصحاب المصالح، وخصوصاً الرأسمالية العالمية. أما أخطر السهام التي وجهتها ما بعد الحداثة الى امها الحداثة فهي الضربة القاصمة التي لحقت بفكرة "التقدم" التي كانت محور الفكر الحداثي، فما بعد الحداثة شككت الى حد كبير في فكرة "التقدم" ورأت فيه فكرة غربية صرفة، كما رأت ان العالم ينقسم الى مجتمعات مختلفة غاية الاختلاف فيما بينها، ولا يوجد ما يبرر مركزية الغرب وطرق حياته فيها، كما شككت كذلك في بعض الظواهر التي كان كثير من الناس يعتقدون انها تحمل صدقا حقيقيا في ذاتها كالأخلاق التي غدت مجرد نتاج تفاعلات اجتماعية ومفهومية، وهذا ما يفسر اختلاف الاخلاق من مجتمع الى آخر. بعبارة بسيطة شككت ما بعد الحداثة في قدرة الانسان على اكتشاف المعنى في الحياة، وفي وجود المعنى ذاته.
الا ان ما بعد الحداثة، وإن قضت تقريبا على كثير من الدرر (المزيفة) التي كانت ترصع تاج الحداثة، الا انه يؤخذ عليها انها تضع الانسان في حالة قلق دائم، فلا يقين ولا أمل، وإن ظهر ما يمكن للفرد ان يعده أملا ظهرت تساؤلات تقضي عليه بتساؤلات مثل "هل هذا هو ما أريد؟" "هل هو أمل حقا؟" "ترى كيف سينظر شخص آخر من ثقافة اخرى الى الامر لو كان في موقعي؟"، وهكذا اسئلة تتناسل بلا إجابة من نوع.
ما أصاب صديقي القادم من قرية عمانية وديعة مثال على مدى تأثير أفكار ما بعد الحداثة على الفرد البسيط القابع في بقعة نائية عن تصادمات الفكر الكبرى، كما شهده الفكر العالمي (الغربي خصوصا)، هذا الفرد الذي أخذ ينزع الألفة عن أمور كانت هي الذات واللب في نفسه، وأخذ يسأل نفسه عن نفسه وعن هوية ذاته وعن مستقبله وعن المعنى واللا معنى، أسئلة تلد الألم والضياع وتفتقد، بطبيعتها، الجواب.
الخميس، 17 أبريل 2003
نحو تعظيم الايجابيات
نحو تعظيم الايجابيات
عبدالله الحراصي
ما الذي كان سيكتبه قسطنطين زريق لو كان حيا هذه الايام؟ قسطنطين زريق كاتب عاش عروبته دما يجري في شرايينه وشعورا يلتهب في كل حرف من حروفه، عايش نكبة 1948 من ألفها الملتبسة بالمخاوف والشكوك الى يائها المنهزمة الحزينة، وكتب الكثير عن تلك الفترة الحاسمة من تاريخ العرب، أهمها كتابه "معنى النكبة" الذي صدر في طبعته الاولى في بيروت عام 1984. كان كتابه هذا محاولة منه لتصفية تفكيره في أزمة خانقة "يترتب فيها على كل فرد من أفراد الأمة قسطه من الواجب ونصيبه من التبعة" كما يقول في مقدمته.
لاحظ زريق الانتكاس المعنوي والروحي الذي أصاب العرب في مقتل في عام النكبة، فسعى الى تحليله سائلا عن كنه الداء وطبيعة الدواء، ورأى ان من الواجب، اضافة الى الاقرار بقوة العدو الهائلة، أن نقر بأخطائنا ونتبين مصادر الضعف في كياننا، وان نعرف مدى مسؤوليتنا في هذه الكارثة التي أصابتنا، ويضيف "وإذا كان التهرب من الواقع، وإلقاء العبء على الغير، شرا خطرا في الأيام العادية، فهو في إيام المحن والشدائد أصل العلة ومصدر الفساد. وليس أفضل من هذه الأيام فرصة لمحاسبة النفس، ولاستكشاف مواضع الضعف والعمل على مداواتها، أو البدء بذلك على الأقل".
حلم قسطنطين زريق ان ما حل بفلسطين عام 1948 كان معركة في حرب طويلة الأمد، وان الهزيمة فيها لا تعني بحال خسارة الحرب كلها ولا تعني هزيمة لن تقوم للعرب قائمة بعدها، ولهذا رأى ان على العرب ان يتعلموا من أعدائهم "النظر البعيد والترتيب المحكم والخطة المدبرة، والسعي الحثيث سنوات، بل أجيالا، لتحقيق المطلوب وبلوغ الغاية"، وفي وصفه لحال فكر الشباب العربي آنذاك يصفه بأنه "مضطرب البال، موزع الفكر، مشتت الارادة. اجلس في أي من مجالسه شئت، تر هذا الاضطراب قائما، وتلمس البلبلة الشديدة الأليمة في تعليل الوضع الحاضر، وفي تحري سبل الخلاص".
ما أشبه الليلة بالبارحة!
والحق ان الانسان ليس في حاجة ليقرأ ما كتبه قسطنطين زريق حول نكبة فلسطين ليدرك المأساة وحالة الضياع الحضاري المهول التي يعيشها العرب هذه الايام بعد سقوط بغداد المدينة، وسقوط بغداد الانسان، وحلول حالة من العمى والفوضى لم تحركها غرائز الاجرام في حقيقة أمرها كما يقال لنا (وإلا أي غرائز إجرام لدى طفل لا يتجاوز عمره السنوات الأربع او الخمس يدفع كرسياً أخذه من دائرة حكومية او من مدرسة سيدرس فيها يوما ما؟) بل ان ما حركها هو ضياع البوصلة الحضارية التي تقود الانسان وقت الكوارث والنوازل. لسنا بحاجة لنقرأ قسطنطين زريق لنعرف ما وصل اليه الحال العربي، فعين البصيرة الفطرية تمَكِّن المرء من أن يرى الامور على حقائقها، ولكننا نقرأ قسطنطين زريق لنعرف أمرا واحدا هو انه بعد خمسة وخمسين عاما لم يبق الحال كما هو بل انه تردى في هاوية حضارية أكبر وأعمق مما كان في إيامه، ولنعرف كذلك ان سبل الخلاص التي حلم بها نأت ونأى العرب عنها، وبعد ان كان العرب يعرفون انهم في طور هزيمة فإنهم نأوا حتى عن طور الهزيمة هذا وانتقلوا الى عصر تيه حضاري مهول.
النوازل تأتي وتذهب، ويتجاوز الناس آثارها، الا ان نازلة التيه العربي تبدو نازلة مقيمة لا تود ان تزول. ولن تزول هذه النازلة الا بيد الانسان.
التيه الذي نعيشه جميعا أبرزته وأعطته زخما كارثيا عظيما يوميات الحزن العراقي التي تكتبها الصواريخ وغرائز الفوضى، وأبرزته وأعطته زخما كارثيا كذلك أحلامنا بنصر مخاتل يأتينا من أيام الفتح العربي الاولى وسقوط هذه الاحلام، وهي أحلام وآمال يكشف لنا حتى وجودها ذاته عن هول ما نحن فيه. أقول ان هذه الاحداث ما هي الا تجليات متفجرة للحالة الحضارية العربية، وما ينبغي التشديد عليه هو ان ما يحدث في ميادين السياسة والحروب ليس الا تجليات، كما ذكرت قبل اسبوع، لخطوط انحدار حضاري أخطر في تأثيراتها بعيدة المدى، وهي تجليات لقيم تجعل الانسان العربي متبلد الاحساس أمام التاريخ، فيعمى عن دوره في صنع التاريخ ويتحجر.
هذا هو مربط الفرس. المشكلة ليست في النظم السياسية، ولا في المثقفين ودورهم وصدقهم وكذبهم وحضورهم وغيابهم، ولا في المجتمع نفسه وأمراضه الاجتماعية وأعراضها. المشكلة تكمن في هيمنة قيم سلبية تفقد حساسية الانسان الفرد تجاه وضعه في التاريخ، وتفقد كذلك حساسية الامة العربية تجاه وضعها في التاريخ الحضاري الانساني.
ما الحل؟ السؤال عن طبيعة الحل والمخرج يستلزم تحديد المشكلة، وهنا مربط فرس آخر. فتبسيط الحالات الحضارية التي هي نتاج قيم انهيار تمنع الانسان والامة من حضورهما التاريخي بربطها بسياسي عابر او حالة سياسية عابرة في مقاييس التاريخ أو بأدوار مثقفين ومفكرين او وسائل إعلام زاعقة تبسيط هو ذاته جزء من أوضاع الانهيار. مثل هذه التحليلات التبسيطية تنطلق في أحيان كثيرة من سيادة الثأر الذي يتجلى في إلقاء اللوم، كل اللوم، على طرف واحد، وهو إلقاء يكشف حينما يتم تحليله تحليلا حصيفا عن حالات خلاف انسانية من تدافعات الحياة اليومية الضيقة الأفق، وتخلو في الحقيقة من أي رؤية ذات شأن تضع الاحداث في خط التاريخ الطولي.
ينبغي هنا الاشارة هنا الى ان حقائق التاريخ وحركته لا ترتبط بصدق أحاسيس الانسان ومشاعره، كالشعور الرهيب بالحزن تجاه رؤية طفل مقطوف اليدين، او بالهزيمة المرة بما يشبه العار تجاه رؤية العراق يتداعى ورؤية بغداد بالحال الذي كانت عليه يوم الاربعاء الفائت، ذلك الحال الذي تكثر عليه تسمية حال السقوط. هذا الشعور لا ريب في صدقه وعنفوانه، الا ان رد الفعل هذا لا ينبغي ان يعمي المرء عن الأسباب الأعمق لمآل الحال العربي.
لا ريب ان الكثير من المفكرين العرب شعروا بالخلل وأدركوا الاتجاه الذي تشير اليه بوصلة التاريخ العربي وحللوا أسباب الانهيار الحضاري الذي يعيشه المجتمع العربي، واقترحوا، كل من منظوره، ما رأوه حلولا بعيدة المدى لتجاوز حالة الانهيار هذه، الا انه في وقت مثل هذا يسأل المرء عادة عن الحلول القصيرة المدى، اي ان ما يريده هو حلا خيميائيا، تستحيل به حالة التيه الحضاري العربي الى حالة فضلى يسود فيها وضع الانتاج والعلم وكل مظهر من مظاهر مثالية التاريخ، الا ان التاريخ يبرز لنا ان الطفرات لا تحدث دفعة واحدة، وانما ينبغي ان يقدم لها بمقدمات تتمثل في شكل قيم تحكم سلوك الناس، وتشمل سلوك كل انسان، فحياة المجتمعات وحدة واحدة، ولا يبرز في الميادين السياسية الا تجليات لا يمكن فصلها عن سلوك الانسان الفرد.
ليس هناك مشروع اصلاح قيمي عربي شامل الان، ولكن المخرج من الوضع الحالي يكمن في جانب كبير منه في تعظيم الايجابيات، اي ان نكثر من الظواهر الايجابية ونقلل من السلبيات. ولا ينبغي للعرب في المرحلة الحالية الدخول في سفسطة مفرغة حول كنه ما هو ايجابي وما هو سلبي وحول التباس التخوم الفاصلة بينهما، فرغم صحة هذا نظريا، الا انه في ميدان الواقع يمكن تمييز خيط الحضارة الابيض من خيط الانهيار الاسود، والاعمى فقط هو الذي لا يستطيع رؤية الانهيار الحضاري الذي يمكن اقتفاء آثاره في كل مظاهر الحياة العربية، الفردية والجماعية.
تتعظم الايجابيات حينما تحل قيم انتاج تحكم كل السلوك الانساني كما تتجلى مثلا في إستغلال الوقت وقدرات العقل وإمكانياته والتسامح بين خطوط الفكر والحياة المختلفة وتعايشها، وعدم تسييس ظواهر الحياة وردها فقط الى تدافعات السياسة الفجة. التغيير الشامل للحياة العربية يحتاج الى رؤى شاملة، لكنها ليست بالضرورة رؤى سياسية مباشرة، فقد جرب العرب ما بدا يوما انه تغيير سيقلب موازين حياة العرب المنهارة رأسا على عقب، الا انه تبين ان الامر لا يعدو كونه امعانا في حالة الخراب الحضاري.
أخيرا أعود اليوم لأشدد على أمر ذكرته الاسبوع الماضي، وهو ضرورة التصالح الاجتماعي والسياسي في المجتمع العربي، وضرورة التفاف المجتمع العربي على ذاته بحوار بين عقلائه، وهو حوار ينبغي ان يتجاوز التفاصيل والاحداث، وينبغي ان يتجاوز الثأر والبحث عن من يتحمل الأخطاء، الى مناقشة اتجاهات التاريخ وصنع المستقبل. مثل هذا التصالح والحوار هو احد تجليات تعظيم الايجابيات الذي ينبغي ان يسود. فلنجرب تعظيم الايجابيات.
(نشر هذا المقال في ملحق شرفات ص 10، الأربعاء 16 ابريل 2003)
