|
هذه الورقة جزء من دراسة عن الدولة العمانية وقد قدمت باللغة الانجليزية في المؤتمر الدولي الألماني حول عمان في بون، يونيو1998. هذه الدراسة محاولة لتطبيق نظرية ابن خلدون حول نشوء الدول وانهيارها على الدولة اليعربية التي ظهرت في عمان وامتدت لتصبح امبراطورية واسعة مزدهرة اقتصاديا لفترة تربو على القرن (بين عام 1624 - 1744) . وتجادل هذه الدراسة أن الدولة اليعربية هي مثل كثير من الدول التي وصفها ابن خلدون في كتابه المقدمة ، ولابد في البداية من استعراض ملامح هذه النظرية واطروحاتها التي وصفها ابن خلدون في كتابه الشهير المعروف بمقدمة ابن خلدون ، كذلك الدراسات التي تناولت هذه النظرية بالتحليل مثل دراسة لاكوست (1966) ومحمد عابد الجابري (1992) وحسب هنداوي (1996) . الخلفية النظرية تعتبر الدولة من أهم القضايا التي تعرضت للنقاش من قبل الباحثين في العديد من الحضارات والأزمنة التاريخية ، وعلى الرغم من أن الدارسين الغربيين من أمثال هيجل وماركس وفيبر، وحديثا مان وسكوكبول وهاليوس، قد قدموا اسهامات عميقة في هذا الموضوع ، إلا أن العالم العربي ابن خلدون هو بحق رائد دراسة الدولة . ففي كتابه المعروف بمقدمة ابن خلدون دراسة يتناول فيها من بين أمور أخرى الدوافع والأسباب التي تقف وراء قيام الدول وأقولها، ويؤكد ابن خلدون على ارتباط نظريته بسكان المناطق الجافة كالعرب والبربر والترك والتركمان والصقالبة (ابن خلدون 1996، 115). غير أن ابن خلدون يركز على أن العصبية لا تتواجد في أغلب العالم الاسلامي، ويرى انه اذا استقرت الدولة وتمهدت فإنه قد تستغني عن العصبية (مص 142). ويرى ابن خلدون في الدولة ضرورة اجتماعية ذلك لاحتياج الناس الى الوازع الذي يكبح ميل الانسان الطبيعي الى العنف (مص 114) والفكرة المحورية عند صاحب المقدمة هي "العصبية" وهي ما فسرها البعض على انها الشعور الجماعي ، غير أن ثمة تعريفات أكثر عمقا كتعريف لاكو ست الذي يرى أن العصبية "هي حقيقة اجتماعية _ سياسية غاية في التعقيد، ذات أبعاد نفسانية مهمة " (لاكوست 1984، 103). ومن التعريفات الأخرى تعريف الجابري الذي يرى بأنها "رابطة اجتماعية _ سيكولوجية شعورية ولا شعورية تربط بين افراد جماعة ما قائمة على القرابة المادية أو المعنوية ربطا مستمرا يبرز ويشتد عندما يكون هناك خطر يهدد أولئك الأفراد كأفراد أو كجماعة " (الجابري 1992، 297). ان نظرية ابن خلدون ترى أن الغاية التي تجري اليها العصبية هي الملك ، وهو ما لا يتحقق الا ان 0 بالالتحام بين أفراد مجموعة تشترك في نفس العصبية (ابن خلدون 1996، 131). وهناك مفهوم آخر في نظرية ابن خلدون هو مفهوم العمران ، وهو ضد الخلاء ويعني به ابن خلدون الاجتماع البشري الذي يتم من التساكن والتنازل في قطر أو مكان ما ومن العمران ما هو حضري وما هو بدوي (الجابري 1992، 299). ويستخدم ابن خلدون لفظ العمران في مواضع عدة في المقدمة ، ويهبه معنى متنوعا شاسعا يغطي كل شيء من مفهوم العالم المسكون الجغرافي الى مفهوم الاجتماع ، وهنا يفرق ابن خلدون ثانية بين شكلين من أشكال العمران ، وهما العمران البدوي والعمران الحضري. ويشير الأول الى حياة سكان الريف ، والبدو على وجه الخصوص ، أما العمران الحضري فيشير الى سكان المدن سواء أعاشوا في مدن كبيرة أو في قرى صغيرة (لاكوست 1984، 93). وحسب هذه النظرية فإن قيام الدول يتم خلال فترة التحول من حالة العمران البدوي الى حالة العمران الحضري (هنداوي 1996، 87). ويضيف ابن خلدون بأن "كل دولة لها حصة من الممالك والأوطان " (ابن خلدون 1996، 150)، وان للدول "أعمارا طبيعية كما للاشخاص " يقدره ابن خلدون بمائة وعشرين عاما (مص 159). ويضيف بأن "الدولة تنتقل في أطوار مختلفة وحالات متعددة ، هي على وجه العموم لا تتجاوز خمس مراحل (مص 163)، لكل مرحلة منها ما يميزه من الصفات والملامح . المرحلة الأولى هي مرحلة الظفر، وهي مرحلة يتم فيها الاستيلاء على الملك من الدولة التي سبقتها. وفي هذه المرحلة يكون الحاكم نموذجا يقتدي به الناس فيجبي الضرائب ، ويحمي الأراضي ، ويقدم الحماية العسكرية ، ولا يدعي الحاكم في هذه المرحلة بشيء الى درجة استبعاد الرعية . أما المرحلة الثانية فهي مرحلة الاستبداد، حيث يأخذ الحاكم في ادعاء الملك لذاته ، نابذا رعيته ، مانعا اياهم من محاولة مشاركتهم له في نصيب مما معه . وفي هذه المرحلة يهتم الحاكم في جذب المؤيدين والتابعين بأعداد كبيرة ، وغاية ذلك هي كبح توق رعيته الذين يشاركونه نفس العصبية . أما المرحلة الثالثة التي يسميها ابن خلدون بالفراغ والدعة ففيها يتمتع الناس بثمار الملك ، حيث يحصلون على الممككات وينشئون المشاريع العظيمة والمروح الباقية الخالدة ، وفيها يدفع الحاكم لجنوده مبالغ كبيرة من المال ، ويمدهم بالدروع والأزياء الحسنة ، "فيباهي بهم الدول المسالمة ويرهب الدول المحاربة ". أما في المرحلة الرابعة وهي مرحلة القنوع والمسالمة فيكون فيها الحاكم راضيا بتقليد من سبقوه دون أن يبذل جهدا للاتيان بسياسات أو قوانين جديدة ويعيش الحاكم حالة سلم مع الآخرين . أما في المرحلة الأخيرة ، مرحلة التبذير والاسراف ، فيأخذ الحاكم فيها بتبذير الثروات التي ورثها في المتع والملذات ويكون للحاكم أتباع سيئون وضيعون يأتمنهم على أهم أسرار الدولة . فى بوصول الدولة الى هذه المرحلة يستولي الهرم على الدولة ، حيث تنهار الدولة في نهاية المطاف (ابن خلدون 1996، 164). غير أن قوة العصبية قد تصل الى ذررتها قبل أن تهرم الدولة ، ويحدث هذا حينما تحتاج الدولة الحاكمة لطلب العون من جماعة أخرى للمساعدة في السيطرة على الأوضاع ، وفي مثل هذه الحالات تتضمن الدولة الحاكمة المجموعة التي تتمتع بالعصبية الأقوى من بين تابعيها الذين تستخدمهم لتنفيذ سياساتها. وهذا يعني تأسيس ملك جديد، يتمثل دوره في تقديم العون للعلك القائم . وبالنظر الى هذه السمات والخصائص ويتتبع تاريخ الدولة اليعربية ، يظهر لنا جليا أن نظرية ابن خلدون تفسر تفسيرا مقبولا تطور الدولة العمانية خلال تلك الفترة من الزمن . فبالأضافة الى أن دولة اليعاربة استمرت مائة وعشرين عاما ، وهي نفس الفترة التي اقترحها ابن خلدون ، فمن الجلي أيضا بأن العصبية في شكلها الديني كانت المحرك الأساس لقيام هذه الدولة . اضف الى ذلك أن دولة اليعاربة قد تطورت في مراحل تماثل تلك التي راها ابن خلدون . غير أنه على الرغم من ذلك يتوجب التأكيد إن هذا لا يعني أن العوامل الاقتصادية لم يكن لها تأثير في ذلك . فالعامل الاقتصادي قد ساهم الى حد كبير جدا في اتساع الدولة العمانية في الخليج وسواحل الهند وشرق افريقيا في مرحلة تالية . العصبية الدينية لقد كان جليا منذ البداية ان الدافع وراء انتخاب الامام ناصر بن مرشد أول أئمة اليعاربة كان مزيجا من العصبية الدينية والقومية .. وهذا الى أي تؤكده كثير من أحداث ذلك الوقت ، وخصوصا خلال السنين الأولى من عهد اليعاربة ، وقد كان الامام ناصر، مثله مثل كل الائمة الذين سبقوه ، مرشح العلماء. حيث اجتمع ما يقرب من الاربعين عالما في الرستاق واعطره البيعة في عام 1624. ويعزو المؤرخون العمانيون مثل ابن قيصر وابن رزيق والسالمي، السبب وراء انتخاب الامام ناصر الى ما دعوه بالفساد والاضطهاد والطغيان والانقسام بين الناس في كثير من الأمور (السالمي 1934، مجلد 2، ص 3). أضف الى ذلك أن انتخاب ناصر بن مرشد قد أعقب بفترة قصيرة استيلاء البرتغاليين على صحار الذي عمق العصبية الدينية والقومية بين المسلمين العرب العمانيين ضد النصاري البرتغاليين . وفي واقع الأمر أن عمان ، أنئذ، كانت تعيش أزمة سياسية واجتماعية عميقة ، حيث كانت ثمة أكثر من خمسة مراكز متصارعة من مراكز القوى في عمان . وكانت هذه القوى تتمثل في النباهنة في الرستاق ، وآل عمير في سمائل ، وبني هناءة في بهلا، والجبور في الظاهرة إضافة الى البرتغاليين في الساحل . وكان هذا يعني أن المجتمع العماني كان مشرذما، وما كان بمقدور أي من هذه القوى متفردا إنهاء الصراع والسيطرة على القوى الأخرى وتوحيد البلاد. ويرى جلنر انه في أوقات التأزمات الاجتماعية يظهر قائد ديني يوحد القبائل في رابطة جماعية أكبر (خوري 1990، 97)، وهو تماما ما حدث في عمان في تلك الفترة ، حيث جمع أبرز العلماء حينها خميس بن سعيد الشقصي بقية العلماء وأعطى البيعة لناصر بن مرشد، معيدا بذلك نظام الامامة الاباضية الذي كان قد تعطل في زمن النباهنة . وقد كان انتخاب ناصر بن مرشد ذا دلالة مفادها ان العلماء قد أعادوا الروح الى الاباضية التي لم تكن مذهبا دينيا فحسب وانما كانت دائما ايديولوجية مشتركة للعمانيين لوحدة عمان واستقلالها، غير أن هذا لا يعني أن ناصر بن مرشد كان منذ البداية مقبولا على المستوى الوطني، فقد وقفت بعض القبائل والمدن العمانية ، ومنها ما كان تحت سيطرة أسرته نفسها، ضده ومنذ البدء قام الامام بمعونة العلماء بتركيز جهوده على اعادة توحيد البلاد ، مبتدئا بأسرته التي كانت تحكم الرستاق ونخل ، وهو الأمر الذي استغرق تحقيقه حوالي ثمانية أعوام . حيث دخل أولا قلعة الرستاق وطرد منها ابن عمه ، مالك بن ابي العرب . غير أن المعارضة الرئيسية جاءت من الجبور والمتحالفين منهم تحت إمرة ناصر بن قطن ، حيث كانوا مسيطرين على الظاهرة ويجدون الدعم في ذلك في منطقة الاحساء في شرق الجزيرة العربية . لقد تجلت العصبية الدينية أيضا في دور العلماء في تلك الفترة ، حيث إنهم لم يقتصروا على انتخاب الامام فحسب بل أن كثيرا منهم من أمثال خميس الشقصي ومسعود بن رمضان وخميس بن رويشد كانوا قادة للحملات التي شنت على القبائل المعارضة وعلى البرتغاليين . وأخيرا فإن العصبية الدينية والقومية قد تمثلة أيضا في الاتفاق الذي وقع بين العمانيين والبرتغاليين عقب الهجمة الأولى على مسقط في عام 1643، وقد نص الاتفاق على أنه يتوجب أن يعيد البرتغاليون ممتلكات الشيعة وممتلكات قبيلة العمور التي كان البرتغاليون قد صادروها في صحار (السالمي،ج 2، 0 1). مراحل الدولة الخمس واذا كنا قد رأينا أن العصبية الدينية كانت هي العامل المحرك وراء قيام الدولة اليعربية ، فإن الخطوة القادمة تتمثل في تحليل تطور تلك الدولة . فالدول حسب ابن خلدون لها عمر محدود ولا تزيد على ثلاثة الى أربعة أجيال . وعلى هذا الاساس فإن كل الدول تعيش خمس مراحل تطور، هي مرحلة الظفر، ومرحلة الاستبداد، ومرحلة الفراغ والدعة ، ومرحلة القنوع والمسالمة ومرحلة التبذير والاسراف . مرحلة الظفر اتسم الاقتصاد العماني طوال التاريخ بالثنائية ، فهناك التجارة البحرية على الساحل والزراعة في الداخل .وكما أشرنا سابقا فإن ابن خلدون يميز بين حياة الصحراء أو ما اسماه بالعمران البدوي، وحياة المدن ، أو العمران الحضري. فالأول يرمز لحياة سكان الريف على وجه العموم ، وليس البدو فقط بينما يرمز الثاني لحياة السكان المدنيين ، سواء عاشوا في المدن أو في القرى ، وما من شك أن اقتصاد المنطقة الداخلية ، حيث قامت دولة اليعاربة ، له سمات العمران البدوي حيث كانت الزراعة عموده الفقري، بينما تميز اقتصاد الساحل الذي كان تحت سيطرة البرتغاليين بسمات الاقتصاد الحضري . وحسب ابن خلدون فإن الدولة تتكون عند التحول من العمران البدوي الى العمران الحضري. لقد انتبه الامام ناصر بن مرشد مبكرا الى اهمية الملاحة لاقتصاد البلاد،. ولذا فقد قام بجهود عظيمة لاستعادة مدن الساحل العماني وبلداته مثل جلفار وصحار ومسقط من أيدي البرتغاليين . وكان أول انجازاته في هذا الخصوص تحرير جلنار في عام 1633، وفي فترة قصيرة تم تحرير المنطقة الساحلية طها باستثناء مسقط . كما شرع الامام أيضا في جهود دبلوماسية كبيرة غديتها منع البرتغاليين من السيطرة التامة على تجارة المحيط الهندي، فقام بدعوة شركة الهند الشرقية الانجليزية للاتجار مع عمان عبر موانيء صحار والسيب حيث وقعت اتفاقية بين الامام وفيليب وايلد، ممثل الشركة ، في عام 1645 (باقر 1992، 28). واستمر الامام ني ذلك الوقت في الاعداد العسكري، وقام بهجمة ثانية على مسقط كان على رأسها أحد العلماء عام 1648، وقد أدت هذه الهجمة الى اتفاقية بين العمانيين والبرتغاليين الذين كان يقودهم دوم جولياو نورونا القائد العام في مسقط ، حيث اتفق الجانبان على أن يدفع البرتغاليون الجزية للعمانيين ، وأن يسمح للسفن العمانية بالابحار للخارج دون تفتيش على شرط أن تحصل على رخص برتغالية في رحلات العودة ، وعلى الا يدفع العمانيون أي رسوم ضريبية في مسقط (لورمير 1915، الجزء الثاني، القسم الثاني ، ص 0 40). ويمكن اعتبار الفترة التي بدأت بانتخاب الامام ناصر بن مرشد اماما حتى بعيد تحرير مسقط المرحلة الأولى من الدولة اليعربية . وتحمل هذه المرحلة الكثير من السمات التي تحدث عنها ابن خلدون في وصفه لمرحلة الظفر. فقد اشتهر الامام ناصر بكونه نموذجا للشوري، والعدل والتقوى، ولم يدع لنفسه شيئا يخص به عن بقية العمانيين ، وعلى الرغم مما عرف عنه من قلة ثروته فإنه لم يحاول فرض ضرائب جديدة ، وكان النوع الوحيد من الضرائب في عهده هو الزكاة التي أصر على أن يدفعها الأغنياء بدقة وصرامة ليتم توزيعها توزيعا عادلا على الفقراء ، وأثر عنه أيضا أنه منع معاونيه من القيام بأي عمل من أعمال التجارة (السالمي 1934، ج 2، 49). ومن امثلة التي تبين تحمل الامام وصبره على خصومة أنه عفا عن كل من عارض حكمه كحكام نخل ونزوى، وحث مساعديه أيضا على اتباع نفس السياسة . وفي الرسائل التي بعثها الى ولاته وقواده العسكريين كان كثيرا ما يشدد على أهمية مشاورة العلماء والوجهاء في شؤون الحكم . غير أن تسامح الامام ناصر مع خصومة ومشاورته أهل الحل والعقد يجب الا يعتبر علامة ضعف تحسب على الامام بل هي دليل على مرونته العملية التي ساعدت في اعادة النظام وتوسيع قوة الدولة (ما يلز 1966، 0 21). وبعد حوالي ستة وعشرين عاما من الحكم توفي الامام ناصر بن مرشد في ابريل 1649 وعقب وفاته مباشرة انتخب ابن عمه سلطان بن سيف الأول . وعلى الرغم من أن فترة حكم الامام ناصر كانت ذات طبيعة عسكرية وحربية إلا أنه لم يحاول انشاء جيش دائم أو مؤسسات دائمة ، فالإمام كان مستندا على القوى القبلية التي يقودها العلماء. ولم يبدأ اليعاربة في تكوين مؤسسات دائمة لدولتهم إلا عقب تحرير مسقط خلال عهد الامام سلطان بن سيف بن مالك عام 1650. وقد اعتبر البرتغاليون وفاة الامام ناصر فرصة سانحة أمامهم كي يتملصوا من المعاهدة التي وقعرها عام 1648، حيث إنهم اعتبروها في غير صالحهم لم مايلز 1966، 204)، فرفضوا دفع الجزية ومنعوا العمانيين من الوصول الى مسقط للتجارة ، وهذا ما حدا بالامام الجديد الى عقد العزم عل الاعداد لحملة قاضية على البرتغاليين في مسقط ، حيث استطاعت قوة عظيمة من العمانيين يقودهم الامام نفسه تحرير مسقط في يناير من عام 1650، مما أدى الى طرد البرتغاليين من آخر مواقعهم في الجزيرة العربية . وعلى الرغم من انهم حاولوا مرارا استرداد مسقط خلال الأعوام 1652،1669، 1993، 1699 الا أن جميع هذه المحاولات باءت بالفشل ، وظلت البحرية العمانية صاحبة اليد الطول في المنطقة لفترة طويلة من الزمن . مرحلة الاستبداد يمكن اعتبار السنين الأولى من حكم الامام سلطان بن سيف الأول الى حد كبير استمرارا لمرحلة الظفر، ذلك أن الامام كان يتمتع بنفس السمات التي ميزت الامام ناصر، وانتهج نفس سياسته ، ففي الايام الأولى من عهده ، زار عمان مبعوثان هولنديان لاستشفاف امكانية التوصل الى اتفاقية بين شركة الهند الشرقية وعمان ، وقد وصفه المبعوثان بأنه انسان عادي مثله مثل أي جندي أو فلاح ، وأنه ما كان يتخذ أي قرار دون استشارة من يحضر مجلسه الذي كان مسموحا للجميع بحضوره (سلوت 1993، 191). غير أن طرد البرتغاليين من مسقط أدخل عناصر جديدة دخلت بها دولة اليعاربة المرحلة الثانية من مراحل تطور الدول وهي مرحلة الاستبداد. وكان أهم تطور في هذا الطريق هو مشاركة العمانيين في التجارة العالمية ، ودلالة ذلك هي أن اقتصادهم قد انتقل من العمران البدوي الى العمران الحضري. وقد استلزم مثل هذا التطور اقامة مؤسسات للدولة حيث تم تكوين جيش وأسطول وجهاز حكومي كما تم تنظيم العلاقات بين عمان والقوى الاقليمية والدولية . وتتميز فترة حكم الامام سلطان بن سيف الأول بأنها هادئة نسبيا على الصعيد الداخلي (ما يلز 1966، 213). ففي عصره دداعتمرت عمان ، واستراح الرعية ، وزهرت البلاد، ورخصت الأسعار، وصلحت الشمار" (السالمي 1934، ج 7، 45). وكانت موارد الدولة حتى ذلك الوقت تعتمد على الغنائم والزكاة وقليل من ايرادات بيت المال (ولكنسون 1987، 118). الا أن التوسع في التجارة أعفى الدولة تدريجيا من الاعتماد على الغنيمة والزكاة باعتبارهما المصدرين الأساسيين للدخل ، وهذا ما مكن الامام الجديد من تكريس جهوده في تنظيم الدولة ، حيث أنشا نظاما بيروقراطيا يتمتع بمساندة قوى عسكرية تتكون من جيش مستديم يتكون من خمسة آلاف محارب ، وكان من دلالات هذه الخطوة انه استبعد شيوخ القبائل ورؤساءها من الادارة (سلوت 1993، 195). وأصبحت الدولة معتمدة على ايراداتها، حتى ان دولة كتلك لم تكن تختلف اختلافا كبيرا عن الدول التي ظهرت في أوروبا في تلك الفترة تقريبا. وقد كان النظام البيروقراطي الذي أنشأه الامام مستقلا عن القيادات القبلية ، وبإنشاء الجيش الدائم تمكن الامام من جذب الانصار والمؤيدين لكبح أي محاولة تهدد سلطة الدولة . أضف الى ذلك أن الامام قد وضع أسس قوة بحرية قوية ، وهذا ما ساعد في توسيع نفوذ الدولة العمانية الى أجزاء كبيرة من المحيط الهندي. وقد أعطى الامام الاقتصاد والمال اهتماما كبيرا، حيث استمر في تشجيعه التجارة عبر كثير من الاجراءات ، ومنها إعفاء التجار الهنود من الجزية التي تفرضها الدولة الاسلامية على غير المسلمين بدلا من الزكاة )السالمي 1934، ج 2، 67لم . اضف الى ذلك أنه عين وكيلا في مسقط مسؤولا عن الأمور المالية والتجارية ، وهو غير منصب الوالي الذي كان مسؤولا عن الأمور المدنية والادارية (سلوت 1993، 187). وفي هذا السياق قام الامام بفرض زيادة مهمة على الرسوم الضريبية على التجارة في مسقط . ولم يكن هدف هذه الزيادة منع مسقط من أن تصبح هدفا لأطماع الانجليز والبرتغاليين كما اعتقد سلوت (سلوت 1993، 181)، بل كان الهدف هو ايجاد موارد مالية تسمح للامام بتمويل ادارة المؤسسات التي أقامها. لقد كانت كل هذه الترتيبات الادارية والعسكرية والاقتصادية أدلة قوية على مرحلة الاستبداد التي وصفها ابن خلدون . وكرد على محاولات البرتغاليين لاغلاق السواحل العمانية واستيلائهم على سفن عمانية قام الامام بتحويل المعركة معهم من البر الى البحر وبهذا ضرب في عمق امبراطورية البرتغاليين التجارية (ولكنسون 1987، 48) . ففي عام 1655 شن الأسطول العماني هجمة على بومباي ، كما ظهر في نفس الفترة في ممباسا لتأمين السكان المسلمين الذين استنجدوا بالامام ضد البرتغاليين . وفي الهجمة على ممباسا استولى العمانيون على ثلاث سفن برتغالية مما ساعد في تقوية اسطولهم البحري (هل 1996، 314). ومنذ ذلك الحين ، أصبحت المواني، البرتغالية مثل دير وياسين وسورات أهدافا للحملات العمانية . وقد أدت هذه الهجمات الى غنائم كبيرة استغلها الامام في مشاريع زراعية وعسكرية مثل فلج بركة الموز وقلعة نزوى. وقد كان تحرير مسقط من البرتغاليين فاتحة عهد جديد في العلاقات بين عمان والقوى الأخرى في المنطقة على أساس المصالح المتبادلة . ففي عام 1651 عرض الامام سلطان على الهولنديين طريقا بريا لتجارتهم مع البصرة (ما يلز 1966، 211). وكان مثل هذا العرض في غاية الأهمية بالنسبة للهولنديين الذين كانوا يحاولون التملص من الرسوم الضريبية العالية التي فرضها شاه فارس على تجارة الحرير. غير أن العلاقات بين الجانبين العماني والهولندي سرعان ما تدهورت في أواسط العقد السادس من القرن السابع عشر حينما حاول الهولنديون التآمر مع الفرس ضد العمانيين ، وخلال الفترة ذاتها، زاد الانجليز الذين كانوا في منافسة مع الهولنديين من اتصالاتهم مع عمان ، حيث تم في عام 1659 توقيع اتفاقية بين الامام سلطان بن سيف الأول والكولونيل رين فورد ممثل شركة الهند الشرقية الانجليزية . وقد نص الاتفاق على أن يعطي العمانيون أحدى قلاعهم في مسقط للانجليز الذين سيبقون حولي مائة من جنودهم هناك ، غير أنه بعد وقت قصير رأى الانجليز أن الاتفاق ليس كافيا لتحقيق طموحاتهم في الخليج ، بينما رأى الامام خطورة اعطاء مثل هذا التنازل على سيادة عمان ولذا لم يدخل الاتفاق حيز التنفيذ (السيار 1975، 169). يرى بعض الباحثين أن الامام سلطان بن سيف الأول قد شكل سابقة لمن خلفه من الائمة بدخوله في النشاط التجاري (ما يلز 1966، 213) وتشير بعض المصادر العمانية أيضا الى انتقاد البعض عليه تعيينه وكلاء كانوا مشتركين في أنشطة تجارية نيابة عنه (سرحان 1984، 55)وتسند مثل هذه الآراء فكرة أن العصبية لم تكن في هذه المرحلة العامل الأوحد وراء التوسع العماني في شرق افريقيا والهجمات التي شنها العمانيون على السواحل الفارسية والهندية . وفي الواقع أن العامل الاقتصادي وراء هذا التوسع كان جليا، حيث إنه في أواخر العقد السابع من القرن السابع عشر حل قحط عظيم على مناطق من الجزيرة العربية ، ومنها عمان ، أجبر العمانيين على البحث عن مصادر رزق خارج حدودهم الجغرافية . وفكرة القحط الذي حل على عمان تبدو أكثر واقعية من فكرة ويسو التي ادعت أن التوسع العماني كان وراءه مصلحة اليعاربة في نيل طريق مضمون لأسواق الرقيق (ويسو 1986، 119) . وفي الواقع أن السبب المباشر لهجمات اليعاربة في شرق افريقيا كان الرد على دعوة من مسلمي تلك المناطق لتحريرهم من اضطهاد البرتغاليين ، وليس لاسترقاقهم . الفراغ والدعة استمرت المرحلة الثانية من حكم اليعاربة حتى أيام الامام بلعوب الذي انتخب بعد وفاة أبيه سلطان . وبإنتخابه دخلت الدولة المرحلة الثالثة وهي مرحلة الفراغ والدعة . وتميز حكم الامام بلعوب بن سلطان بمحاولاته في إدخال الفنون المعمارية وتطويرها، وتتمثل هذه المحاولات جلية في بناء القصر الرائع في جبرين الذي انتقل اليه الامام من نزوى. وأسس الامام أيضا مدرسة داخل القصر، وأشرف شخصيا على طلبتها في كثير من الأمور، منها اختيار "الأطعمة المقوية للافهام والذكاء" (السالمي 1934، ج 2، 83). غير أن هذا لا يعني أن التعليم قد وصل في عهد بلعوب الى ذررته التي بلفها في الفترة من القرن الرابع وحتى القرن التاسع . وتشير الأدبيات العمانية الى أن معظم المناقشات التي تمت في عهده كانت تدور حول مواضيع هامشية ولم يبرز في عهده علماء كأولئك الذين كانوا في السابق . وقيما يتعلق بالعلاقات بين العمانيين والبرتغاليين ، يجمع المؤرخون على أن الامام بلعوب اتخذ سياسة مختلفة عن الامامين اللذين سبقاه ، فبعد توليه الحكم بوقت قصير وقع الامام معاهدة مع البرتغاليين سمح لهم فيها بفتح محطة تجارية لهم في مسقط ، وسمح لهم أيضا بتعيين وكيل لهم هناك ، يدفع الامام مرتبه ، بينما يستمر البرتغاليون في دفع الرسوم الضريبية المعتادة . كذلك رخص الاتفاق للبرتغاليين أن يشيدوا قلعة في خصب ، في شمال عمان ، وسمح للسفن العمانية بالتوقف في المواني، البرتغالية في المنطقة (سلوت 1993، 216). ويعطي الباحثون رأيين مختلفين فيما يتعلق بالأسباب التي أدت الى توقيع الاتفاقية ، فولكنسون يرى أن الحصار البحري الذي فرضه البرتغاليون على عمان أجبر الامام على توقيع هذه الاتفاقية (ولكنسون 1987، 70). أما سلوت فيرى أن بلعوب كان يسعى الى اقامة صلات أقوى مع التجار الأجانب منذ عهد أبيه ، حينما كان هو واليا على مسقط ، وقد كان الاثنان على خلاف في هذا الموضوع (سلوت 1993، 196). وقد رأى الكثيرون أن الاتفاق لم يكن في صالح العمانيين . فأسهم في اضعاف وضع بلعوب السياسي المهزوز أصلا، حيث إن توليه الامامة بعد وفاة أبيه كان الى حد ما يتعارض مع مبدأ الاباضية القائل بعدم توارث الامامة . ونتيجة لهذا فقد كان من اليسير تحدي سلطته فقد واجه مقاومة قوية قادها أخوه سيف ، ودخل الاثنان في أتون حرب دموية انتهت بوفاة بلعوب في قصر جبرين الذي حاصره معارضو" عام 1692. وخلال الحرب اعتبر كثير من قادة القبائل أن نشاط سيف وفاعليته يجعلانه أكثر تأهلا لمنصب الامام ، ولهذا بايعوه بالامامة . بينما اعتبر فريق آخر هو فريق العلماء أن تعيينه إماما كان غير دستوري، ولذا فقد أعطوا البيعة لسيف تقية ، حيث إنه هدد بمعاقبة مخالفيه . ولهذا لم يسانده العلماء حتى وفاة أخيه ، حين أعلن التوبة كما طلبوا منه (السالمي 1934، ج 2، 97). وعلى الرغم من أن عهد سيف بن سلطان يمكن أن يعتبر على انه استمرار لمرحلة الفراغ والدعة على المستوى الداخلي ، فإنه لم يكن كذلك على المستوى الخارجي، فقد تمتع العمانيون في الداخل بثبار الازدهار الاقتصادي، بينما أحيا الامام سياسة أبيه في محاربة البرتغاليين في الخارج . غير أن الرخاء الذي عاشا العمانيون خلال عهد الامام سيف كان مختلفا عن ذلك الذي كان في عهد أخيه . فعوضا عن تشييد المروح العظام ، ركز الامام الجديد جهوده على الأعمال العامة ومشاريع 0التنمية ، وخصوصا في القطاعين الزراعي والتجاري. وقام بجهود عظيمة في تطوير نظام الري عن طريق انشاء أو ترميم 17 فلجا. واشتهر أيضا بإدخاله نباتات جديدة في عمان كالورس ، والزعفران والنارجيل وخلايا النحل . وقد أدى استصلاح الأراضي في عهده الى زيادة نصيب بيت المال وملك الدولة الى ثلث حقوق الأرض والماء في عمان . وفي المجال التجاري يقدر البعض ان عمان كانت تملك من 24الى 28 سفينة خلال عهده (السالمي 1934، ج 2، 108). وقد استخدمت هذه السفن لأغراض تجارية وعسكرية معا. وقد سمح الازدهار الذي وصلته عمان في عهد الامام سيف بن سلطان بإدخال عملة وطنية تتكون من ثلاث وحدات هي الفلس والغازي والمحمودي (ابن رزيق 1996-129). وقد رأى بعض الباحثين من أمثال مايلز وولكنسون وباكر خطأ أن المتلكات التي نمت في عهد الامام سيف بن سلطان كانت ملكا شخصيا له ، وبناء على هذا فقد زعم هؤلاء الباحثون انه سمى لذلك بقيد الأرض الذي ترجموه الى الانجليزية بـ Master of Laud صاحب (أو مالك ) الأرض ، وهو اتهام يعكس جهلا باللغة العربية ، بالاضافة الى أنه لا يوجد أي مؤرخ أو عالم عماني رأى هذا الرأي. فالسالمي ، وهو أحد العلماء اضافة الى كونه لفريا ومؤرخا ، يرى أن "قيد الأرض " هو من يسيطر على مملكة بقوته ، ويحكم البلاد بالعدل (السالمي 1934، ج 2، 97). أي أن قيد الأرض ما هو إلا تعبير مجازي عن السلطة والقوة ، ولا يحتمل بأي وجه من الوجوه معنى الملكية الشخصية . وهذه الرؤية لا تسندها سيرة الامام نفسه فحسب ، بل أيضا من الأدب العربي ، وعرض هذه الأدلة لا يدخل في مجال دراستنا هذه . إلا انه تجدر الاشارة هنا الى أن التطور الاقتصادي الذي عاشته عمان في عهده كان نتاجا لجهود كل من الدولة والمستثمرين في القطاع الخاص ، وقد وجهت سياسات الامام بعض الاعيان الى لعب دور في الاقتصاد، وبهذا ظهرت فئات من ملاك السفن وملاك الأراضي. وكان من هؤلاء حمير بن منير النبهاني الذي رمم فلجا في ازكي يدعى قسوة خلال الفترة ذاتها (ولكنسون 1980، 128). أما التجار من أمثال محمود بن حسن (سلوت 1993، 258) واحمد بن سعيد فقد أصبحوا من كبار ملاك السفن . واضافة الى جهوده في المجال المدني فقد كرس قيد الارض جهوده في تعزيز القوة البحرية التي أسسها أبوه . وعلى الرغم من اختلاف المؤرخين في تقدير الامكانية الحقيقية لقوته ، فإنهم يجمعون بأن عمان أصبحت أعظم قوة بحرية في كل سواحل المحيط الهندي (ما يلز1966، 219). وف هذا الخصوص ، لم يكن الامام سيف قانعا بتملك السفن التقليدية فقط ، لكنه جهز أسطولة بسفن من الطراز الأوروبي. ففي حوالي عام 0 170 توصل الامام الى اتفاق مع ملك بيجو(في أسفل بورما) سمح للعمانيين ببناء سفن في موانيء تلك الدولة (ولكنسون 1987، 49). وفي عام 1705 زار الرحالة الانجليزي لوكي مسقط ، وذكر أن بعض السفن العمانية كانت تبنى في سوردت وفينهر الا نوس في مصانع لا يعلم عنها الانجليز كثيرا (ما يلز 1966، 224). وببداية القرن الثامن عشر ، قدر بأن الاسطول العماني الذي هاجم موانيء البرتغاليين في الهند كان يتكون من حوال تسعين ألف حصان (السالمي 1934، ج 2، 106)، وقد وصل الجند العمانيون في 0 10 سفينة كانت أكبرها تحمل 87 مدفعا بينما كانت الصغيرة منها تحمل من 8الى 10 مدافع (عمان في التاريخ 1995، 790). وعلى الرغم مما يبدو من مبالغة في تقدير القوة العمانية ، الأ أن هذه التقديرات تشير الى المدى الذي وصلت اليه تلك القوة في تلك الفترة من التاريخ . ويتطابق تكوين تلك القوة العظيمة مع وصف ابن خلدون لمرحلة الفراغ والدعة حين يأخذ الحاكم في تأسيس قوة عسكرية كبيرة كي "يباهي بهم الدول المسالمة ويرهب الدول المحاربة ". وقد استغل الامام سيف بن سلطان هذه القوة لتعزيز دور عمان في المحيط الهندي. فبعد وقت قصير فقط من توليه الامامة هاجم المصنع البرتغالي في كنج في الساحل الفارسي ، منهيا بذلك اتفاق السلام الذي وقعه أخوه معهم (سلوت 1993، 216) . وقد كان هذا الحدث بداية هجوم العمانيين الواسع للسيطرة على الخطوط التجارية في المحيط الهندي، التي كانت لعهد طويل تحت سيطرة البرتغاليين . وقد اشترط الامام على الشاه منحه نصف الموارد الضريبية ، وهي نفس النسبة التي كان يتمتع بها الأوروبيون . وفي المقابل كان على العمانيين أن يمركزوا عشرين من سفنهم لحماية الساحل الفارسي (ولكنسون 1987، 48). ويعتبر بعض الكتاب الانجليز الانشطة البحرية العمانية في المنطقة ضربا من القرصنة والعدوان والغزو الأجنبي (لورمير 1915، ج 1، 0 40). وتناقض مثل هذه الادعاءات حقيقة أن اليعاربة كانوا حريصين على تأمين طرق تجارة آمنة في المحيط الهندي، تلك الخطوط التي كانت قد تأثرت بفعل اغلاق البرتغاليين للمواني، العمانية ويفعل نشاطات القراصنة الأوروبيين الذين وصلوا الى المنطقة خلال تلك الفترة 1690- 1720 (ما يلز 1966، 227). وما كانت هجمات الامام على بعض امارات المغول في الهند وعلى بعض المواني، البرتغالية الا لتأمين طرق التجارة . وكان أعظم انجاز في هذا السياق هو الاستيلاء على قلعة يسوع في سباسا عام 1698. ففي هذه الحملة بعث الامام اسطولا من سبع سفن تحمل ثلاثة آلاف محارب ، كان جلهم من المرتزقة البلوش ومن شمال الهند، تحت قيادة «علي الكبير» الأمير البلوشي ، واستطاعت هذه الحملة الاستيلاء على القلعة بعد حصار طويل استمر ثلاثة أشهر (هل 1996، 321). وفشلت كل جهود البرتغاليين في استرداد القلعة حتى عام 1728حينما استغلوا الحرب الأهلية التي حلت بعمان لاسترداد القلعة ، غير أنهم سرعان ما طردوا منها ثانية بعد ذلك بوقت قصير. وقد وصف حصار قلعة يسوع وطرد البرتغاليين من ممباسا على أنه نقطة تحول في دور القوة البحرية العمانية ، حيث حولت هذه الأحداث هذه القوة من مجرد قوة شن غارات الى قوة توسعية ، وكان تأسيس الإدارة العمانية في ممباسا دليلا على هذا التغير (شريف 1987، 20). والجدير بالذكر هنا أن استخدام الامام قيد الأرض المرتزقة يتماشى مع نظرية ابن خلدون التي تقول انه عند وصول الدولة الى مرحلتها الثانية فإن الحاكم يبدأ في الاستعانة بغير ابناء جلدته (ابن خلدون 1996-171). وبعد سقوط ممباسا استولى الامام سيف على بمبا وزنجبار وباتا وكلوة ، طاردا بذلك البرتغاليين من كل مواقعهم على طول الساحل الممتد شمال موزمبيق . وعلى الرغم من هذه الانتصارات العظام ، الا أن الامام سيف ، ومن خلفه في الامامة ، امتنعوا عن اقامة إدارة عمالية مركزية في شرق افريقيا (ما يلز .1966-221)فقد تركوا سكان تلك المناطق يديرون أمورهم بأنفسهم ، ولم يتم تعيين ولاة في كل الساحل الشرقي لافريقيا ، باستثناء ممباسا، حتى مطلع القرن التاسع عشر، ويدعي بعض الباحثين مثل السيار بأن قيد الأرض رفض تأسيس امبراطورية عربية تشمل عمان وشرق افريقيا بسبب ضعفه على المستوى المحلي (السيار 1975، 101)، غير أن مثل هذا الادعاء ينقصه الدليل ، ولا يوجد ما يشير الى أن قيد الأرض واجه أي تحد في عمان بعد وفاة أخيه بلعوب . بل على النقيض فقد وصف قيد الأرض بأنه "أعظم أمراء اليعاربة ، ولم تر عمان مثيلا له لا قبله ولا بعده" (ما يلز 1966، 225). وعلى الرغم من صحة أن قيد الأرض لم يؤسس ادارة دائمة في معظم الساحل الشرقي لافريقيا إلا أنه كان يأخذ جزية سنوية من سكان تلك المناطق في مقابل حمايتهم من البرتغاليين وهذا يستلزم ان المنطقة كانت فعليا تحت سيطرته . ومع انتهاء دور البرتغاليين في المنطقة حاول الفرس وراثة ذلك الدور، فتآمروا مع البرتغاليين وفي وقت لاحق مع الانجليز والهولنديين والفرنسيين . وقد حذر الامام تلك القوى الأوروبية من المغامرة بتقديم العون للفرس . وقيما كان الانجليز والهولنديون مترددين في تقديم مثل ذلك العون ، علم العمانيون أن الفرس يعدون خطة تآمروا فيها مع البرتغاليين لمهاجمة مسقط ، ولهذا بادأهم الامام قيد الأرض بحملته على كنج في عام 1695، حيث استولى العمانيون على كثير من السفن الفارسية والبرتغالية (عمان في التاريخ 1995، 02 4). واستمر الفرس في جهودهم المناوئة لعمان وبعثوا بوفد الى فرنسا خلال عهد لويس الرابع عشر، حيث توصل الجانبان الى اتفاق سري وافق فيه الفرنسيون على تقديم العون للفرس للاستيلاء على مسقط ، غير أن عمان ظلت رغم ذلك القوة المسيطرة في المنطقة ، وامتنع الفرس من المغامرة في مهاجمة العمانيين بسبب المشاكل الداخلية في فارس وبسبب صراعهم مع افغانستان وروسيا (السيار1975-164 ). وقد ساعد التطور في القطاع الزراعي اضافة الى زيادة مردود التجارة الدولية في تجميع ثروة كبيرة ، أصاب الثراء جراءها بعض فئات المجتمع العماني الذين تعاونوا مع اليعاربة ، فتشجع هؤلاء على الاحتفاظ بالامامة وبهذا تم تدريجيا التخلي عن المبدأ الاباضي بعدم توارث الامامة . القنوع والمسالمة وصف عهد سلطان بن سيف الثاني الذي استمر ثماني سنوات بأنه عهد هدوء داخلي ورخاء وتحرر من العداءات القبلية ، وحسب المبادي، الاباضية فإن الامام سلطان بن سيف الثاني يعتبر اماما ضعيفا، ذلك ان العلماء وضعوا كثيرا من الشروط التي تحد من حريته في القيام بأي فعل دون مشورتهم . كذلك رفض العلماء اعطاءه البيعة حتى يعلن التوبة من الخطايا والذنوب التي ارتكبها في سابق أيامه ، وذلك حين وقف مع أبيه الامام سيف بن سلطان الأول في الحرب التي دارت بين الأخير وأخيه بلعوب في أواخر العقد الثامن من القرن السابع عشر (السالمي 1934، ج 2، 111). واشتهر الامام سلطان بن سيف أيضا بكونه أقل طموحا وصراحة ومغامرة من أبيه (مايلز، 1966، 238). وهذه الصفات تجعلنا نصف فترة حكمه بمرحلة القنوع والمسالمة حسب نظرية ابن خلدون . فعلى الرغم من أن سلطان قد ورث قوة بحرية هائلة ، فإنه وهي بانجازات سابقيه ، ولم يقم الا بمحاولات قليلة لتوسيع سلطته أو لتحدي القوى الأوروبية في المنطقة ، وخصوصا بعد الفارة الفاشلة على سفينة برتغالية في سوردت ، والتي أدت الى كارثة ألمت بالجانب العماني. وبدلا من ذلك فقد قام بتحويل دفة جهوده لمواجهة الفرس حيث قام بهجمات عديدة عليهم بمساعدة القبائل العربية في الخليج . وبلغت جهوده أوجها في حملته البحرية على البحرين ، حيث استغل الاستياء والانقسامات في فارس تحت حكم الشاه حسين ليسترد الجزيرة عام 1718. غير أن العمانيين ما كان باستطاعتهم الاحتفاظ بها لفترة طويلة ، حيث ساءت العلاقات بينهم وبين البحرينيين جراء اختلاف عل كيفية تقسيم الموارد الطبيعية مثل اللؤلؤ، وهو اختلاف أدى ببعض البحرينيين الى مغادرة بلادهم ، ونتيجة لهذا وجد العمانيون أنفسهم غير قادرين على استغلال تلك الموارد وما كان أمامهم الا مغادرة الجزيرة بعد وقت قصير من وصولهم اليها (السيار 1975، 158). مرحلة التبذير والاسراف على الرغم من أن عهد الامام سلطان بن سيف استمر لمدة تقل عمن سبقوه فإن الدولة اليعربية شهدت مرحلتين من مراحل حياتها في عهده ، فإضافة الى مرحلة القنوع والمسالمة التي تحدثنا عنها سابقا، بدأت الدولة اليعربية مرحلة الاسراف والتبذير وهي المرحلة الخامسة في تطور الدول حسب نظرية ابن خلدون ، وأبرز الأدلة على دخول هذه المرحلة هو أن الامام أفرغ خزانة الدولة في بناء حصن الحزم الذي أصبح مركز حكمه وسكن فيه حتى وفاته في عام 1719 .وفي بنائه لهذا الحصن لم يبدد الثروات التي جمعها من سبقوه فحسب ، بل انه اقترض مبالغ كبيرة من الوقف تقدر بخمسمائة فراسلة (وحدة قياس وزن كانت مستخدمة في عمان ) من الفضة ( السالمي 1934، ج 2، 111). وقد اعتبر الكثيرون انفاق هذه المبالغ الكبيرة ضربا من التبذير والاسراف . وكما هو حال عمه بلعوب تفاقم الوضع السياسي للامام وذلك لأن كلا من سلطان وبلعرب ورثا الامامة ولم ينتخبا بالطريقة المعتادة . وبذا بدأ العلماء في التساؤل حول صلاحية ذلك الوضع في وقت تشهد فيه عمان تمازجات وتداخلات اقتصادية مع حضارات أخرى (الن ، 1987، 38). وهكذا فإنه في هذه المرحلة ، أصبحت العصبية التي جاءت باليعاربة الى الحكم في أضعف مستوياتها ، وبوفاة سلطان بن سيف الثاني أصاب الهرم الدولة اليعربية ،ودخلت عمان فترة ثورة اجتماعية بغية امتصاص نتائج اندماجها بالاقتصاد العالمي. ان اندماج العمانيين في التجارة البحرية قد أفرز لاعبين جديدين في المجال السياسي وأوجد قيما جديدة داخل المجتمع الذي كانت ممراه قبلية الطابع ، فبالأضافة الى العلماء وقادة القبائل الذين كانوا القوى المسيطرة لقرون عديدة فقد ظهرت قوى جديدة مثل التجار الاثرياء وملاك الأراضي والفلاحين . ومن الأمور الجديرة بالملاحظة ذلك التشابه بين هذا الوضع والوضع الذي ظهر في عمان خلال الفترة من أواخر القرن الثالث الهجري _ التاسع الميلادي، حين ارتبطت عمان ارتباطا قويا بالتجارة العالمية ، وهو ما انتج صراعا داخليا أدى الى الاحتلال العباسي وانهيار الامامة الثانية . وبعبارة أخرى فإن حالة عمان هي مثل حالات دول أخرى، حيث ، كما يرى سلامة (1987،211) يؤدي الارتباط بالنظام الرأسمالي العالمي الى تأثير مدمر على كل اشكال العصبية . لقد أدت وفاة الامام سلطان المفاجئة الى انقسام العمانيين الى معسكرين حول من يخلف الامام . فقد رغب عامة الناس ، الذين يبدو أنهم كانوا عرضة لتأثير بعض قادة القبائل وملاك الأراض ، في أن يخلف الامام ابنه سيف البالغ من العمر اثني عشر عاما وسماه البعض بسيف الصغير، أو سيف الثاني، فيما أيد العلماء وأخرون غيرهم انتخاب مهنا بن سلطان بن ماجد،وهو أيضا ينتمي الى الأسرة اليعربية ، وعلى الرغم من أن العلماء كانوا يدركون أن مهنا كانت تعوزه المعرفة والعلم اللذن يتطلبهما منصب الامام ، إلا أنهم اعتقدوا أنه كان أكثر كفاءة من سيف الثاني، الذي كان غير مؤهل للامامة حسب التقاليد والمبادي، الاباضية حيث انه لم يصل الى سن البلوغ بعد. وبعد الكثير من الشد والجذب اعترف العامة من سكان الرستاق بسيف إماما، غير أن العلماء عارضوا هذا التعيين ، وأقروا الامامة لمنافسه مهنا الذي احذوه الى قلعة الرستاق ليتولى مقاليد الأمور وادارة البلاد. وقد أدى هذا الى صدع خطير بين العلماء وقادة القبائل ، وكان له تأثيره الكبير على المؤسسات السياسية في عمان . وعندما تولى مهنا السلطة قام بالعديد من الخطوات السياسية والاقتصادية بغية اصلاح ما حدث في الماضي من سوء تصوف . وكان جليا أن هذه الخطوات هدفت الى احياء عصبية اليعاربة التي أصابها الوهن ، أو الى خلق عصبية جديدة عن طريق استرضاء كل صفوف الناس . وفي هذا الخصوص قام الامام مهنا بالغاء منصب الوكيل الذي كان الامام سلطان بن سيف الأول أول من أدخله بعد تحرير مسقط ، حيث إن هذا المنصب قد عرض الائمة لسهام النقد فاتهموا باستخدام الوكلاء لمصالحهم الشخصية . وقام الامام مهنا أيضا بإلغاء الرسوم الضريبية وخفف من الضرائب على السكان حتى غير المسلمين منهم (ولكنسون 1987، 223). غير أن هذه السياسات الاصلاحية لم ترض مناوئيه الذين ما فتثوا يحاولون الاطاحة به . فبعد عام من توليه السلطة وبينما كان الامام بعيدا عن مركز حكمه في الرستاق ، قامت قوات المعارضة بالتقدم من داخلية عمان ناحية مسقط فاستولوا على المدينة وطردوا واليها منها. وما إن سمع الامام بهذا حتى عاد الى الرستاق ليعد العدة لاسترداد مسقط ، غير أن سكان الرستاق الذين كانوا في صف سيف الثاني ثاروا ضده وأجبروه على الخروج من القلعة ثم قتلوه . وما إن حدث ذلك حتى برز أحد أقرباء مهنا يدعى يعرب بن بلعوب ، وادعى بأنه لا مصلحة شخصية له في تولي الامامة ، حيث إنه مازال يعترف بسيف الثاني اماما شرعيا. غير أنه بعد عام استطاع اقناع القاضي عدي بن سليمان لاعطائه البيعة ، فقام أهل الرستاق ثانية بمعارضة هذا التعيين لتفضيلهم سيفا. ولهذا اتصلوا بعم سيف بلعوب بن ناصر، ليتولى قيادة الامامة نيابة عن ابن أخيه . وبعد فترة قصيرة من الصراع تمت محاصرة يعرب في قلعة نزوى وأجبر على الوصول الى حل وسط مع خصومة ، يترك بموجبه قلعة جبرين خاسرا بذلك مركز سلطته . ووفقا لذلك تمت اعادة انتخاب سيف الثاني اماما للمرة الثانية ،أما بلعوب بن ناصر فقد صار وصيا ونائبا عن الامام في عام 1721. وبسبب كونه وصيا بيده السلطة الحقيقية حاول بلعوب تعزيز سلطته وتوصل الى اتفاق تحالف مع قبيلة بني هناءة ، وهو تحالف اشتركت فيه فيما بعد قبائل أخرى. وبعد شهرين من توليه زمام السلطة بدا بلعوب بن ناصر في مواجهة تحديات خطيرة من جانب محمد بن ناصر القائد الغافري الذي ادعى أن بلعوب قد أهانه . فقام بالاتصال بالقبائل البدوية في شمال عمان منها النعيم وبني تتب وقبائل أخرى. وقد أثمرت اتصالاته مع هذه القبائل في الوصول الى تحالف أيده الامام المخلوع يعرب ، ضد الوصي بلعوب ، وبهذا ظهرت عصبية جديدة داخل الأسرة اليعربية ذاتها. ان ظهور هذين الحلفين يعني أن المجتمع العماني قد انقسم الى قطبين : القطب الهنائي، أو الهناوية ، تحت قيادة خلف بن مبارك الهنائي، والقطب الغافري تحت قيادة محمد بن ناصر الغافري. ومنذ ذلك الحين أصبح هذان الحلفان يسيطران على الحياة الاجتماعية والسياسية في عمان . وعلى الرغم من أن الحلفين قد يبدوان وكأنهما قائمان على الاختلاف حول دستورية امامة سيف الثاني، فإن كلا من الحلفين كانت له أهدافه الخاصة به ، فحلف كان يسعى الى الغاء العقوبات التي فرضت على قبيلته منذ عهد الامام ناصر بن مرشد الذي صادر بعض ممتلكاتهم ومنعهم من حمل الأسلحة . أما محمد فقد كان يهييء نفسه للوصول الى مقاليد السلطة في عمان . واذا أمعنا النظر الى ما ذكرنا من حقائق فإنه يتجلى لنا أن آخر عشرين عاما من الدولة اليعربية تتماشى مع الرؤية الخلدونية ، فظهور الحلف الغافري يظهر على نحو كبير بروز عصبية جديدة داخل الأسرة اليعربية لم تكن غديتها الاساسية هي الوصول الى الملك ، على الرغم من حدوث ذلك لفترة قصيرة ، بل لتقديم العون للعصبية الحاكمة . وكان هذا واضحا في الدور الذي لعبه بنو غافر منذ ظهور الحلفين القبليين حتى الانهيار الأخير للدولة اليعربية في عام 1744. ثم تدهورت العلاقة بين محمد بن ناصر وبلعرب ودخل الاثنان في حرب دموية امتدت رخاها لتشمل كل مناطق عمان . وخلال هذه الحروب كان محمد بن ناصر يحمل معه سيف الثاني أينما ذهب ، مدعيا أن الخلاف ليس الا مع بلعوب وأنه لا يطمح لأي مكسب شخصي في الامامة ، ذلك أنه مازال معترفا بسيف شرعيا، غير أنه بعد عامين من الحرب ، استطاع محمد بن ناصر أن يكسب البيعة فأصبح اماما في أكتوبر 1724. ويرى بعض الباحثين ان العلماء منحوا محمد بن ناصر البيعة تقية خوفا من المزيد من اراقة الدهاء (السالمي 1934، ج 2، 130). غير أن وصول محمد بن ناصر الى السلطة قد عمق الانقسام القبلي ووسع الحرب بين العمانيين . وخلال الحرب قتل الكثير من بينهم محمد بن ناصر وخصمه خلف بن مبارك اللذان قتلا في صحار في مطلع ابريل عام 1728. وبوصول سيف الثاني الى سن الثامنة عشرة ، استغل بعض مؤيديه فرصة موت محمد بن ناصر فقاموا بانتخاب سيف اماما للمرة الثالثة ، على أساس أنه قد توافر لديه كل شروط الامامة . وفي هذه المرحلة اعتبر سيف نفسه اماما مكتمل الشروط وبدأ عهده بالطلب من العالم الصبحي زيادة دخله الى نفس ما كان يأخذه محمد بن ناصر. غير أن سيف لم يحصل على بغيته على أساس أن أبده واجداده كانوا يحصلون على نفس المبالغ ، وأنه لم يفعل ما يجعله في منزلة أفضل منهم تبرر هذه الزيادة في الراتب (السالمي 1934، ج 2، 134). وعلى الرغم من أن سيف فشل في توسيع رقعة سيطرته على كل أجزاء عمان الا أنه أظهر بعض الاهتمام بأمور التجارة البحرية ، حيث كرر دعوته للانجليز في بومباي للاتجار مع عمان ، واستقبل أيضا مبعوثا فارسيا اريسو 1989، 40). ويبدو أن مثل هذه الاتصالات مع القوى الخارجية قد زادت من هشاشة وضعه المزعزع أصلا، فاتهم بسلوكيات لا تقبلها الرعية ولا تناسب موقعه كإمام (السالمي 1934، ج 2، 139). ولذا فإن حكمه لم يستمر طويلا ، فخلع وعين مكانه بلعوب بن حمير في عام 1732. وقد رفض سيف قبول هذا الخلع واستمرت سلطته على بعض مناطق البلاد ،وهو ما أدى الى تجدد الحرب بين الحلفين الهندوي والغافري، حيث اعتمد سيف على الحلف الأول بينما اعتمد بلعوب على الثاني. وخلال الحرب اتصل سيف بحاكم سكران لحي يمده بالعون ، وهو أمر يظهر بجلاء ضعف العصبية اليعربية ، فقام حاكم سكران بارسال عدد كبير من العساكر الذين تقدموا الى الظاهرة في غرب عمان . وبوصولهم واجهتهم قوات بلعوب بن حمير (ابن رزيق 1986، 132) حيث تمكنت قواته من هزيمة الغزاة . وما أن عرف سيف بهز الفشل حتى أرسل الى نادر شاه ، حاكم فارس الجديد، طلبا للهون ،والمدد فاستغل الفرس الفرصة كي يحققوا طموحاتهم القديمة في عمان ، فأرسلوا مباشرة قوة بحرية كبيرة تتكون من ثلاثين سفينة كبيرة وعدد ضخم من الجنود يقودها القائد القوي تقي خان ، وفي عام 1737 نزلت القوات الفارسية في خور فكان حيث اشتركوا مع انصار سيف وتقدموا باتجاه بقية مناطق عمان . وخلال ذلك الغزو الفارسي ارتكب الفرس الكثير من فظيع الأعمال ضد العمانيين وهو ما أدى الى خلاف بين سيف والفرس (سلوت 1993، 291). هنا شعر كل من سيف وخصمه بلعوب بالخطر الفارسي ، فقررا التناهي عن خلافاتهما وتوصلا الى اتفاق رعته قبيلة بني غافر، وهو ما يؤكد دورهم كعصبية جديدة ظهرت لتقديم العون للعصبية الحاكمة ، حسب نظرية ابن خلدون . وأن الاتفاق بين سيف وبلعرب على ان يتنازل الأخير للأول عن منصب الامام ، وهو ما يعني أن سيفا قد استعاد القوة مرة رابعة ، غير أنه من الملاحظ أن هذه الاجراءات قد توصل اليها قادة القبائل دون استشارة العلماء الذين أصبح دورهم هامشيا (السالمي 1934، ج 2، 147). ورغم ذلك فإن الصلح بين سيف وبلعرب قد ساعد العمانيين على اعادة تنظيم قواتهم وساهم في طرد الفرس . ان سوء تصوف سيف مضافا اليه عدم اقرار العلماء لتنصيبه اماما قد نتج عنهما خلعه من منصب الامامة للمرة الثالثة ، وحل محله امام يعربي اخر يسمى سلطان بن مرشد في مطلع عام 1742. ومرة أخرى قام سيف برفض هذا القرار وطلب من الفرس التدخل للمرة الثانية واعدا اياهم بدفع جزية لهم ، فرد الفرس بإرسال قوة كبيرة نزلت في صحار، وتقدمت حتى مسقط . ولهذا فقد أصدر العلماء فتوى تصادر بموجبها ممتلكات سيف . وحاول الامام الجديد سلطان بن مرشد مواجهة الفرس في مواقع ، مختلفة ، غير أنه جرح ثم توفي في صحار،وبعد أيام من وفاته مات سيف الصغير موتا طبيعيا في قلعة الحزم . وهنا عادت عمان ثانية الى وضع يشبه الوضع الذي ساد قبل دولة اليعاربة ، حيث فقد العمانيون كل أشكال العصبية ، وكان هذا هو النهاية الفعلية لحكم اليعاربة ، وسيطر الفرس على معظم الأراضي العمانية حتى طردوا منها على يد الامام أحمد بن سعيد عام 1748. خاتمة إن الدولة اليعربية هي نموذج رائع على تطبيق نظرية ابن خلدون في قيام الدول وانهيارها وكانت القوة المحركة لنشوشها مزيجا من العصبية الدينية والعرقية ، وتوسعت هذه الدولة خارج حدود عمان الجغرافية لمواجهة ظروف اقتصادية . ومثل كل الدول التي درسها ابن خلدون فإن الدولة اليعربية قد مرت بالمراحل الخمس التي وصفها فالمرحلة الأولى بدأت بانتخاب الامام ناصر بن مرشد واستمرت حتى وقت قصير تلي تحرير مسقط في عام 1650. أما المرحلة الثانية فبدأت في أواسط العقد الخامس من القرن السابع عشر ، وفيها تم بناء الدولة على أساس مؤسسي ، وبدأت المرحلة الثالثة في أواخر ثمانينات القرن السابع عشر حين بدأ العمانيون يجنون شمار توسعهم واستمرت حتى بداية القرن الثامن عشر ، حين دخلت الدولة اليعربية المرحلة الرابعة التي يصبح فيها الحاكم أقل طموحا ومغامرة وكانت هذه المرحلة قصيرة زمنيا ، خلفتها المرحلة الخامسة التي ضعفت فيها العصبية ضعفا عظيما، أدى الى هرم الدولة وأمست البلاد فيها ضحية للاحتلال الخارجي الذي أدى الى سقوط دولة اليعاربة . المراجع 1 - ( 1980) حصاد ندوة الدراسات العمانية . مسقط : وزارة التراث القومي والثقافة . 2- ( 1995) عمان في التاريخ لندن : دار امبيل . 3- ابن خلدون ، عبدالرحمن (1996) المقدمة دمشق شركة ابناء شريف الانصاري للطباعة والنشر والتوزيع . 4 - الجابري ، محمد (1992) العصبية والدولة . بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية . 5- السالمي ، عبدالله ( ) . تحفة الأعيان ، مسقط مكتبة الاستقامة . 6- سلامة ، عسابي (1987)، المجتمع والدولة في المشرق العربي، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية . 7- سلوت ، ب (1993). عرب الخليج . ابوظبي: المركز الثقافي . 8- السيار ، عائشة (1975) . دولة اليعاربة في عمان وشرق افريقيا. بيروت : دار القدس . المراجع الأجنبية: 10 . Bhacker, M. (1996). Trade and Empire in Muscat and Zanzibar, London: Routldege. 11 . Ibn Raziq. S. (1993): Imams and Sayyids of Oman, London: Dar Publicatcn Limited. 12 . Khory, P. A.K.J. (1990): Tribes and State Formation in the Middle East, New Jersy: Princetion University Press. 13 . Loriner, J. (19I5): Zazettreer of Persian Gulf, Oman and Central Arabia (vol. 1, part 1). Calcutta Superiuteudent Government Printing. 13 . Miles,(1966): The Countries ,'ind Tribes of the Persian Gulf, London, Frsink Cat? & Co. Ltd. 14 . Risso, P. (1986): Oman and Muscat, New York: St. Martin Press. 15 . Sharriff, A. (1987): Slave, Spice & Ivory, London: 16 . Sirhan , S. (1984): Annals of Oman 11728, New York; the Oleander Press. 17 . Wilkinson, J. (19S7): The Imamate Traditions of Oman, Cambridge Unversity Press.
|
| |
الخميس، 1 أكتوبر 1998
ترجمة لدراسة عن الدولة اليعربية في عمان
الأربعاء، 1 يوليو 1998
نظرات جديدة في الاستعارة والترجمة
| تعتبر مسالة الاستعارة من أهم المسائل التي شغلت الترجمة بجناحيها النظري والتطبيقي. وقد إن هدفنا الأساسي في هذا المقال هو استعراض بعض الآراء الحديثة في موضوع «ترجمة الاستعارة» ساعين من خلال هذا الاستعراض الى تبيان ربط هذه الآراء بالتطورات في دراسات الاستعارة والتطورات في حقول اللسانيات الأخرى، وسنقتصر في استعراضنا هذا على بعض الدراسات التي ظهرت في عقد التسعينات فقط، ويعكس هذا الانتقاء سعينا نحو ابراز ما استجد من آراء واطروحات في الموضوع. ولكننا نرى أنه ينبغي علينا قبل أن نعرض لهذه الدراسات أن نقدم استعراضا موجزا للخلفية النظرية في موضوع الترجمة والاستعارة، ذلك أن معظم الدراسات الحديثة ترتبط ارتباطا عضويا بما سبقها من دراسات تأسيسية للموضوع. ظهرت قضية مشكلة الاستعارة في الترجمة في ميدان البحث الحديث على يد داجوت كما أشرنا في بداية هذا المقال (1). ونظرية داجوت في ترجمة الاستعارة تعتمد أساسا على منظوره لماهية الاستعارة والتي هي في نظره كسر للحواجز الدلالية للكلمات، أي أنه قصر الاستعارة على ما يسميه كثير من الباحثين بـ«الاستعارة الأصيلة» (أو ما سماه الامام عبدالقاهر الجرجاني بالاستعارة المفيدة). فقد ربط داجوت بين الاستعارة وبين وقع الاستعارة في نفس القاريء، أو ما يسمى بالتأثير الجمالي لتلك الاستعارة حيث يشعر القاريء من خلال هذا الربط غير المسبوق لدلالتي المستعار والمستعار له بأنه أمام رؤية جديدة لم يتعرض لها من قبل مما ينتج نوعا من التقبل الجمالي لهذا الكسر لقوانين الدلالة اللغوية. أما فيما يتعلق بالترجمة فالأمر ينقسم الى قسمين. الأول يرتبط بما يجب على المترجم فعله. وهنا يرى داجوت أن على مترجم النص الأدبي مهمة أساسية تتمثل في محاولة اعادة انتاج النص في اللغة المترجم اليها على نحو يمكن القاريء في اللغة المترجم اليها من الوصول الى نفس المشاعر الجمالية التي يثيرها النص في القاريء باللغة الأصلية. وهذا يفترض أن داجوت يعمل ما يسمى بالتقابل الدايناميكي dynarnic equivalence الذي طوره يوجين نايدا U. Nida في العديد من دراساته في الترجمة ويفترض هذا المفهوم أن على المترجم أن يقوم بإنتاج مقابل للنص الأصلي في لغة الترجمة بحيث يكون هذا المقابل قادرا على خلق استجابة مشابهة لتلك الاستجابة التي ابداها قاريء النص في لغته الأصلية. أما الأمر الثاني المهم في رؤية داجوت لترجمة الاستعارة فيتعلق بالمشاكل التي تقابل المترجم حينما يواجه استعارة تستعصي على "الترجمة الحرفية". وهنا يطرح داجوت رأيا القائل بأن ترجمة الاستعارة (أي على نحو يتم به خلق تأثير جمالي مشابه) تعتمد على مدى اشتراك لغة الاصل ولغة الترجمة في الجوانب الدلالية والثقافية المشكلة للاستعارة، وهذا يعني أن عدم اشتراك اللغتين في هذه الجوانب يقود الى وضع يسمى في دراسات الترجمة بعدم قابلية الترجمة Untranslatability أي استحالة الترجمة عمليا. دراسات التسعينات ويمكن القول على وجه العموم أن معظم دراسات هذا العقد في الترجمة والاستعارة مازالت ترتكز على دراسة داجوت المشار اليها لكنها تحاول فيما نرى اعتبار تركيزه على الجوانب الثقافية والدلالية المشكلة للاستعارة جانبا واحدا فقط من بين جوانب عدة يجب تحليلها ووضعها في الحسبان. وهنا فإننا سنعرض لست دراسات تناولت الموضوع على نحو مباشر كما يلي: 1- محمد مناصير: ترجمة الاستعارات والعبارات المسكوكة العربية. 2- ألت كروجر: ترجمة الاستعارات في الروايات السردية. 3- فيفن لوكس: الاستعارة وترجمتها. 4- ماري يونج: ترجمة الاستعارة الشعرية. 5- تيريزا دوبرزنسكا: ترجمة الاستعارة مشكلة المعنى. 6- جوديون تروي: المنهج الوصفي. 1- محمد مناصير: التركيز على الجوانب الثقافية والدراسة الأولى التي سنتعرض لها في هذا المقال ظهرت في عام 1992 وتحمل عنوان «الاستعارات والعبارات المسكوكة العربية في الترجمة، وكاتبها محمد مناصير ونشرت في العدد الثالث من المجلد السابع والثلاثين من مجلة «ميتا» المتخصصة في قضايا الترجمة. ويعرف مناصير الاستعارات بكونها تعبيرات محددة تمد قيمها الدلالية خارج مجالها الدلالي الواضح». ويرى أن الاستعارات والعبارات المسكوكة متشابهان لأن كليهما يعتمد على الاستخدام المجازي للغة، ولذا فهما معضلتان يواجهان المترجم. ولأن كاتب النص الأصلي يستغل امكانيات لغته وثقافته في النص وخصوصا في الصور والدلالات المجازية يتحول هذا الاستغلال الى معضلة أمام المترجم، مما يجعل مناصير يتساءل عن المخرج. وهنا يستعرض رأي البعض الذي يرى بأن الاستعارة وسيلة كونية أي تشترك فيها كل اللغات والثقافات ولذا فإن من الواجب ترجمتها حرفيا بينما يرى آخرون أن الترجمة الحرفية تؤدي الى نتائج خالية من أي معنى، ولذا يرى نايدا مثلا أن الاستعارة يجب ترجمتها كـ «غير استعارة». هنا ينصح مناصير مترجم النص العربي بدراسة امكانية تقبل اللغة المترجم اليها للصورة الثقافية التي تحملها الاستعارة. ويعتمد نجاح ترجمة الاستعارة عند مناصير على معرفتنا بالعالم وباللغة المترجم اليها، حيث إن الترجمة الحرفية قد لا تنتج ترجمة مقبولة في كثير من الحالات. وهنا يطرح مناصير عاملا مهما في ترجمة الاستعارة وهو العامل التواصلي أي المحافظة فقط على سمة النص التواصلية وتستوجب هذه سمتين يجب أن يتحلى بهما المترجم وهما المرونة والحساسية بحيث يكون مرنا في تعامله مع اللغة وحساسا بتأثير ترجمته على القاريء في اللغة المترجم اليها. ويضرب مناصير بعض الأمثلة على ملاحظاته حول ترجمة الاستعارة مثل: «تجري الاستعدادات على قدم وساق» فترجمتها الى الانجليزية حرفيا ستنتج جملة خالية من المعنى ويجب انتاج ترجمة تكون مقبولة من القاريء الانجليزي دونما الاشارة الى القدم والساق اللتين لا يوجد لهما مقابل مجازي في اللغة الانجليزية. ومن الأمثلة الأخرى: «قتل الموضوع بحثا» التي لا يفترض أن تحمل ترجمته صورة القتل وانما تكتفي بمعنى الاستعارة مثلما في «درس الموضوع دراسة موسعة». أما الاستعارات ذات الكلمة الواحدة فيعتقد مناصير بأنها أسهل ترجمة مثل: «حبل التفكير» التي يمكن ترجمتها الى الانجليزية أمثل: thread of thought ويلاحظ مناصير أن الصحف العربية مثلها مثل جميع الصحف في كل اللغات تستغل امكانيات الاستعارة لأجل الاثارة مثل: «اشتعلت الجبهة من جديد في الخليج» التي يمكن ترجمتها كما يلي: in the Gulf, the fronts are ablaze once more ويناقش مناصير درجات قابلية ترجمة الاستعارات العربية الى اللغة الانجليزية. فيرى أن اللغة العربية تتميز بمرونتها ويتقبلها للصور من اللغات الاجنبية. وكثير من الكتاب العرب يستخدمون الكثير من الاستعارات ذات المصدر الانجليزي والفرنسي، وبرغم ذلك يشكك مناصير في وجود تقابل تام بين الاستعارات الموجودة في كل من العربية واللغات الأخرى كالانجليزية مثل "الزيارة أذابت الجليد في العلاقات بين الجانبين" فالاستعارة في الأصل انجليزية to break the ice أي «يكسر الثلج» إلا أن العربية تقبلت نفس الصورة تقريبا مع بعض التغيير حيث إن الحياة العربية أكثر تعودا على «إذابة الجليد» وليس "كسر الثلج". وتلخيصا يرى مناصير أن درجة قابلية ترجمة الاستعارة تعتمد أساسا على أهمية الاستعارة في نقل معنى النص. وهنا نلاحظ أن هذه النتيجة مهمة جدا. فعلى الرغم من أن مناصير لم يطور هذا الرأي ولم يحاول التدليل عليه بالأمثلة الا أننا نرى أن هذه الملاحظة تتجاوز مستوى التقابل البسيط الذي يفترض أن الترجمة تنجح اذا استطعنا ايجاد مقابل للاستعارة في اللغة المترجم اليها. فالسمة النصية قد تفتح الباب أمام تقنيات جديدة تعتمد النص كمقياس يقوم عليه مفهوم التقابل في ترجمة الاستعارة. 2- ألت كروجر: المجال الكوني (النصي) للاستعارة الروائية والدراسة الثانية التي سنستعرضها هي "ترجمة الاستعارات في الروايات السردية" من تأليف ألت كروجر من جامعة جنوب افريقيا في جنوب افريقيا. وتقوم فكرة الدراسة عي وجوب اعطاء الاهتمام بالترابط العضوي بين المكونات داخل النص الواحد، وهذه السمة مهمة جدا في حالة الاستعارة التي تشكل أداة تبنى بها الشخصية في العمل الروائي. فإن فشل المترجم في هذا فإن شخصيات العمل المترجم لن تكون صورة حقيقية لشخصيات العمل الروائي الاصلي، وبذا تتأثر الرواية المترجمة بأكملها. والاستعارات التي تستخدمها ألت كروجر في دراستها هي تقنيات مستخدمة في بناء شخصيات رواية كتبت باللغة الافريكانية Fiela se kind لمؤلفها دالين ماتثي Dalence Matthee المنشورة عام 1985 وقد ترجمتها الى اللغة الانجليزية المؤلفة نفسها لتصبر Fiela's Child أو (طفل فايلا). وترجمة الاستعارات الروائية من منظور كروجر يجب أن يسبقها تحليل عميق وفهم للنص الروائي بأكمله، خصوصا الانماط البنيوية لسردية الرواية، وهنا تحاول كروجر طوير نفس الفكرة التي أشار اليها مناصير في دراسته الآنفة الذكر. حيث ترى كروجر أن على المترجم أن يتعامل مع التعابير الاستعارية من منظور النص بأكمله وباعتبارها وسيلة ترتبط بعلاقات عضوية مع تقنيات النص الروائي ومكوناته الاخري التي تحدد بناء الشخصية الروائية. ولهذا تقرر المؤلفة دراسة مقارنة تحاول من خلالها معرفة ما اذا كانت ترجمة ماتثي المؤلف -المترجم قد انتجت وصفا أمينا للشخصيات كما هي في النص الأصلي. ومن أجل دراسة الاستعارة في الترجمة تفترض كروجر ضرورة الاستعانة بنظريات الاستعارة وخصوصا نظرية التفاعل التي طورها جراب Grabe في دراسة بعنوان «السمات المحلية والكونية لعمليات التفاعل في الاستعارة الشعرية» التي نشرها في دورية Poetics عام 1984وفي كتابه «الاستعارة والتفسير» المنشور عام 1985. وهنا ترى كروجر أن من الضروري دراسة الجوانب «الكونية » أي النصانية للاستعارة وليس فقط جوانبها «المحلية» أو النحوية. والفرق بين الاثنين أن النظرة الكونية للاستعارة تأخذ في عين الاعتبار ليس فقط السمات النحوية التي تميز الاستعارة المفردة وانما اعتبار الاستعارة جزءا تتداخل أجزاؤه وترتبط ببعضها مشكلة الكل النصي. والرواية محل الدراسة فإن بناء الشخصية يعتمد على التفاعل الكوني (النصي) بين الاستعارات التي تعكس بيئة النص أو سياقه المتموضع في الحقل والغابة والبحر. ولعل كروجر تشير الى ما أسماه محمد خطابي بالتعالق الاستعاري في النص بحيث تشكل الاستعارات جزءا مهما من أدوات الارتباط النص. وترى كروجر فرقا بين الاستعارات التي تبدو متشابهة كالاستعارة الميتة كقولنا “Man is a wolf" أو (الانسان ذئب) والاستعارة الأدبية الموجودة في الاستعارة “Fiela is an animal” أو (فايلا حيوان) لأن الثانية مرتبطة ارتباطا تفاعليا بالاستعارات الأخرى في نموذج حياة الريف والحقول بهدف بناء شخصية فايلا كامرأة ريفية، ويمكن التدليل على سمتي المحلية والكونية في الاستعارة من خلال تحليل الاستعارة التالية التي تصف فايلا بطلة الرواية: Hulle het jou klaar hokgeiaag, Fiela Komotie (p.48) التي يمكن ترجمتها كما يلي: لقد طاردوك الى القفص فبالاضافة الى سماتها الداخلية كاستعارة منفردة فإن هذه الاستعارة ترتبط ارتباطا وثيقا بالاستعارات الأخرى في النص مشكلة الشخصية الروائية. فجميع الاستعارات تبني شخصية فايلا كامرأة فقدت السيطرة على مجريات حياتها وان الآخرين يتحكمون فيها، فتصفها استمارة أخرى بأنها "مثل حيوان أخرس اقتيد الى القفص، تشعر فايلا ان باب القفص قد أغلق وراءها". ولهذا تشعر بأن انسانيتها انتهكت وهذا ما يفسر وجود هذا الكم من الاستعارات الحيوانية مثل «لقد أدركت فايلا ما كانت تشعر به أمها حينما حلق الصقر فوقها ولم يكن أمامها من مأوى تطلق ساقيها اليه». وعموما ترى كروجر أن الاستعارات التي تستخدمها الرواية تستلهم حياة الحقل مصدرا لها مشكلة شخصية فايلا كفلاحة وامرأة ريفية بسيطة لكنها أبية لا تنقصها الكبرياء، ولأنها غير متعلمة فإن حديثها يأتي بسيطا يعكس البيئة التي نشأت وتعيش فيها. وترى كروجر أن التحدي الذي يواجه المترجم هو الابقاء على ذات الترابط العضوي (أو التعالق الاستعاري كما يسميه محمد خطابي) بين الشخصيات وحديثها والبيئة التي تجد نفسها فيها وتعكسها في حديثها. فقد ترجمت الاستعارة الآنفة الذكر الى اللغة الانجليزية بالصيغة التالية: They have you cornered you already, Fiela Komoetie, she told herself. التي قد يكون مقابلها الحرفي في اللغة العربية التالي: "قالت لنفسها: لقد طوقوك يا فايلا كوموتي" وكما ذكرنا سابقا فإن صورة «القفص» و "الحيوان" جزء من تشكيل شخصية فايلا، ولهذا فإن المترجم بترجمته صورة الحيوان الموضوع في القفص الى صورة «طوقوك» قد أضاع بنموذج حياة الريف التي حاول الراوية خلقها في النص الأصلي متجاهلا بذلك دور تلك الاستعارات في بناء شخصية فايلا كفلاحة بسيطة. وبكلمة أخرى فعل الرغم من أن صورة «التطويق» تعكس دلالة قريبة من الدلالات التي تعكسها صورة الحيوان الموضوع في القفص (دلالة فقدان الحيلة على فعل شيء) إلا أن الايحاءات المتعلقة بانتهاك انسانيتها ويعدم احترام كبريائها كإنسانة قد تم تجاملها من قبل المترجم. وهذا التجاهل كان من الممكن حله لو أن المترجم أبقى على نفس صورة «القفص» و«الحيوان المطارد». ونفس المشكلة تظهر في ترجمة الاستعارة التالية: Hulle was haar aan die vaskeer والتي تقابل حرفيا في العربية: مثل حيوان اخرس سيق الى القفص فقد ترجمت في اللغة الانجليزية الى: They were driving her into a corner والتي تقابل في العربية: كانوا يحاصرونها فقد تجاهلت هذه الترجمة صورة الحيوان المطارد الى القفص، وهذا التجاهل ذو أهمية لأن هذه الصورة ترتبط عضويا في السياق الكوني النصاني، لأنها تساعد في بناء شخصية فايلا كامرأة أفقدت انسانيتها وتحولت الى حيوان. ومما تأسف له كروجر أن معظم الاستعارات قد تم تغيير صورتها في الترجمة أو أنها قد حولت الى المعنى دون الاحتفاظ بالصورة الأصلية ذات الأهمية في بناء الشخصية الروائية. فالاستعارات التي تنطق بها فايلا في الترجمة الانجليزية لا تعكس أي شيء عن بيئة النص وأهمية تلك البيئة في بناء الشخصية الروائية، وهذا الفشل يوجد أيضا في الاستعارات التي تأتي على لسان الشخصيات الأخرى في الرواية. وتخلص دراسة كروجر الى حقيقة مفادها أن الترجمة "الخاطئة" للاستعارة قد يكون لها عواقب دلالية وتواصلية تتجاوز الاستعارة المفردة لتمس بعض أركان العمل الأدبي كبناء الشخصية في الرواية وهذا ما يؤثر على تقبل القاريء للعمل الروائي المترجم ونجاح هذه الترجمة. والنتيجة التي توصلت اليها كروجر مهمة جدا ويجب على منظري الترجمة تطويرها من حيث دراسة روايات أخرى من لغات أخرى كاللغة العربية التي تنقصها مثل هذه الدراسات إضافة الى دراسة أنواع أدبية أخرى غير الرواية كالشعر والمسرح حيث قد تظهر عوامل أخرى تنبع من خصوصية بنية النص الشعري أو المسرحي لها تأثير مهم في تعامل المترجم مع الاستعارة، اضافة الى الجانب النظري فإن هذه النتيجة ذات أهمية بالنسبة للمترجمين أنفسهم بحيث لا يعفون بالتعامل مع الظاهرة اللغوية كالاستعارة في ذاتها وانما بربطها بالمستويات الأخرى من التعبير اللغوي كالنص وبنيته الكبرى. وهنا نشير الى عبرة أخرى نستفيدها من دراسة كروجر وتتعلق بالعلاقة بين المترجم والمؤلف فهناك اعتقاد سائد أن افضل مترجم للنص (الأدبي خصوصا) هو مؤلفه ذاته ان تمكن من لغة الترجمة، وهو ما أظهرت هذه الدراسة عدم صحته من خلال دراسة الكيفية التي ترجمت بها الاستعارة وتجامل (أو جهل) المؤلف. المترجم للارتباط العضوي في النص. 3- فيفين لوكس: عودة الى الاستعارة المفردة والدراسة الثالثة التي سنستعرضها هنا هي لنيفين لوكس E. Vivienne Lux عنوان "الاستعارة وترجمتها" والقاها في مؤتمر FIT الدولي للترجمة الذي انعقد في مدينة برايتون البريطانية في الفترة من 6- 13 من أغسطس من عام 1993 تحت شعار "الترجمة: الحلقة الحيوية" Translation- the Vital Link وتنقسم دراسة لوكس الى خمسة أقسام. يناقش القسم الاول من الدراسة تعريف مصطلح Metaphor يقابله مفهوم «الاستعارة» في اللغة العربية. ويرى أن هذه الكلمة مستمدة من الكلمة الاغريقية metaphora المكونة من شقين: Meta الذي يعني "فوق" وpherein الذي يعني "يحمل" وبذا فإن الدلالة الاصلية لكلمة metaphor هي دلالة استعارية في ذاتها كما يقول لوكس. وفي القسم الثاني من الدراسة يناقش لوكس الكيفية التي تجعل من الاستعارة أمرا أساسيا في الفكر واللغة حيث ان الاستعارة تسوغ القدرة الادراكية للمتحدثين وهي أيضا مصدر تتجدد به اللغة بسبب ربط الكلمات بدلالات جديدة لم ترتبط بها من قبل. أما في القسم الثالث فيحاول لوكس الاجابة على تساؤل حول سبب كون الاستعارة مشكلة مركزية في الترجمة. والمشكلة في رأيه تكمن في أن الاستعارة غامضة طبعها وتحمل في العادة استخداما ابداعيا شخصيا للغة يرتبط في العادة بثقافة اللغة التي انتجت فيها الاستعارة. ثم يتساءل في القسم الرابع حول تطور الرؤية المعاصرة للاستعارة، فيستعرض آراء الكلاسيكيين مثل أرسطو ورأيه الشهير في الاستعارة الذي ينزلها منزلة عليا بحيث تكون "رمز العبقرية" مرورا بالقرون الوسطى والرومانتيكيين الذين اعتبروا الاستعارة وسيلة لاكتشاف العالم وأهميتها التخيلية والعاطفية، بحيث اعتبروها مركز اهتمامهم، حتى العصر الحديث وريتشاردز الذي اعتبر أن اللغة والاستعارة خصوصا هي مصدر وجود الحقيقة (أي الفكر يعتمد على اللغة)، ولاكوف وجونسون اللذان شككا في وجود مفاهيم إدراكية ذات طبيعة غير استعارية. وفي القسم الأخير من دراسة لوكس القصيرة يتناول كيفية ترجمة الاستعارة، ويحدد حديثه بالاستعارة الأصيلة في النصوص الأدبية وغير الأدبية. فيرى أن من الصعوبة تعريف الاستعارة الأصيلة لأن ما هو استعارة أصيلة اليوم قد يصبح تعبيرا مستهلكا بعد أن يتكرر استخدامه وتلوكا الألسن. ويرى لوكس أن القانون الذي يمكن للمترجم اعماله في ترجمة الاستعارة هو «كلما ابتعد النص الأصلي من الاستخدام العادي وكلما ازدادت اهمية النص، استوجب انتاج ترجمة قريبة من الأصل. كذلك تظهر الاستعارات في النصوص غير الأدبية كالنصوص الاقتصادية كما في الصحافة المختصة في الأمور الاقتصادية. وتظهر مشكلة الترجمة حينما يكون مفهوم معين مفعل في الاستعارة ذو خصوصية محلية وتكون مرتبطة بثقافة لغة الأصل. كما تظهر الاستعارة المستمدة من الأدب في النصوص غير الأدبية كايحاء أدبي لتشكيل وسيلة مختصرة لتلخيص وضع معقد. ويعتمد هذا على اعتقاد مسبق مفاده أن فهم الاستعارة لن يصعب على القاريء وهذا ما يسبب مشكلة حينما تترجم الاستعارة الى لغة أخرى. يخلص لوكس في دراسته الى حقيقة مفادها أن كل حالة استعارة يجب دراستها على نحو منفرد في سياقها الخاص بها، وان كل ما يمكن للمترجم فعله يتمثل في أن يكون على بينة من أنه قد أخذ كل العوامل في حسبانه ووزنها بحرص قبل أن يصل الى قراره في شأن ترجمتها. ومن الجلي أن دراسة لوكس تضيء بعض جوانب مسألة الاستعارة والترجمة لكن النتيجة التي توصلت اليها تثير بعض التساؤل. فقولا أن كل استعارة يجب أن تدرس منفصلة في سياقها الخاص يثير تساؤلين مهمين في رأينا. يتمثل التساؤل الأول حول سمة من سمات البحث العلمي النظري. فالنظرية كما هو معروف لدى جل الباحثين في كل الحقول تتعلق بالمشترك والعام وليس بالاستثنائي. أي أن كل نظرية يجب أن تسعي الى كشف القوانين العامة التي تحكم الأشياء، وهذا يتناقض مع رأي لوكس في التعامل مع كل استعارة على حدة. إن هذا الرأي يفترض أنه لا توجد قـوانين عامة تنظم مسألة الترجمة والاستعارة وأن الأمر محض حالة فردية خاصة بكل استعارة. (2) أما التساؤل الثاني فيتمثل في المستويات العليا للاستعارة. فلوكس يتعامل مع الاستعارة المفردة وبذا يقع في نفس مشكلة الدراسات الأول كما أشرنا سابقا، حيث اشارت الدراسات الحديثة مثل دراسة كروجر السابقة الذكر ان الاستعارة تقع في فضاء النص الموجودة فيه وان التعامل معها يجب أن يكون في إطار يضعها في ترابط عضوي ومتفاعل مع العناصر الأخرى في النص ذاته. اضافة الى أن الاستعارة ترتبط تناميا باستعارات أخرى خارج إطار النص كما أشرنا في دراسة سابقة لنا.(3) 4- ماري يونج: ترجمة الاستعارة الشعرية والانساق المتعددة والدراسة التالية التي سنتعرض لها هي رسالة دكتوراة في الموضوع تحت عنوان «ترجمة الاستعارة الشعرية: استكشافات في عمليات الترجمة » من اعداد ماري مان _ يي فونج، وقد قدمتها الباحثة في عام 1994 في جامعة ورك البريطانية. والدراسة كما يشير العنوان تتعلق بالاستعارة الشعرية والعوامل المؤثرة في ترجمتها. وترى فونج ان الاستعارة تتكون من عناصر لغوية وغير لغوية. فالاستعارة فيما هي تعبير عن تصور ذهني تكون مرتبطة ارتباطا وثيقا بنظام اللغة الأصلية. والتجربة الحياتية المستمدة منها الاستعارة مرتبطة أيضا بالنظم الاجتماعية. الثقافية اضافة الى النظام الأدبي في اللغة الأصلية. ويتم تقبل الاستعارة من قبل قارئها في لغتها الأصلية من خلال التقبل الذهني لها إضافة الى قدرة هذا القاريء اللغوية والثقافية. ويعتمد تفسير الاستعارة على تعرض القاريء اضافة الى تطور المجتمع الذي يعيش فيه. وتلعب العوامل الشخصية مثل المهارة اللغوية والأدبية والتجربة الحياتية دورا مهما في تفسير الاستعارة اضافة الى العوامل العامة التي تحكم تقبل المجتمع باسره لهذه الاستعارة. أما في شأن الترجمة فتقول يونج في قسم بعنوان Translataibility أو "قابلية الترجمة" ان القابلية المطلقة للترجمة أو عدمها محكوم بـ "البيئة التاريخية والاجتماعية للاداء الحقيقي، حيث إن عددا من العوامل مثل التعرض الشخص للمترجم، واتجاه مرحلة تطور اللغة المترجم اليها وثقافتها والاتصال بين النظم المتعددة polysystems للغة الأصلية ولغة الترجمة لها تأثير حاسم في قابلية الترجمة" (ص 288: ترجمتنا) وهنا تتفق الباحثة مع ارمين بول فرانك Armin Paul Frank الذي يرى أن "قابلية الترجمة مفهوم تاريخي: وهو مفهوم نسبي للترجمات التي انتجت في الواقع". وترى فونج إن ما يحدد قابلية الترجمة هو ما اذا كانت الاستعارة المترجمة تحقق المتطلبات الكونية في النص الأدبي، أي أنها تقيم علاقات مناسبة في كل المستويات المهمة في النص الأدبي المترجم. ومن خلال الأمثلة التي درستها الباحثة تخلص الى نتيجة مفادها ان الاستعارات تغدو قابلة للترجمة حينما تتشابه المفاهيم الاستعارية الاساسية في النظم الثقافية واللغوية في لغة الأصل ولغة الترجمة. أما فقدان القابلية للترجمة فيحدث حينما يفشل المترجم في تجاوز العقبات والقيود التي تفرضها عليه النظم المختلفة المتعلقة بالاستعارة، وهكذا كلما قلت تلك القيود زادت قابلية الترجمة والعكس صحيح. وتناقش فونج جانبا مهما من جوانب قضية ترجمة الاستعارة وهو ترجمة الاستعارات الابداعية الأصيلة (novel metaphors) رأي الباحث الألماني كلوفر Kloephfer الذي رأى انه كلما زادت أصالة الاستعارة وقيمتها الابداعية زادت قابليتها للترجمة الحرفية (أي نقل الصورة الموجودة في اللغة الأصلية). وهنا ترى فونج ان دراستها قد توصلت الى نتيجة مغايرة فقابلية الترجمة في رأيها لا تعتمد على "حداثة" الاستعارة واصالتها وانما على القيود التي تفرضها الاستعارة وامكانية تجاوز هذه القيود. وان الاستعارة الحديثة المرتبطة بابداع لغوي صعبة الترجمة. وتتوصل فونج الى نتيجة يجب التوقف عندها وهي انه رغم امكانية الترجمة الحرفية للاستعارة (أي نقل الصورة الأصلية كما هي الى لغة الترجمة) فإن ذلك لا يعني ان الاستعارة سيكون لها نفس الفضاء اللغوي والثقافي كما هو في لغة الأصل وذلك انطلاقا من مفهوم تعدد النظم الذي أشرنا اليه سابقا. فالنظم لا محالة تكون مختلفة بين لغة الأصل ولغة الترجمة، وهذا يستدعي أن أي ترجمة لأي استعارة يستحيل أن تكون مساوية تماما للاستعارة الأصلية. (طور الفكرة.) وبتلخيص ترى فونج أن ترجمة الاستعارة الشعرية تتجاوز الترجمة بمعناها البسيط المتصل في ايجاد مقابل لغوي للاستعارة الموجودة في الترجمة حيث إن هذا رهن بوجود نفس المستويات اللغوية والثقافية. بل إن حتى الحفاظ على نفس الصورة لا يعني نجاح الترجمة لأن الصورة في لغة الأصل مرتبطة بنظم ومستويات لغوية ونصية وثقافية قد لا توجد في لغة الترجمة. نشير هنا الى أن دراسة فونج مهمة جدا نتيجة لاعتمادها على المنهج الوصفي البنيوي الذي يتعامل مع الاستعارة في جميع المستويات المرتبطة بها سواء كانت على المستوى اللفظي أو الدلالي أو النحوي أو النصي أو الثقافي أو اللغوي العام. ونستطيع مطمئنين القول إن دراسة فونج تتجاوز أهميتها الاطار الذي وضعته الباحثة نفسها، فرغم تركيز الدراسة على مفهوم قابلية الترجمة translatability إلا أن ما توصلت اليه الدراسة يتجاوز هذا المفهوم كثيرا حيث يتعامل مع القضية من منظور وصفي يأخذ في الحسبان جميع العوامل المؤثرة في عملية الترجمة وليس في "قابلية الترجمة" فقط وهذا ما يمكن اعتباره نموذجا لما يدعو اليه الباحث المعروف توري كما سنشير لاحقا حينما نستعرض أحدى دراساته الأخيرة في هذا المجال. 5- تيريزا دوبرزنسكا: التركيز على ايحاءات الدلالة الدراسة التي سنستعرضها الآن هي دراسة تيريزا دوبرزنسكا Teressa Dobrzynska تحمل عنوان «ترجمة الاستعارة: مشاكل المعنى» والتي نشرت في عام 1995 في دورية البراجماتية في مجلدها الرابع والعشرين. وكما يتضح جليا من عنوان الدراسة فهي بعكس الدراسات السابقة تركز على مستوى الدلالة من قضية ترجمة الاستعارة. وترى دوبرزنسكا باديء ذي بدء ان الاستعارة تعتبر نموذجا على كل ما تمر به الاشارة اللغوية بشتى أنواعها حينما يتم استخدامها في الخطاب. بمعنى "انه يمكن التعامل مع الاستعارة على أنها تمثل تعقيد التواصل اللغوي بأكمله" (ص 595) غير أنها مع ذلك تقول ان مشاكل الاستعارة يمكن رؤيتها أقصى وضوحا وتحديدها حينما يراد ترجمة التعبير الاستعاري، أي حينما يراد التعبير عن المعنى في لغة أخرى، حيث تعني اللغة الأخرى خلفية ثقافية أخرى ونظاما قيما مختلفا لدى مستمعين أو قراء آخرين. وتفرق دوبرزنسكا بين التعبير الاستعاري والتعابير الخالية من المعنى بسبب ان التعبير الاستعاري هو كسر "مقصود" للحدود الدلالية في حين أن التعابير الخالية من المعنى غير قابلة للتأويل بعكس التعابير الاستعارية. فالاستعارة ذات معنى بالرغم من أن هذا المعنى يتجاوز التقاليد الدلالية في اللغة. والاستعارة (الحية) تختلف أيضا من منظور دوبرزنسكا عما يعرف بالاستعارات الميتة التي لا يشعر فيها القاريء بالصورة المجازية. وتقول دوبرزنسكا ان دراسة الاستعارة ه توفر فرصة ممتازة لتفحص أفضل للفرق بين المعنى غير المتغير في لغة معينة والذي هو موضوع علم الدلالة، في جانب، والعناصر المقابلة المتعلقة بـ "معرفة العالم" التي ترتبط بالبراجماتية في الجانب الآخر" (ص 596). وهنا تربط دوبرزنسكا الاستعارات بالارتباطات والايحاءات الملازمة للفظ كسمة أساسية في الاستعارة. حيث إن "الايحاءات اللفظية" جزء من تمكن المتحدث أو الكاتب وهكذا فهي أمر مشترك لدى جميع المتحدثين المتمكنين في أي لغة، وهذا ما يفسر التلازم بين معنى الاستعارات كما انتجها المتحدث أو الكاتب والمعنى الذي يصل اليه أو يفسره المستمع أو القاريء ورغم ذلك يظل معنى الاستعارة مفتوحا لأكثر من تفسير واحد. إلا أن بعض الاستعارات تظل أسهل تفسيرا من غيرها وهذا يعود في رأي دوبرزنسكا الى "المعرفة المشتركة" بين الكاتب أو المتحدث والقاريء أو السامع، فكلما كبرت مساحة المعرفة المشتركة بينهما سهل الوصول الى معنى الاستعارة أما اذا ضاقت مساحة هذه المعرفة الى حد انها تتحول الى محض افتراض فيصعب الوصول الى معنى الاستعارة. وفي رأي دوبرزنسكا فإن صعوبة تفسير الاستعارة تتجل أكبر ما تتجل ني حالة الترجمة حيث تتجاوز الاستعارة حدود مجتمع متميز بثقافة معينة، وتنتج الصعوبة هنا من حقيقة ان الكاتب أو المتحدث ليس لديه الا معرفة غامضة بسيطة حول الحقول الدلالية الايمائية لدى القاريء أو السامع. وتظهر المشكلة أيضا حينما تقوم الدلالة الاستعارية من ارتباطات مسكوكة من النوع الايمائي اللفظي، حيث تكون هذه الايحاءات معروفة لدى متحدثي لغة الأصل لكنها لا توجد لدى متحدثي اللغات الأخرى. فما الحل في مثل هذه الحالات حينما تعجز الترجمة عن نقل الاستعارة من لغة الى أخرى جراء الاختلافات في الحقول الدلالية بين كل من الكاتب والقاريء وبين لغة الأصل واللغة المترجم اليها؟ ترى دوبرزنسكا أن على المترجم أن يختار خيارا واحدا من بين ثلاثة خيارات. أول هذه الخيارات هو أن يختار المترجم المقابل الدقيق للاستعارة الأصلية (استعارة ï استعارة)، أو ان يستخدم عبارة استعارية تحمل معنى العبارة الاستعارية نفسه (استعارة 1 ï استعارة 2)، أو انه يحل محل الاستعارة مقابلا تفسيريا حرفيا (استعارة ï شرح). وهنا ترى دوبرزنسكا أن "اختيار التكتيكات الترجمية يجب أن يعتمد على نوع النص المترجم والوظيفة التي يفترض ان يؤديها لجمهوره الجديد في سياقها التواصلي الجديد" (ص 599)، مع ملاحظة ان الطريقة الأول لا يمكن اعتبارها افضل الطرق حيث قد ينتج عنها استعارة غير ذات معنى في اللغة المترجم اليها النص، إلا اذا اشتركت اللغتان في ايحاءات الألفاظ. 6- جوديون توري: ضرورة المنهج الوصفي الملاحظات الاخيرة في الاستعارة والترجمة التي سنتعرض لها هذا المقال هي لباحث جوديون توري وابداها في كتابه "Desciptine Tramslation Studies and Beyond" أو (الدراسات او صفية في الترجمة وما بعدها). فيتحدث في الفصل الثالث والذي يحمل عنوان "تشكيل منهج لدراسات الترجمة" عن فرق بين موقفين متضادين في دراسة الترجمة هماالموقف التوقعي "المستقبلي" (prospective) والموقف الارجاعي "الماضوي" (retrospective) ويمثل على هذا الفرق بالنظرة لدى كل منهما للاستعارة "لأنها قد قدمت في العادة على أنها ضرب من الامتحان النهائي لنظرية الترجمة" (ص81). ويلاحظ توري أن طبيعة الاستعارة كمشكلة في دراسات الترجمة قد تم تأسيسها من زاوية "النص الأصلي" باعتبار ان الاستعارات مواد من النص الأصلي يجب أن يبقى عليها في النص المترجم. وتقوم هذه الرؤية على معايير لغوية كما هي عند نيومارك وداجوت، ومعايير نصية ولغوية معا كما هو عند آخرين. وهنا ينتقد توري الدراسات السابقة انها تعاملت مع الاستعارات المفردة بدلا من أن تتعامل مع "كل منظم". اما بالنسبة للتعميمات التي توصل اليها الباحثون السابقون (مثل الحلول التي طرحتها دوبرزنسكا في الدراسة التي عرضناها سابقا) فلا تعكس أبدا الانتظامات (regularities)الموجودة في الاستعارات التي تعرضت لها الدراسات السابقة، فعل عكس ذلك تم التعامل مع الاستعارات من خلال «فلتر» مسبق يحدد الجيد والسيىء في ترجمة الاستعارة، وهذا في رأي توري هو الذي جعل الباحث في موقع الـ "أكثر معرفة وعلما" بشأن الاستعارة والترجمة من المترجم الذي درسه هذا البحث. ويلاحظ توري انه من النادر ان تم التركيز على الحلول «كما هي موجودة في الواقع» دون تحديد معايير مسبقة واحكام تقييمية مسبقة. ولم يحدث مطلقا أن تعامل الباحثون السابقون مع الاستعارة من منظور ما قام به المترجمون من اخلالات للاستعارات الموجودة في اللغة الأصلية. ويلاحظ توري أيضا أن الاخلالات التي أسسها الباحثون السابقون في مسالة ترجمة الاستعارة يمكن تقسيمها الى ثلاثة أنواع كما يلي: 1- الاستعارة الى الاستعارة "نفسها" 2- الاستعارة الى استعارة "مختلفة" 3- الاستعارة الى لا استعارة ويتجاهل الباحثون احتمالا آخر ينبع من الرؤية القائمة على النص الأصلي وهي: 4- الاستعارة الى الصفر (أي الحذف الكامل للاستعارة وعدم الابقاء على شيء منها في النص الأصلي). وهذا التجاهل لا ينبع في رأي توري بسبب انه غير محتمل أو غير موجود في الترجمة الواقعية بل لأن الباحثين يرفضون اعطاء شرعية لحذف الاستعارة كلية، الا في حالة الاستعارات غير المهمة أو تلك الموجودة في النصوص غير المهمة. ويرى توري أنه حتى حينما نقيم آراءنا على أساس النص الأصلي فلا يوجد ما يضمن ان وجود استعارة في النص الأصلي يوجب التعامل معها كوحدة واحدة سواء أكان من خلال ترجمتها باستعارة كما في الحلين ( 1) و (2)، او بحل غير استعاري كما في (3)، أو حتى بعدم ترجمتها على الاطلاق مثلما هو الحال في الحل الذي يقترحه توري ( 4). أما دراسة الترجمة من منظور النص المترجم فقد تؤتي بثمار مختلفة في ميدان دراسات الترجمة، ففيما يتعلق بالاستعارة الموجودة في النص المترجم وليست تلك الموجودة في النص الأصلي،أي منظور الحل الموجود الذي اتخذه المترجم وليس على أساس المشكلة كما هو منظور النص الأصلي، وهنا يقترح توري حالتين كما يلي: 5- لا استعارة الى استعارة 6- الصفر الى استعارة ويرى توري أن المنظور الأشمل للترجمة، أي من منظور النص الأصلي والنص المترجم معا، يؤدي الى الأخذ بعين الاعتبار ظاهرة «التعويض» في الترجمة وهو ما كان سيستحيل على دراسات الترجمة ملاحظته لو كانت الاحتمالات الأربعة هي فقط التي يسمح بها في النظام الوصفي للترجمة. ويضيف توري ان الاحتمالين الأخيرين ( 4) و( 5) قد يثيران افتراضات تفسيرية أخرى، فقد يلاحظ أن بعض الاستعارات الأصلية يقل استخدامها في لغة الترجمة، ليس بسبب الصعوبات الناتجة عن اللغة الأصلية أو الفروقات بين لغة الأصل ولغة الترجمة فقط، بل بسبب عوامل مرتبطة بالنص المترجم ذاته. خلاصة نخلص من الاستقراء السابق لبعض الدراسات التي ظهرت في عقد التسعينات الى الاستنتاجات التالية: 1- يلاحظ من خلال استعراضنا السابق أن الدراسات في موضوع الاستعارة والترجمة قد تجاوزت محدودية الدراسات المبكرة في الموضوع. ومعنى هذا أن الدراسات المبكرة مثل دراسة داجوت (1976) ونيومارك (1980) قد تمحورت حول الاستعارات المفردة، أي رؤية الموضوع من خلال امكانية ترجمة الاستعارة المفردة المنفصلة عن مستويات السياق العليا كالنص والسياق الثقافي الأكبر والعوامل المؤثرة على الترجمة مثل العامل اللغوي والعامل الثقافي اللذين تحدث عنهما داجوت، والعامل الكوني الذي اقترحه نيومارك. أما دراسات التسعينات فحاولت الخروج من مطب الاستعارة المفردة فحاولت توسيع دائرة الاستعارة لتشمل الجغرافيا النصانية التي توجد فيها الاستعارة. فإشارة مناصير الى وظيفة الاستعارة في تكوين معنى النص، وتركيز كروجر على المستوى "الكوني" أي النص للاستعارة، والمستويات الكبرى التي تحدثت عنها فونج كلها تدل على تحرك نحو تجاوز التعامل مع الاستعارة كوحدة منفصلة عن المستويات الأخرى باتجاه الاهتمام بالمستويات العليا للاستعارة. وهنا نشير الى أن الدراسات في الموضوع في مرحلة تحول، وان التعامل الأشمل مع الاستعارة لم يظهر في رأينا حتى الآن، والدليل على ذلك وجود بعض الدراسات التي مازالت ترى أن على المترجم أن يتعامل مع كل استعارة على حدة مثلما يرى لوكس مثلا، وتمحور دوبرزنسكا حول المفهوم القديم للايحاءات التي تستثمرها الاستعارة في النص. 2- نرى أن هنالك مدى يمكن للباحث في الموضوع أن يصل اليه مستغلا ما يوجد حاليا من تطورات سواء في مجال الاستعارة أو المجالات الأخرى كلسانيات الخطاب واللسانيات الادراكية ودراسات الترجمة ذاتها. فإذا كانت الدراسات في الموضوع قد تحركت فعلا إلا أن هذه الحركة ليست فيما نرى بالمستوى الذي بالامكان الوصول اليه. واستطيع أن أشير هنا الى بعض التطورات في بعض الميادين التي يمكن للدراسات حول الاستعارة والترجمة الافادة منها: - دراسات الاستعارة: النظرية المعاصرة للاستعارة كما طورها لاكون وجونسون وترنر (3) التي ترى ان الاستعارة عملية ذهنية وأن ما نتعارف عليه بالاستعارة ليس إلا تعبيرا لغويا عن الاستعارة الذهنية. وهنا يمكن لدراسات الترجمة ان ترى كيف يمكن التعامل مع الاستعارة الذهنية من منظور الترجمة. بمعنى ان كانت الاستعارة أمرا ذهنيا وان اللغة ليست الا تعبيرا عن الذهن، فكيف يمكن أولا تحديد مشكلة الاستعارة في الترجمة، وكيف يتعامل المترجمون مع الاستعارة، أي هل تنتقل عبر الاستعارة مفاهيم ذهنية من لغة معينة الى لغة أخرى، أم أن الترجمة ليست إلا عملية احلال لتعابير لغوية موجودة ومتقبلة في لغة الترجمة بمعنى هل الترجمة ذهنية أم لغوية فقط ؟ - دراسات الترجمة: تطورت نظرية الترجمة في العقدين الأخيرين تطورا كبيرا يمكن الافادة منه في المباحث التي تتعرض للترجمة والاستعارة، فدعوة توري الى المنهج الوصفي في غاية الأهمية في هذا المجال. كذلك فإن دعوة كثير من الباحثين وخصوصا الالمان منهم الى الاهتمام بغرض الترجمة مهم جدا، حيث يمكن للباحث مثلا أن يدرس الاستعارة وارتباطاتها وعلائقها في النص الأصلي، ويقارن ذلك بوضع الاستعارة في النص المترجم، باعتبار الأخير نصا قائما في ذاته له مبررات وجود تختلف عن مبررات النص الأصلي في لغته الأصلية، ويمكن التركيز هنا على التفاعل بين غرض الترجمة ووضع الاستعارة فيها. كذلك يمكن للباحث أن يستفيد من تطور آخر في دراسات الترجمة وهو النظر الى الترجمة من ناحية ايديولوجية، من حيث ارتباط وضع الترجمة في ثقافة معينة بالوضع العام في تلك الثقافة، حين يستخدم النص المترجم لأغراض لا ترتبط بالترجمة ذاتها بل بالوضع الاجتماعي ومصالح المجموعات المختلفة في تلك الثقافة. الهوامش: 1- طبعا هذا لا يعني ان داجوت هو أول من كتب في هذا الموضوع، حيث سبقه الناقد العربي عبدالقادر الجرجاني الذي اشار الى الاستعارة في الترجمة في كتابه "اسرار البلاغة". 2- انظر العدد الثالث من مجلة «نزوى». 3- انظر كتاب جورج لاكوف ومارك جونسون «الاستعارات التي نحيا بها» وكتاب "نساء ونار واشياء خطيرة" لجورج لاكوف. |
| |